← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ثم أتي فقيل له: حيَّاك الله وبيَّاك. أي: أضحكك. رواه ابن جرير، ثم قال (٣٥٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال على بن أبي طالب، لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم فقال: تغيرت البلاد ومن عليها … فلون الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح فأجيب آدم ﵊: أبا هابيل قد قتلا جميعًا … وصار الحي كالميْت [¬١] الذبيح وجاء بشرّةٍ قد كان منها [¬٢] … على خوف فجاء بها يصيح والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره [] [¬٣] مجاهد بن جبر: أنه علقت ساقه بفخذه [إلى يوم القيامة] [¬٤]، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت، عقوبة له وتنكيلا به (٣٥٦)، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم" (٣٥٧). وقد اجتمع في [¬٥] فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي

стр. 2207

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ يقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من [¬١] قتل [¬٢] [نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب، ولا جناية - فكأنما] [¬٣] قتل [¬٤] الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس؛ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. [وقال] [¬٥] الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة: أيسرك [¬٦] أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا، فكأنما [¬٧] قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزورٍ. قال: فانصرفت ولم أقاتل (٣٥٨).

стр. 2208

وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا. يعني: أنه من حرم قتلها إلا [¬٢] بحق حيي الناس منه (٣٥٩). وهكذا قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: كف عن قتلها (٣٦٠). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا (٣٦١). وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم؛ فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم؛ فكأنما حرم دماء [¬٣] الناس جميعًا. هذا قول، وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير (٣٦٢). وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس جميعًا [¬٤]. قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد فى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدًا؛ جعل الله جزاءه جهنم، وغضب [] [¬٥] عليه ولعنه، وأعدّ له عذابًا

стр. 2209

عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا، لم يزد على مثل ذلك العذاب (٣٦٣). قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدًا فقد حَيِيَ الناس منه (٣٦٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا، فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: عفا عن قاتل وليه؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكى ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير (٣٦٥)، وقال مجاهد في رواية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة (٣٦٦). وقال الحسن وقتادة: فى قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظم [¬٢] والله وزرها، وعظم [¬٣] والله أجرها (٣٦٧). وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (٣٦٨).

стр. 2210

وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: أجرًا (٣٦٩). وقال الإِمام أحمد (٣٧٠): [حدثنا حسن] [¬١]، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي [¬٢] بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ : "يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ " قال: بل نفس أحييها. قال: "عليك بنفسك". قوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا [¬٥] بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، والدلائل الواضحة ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير، وغيرهم من بني قينقاع، ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها، فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قوله [¬٦]: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. المحاربة: هي المضادة

стр. 2211

والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض [¬١] الدراهم والدنانير من الإِفساد فى الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية [] [¬٢] في المشركين، كما قال ابن جرير (٣٧١). حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه؛ لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق [¬٣] بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب. ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ نزلت في المشركين فمن [¬٤] تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه [¬٥] الحد الذي أصابه (٣٧٢).

стр. 2212

وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير (٣٧٣). وروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. رواه ابن مردويه (٣٧٤). والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم، ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك: أن نفرًا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ ، [فبايعوه على الإسلام] [¬١]، [فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك] [¬٢] فقال: "ألا تخرجوا [¬٣] مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها". فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها، وألبانها، فصحوا [¬٤]، فقتلوا الراعي، وطردوا الإِبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فبعث في آثارهم؛ فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا (٣٧٥).

стр. 2213

لفظ مسلم، وفي لفظ لهما (٣٧٦): من عكل أو عرينة. وفي لفظ: وألقوا في الحرة، فجعلوا [¬١] يستسقون، فلا يسقون (٣٧٧). وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم (٣٧٨). وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله (٣٧٩). ورواه مسلم من طريق هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس، فذكره [¬٢] [نحوه، وعنده: فارتدوا [¬٣] (٣٨٠). وقد أخرجاه من رواية قتادة، عن أنس] [¬٤] بنحوه (٣٨١). وقال سعيد، عن قتادة: من عكل وعرينة. ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس، قال: إنما سمل النبى ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء (٣٨٢). ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة، عن أنس، قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة؛ فأسلموا وبايعوه [¬٥]، وقد وقع بالمدينة المُومُ. [وهو البرسام] [¬٦] ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا، فأرسلهم وبعث معهم قائفًا يقفو [¬٧] أثرهم (٣٨٣). وهذه كلها ألفاظ مسلم، رحمه

