← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والثالث: أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإِخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة. وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد [¬١] اشتهر عنه أنه أورد إشكالًا على الفقهاء، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال: [يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ [¬٢] … ما بالها قطعت في ربع دينار تناقض مالنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار] [¬٣] ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه [¬٤] في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار؛ لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب. ولهذا قال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم﴾ أي: مجازاة على صنيعهما السئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك. ﴿نكالا من اللَّه﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك. ﴿واللَّه عزير﴾ أي: في انتقامه. ﴿حكيم﴾ أي [¬٥]: في أمره ونهيه، وشرعه وقدره. ثم قال تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه، إن اللَّه غفور رحيم﴾ أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللَّه، فإن اللَّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلابد من ردها اليهم أو بدلها عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد [] [¬٦] بدلها، وقد روى الحافظ أبو أحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] [¬٧] عن أبي هريرة أن رسول اللَّه

стр. 2242

ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: "ما إخاله سرق؟ " فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه. قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به". فقطع فأتى به، فقال: "تب إلى اللَّه". فقال: تبت إلى اللَّه. فقال: "تاب اللَّه عليك" (٤٤١). وقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله على بن المدني [¬١] وابن خزيمة رحمهما اللَّه.

стр. 2243

وروى ابن ماجة (٤٤٢): من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده، [قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده] [¬١] وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار. وقال ابن جرير (٤٤٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي [¬٢] بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سرقت امرأة حليًّا، فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، سرقتنا هذه المرأة. فقال رسول اللَّه ﷺ : "اقطعوا يدها اليمنى". فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك". قال: فأنزل اللَّه ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾. وقد رواه الإِمام أحمد بأبسط من هذا، فقال (٤٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد اللَّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه

стр. 2244

عليه وسلم: "اقطعوا يدها". [فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال: "اقطعوا يدها". قال] [¬١]: فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، أنت اليوم من خطيئك كيوم ولدتك أمك". فأنزل اللَّه في سورة المائدة ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾. وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت فى الصحيحين (٤٤٥) من رواية الزهري، [عن عروة] [¬٢]، عن عائشة: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ . فأتي بها رسول اللَّه ﷺ ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه ". فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه. فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها لا. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ . وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها. وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع يدها. رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له: أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس، ثم تمسكه، فقال رسول اللَّه ﷺ : " [لتتب هذه المرأة إلى اللَّه وإلى رسوله وتردّ ما تأخذ على القوم".

стр. 2245

ثم قال رسول اللَّه ﷺ ] [¬١]: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" (٤٤٦). وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة. ثم قال تعالى: ﴿ألم تعلم أن اللَّه له ملك السموات والأرض﴾ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد [﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء واللَّه على كل شيء قدير﴾] [¬٢]. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا

стр. 2246

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ نزلت هذه الآيات الكريمات فى المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم [¬١] وأهواءهم على شرائع الله ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أظهروا الإِيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإِسلام وأهله وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مستجيبون [¬٢] له منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين [¬٣] لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله ويبدِّلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾. قيل: نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلًا، وقالوا: تعالوا حتَّى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.

стр. 2247

والصحيح: أنَّها نزلت فى اليهوديِّينْ اللذين [¬١] زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّفوا، واصطحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإِركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ قالوا فيما بينهم: تعالوا حتَّى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم [¬٢] بذلك، [وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك. وقد وردت الأحاديث بذلك] [¬٣] فقال مالك، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ [¬٤] ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها [¬٥] آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (٤٤٧). أخرجاه [¬٦] وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ له فقال لليهود: "ما تصنعون بهما؟ ". قالوا:

стр. 2248

نُسخِّم وجوههما ونخزيهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فجاءوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتَّى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، فقال [¬١]: ارفع يدك، فرفع فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما (٤٤٨). وعند مسلم: أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتَّى جاء يهود فقال: "ما تجدون في التوراة على من زنى؟ " قالوا: نسوّد وجوههما [ونحملهما ونخالف بين وجوههما] [¬٢] ويطاف بهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: فجاءوا بها فقرءوها، حتَّى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ : مره فليرفع يده. [فرفع يده] [¬٣] فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما [¬٤]. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (٤٤٩). وقال أَبو داود (٤٥٠): حدَّثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدَّثنا ابن وَهْب، حدَّثنا هشام بن

