← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

"هذا لي وله ما بقي". وهذا غريب من هذا الوجه (٤١). ثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة [¬١]، من وجوه: (أحدها) أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: بقراءتك، كما جاء مصرحًا به في الحديث [¬٢] الصحيح عن ابن عباس (٤٢)، وهكذا قال في هذا الحديث: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل" ثم بين [تفصيل [¬٣] هذه القسمة] [¬٤] في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة [¬٥] القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها، إذ [¬٦] أطلقت العبادة وأريد بها [¬٧] جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ والمراد صلاة الفجر، كما جاء مصرحًا به في الصحيحين (٤٣) من أنه يشهدها [¬٨] ملائكة الليل وملائكة النهار، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل [¬٩] يتعين للقراءة في الصلاة [] [¬١٠] فاتحة الكتاب أم تجزئ هي [أو غيرها] [¬١١]؟ على قولين مشهورين: فعند أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله ﷺ قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدلَّ على ما قلنا [¬١٢].

стр. 247

(والقول الثاني) أنه يتعين [¬١] قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال -صلوات الله وسلامه عليه-: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج" والخداج هو الناقص كما فسر [] [¬٢] في الحديث ["غير تمام"] [¬٣]. واحتجوا أيضًا بما ثبت في الصحيحين (٤٤) بن حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة لمن لم [¬٤] يقرأ بفاتحة الكتاب". وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة (٤٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأمّ القرآن". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى [مأخذهم في ذلك] [¬٥]، ﵏. ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة. وقال آخرون: إنما [¬٦] تجب قراءتها [¬٧] في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها [¬٨] في ركعة واحدة من الصلوات [¬٩] أخذًا بمطلق الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحه الكتاب". وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين [¬١٠] قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا [¬١١] مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [كما تقدم] [¬١٢]، والله أعلم.

стр. 248

وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها" (٤٦). وفي صحة هذا نظر، وموضع [¬١] تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير، والله أعلم. (والوجه الثالث) هل تجب [¬٢] قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها) أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة. (والثاني) لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها لا في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٤٧) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة"، ولكن في إسناده ضعف. ورواه مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه (٤٨) وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي، ﷺ ، والله أعلم. (والقول الثالث) أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا تجب في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم (٤٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 249

"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا". وذكر بقية الحديث. وكذا رواه أهل السنن (٥٠) أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "وإذا قرأ فأنصتوا". وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضًا (٥١)، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قولٌ قديمٌ للشافعي ﵀ ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٥٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا غسان بن عبيد، عن

стр. 250

أبي عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت". [الكلام على] [¬١] تفسير الاستعاذة [وأحكامها] [¬٢] قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فهذه ثلاث آيات ليس لهنّ رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدوّ الإنسي والإحسان إليه؛ ليردّه عنه [¬٣] طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة [¬٤] والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدوّ الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له [¬٥] لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قالت طائفة من القرّاء وغيرهم: يتعوّذ [¬٦] بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا [¬٧] عنه وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتابه "الكامل"، وروي عن أبي هريرة أيضًا وهو غريب، [ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.

стр. 251

وحكى القرطبي (٥٣)، عن أبي بكر بن العربي، عن المجموعة، عن مالك ﵀ أنّ القارئ يتعوّذ بعد الفاتحة. واستغربه ابن العربي (٥٤)!. وحكى قولًا ثالثا وهو الاستعاذة أوّلا وآخرًا جمعًا بين الدليلين، نقله الرازي] [¬١]. والمشهور الذي عليه الجمهور أنّ الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الوساوس فيها، ومعنى الآية عندهم ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت القراءة كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ﴾. الآية] [¬٢]. أي إذا أردتم القيام، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك. قال الإمام أحمد بن حنبل (٥٥) ﵀: حدثنا محمد بن الحسن [بن أتش] [¬٣]، حدثنا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: "سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إله غيرك- ويقول: لا إله إلا الله -ثلاثًا- ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه [ويقول اللَّه أكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه] [¬٤] ".