стр. 2214

الله. وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها [¬١]، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٣٨٤). وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه وهذا لفظه. وقال الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك [منها: ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك] [¬٢] قال: ما ندمت على حديث؛ ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج؛ قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ . قال: قلت: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت [¬٣] بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة؛ فيشوبوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم، وانخمصت بطونهم، عدوا [¬٤] إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء، حتى

стр. 2215

ماتوا لحال ذود [¬١] [من الإِبل] [¬٢]، فكان [¬٣] الحجاج [¬٤]، يحتج بهذا الحديث على الناس (٣٨٥). وقال ابن جرير (٣٨٦): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد - يعنى ابن مسلم - حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يَتَلفَّون [¬٥] الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. وقال ابن أبي حاتم (٣٨٧): حدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني: عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد [¬٦]- يعني: البقال - عن أنس بن مالك، قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول الله ﷺ ، وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإِبل، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتَلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، فبعث النبي ﷺ فى طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية. وقال أبو جعفر بن جرير (٣٨٨): حدثنا أبو على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا

стр. 2216

ابن [¬١] لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام. وقال (٣٨٩): حدثنى يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، [عن عبد الله] [¬٢] [] [¬٣] بن عمر - أو عمرو شك يونس - عن رسول الله ﷺ بذلك - يعني: بقصة العرنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة، ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: عن ابن عمر من غير شك. وقال ابن جرير (٣٩٠): حدّثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة، حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﵌، فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح [ثم خرجوا باللقاح] [¬٤] عامدين بها إلى

стр. 2217

أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه ليسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله ﷺ يقول: "النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله سَمْل الأعين، فأنزل هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية. هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي؛ وهو ضعيف، [وفي إسناده] [¬١] فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وقد [¬٢] تقدم في صحيح مسلم (٣٩١): أن هذه [¬٣] السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل هذه الآية. فإنه منكر. وقد تقدّم في صحيح مسلم (٣٩٢): أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا، والله أعلم. وقال عبد الرزاق (٣٩٣): عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة، قد ماتوا هزلًا، فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربرا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا، فأتي بهم النبي ﷺ ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر اْعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فترك النبي ﷺ سمر الأعين بعد.

стр. 2218

وروي من وجه آخر عن أبي هريرة. وقال أبو بكر بن مردويه (٣٩٤): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري [¬١]، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون، قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم [¬٢] النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل، حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك فى عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ فى آثارهم خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابرَ الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.

стр. 2219

غريب جدًّا. وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وعائشة، وغير واحد، وقد [¬١] اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بطرق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًّا، فرحمه الله وأثابه. وقال ابن جرير (٣٩٥): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة، عن [¬٢] عبد الكريم، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال: كان أناس [¬٣] أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه وهم كذبة وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ : "هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها وألبانها". قال: فبينا هم كذلك إذ جاءهم الصريخ [] [¬٤]، فصرخ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم. فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس: "أن يا خيل الله اركبي". قال: فركبوا، لا ينتظر فارس فارسًا. قال: وركب رسول الله ﷺ على إثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبى الله ﷺ منهم، وصلب وقطع، وسمر الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد. قال: ونهى عن المثلة، قال: "ولا تمثلوا بشيء". قال: وكان أنس يقول ذلك غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم. قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة ناس من بجيلة. وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنين، هل [هو منسوخ] [¬٥] [أو محكم] [¬٦]؛

стр. 2220

فقال [¬١] بعضهم [¬٢]: [هو منسوخ بهذه الآية] [¬٣]، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة. وهذا القول فيه نظر، ثم قائله [¬٤] مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، [وفي هذا] [¬٥] نظر؛ فإن قصتهم متأخرة. وفي رواية جرير بن عبد الله (٣٩٦) لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول [¬٦] أيضًا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية: سمر أعينهم (٣٩٧). وقال ابن جرير (٣٩٨): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسليم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال [¬٧]: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلّمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل. ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه [¬٨] محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.