стр. 2249

سعد: أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف فأتاهم فى بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم. قال: ووضعوا لرسول الله ﷺ وسادة، فجلس عليها، ثم قال: "ائتوني" [¬١] [بالتوراة". فأتي بها فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: "آمنت بك وبمن أنزلك". ثم قال] [¬٢]: "ائتوني [¬٣] بأعلمكم". فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك، عن نافع. وقال الزُّهْريّ: سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا [نبى من أنبيائك] [¬٤]. قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتَّى أتى بيت مدراسهم [¬٥]؛ فقام على الباب فقال: "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن". قالوا: يحمم ويجبه ويجلد. والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما. قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله ﷺ سكت ألظ به رسول الله ﷺ النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي ﷺ "فما أوَّل ما ارتخصتم أمر الله"؟ فقال: زنى ذو ترابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتَّى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطحوا هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ : "فإني أحكم بما في التوراة". فأمر بهما فرجما. قال الزُّهْريّ: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فكان النبيّ ﷺ منهم (٤٥١).

стр. 2250

رواه أحمد، وأَبو داود وهذا لفظه، وابن جرير. وقال الإِمام أحمد (٤٥٢): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: "أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"؟ فقالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"؟ فقال: لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتَّى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال

стр. 2251

النبي ﷺ : "اللهم إني أوَّل من أحيا أمرك إذ أماتوه". قل: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ أي: يقولون أسلموا محمدًا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: في اليهود. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في الكفار كلهم. انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، وأَبو داود والنَّسائي وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمَش به. وقال الإِمام أَبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي فى مسنده (٤٥٣): حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبى، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة: أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوا عنه، فسألوه عن ذلك فقال: "أرسلوا إليَّ أعلم رجلين فيكم". فجاءوا برجل أعور يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال لهما النبي ﷺ : ["أنتما أعلم من قبلكما". فقالا: قد دعانا قومنا لذلك. فقال النبي

стр. 2252

ﷺ ] [¬١] لهما: "أليس عندكما التوراة فيها حكم الله". قالا: بلى. فقال النبي ﷺ : "فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ ". فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط. قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم. فقال النبي ﷺ : " هو ذاك". فأمر به فرجم، فنزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾. ورواه أبو داود وابن ماجة: من حديث مجالد به نحوه، ولفظ أبي داود: عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال ﷺ : "ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوه بابني صوريا فنشدهما: "كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ " قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: "فما يمنعكم أن ترجموهما". قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا: أنهم رأوا ذكره [في فرجها] [¬٢] مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما. ثم رواه أبو داود: عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلًا، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا. فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقرّرهم على ما [¬٣] بأيديهم مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع عملهم [¬٤] على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهرة، لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا [¬٥]: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ

стр. 2253

هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: الباطل ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الحرام وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود (٤٥٤) وغير واحد، أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه، وأنى يستجيب له. ثم قال لنبيه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما وافق أهواءهم [¬١]. قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة، والسدي، وزيد بي أسلم، [وعطاء] [¬٢] الخراساني: هي منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. ثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنَّهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها، ولا يبدلونها، ولا يحرِّفونها، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: وكذلك الربانيون [] [¬٣] وهم

стр. 2254

[العلماء العباد] [¬١]، والأحبار هم [¬٢] العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بما استردعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوا منهم وخافوني ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما. سبب آخر [في نزول] [¬٣] هذه الآيات الكريمات قال الإِمام أحمد (٤٥٥): حدَّثنا إبراهيم بن العباس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد [¬٤] الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس، قال: إن الله أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ [¬٥] هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: قال ابن عبَّاس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتَّى ارتضوا، واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة [فديته خمسون وَسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتَّى قدم النبي ﷺ ، فذلت الطائفتان كلتاهما؛ لمقدم رسول الله ﷺ ويومئذٍ لم يظهر، ولم يوطئها عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة] [¬٦] [من العزيزة قتيلا] [¬٧]، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا [¬٨] في حيين قط [¬٩] دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم.