стр. 252

وقد رواه أهل السنن الأربعة (٥٦) من رواية جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، وهو الرفاعي. وقال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر. كما رواه أبو داود وابن ماجة (٥٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه [وعلى آله] [¬١] وسلم حين دخل في الصلاة قال: "الله أكبر كبيرًا -ثلاثًا-[الحمد لله كثيرًا ثلاثًا] [¬٢]، سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه". قال عمرو: همزه الموتة، ونفخه الكبر، ونفثه الشعر.

стр. 253

وقال ابن ماجة (٥٨): حدَّثنا علي بن المنذر، حدَّثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال: "اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه". قال: همزه الموتة، [ونفخه الكبر، ونفثه الشعر] [¬١]. وقال الإمام أحمد (٥٩): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن

стр. 254

رجل حدثه؛ أنه سمع أبا أمامة الباهلي؛ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثًا ثم قال: "لا إله إلا الله". ثلاث مرات و "وسبحان الله وبحمده" ثلاث مرات. ثم قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه". وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (٦٠): حدثنا عبد الله بن عُمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب ﵁ قال: تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتمزع أنف أحدهما غضبًا، فقال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب [¬١] عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (٦١)، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به. وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة عن بندار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي أيضًا من حديث زائدة بن قدامة - ثلاثتهم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى خيل إليّ أنّ أحدهما يتمزع أنفه من شدّة غضبه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب". فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال: "يقول: اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم". قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (٦٢).

стр. 255

وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل فإنه مات قبل سنة عشرين. (قلت): وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدّم، وبلغه عن معاذ بن جبل، فإنّ هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃. قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت؛ قال: قال سليمان بن صرد ﵁: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمرّ وجهه، فقال النبي ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ ؟! قال: إني لست بمجنون (٦٣). وقد رواه أيضًا مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش، به (٦٤). وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال، والله أعلم. وقد روي أن جبريل ﵇ -أوّل ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٦٥): حدَّثنا أبو كريب، حدثنا [¬١] عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ ؛ قال: "يا محمد؛ استعذ" قال: "أستعيذ [باللَّه السميع] [¬٢] العليم من الشيطان الرجيم" ثم

стр. 256

قال: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم" ثم قال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال عبد الله: وهي أوّل سورة أنزلها الله على محمد ﷺ بلسان جبريل. وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليُعرف فإنّ في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم. [مسألة وجمهور العلماء على أنّ الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها، وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة، قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوّذ مرّة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب، واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ وهو أمر ظاهره الوجوب، وبمواظبة النبي ﷺ عليها؛ ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن الاستعاذة أحوط، وهو أحد مسالك الوجوب. وقال بعضهم: كانت واجبة على النبي ﷺ دون أمّته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة ويتعوّذ لقيام رمضان في أوّل ليلة منه. مسألة وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوّذ وإن أسرّ فلا يضر، وقال في الأمّ بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى، هل يستحب التعوّذ فيها على قولين، ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم. فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون: بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية؛ ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدّم أولى بالاتباع من هذا، والله أعلم. مسألة ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة فعلى هذا يتعوذ المأموم، وإن كان لا يقرأ ويتعوذ في العيد بعد الإحرام، وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة. ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطيب له، وتهيؤ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد

стр. 257

بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدوّ المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا اللَّه الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهري البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان. فصل والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي: يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره [لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره] (٦٦) [¬١] ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم [¬٢] أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليردّه طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجنّ؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله تعالى في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا

стр. 258

وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. والشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعُد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: مشتق من شاط؛ لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ﵊: أيما شاطن عصاه عكاه … ثم يُلقى [¬١] في السجن والأغلال [¬٢] فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط. وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب [¬٣] بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان: نأتْ بسعاد عنك نوى شطون … فبانت والفؤاد بها رهين يقول: بعدت بها طريق بعيدة. و [قال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، ولو كان من شاط، لقالوا: تشيط] [¬٤] فالشيطان [¬٥] مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما تمرّد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. وفي مسند الإمام أحمد (٦٧) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 259

وسلم: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن" نقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم". وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "يقطع الصلاةَ المرأة، والحمار، والكلب الأسود". فقلت: يا رسول الله؛ ما بال الكلب الأسود من الأحمر من [¬١] الأصفر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" (٦٨). وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح (٦٩). والرجيم فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، [وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث (٧٠)، والأول أشهر وأصح] [¬٢]. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من [أول] كل سورة كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أول [¬٣] كل سورة، أو أنها [¬٤] كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما [¬٥] كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.