стр. 2221

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممن يغيثه ويعينه. وأما قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، قال [ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية] [¬١]: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله (٣٩٩). وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (٤٠٠)، وحُكي مثله عن [مالك بن] [¬٢] أنس ﵀ ومستند هذا القول: أن [¬٣] ظاهر "أو" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن؛ كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكقوله في كفارة الترفه [¬٤]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي (٤٠١): أنبأنا إبراهيم هو ابن أبى يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال: نفوا من الأرض. وقد رواه ابن أبي شيبة: عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن

стр. 2222

عباس بنحوه. وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني: نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة. واختلفوا: هل يصلب حيًّا، ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب؟ أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب، تنكيلًا وتشديدًا [¬١] لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة، وعليه التكلان. ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده، فقال (٤٠٢): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، [عن ابن لهيع] [¬٢]، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [بن مالك] [¬٣] يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل: [فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل] [¬٤] واستحل الفرج الحرام فاصلبه. وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإِسلام.

стр. 2223

رواه ابن جرير (٤٠٣): عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، و [¬١] الرييع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده [¬٢] إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان، أو نائبه من معاملته بالكلية. [وقال الشعبي: ينفيه - كما قال] [¬٣] ابن هبيرة - من عمله كله. وقال عطاء الخراسانى: ينفى من جندٍ إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإِسلام. [وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حبان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإِسلام] [¬٤]. وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه (٤٠٤). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزي لهم بين [¬٥] الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإِسلام: فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، "فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له [¬٦]، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٤٠٥).

стр. 2224

وفي على قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذنب ذنبًا في الدنيا [فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا] [¬١]، فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه" (٤٠٦). رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح. وقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: [شر وعار] [¬٢]، ونكال [¬٣] وذلة، وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم [¬٤] بها في الدنيا فيها [¬٥] ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما على قول من قال: إنها [¬٦] في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة

стр. 2225

عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام [¬١] القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم (٤٠٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبي، قال: كان حارثة [¬٣] بن بدر التميمى من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش، منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًّا فيه [¬٤] فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره، ثم أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة [¬٥] بن بدر. وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد، عن الشعبي به، وزاد: فقال حارثة [¬٦] بن بدر: ألا أبلغن هَمْدان إمَّا لقيتها … على النأي لا يسلم عدو يعيبها لعمر أبيها إن همدان تتقي الـ … إله ويقضي بالكتاب خطيبها وروى ابن جرير (٤٠٨): من طريق سفيان الثوري، عن السدي. ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي، قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة [¬٧] عثمان

стр. 2226

﵁ بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن تقدروا [¬١] على. فقام أبو موسى، فقال: إن هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من [¬٢] قبل أن نقدر [¬٣] عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله. ثم قال ابن جرير (٤٠٩): حدثني على، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير [¬٤] عندنا: أن عليًّا الأسدي حارب، وأخاف [¬٥] السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة فامتنع، ولم يقدروا [¬٦] عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وصلم، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار [¬٧] أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم على، جئت تائبًا من قبل أن تقدروا على. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده [] [¬٨] حتى أتى مروان بن الحكم، [وهو أمير] [¬٩] على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا على [¬١٠] جاء تائبًا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال: فترك من [ذلك كله] [¬١١]. قال: وخرج على تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم، فقربوا [سفينته إلى] [¬١٢] سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت [به

стр. 2227

وبهم] [¬١] فغرقوا جميعًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته [¬٢] كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة. وكذا قال مجاهد، وعطاء [¬٣]، وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وابن زيد، [وغير واحد] [¬٤]. و [¬٥] قال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه. وأنشد [عليه ابن جرير] [¬٦] قول الشاعر: إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا … وعاد التصافي بيننا والوسائل والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة [¬٧] الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري (٤١٠): من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر بن

стр. 2228

عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة". (حديث آخر): في صحيح مسلم (٤١١): من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها [¬١] عشرا، ثم سلوا الله [¬٢] لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة". (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٤١٢): حدثنا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو". ورواه الترمذي: عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان هو [¬٣] الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، قال: حدثني أبو هريرة به. ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم.