стр. 2255

فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا [¬١] رسول الله ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلَّا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكُموه، فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ ، فلما جاءوا [¬٢] رسول الله ﷺ ، أخبر الله رسوله ﷺ بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقون﴾ ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى الله . ورواه أَبو داود من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه بنحوه. وقال أَبو جعفر بن جرير (٤٥٦): حدَّثنا هناد بن السري وأَبو كريب، قالا: حدَّثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمه، عن ابن عبَّاس: أن الآيات التي [¬٣] في المائدة قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى ﴿المقسطين﴾ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة؛ وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تودى الدية كاملة، وأن قريظة كان يُودَوْن [¬٤] لهم [¬٥] نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء. والله أعلم أي ذلك كان. ورواه أحمد، وأَبو داود، والنَّسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه [¬٦].

стр. 2256

ثم قال ابن جرير (٤٥٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة [رجلًا من النضير] [¬١] قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة ودى بمائة [¬٢] وسق من [¬٣]، تمر، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا [¬٤]. فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ . فنزلت [¬٥]: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾. ورواه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك: من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه. وهكذا قال قتادة، ومقاتل بن حيان، وابن زيد، وغير واحد. وقد روى العوفي، وعلى بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين [¬٦] زنيا. كما تقدمت الأحاديث بذلك (٤٥٨)، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآية [¬٧] في ذلك كله والله أعلم.

стр. 2257

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري: وهى علينا واجبة. وقال عبد الرزاق [¬١]: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير (٤٥٩). وقال [ابن جرير] [¬٢] أيضًا (٤٦٠): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة؟ فقال: من السحت. قال: فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وقال السدي: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين (٤٦١). وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير (٤٦٢).

стр. 2258

ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب. وقال عبد الرزاق (٤٦٣): عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: للمسلمين. وقال ابن جرير (٤٦٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: هذا فى اليهود] [¬١] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: هذا في النصارى. وكذا رواه هشيم، والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي. وقال عبد الرزاق أيضًا (٤٦٥): أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: هي به كفر. قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال الثوري: عن ابن جريج، عن عطاء، أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير (٤٦٦).

стр. 2259

وقال وكيع: عن سفيان عن سعيد المكي، عن طاوس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بكفر ينقل عن الملة (٤٦٧). وقال ابن أبي حاتم (٤٦٨): حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير [¬١]، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر [الذي تذهبون] [¬٢] إليه. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ وهذا أيضًا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدًا وعنادًا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإِشهار، ولهذا قال هناك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من

стр. 2260

الظالم [في الأمر] [¬١] الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا [وتعدَّى بعضهم على بعض] [¬٢]. وقال الإمام أحمد (٤٦٩): حدثنا [يحيى بن آدم] [¬٣]، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن أبى على بن يزيد - أخي يونس بن يزيد -، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قرأها: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعيُن بالعين) نصب النفس ورفع العين. وكذا رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم في مستدركه: من حديث عبد الله بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال البخاري: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث. وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن: شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكى مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب - بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.

стр. 2261

وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامَّة. رواه ابن أبي حاتم (٤٧٠). وقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي [¬١] في هذه المسألة ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي، ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم وقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ ﵀ في كتابه الشامل - إجماع [¬٢] العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسعلم كتب في كتاب عمرو بن حزم: "أن الرجل يقتل بالمرأة". وفي الحديث الآخر: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٤٧١). وهذا قول جمهور العلماء. وعن أمير المؤمنين على بن أبي طالب: أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، واليه ذهب أحمد في رواية، [وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان البتي، ورواية عن أحمد: أن الرجل إذا قتل المرأة] [¬٣] لا يقتل بها بل تحب ديتها. وكذا [¬٤] احتج أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهرر فيهما. ففي [¬٥] الصحيحين عن أمير المؤمنين على ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسعلم: "لا يقتل مسلم بكافر" (٤٧٢).