стр. 260

وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس (٧١) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه [¬١] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا، ورُوي مرسلًا عن سعيد بن جبير. وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة (٧٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عنها. وروى له الدارقطني (٧٣) متابعًا [¬٢] عن أبي هريرة مرفوعًا، وروى مثله (٧٤) عن علي وابن عباس وغيرهما، وممن حُكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعلي. ومن التابعين: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول

стр. 261

عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵏. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور. وقال الشافعي في قول في [¬١] بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان. وقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏ (٧٥). هذا ما يتعلق بكونها آية [¬٣] من الفاتحة أم لا. فأما [¬٤] ما يتعلق بالجهر بها فمفرعٌ على هذا، فمن رأى أنها ليست [من الفاتحة] [¬٥] فلا يجهر بها، وكذا من قال: إنها آية من أولها، وأما من قال: بأنها من أوائل السور فاختلفوا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية؛ وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عُمر وعلي، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبي قلابة، والزهري، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، [ومحمد بن عبيد] [¬٦]، وأبي بكر ابن [¬٧] محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن معقل ابن مقرن. زاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار. والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها. وأيضًا فقد روى النسائي في

стр. 262

سننه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما [¬١] (٧٦)، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم. وروى أبو داود والترمذي، عن ابن عباس (٧٧)؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي: وليس إسناده [¬٢] بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس (٧٨)؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه

стр. 263

وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: صحيح. وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك (٧٩)؛ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ . فقال: كانت قراءته مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم. وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابني خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أمّ سلمة (٨٠) ﵂ أنها [¬١] قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقال الدارقطني إسناده صحيح. وروى [الإمام أبو عبد الله] [¬٢] الشافعي ﵀ والحاكم في مستدركه عن أنس (٨١)، أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره [¬٣] من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل. وفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأمّا المعارضات والروايات الغربية وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر. وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهزا ولا سرًّا، واحتجوا بما في صحيح

стр. 264

مسلم عن عائشة (٨٢) ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك (٨٣)؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون [¬١] بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في [¬٢] آخرها، ونحوه في السنن [] [¬٣] عن عبد الله بن مغفل (٨٤) ﵁ فهذه مآخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة [¬٤]، وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسرَّ، ولله الحمدُ والمنَّة.

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 266

فصل في فضلها قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀ في تفسيره (٨٥): حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدَّثنا سلّام بن وهب الجَنَدي، حدَّثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أنّ عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: "هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب". وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن علي بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به. وقد روى الحافظ ابن مردويه من طريقين (٨٦)، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ عيسى بن مريم ﵇ أسلمته أمّه إلى الكتاب ليعلمه، فقال [¬١] له المعلم: اكتب. فقال [¬٢]: ما أكتب؟ قال: باسم الله. قال له عيسى: [وما باسم] [¬٣] الله؟ قال المعلم: ما أدري. قال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته [¬٤]، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة". وقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء [¬٥] الملقب زبريق [¬٦]، عن إسماعيل بن عياش،

стр. 267

عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدّثه، عن ابن مسعود. ومسعر، عن عطية، عن أبي سعيد؛ [قال: قال رسول] [¬١] الله ﷺ … فذكره. وهذا غريب جدًّا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ ، وقد [¬٢] يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات: والله أعلم. وقد روى جويبر (٨٧) عن الضحاك نحوه من قِبَله. وقد روى ابن مَرْدُوَيه من حديث يزيد بن أبي خالد، عن سليمان بن بريدة. وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن [¬٣] بريدة، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "أنزلت عليَّ آية لم تنزل [¬٤] على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي بسم الله الرحمن الرحيم" (٨٨). وروى بإسناده عن عبد الكبير [¬٥] بن المعافى بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذرّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: لما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه (٨٩). [وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود؛ قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله له بن كل حرف منها جُنَّة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي، ووجهه ابن عطية (٩٠) [ونظَّره] بحديث: "لقد