стр. 2229

(طريق [¬١] أخرى): عن أبي هريرة ﵁، قال أبو بكر بن مردويه (٤١٣): حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٢]، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلي، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال: "صلوا على صلاتكم، وسلوا الله لي الوسيلة - فسألوه أو أخبرهم - أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا [¬٣] ". (حديث آخر): قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٤١٤)، أنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا

стр. 2230

الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب [¬١]، عن محمد بن عمرو ابن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة". ثم قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين، كذا قال، وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه (٤١٥). (حديث آخر): روى ابن مردويه بإسناده، عن عمارة بن غزبة، عن موسى بن وردان، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن الوسيلة درجة عند الله ليس [¬٢]، فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقة" (٤١٦). (حديث آخر): روى ابن مردويه أيضًا من طريقين، عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "في الجة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة". قالوا: يا رسول

стр. 2231

الله، من يسكن معك؟ قال: "علي وفاطمة والحسن والحسين" (٤١٧). هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن الدشتكى، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد [¬١] بن طريف، عن علي بن الحسين الأزدي مولي سالم بن ثوبان، قال: سمعت على بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: ياأيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها، وأبوابها، وأسرتها، وكأنها من عرق واحد، واسمها الوسيلة هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، [والصفراء فيها مثل ذلك هي لإِبراهيم ﵇ وأهل بيته] [¬٢]. وهذا أثر غريب أيضًا. وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم، وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين، الخارجين عن الطريق المستقيم، و [¬٣] التاركين للدين القويم، ورغبهم في [¬٤] ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العطمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول، في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة [¬٥] مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت، لا تبلي ثيابه، ولا بفنى شبابه. ثم أخبر تعالى بما أعده لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا [بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا

стр. 2232

وبمثله؛ ليفتدي] [¬١] بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له، ولا مناص؛ ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ [أَلِيمٌ﴾ أي: موجع ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ] [¬٢] مُقِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته، وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، و [¬٣] كلما رفعهم اللهب، فصاروا في أعلى [¬٤] جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها. وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال [¬٥] له: يا ابن آدم؟ كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال [¬٦]: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبًا؟ قال، فيقول: نعم، يا رب. فيقول [الله تعالى] [¬٧]: كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل. فيؤمر به إلى النار". رواه مسلم والنسائي (٤١٨) من طريق حماد بن سلمة بنحوه، وكذا رواه البخاري ومسلم أخرجاه [¬٨] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس به (٤١٩). وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه: عبد الملك بن حبيب، عن

стр. 2233

أنس بن مالك به (٤٢٠). ورواه مطر الوراق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه (٤٢١). ثم روى [¬١] ابن مردويه من طريق المسعودي: عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة". قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا (٤٢٢). وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد الفقير، عن جابر، وهذا أبسط سياقا. وقال ابن أبي حاتم (٤٢٣): حدثنا [الحسين بن محمد بن شنبة] [¬٢] الواسطي، حدثنا يزيد بن

стр. 2234

هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير، قال: جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث فحدث: أن ناسا يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك فغضبت، وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد، تزعمون أن الله يخرج ناسًا [¬١]، من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ الآية. فانتهرنى أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلي، قد جمعته. قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به. ثم قال ابن مردويه (٤٢٤): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمرو [¬٢] بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن علي، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب، قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار. فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين [¬٣] قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرجون من النار بعد ما

стр. 2235

دخلوا". ونحن نقرأ كما قرأت. ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة. وروى الثوري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي: أن ابن مسعود كان يقرؤها: (والسارق والسارقة فاقموا أيمانهما) (٤٢٥) وهذه قراءة شاذة، وإن كان [¬١] الحكم عند جميع العلماء موافقا لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به فى الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة، والدية، والقراض، وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرج بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال: إن أول من قطع الأيدي فى الجاهلية قريش، قطعوا رجلاً يقال له: دويك، مولي لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده.

стр. 2236

وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا؛ قطعت يده به سواء كان قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم هذه الآية: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فلم يعتبروا نصابًا ولا حرزًا بل أخذوا بمجرد السرقة. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم: من طريق عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام (٤٢٦). وهذا يحتمل أن يكون موافقة [من ابن عباس] [¬١] لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك. فالله أعلم. وتمسكوا بما ثبت فى الصحيحين (٤٢٧)، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". وأما الجمهور فاعتبروا [النصاب فى] [¬٢] السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف فى قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة؛ فعند الإِمام مالك بن أنس ﵀: النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع،