стр. 2262

وأما العبد [ففيه عن] [¬١] السلف [] [¬٢] آثار متعدّدة: أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر ولا يقتلون حرًّا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإِجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة. ويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة: الحديث الثابت في ذلك؛ كما قال الإِمام أحمد (٤٧٣). حدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك: أن الربيع عمة أنس كسرتْ ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: "القصاص". فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة. فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس، كتاب الله القصاص". قال: فقال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". أخرجاه في الصحيحين. وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك: أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يا رسول الله، أتكسر [¬٣] ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال النبي ﷺ : "يا أنس، كتاب الله القصاص". فعفا القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه ومسلم:

стр. 2263

"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". [رواه البخاري عن الأنصاري (٤٧٤). فأما الحديث الذى] [¬١] رواه أبو داود (٤٧٥): حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة [¬٢]، عن عمران بن حصين: أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلم لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أناس فقراء. فلم يجعل عليه شيئًا. وكذا رواه النسائي، عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به. وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات، وهور [¬٣] حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه. وقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع [¬٤] السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح. فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد؛ رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٤٧٦).

стр. 2264

قاعدة مهمة: الجراح تارة تكون في مَفْصل فيجب فيه القصاص بالإجماع؛ كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم؛ فقال مالك ﵀: فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها؛ لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. وقال الشافعي: لا يجب القصاص فى شيء من العظام مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وقد احتج أبو حنيفة ﵀ بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه: أنه لا قصاص في عظم إلا فى السن، وحديث الربيع لا حجة فيه؛ لأنه ورد بلفظ: كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر، فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة بما رواه ابن ماجة: من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم [¬١]، بن قران، عن نمران ابن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلا [ضرب رجلًا] [¬٢] على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ ، فأمر له بالدية فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: "خذ الدية [¬٣]، بارك الله لك فيها" ولم يقض له بالقصاص (٤٧٧). قال الشيخ أبو عمر بن [عبد البر] [¬٤]: ليس لهذا الحديث غير هذا الإِسناد، ودهثم [¬٥] بن

стр. 2265

قران العكلي ضعيف أعرابى ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة. ثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه؛ فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإِمام أحمد (٤٧٨): حدثنا [يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، فذكر حديثًا. قال ابن إسحاق] [¬١]: وذكر [¬٢] عمرو [¬٣] بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدنى. [فقال رسول الله ﷺ : "لا تعجل حتى يبرأ جرحك". قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد] [¬٤] فأقاده أرسول الله ﷺ منه، فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه فأتى المستفيد إلى رسول الله ﷺ ] [¬٥] فقال له [¬٦]: يا رسول الله، عرجت [وبرأ صاحبي] [¬٧]. فقال: "قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك". ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. تفرد به أحمد. مسألة فلو اقتص المجني عليه من الجاني، فمات من القصاص؛ فلا شيء عليه عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تحب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري:

стр. 2266

تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يقول: فمن عفا عنه، وتصدق عليه؛ فهو كفارة للمطوب، وأجر للطالب (٤٧٩). وقال سفيان الثَّوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [قال: كفارة] [¬١] للجارح، وأجر المجروح على الله . ورواه ابن أبي حاتم (٤٨٠)، ثم قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن، ومجاهد، وإبراهيم في أحد قوليه، وعامر الشعبي، وجابر بن زيد؛ نحو ذلك الوجه الثاني، ثم قال ابن أبي حاتم (٤٨١): حدَّثنا حمَّاد بن زاذان، حدَّثنا حرمي - يعني: ابن عمارة - حدَّثنا شعبة، عن عمارة - يعني: ابن أبي حفصة -، عن رجل، عن جابر بن عبد الله في قول الله : ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: المجروح [¬٢]. وروي عن الحسن البصري، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، و أبي إسحاق الهمداني: نحو ذلك.