стр. 268

رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها" (٩١). لقول الرجل: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفًا وغير ذلك] [¬١]. وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (٩٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن عاصم؛ قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ ، قال: عُثر بالنبي ﷺ [] [¬٢] فقلت: تَعِسَ الشيطان. فقال النبي ﷺ : "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم وقال: بقوّتي صرعتُه، وإذا قلتَ: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب". هكذا وقع في رواية الإمام أحمد. وقد روى النسائي في اليوم والليلة (٩٣)، وابن مردويه في تفسيره من حديث خالد الحذاء، عن أبي تميمة -وهو الهجيمي [¬٣]- عن أبي المليح بن أسامة بن عُمير، عن أبيه؛ قال: كنت رديف النبي ﷺ فذكره، وقال: "لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل: باسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة [¬٤] ". فهذا من تأثير بركة باسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة لما جاء: "كلُّ أَمرٍ [¬٥] لا يبدأ فيه ببسم الله [الرحمن الرحيم] [¬٦]، فهو أجذم" (٩٤).

стр. 269

[وتستحب البسملة عند دخول الخلاء؛ لما ورد من الحديث في ذلك (٩٥)] [¬١]، وتستحب في أول الوضوء؛ لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن من رواية أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد

стр. 270

مرفوعًا: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٩٦). وهو حديث حسن.

стр. 271

ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا، ومنهم من قال بوجوبها مطقًا، وكذا تستحب عند

стр. 272

الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر، ومطلقًا في قول بعضهم، كما سيأتي بيانه في موضعه [إن شاء الله. وقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث، منها: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إذا أتيتَ أهلك فسمِّ الله، فإنه إن وجد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسناتٌ". وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها] [¬١]. وهكذا تستحب عند الأكل؛ لما في صحيح مسلم؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال لربيبه عُمر بن أبي سلمة: "قل: باسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك" (٩٧). ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع؛ لما في الصحيحين (٩٨) عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "لو أن أحدهم [¬٢] [إذا أراد أن يأتي] [¬٣]، أهله قال: باسم الله، اللهم، جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا". ومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء -في قولك: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ هل هو اسم أو فعل- متقاربان، وكل قد ورد به القرآن، أما من قدره باسم، تقديره (باسم الله) ابتدائي فلقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا [¬٥] وَمُرْسَاهَا

стр. 273

إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومن قدره بالفعل [أمرًا أو خبرًا نحو: ابدأ باسم الله، أو ابتدأت باسم الله] [¬١]، فلقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله، إن كان قيامًا أو قعودًا، أو أكلًا أو شربًا، أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة، فالمشروع ذكر اسم [¬٢] الله في الشروع في ذلك كله تبركًا وتيمُّنًا واستعانة على الإتمام والتقبل، والله أعلم. ولهذا روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ ، قال: يا محمد؛ قل: أستعيذ بالله [¬٣] السميع [¬٤] العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: قال له جبريل: قل [¬٥] باسم الله يا محمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى. لفظ ابن جرير (٩٩). وأمّا مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: [أحدها: أنّ الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي -وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري- في مقدّمات تفسيره: قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية. وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى وغير التسمية. والمختار عندنا أنّ الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أنّ الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث. ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا، كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعدّدة كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعدّدة، كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضًا فالاسم لفظ وهو عرض، والمسمى قد يكون ذاتًا ممكنة أو واجبة بذاتها، وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوَجد اللافظ بذلك حرَّ النار أو بردَ الثلج ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل، وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وقال النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين

стр. 274

اسمًا". فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى، وأيضًا فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ أضافها إليه كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ونحو ذلك فالإضافة تقتضي المغايرة، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي فادعوا الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره، واحتج من قال الاسم هو المسمى بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ والمتبارك هو الله تعالى، والجواب أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدّسة، وأيضًا فإذا قال الرجل: زينب طالق. يعني: امرأته؛ طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق. والجواب أن المراد أنّ الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: وأمّا التسمية فإنها جعل الاسم معينًا لهذه الذات فهي غير الاسم أيضًا، والله أعلم] [¬١]. ﴿اللَّهُ﴾ عَلَمٌ على الرب ﵎، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وفي الصحيحين (١٠٠) عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ ؛ قال: "إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة". [وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجة (١٠١)، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان، وقد