стр. 2237

واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ "قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم". أخرجاه في الصحيحين (٤٢٨). قال مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان ﵁ قد رواه مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم، فقومت بثلاثة دراهم من [¬١] صرف [¬٢] اثني [¬٣] [عشر درهما] [¬٤] بدينار [¬٥]، فقطع عثمان يده (٤٢٩). قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإِجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لابد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، واللَّه أعلم. وذهب الشافعي ﵀ إلى: أن الاعتبار فى قطع يد السارق بربع دينار، أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" (٤٣٠). ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة - رضي اللَّه

стр. 2238

عنها -: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (٤٣١). قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثنى عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق. ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب ﵃ وبه يقول عمر بن عبد العزنر، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري. ﵏. وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه: إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدًا منهما، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة ﵄ (٤٣٢)، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد (٤٣٣)، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي (٤٣٤): " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت [¬١]: ربع دينار. وهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، واللَّه أعلم. وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب: عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا

стр. 2239

بأن ثمن المجن الذي قطع فيه يد [¬١] السارق على عهد رسول اللَّه ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة (٤٣٥): حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، عن محمد ابن إسحاق، [عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان ثمن المجن على عهد

стр. 2240

النبي ﷺ عشرة دراهم. ثم قال (٤٣٦): حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق] [¬١]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن". وكان ثمن المجن عشرة دراهم. قالوا: فهذا ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن؛ فالاحتياط: الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدرد تدرأ بالشبهات (٤٣٧). وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار [¬٢]، أو ما يبلغ قيمته واحدًا [¬٣] منهما. يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم اللَّه تعالى. وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أي: في خمسة دنانير أو خمسين درهمًا، وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀. وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: "يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" (٤٣٨) بأجوبة: أحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة (٤٣٩)، وفي هذا نظر؛ لأنه لابد من بيان التاريخ. والثاني: أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري رغيره عنه (٤٤٠).

стр. 2241

والثالث: أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإِخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة. وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد [¬١] اشتهر عنه أنه أورد إشكالًا على الفقهاء، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال: [يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ [¬٢] … ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض مالنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار] [¬٣] ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه [¬٤] في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار؛ لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب. ولهذا قال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم﴾ أي: مجازاة على صنيعهما السئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك. ﴿نكالا من اللَّه﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك. ﴿واللَّه عزير﴾ أي: في انتقامه. ﴿حكيم﴾ أي [¬٥]: في أمره ونهيه، وشرعه وقدره. ثم قال تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه، إن اللَّه غفور رحيم﴾ أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللَّه، فإن اللَّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلابد من ردها اليهم أو بدلها عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد [] [¬٦] بدلها، وقد روى الحافظ أبو أحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] [¬٧] عن أبي هريرة أن رسول اللَّه

стр. 2242

ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: "ما إخاله سرق؟ " فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه. قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به". فقطع فأتى به، فقال: "تب إلى اللَّه". فقال: تبت إلى اللَّه. فقال: "تاب اللَّه عليك" (٤٤١). وقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله على بن المدني [¬١] وابن خزيمة رحمهما اللَّه.

стр. 2243

وروى ابن ماجة (٤٤٢): من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده، [قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده] [¬١] وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار. وقال ابن جرير (٤٤٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي [¬٢] بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سرقت امرأة حليًّا، فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، سرقتنا هذه المرأة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقطعوا يدها اليمنى". فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك". قال: فأنزل اللَّه ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾. وقد رواه الإِمام أحمد بأبسط من هذا، فقال (٤٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد اللَّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه

стр. 2244

عليه وسلم: "اقطعوا يدها". [فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال: "اقطعوا يدها". قال] [¬١]: فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، أنت اليوم من خطيئك كيوم ولدتك أمك". فأنزل اللَّه في سورة المائدة ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾. وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت فى الصحيحين (٤٤٥) من رواية الزهري، [عن عروة] [¬٢]، عن عائشة: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ . فأتي بها رسول اللَّه ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه ". فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه. فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها لا. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع يدها. رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له: أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس، ثم تمسكه، فقال رسول اللَّه ﷺ : " [لتتب هذه المرأة إلى اللَّه وإلى رسوله وتردّ ما تأخذ على القوم".

стр. 2245

ثم قال رسول اللَّه ﷺ ] [¬١]: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" (٤٤٦). وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. ثم قال تعالى: ﴿ألم تعلم أن اللَّه له ملك السموات والأرض﴾ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد [﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء واللَّه على كل شيء قدير﴾] [¬٢]. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
следующие страницы →