стр. 2267

وروى ابن جرير، عن عامر الشعبي وقَتَادة: مثله (٤٨٢). وقال ابن أبي حاتم (٤٨٣): حدَّثنا يونس بن حبيب، حدَّثنا أَبو داود الطيالسي، حدَّثنا شعبة، عن قيس - يعني: ابن مسلم -، قال: سمعت طارق بن شهاب، يحدث عن الهيثم أبي [¬١] العريان النخعي، قال: رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيهًا [¬٢] بالموالي، فسألته عن قول الله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وهكذا رواه سفيان الثَّوري، عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير: من طريق سفيان، وشعبة. وقال ابن مردويه (٤٨٤): حدثني محمد بن علي، حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدَّثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدَّثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدَّثنا معلى - يعني: ابن هلال [¬٣]-: أنَّه سمع أبان بن تغلب، عن أبي [¬٤] العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، عن أبان بن تغلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ في قوده: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: "هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك". قال: "فيحط عنه

стр. 2268

قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية، فربع خطاياه، وإن كان الثلث، فئلث خطاياه، وإن كانت الدية؛ حطت عنه خطاياه كذلك". ثم قال ابن جرير (٤٨٥): حدَّثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدَّثنا ابن فضيل، عن يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: دفع رجل من قريش رجلًا من الأنصار فاندقت ثنيته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية، فلما ألح عليه الرجل قال: شأنك وصاحبك. قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أَبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يصاب بشيء في [¬١] جسده فيهبه، إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة". فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ فقال: سمعَته أُذناي، ووعاه قلبي. فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال. هكذا رواه ابن جرير، ورواه الإِمام أحمد فقال (٤٨٦): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال [¬٢] [القرشي إن هذا دق سني] [¬٣]. قال [¬٤] معاوية: إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك. و أبو الدرداء جالس، فقال أَبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة وحط به [¬٥] عنه [] [¬٦] خطيئة" فقال الأنصاري: فإني قد عفوت.

стр. 2269

وهكذا رواه التِّرمِذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجة من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال التِّرمِذي: غريب [لا نعرفه إلا] [¬١] من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء. وقال ابن مردويه (٤٨٧): حدَّثنا دعلج بن أحمد، حدَّثنا محمد بن علي بن زيد، حدَّثنا سعيد ابن منصور، حدَّثنا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت: أن رجلا هتم [¬٢] فمه رجل على عهد معاوية ﵁، فأعطي دية، فأبي إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثًا فأبى، فحدث رجل من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال: "من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له، من يوم ولد إلى يوم يموت". وقال الإِمام أحمد (٤٨٨): حدَّثنا سُريج بن النعمان، حدَّثنا هُشَيم، عن المغيرة، عن الشعبي: أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يجرح من [¬٣] جسده جراحة، فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به".

стр. 2270

ورواه النَّسائي: عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد. ورواه ابن جرير: عن محمود ابن خداش، عن هُشَيم، كلاهما عن المغيرة به. وقال الإِمام أحمد (٤٨٩): حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن عامر، عن المحرر ابن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له". وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ يقول تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا على آثارهم، يعني: أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مؤمنا بها حاكمًا بما [¬١] فيها، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكَلات: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: متبِعًا لها غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه؛ كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنَّه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولهذا كان المشهور من قولَي العلماء: أن الإِنجيل نسخ بعض أحكام التوراة. وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يهتدي به، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٨] أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله،

стр. 2271

وخاف وعيده وعقابه. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب، على أن اللام لام كي، أي: وآتيناهَ الإنجيل [] [¬١] ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم، [على أن] [¬٢] اللام لام الأمر، [أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر] [¬٣] باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ … الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها، وأمر [باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإِنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته] [¬٤] واتباع ما فيه كما تقدم ييانه - شرع تعالى في ذكر القرآن العطم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنَّه من عند

стр. 2272

الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من [¬١] الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسول الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين من مجيء محمد ﵇ ﴿لَمَفْعُولًا﴾ أي: لكائنا لا محالة ولا بد. وقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثَّوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عبَّاس، أي: مؤتمنًا عليه (٤٩٠). وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: المهيمن الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (٤٩١). وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقَتَادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد نحو ذلك.