стр. 275

ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أنّ لله خمسة آلاف اسم، ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ] [¬١]. وهو اسم لم يُسَمَّ به غيره ﵎؛ ولهذا لا يعرف في كلام العرب له [¬٢] اشتقاق من فعل

стр. 276

يفعل [¬١]، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، [وقد نقله القرطبي (١٠٢) عن جماعة من العلماء، منهم: الشافعي، والخطبي، وإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم. ورُوي عن الخليل وسيبويه أنّ الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام] [¬٢]، وقيل: إنه مشتق. واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج: لله درّ الغانيات المده … سبحن واسترجعن من تألهي (١٠٣) فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله من أله يأله إلاهة وتألهًا، كما روي [عن ابن عباس أنه] [¬٣] قرأ: (ويذرك وإلاهتك) قال: عبادتك. أي أنه كان يُعبد ولا يَعبد، وكذا قال مجاهد وغيره، [وقد استدل بعضهم على كونه مشتقًا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ونقل سيبويه عن الخليل أنّ أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب … عني ولا أنت دياني فتخزوني (١٠٤) قال القرطبي: بالخاء المعجمة؛ أي فتسوسني. وقال الكسائي والفرّاء: أصله الإله، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن. قال القرطبي: ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير. والوله: ذهاب العقل، يقال: رجل واله وامرأة ولهى [وماء موله] [¬٤]، إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى يحير أولئك في الفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون [أصل إلاه] [¬٥] ولاه فأبدلت الواو همزة، كما قالوا في وشاح:

стр. 277

إشاح ووسادة إسادة. وقال الرازي: وقيل: إنه مشتق من ألهت إلى فلان، أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قال: وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب. وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل أولع بأمّه، والمعنى أن العياد مألوهون [¬١] مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال. قال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به، فألهه أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ﴾ وهو المنعم لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ المطعم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وهو الموجد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق ألبتة، قال: وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء. ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه؛ منها: أنه لو كان مشتقًا لاشترك في معناه كثيرون. ومنها: أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس. فدل على أنه ليس بمشتق، قال: فأما قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان، ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر، والله أعلم وحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه وهو حقيق بالتضعيف كما قال، وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال: واعلم أن الخلائق قسمان؛ واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته، ورُوي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه بفتح اللام وكسرها لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها. وكانوا يقولون: إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: إنه مشتق من أله الرجل إذا تعبد، وتأله إذا تنسك. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [¬٢] وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي [¬٣] عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا

стр. 278

في اللفظ لامًا واحدة مشدّدة، وفخمت تعظيمًا فقيل: الله. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة. ورحمن أشدّ مبالغة من رحيم، [وفي كلام ابن جرير] [¬١] ما يفهم منه [¬٢] حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدّم في الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة. [وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم وقد قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وحكى ابن الأنبارى في الزاهر عن المبرد أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي، وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي والرحمن عبراني؛ فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه. وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما خزجه الترمذي (١٠٥) وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى أنا الرحمن، خلقت الرَّحِم وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته". قال: وهذا نصُّ في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق. قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن

стр. 279

لجهلهم بالله وبما وجب له. قال القرطبي: ثم قيل: هما بمعنى واحد كندمان ونديم. قاله أبو عبيد، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك: رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبًا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾. وقال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. أي أكثر رحمة، ثم حكى عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق كما في الحديث: "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف" (١٠٦). وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١٠٧).

стр. 280

وقال بعض الشعراء لا تطلبن بني آدم حاجة … وسل الذي أبوابه لا تغلق الله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب (١٠٨)] [¬١] وقال ابن جرير (١٠٩): حدَّثنا السري بن يحيى التميمي، حدَّثنا عثمان بن زفر، سمعت العرزمي يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لجميع الخلق، ﴿الرَّحِيمِ﴾ قال: بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [فخصهم باسمه الرحيم] [¬٢]، قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين. لكن جاء في الدعاء المأثور: "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما" (١١٠). [واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يُسَمَّ به غيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ولما تجمهر مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب وشهره به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يُضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب] [¬٣]. وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن، لأنه أكد به، والمؤكِّد [¬٤] لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد. والجواب؛ أن هذا ليس من باب التوكيد، وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه

стр. 281

ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقدير [¬١] اسم الله الذي لم يسم به [¬٢] أحد غيره، ووصفه أولًا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وإنما تجمهر مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة [¬٣]. وأما الرحيم فإنه [تعالى وصف] [¬٤] به غيره، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. كما وصف غيره بغير ذلك من أسمائه [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيرُه، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم [¬٦] الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك، فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف [¬٧] الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفي به عن الرحيم؟. فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه، أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن، جيء بلفظ الرحيم ليقطع التوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء، ووجَّهَه بذلك والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية، لما قال رسول الله ﷺ لعلى: "اكتب "بسم المه الرحمن الرحيم" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (١١١). وفي بعض الروايات؛ لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنّت في كفرهم؛ فإنه [¬٨] قد [¬٩] وجد في [أشعارهم في] [¬١٠] الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن.

стр. 282

قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها (١١٢) وقال سلامة بن جندل الطهوي: عَجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا [¬١] عليكم … وما يشأِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ (١١٣) وقال ابن جرير (١١٤): حدثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا بشر بن عمارة، حدّثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس قال: الرحمن: الفعلان من الرحمة، هو من كلام العرب. وقال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرفيق الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير (١١٥) أيضًا [¬٢]: حدّثنا محمَّد بن بشار، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم (١١٦): حدثنا أبو سعيد بن [¬٣] يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثني أبو الأشهب، عن الحسن قال: [الرحمن] اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎. [وقد جاء في حديث أم سلمة (١١٧) أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفًا حرفًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ

стр. 283

الدِّينِ﴾ فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة، ومنهم من وصلها بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وكُسِرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور. وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾. فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قُرئ قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت] [¬١]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [القراء السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان ابن عيينة، ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالنصب وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بضم الدال والسلام إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بكسر الدال إتباعًا للأوّل الثاني] [¬٢]. قال أبو جعفر بن جرير [﵀]: معنى [¬٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد؛ في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، في الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا. [وقال ابن جرير ﵀: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد لله] [¬٤] قال: وقد قيل: إن قول القائل: [الحمد لله] [¬٥]، ثناء عليه [بأسمائه الحسنى وصفاته العلى] [¬٦]، وقوله: (الشكر لله) ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر، [وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية. وقال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كلمة كل شاكر.

стр. 284

وقد استدل القرطبي (١١٨) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكرًا] [¬١]ـ. وهذا الذي ادعاه [ابن جرير] [¬٢] فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنَان واللسان والأركان، كما قال الشاعر: أفادتكم [¬٣] النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا ولكنهم [¬٤] اختلفوا أيهما أعم، الحمد أو الشكر؟ على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول. والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه [¬٥]؛ لأنه يكون بالقول والفعل [¬٦] والنية كما تقدّم، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال شكرته لفروسيته. وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين، والله أعلم. وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدًا ومحمدة فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له. وباللام أفصح. [وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم] [¬٧]. ذكر أقوال السلف في الحمد قال ابن أبي حاتم (١١٩): حدثنا أبي، حدَّثنا أبو معمر القطيعي، حدَّثنا حفص، عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: قد عَلِمنَا

стр. 285

سبحان الله [ .... ] [¬١] ولا إله إلا الله فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه. ورواه غير أبي معمر، عن حفص فقال: قال عمر لعلي - وأصحابه عنده -: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال عَلي: كلمة أحبها [الله تعالى] لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال (١٢٠). وقال علي بن زيد بن جدعان (١٢١)، عن يوسف بن مهران قال: قال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: كلمة الشكر وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم. وروى أيضًا هو وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، [والاستخذاء له] [¬٢]، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وقال كعب الأحبار (١٢٢): الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك: الحمد؛ رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك. قال ابن جرير (١٢٣): حدَّثنا [¬٣] سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدّثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال: قال
следующие страницы →