стр. 2273

وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منهما فهو باطل (٤٩٢). وعن الوالبى، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقَتَادة، والسدي (٤٩٣). وقال العرفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب (٤٩٤). وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العطم الذي أنزله آخر الكتب، وخاتمها، و [¬١] أشملها، وأعظمها، وأكملها [¬٢]، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا، وأمينا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه [¬٣] بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نجيح عن مجاهد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن. فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر، وبالجملة: فالصحيح الأول. قال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التَّأويلِ بعيد من المفهوم في كلام العرب بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له [] [¬٤] ولو كان الأمر [¬٥] كما قال مجاهد، لقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [¬٦] مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ

стр. 2274

الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: من غير عطف (٤٩٥). وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إليك في [¬١] هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك. هكذا وجهه ابن جرير بمعناه (٤٩٦). قال ابن أبي حاتم (٤٩٧): حدَّثنا محمد بن عمار، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: كان النبي ﷺ مخيرًا إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [أي: آراءهم] [¬٢] التي اصطحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي؛ لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء. وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: قال ابن أبي حاتم (٤٩٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو خالد الأحمر، عن يونس [¬٣] بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عبَّاس: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال: سبيلًا. وحدثنا أَبو سعيد، حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قال: وسنة (٤٩٩).

стр. 2275

وكذا روى العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سبيلًا وسنة (٥٠٠). ووكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقَتَادة، والضحاك، والسدي، وأبي إسحاق السبيعي: أنهم قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا وسنة. وعن ابن عبَّاس ومجاهد أيضًا وعطاء الخراساني عكسه -[﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سنة وسبيلًا. والأول أنسب؛ فإن الشرعة] [¬١] وهي الشريعة أيضًا؛ هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال: شرع في كذا أي: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة، وهي ما يشرع منها [¬٢] إلى الماء. أما المنهاج؛ فهو الطَّرِيقِ الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس والله أعلم. ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد؛ كما ثبت في صحيح البخاري (٥٠١)، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد". يعني بذلك: التوحيد الذي بعث الله به كل رسولًا أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية. وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه [¬٤] الشريعة حرامًا، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه؛ وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة.

стр. 2276

قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع [¬١] الرسل عليهم الصلاة والسلام (٥٠٢). وقيل [¬٢]: المخاطب [بهذه الآية] [¬٣] [هذه الأمة] [¬٤]، ومعناه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ القرآن ﴿مِنْكُمْ﴾ أيتها الأمة: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه يعني القرآن ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا إلى المقاصد الصحيحة وسنة أي: طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا. هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد ﵀، والصحيح: القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعد [¬٥]: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة؛ لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [وهم أمة واحدة] [¬٦]، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ ، الذي [¬٧] ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.

стр. 2277

و [¬١] قال عبد الله بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ يعني: من الكتاب. ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وهي: طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله. ثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: معادكم أيها الناس، ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة. وقال الضحاك: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ (٥٠٣). والأول أظهر. وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلاف. ثم قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: و [¬٢]، احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة [¬٣] الله وحكمته فيهم، لمن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة، التي اقتضت إضلالهم ونكالهم ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: إن [¬٤] أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناءون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.

стр. 2278

و [¬١] قال محمد بن إسحاق (٥٠٤): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بي جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا ان اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة [¬٢]، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه؛ من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [جنكيز خان] [¬٣]، الذي وضع لهم اليساق [¬٤]، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها [¬٥]، وفيها كثير من الأحكام أخذها من [¬٦] مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن [¬٧] فعل ذلك [منهم] فهو كافر، يجب قتاله حتى ورجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل

стр. 2279

عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. و [¬١] قال ابن أبي حاتم (٥٠٥): حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي، قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥٠٦). وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانى (٥٠٧): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الخوطي [¬٢]، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أنا شعيب بن أبي حمزة، في عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام [¬٣] سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه [¬٤] [] [¬٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ

стр. 2280

فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله [قاتلهم الله] [¬١]، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. [قال ابن أبي حاتم (٥٠٨): حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام. فقال: إنه لا يستطع. فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية] [¬٢]. ثم [¬٣]، قال [] [¬٤] " (٥٠٩): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. وحدثنا أبو سعيد الأشج (٥١٠)، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن
следующие страницы →