← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع [¬١] الرسل عليهم الصلاة والسلام (٥٠٢). وقيل [¬٢]: المخاطب [بهذه الآية] [¬٣] [هذه الأمة] [¬٤]، ومعناه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ القرآن ﴿مِنْكُمْ﴾ أيتها الأمة: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه يعني القرآن ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا إلى المقاصد الصحيحة وسنة أي: طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا. هذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد ﵀، والصحيح: القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعد [¬٥]: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة؛ لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [وهم أمة واحدة] [¬٦]، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ ، الذي [¬٧] ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.

стр. 2277

و [¬١] قال عبد الله بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ يعني: من الكتاب. ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وهي: طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله. ثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: معادكم أيها الناس، ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة. وقال الضحاك: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ (٥٠٣). والأول أظهر. وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلاف. ثم قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: و [¬٢]، احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة [¬٣] الله وحكمته فيهم، لمن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة، التي اقتضت إضلالهم ونكالهم ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: إن [¬٤] أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناءون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.

стр. 2278

و [¬١] قال محمد بن إسحاق (٥٠٤): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بي جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا ان اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة [¬٢]، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه؛ من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [جنكيز خان] [¬٣]، الذي وضع لهم اليساق [¬٤]، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها [¬٥]، وفيها كثير من الأحكام أخذها من [¬٦] مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فمن [¬٧] فعل ذلك [منهم] فهو كافر، يجب قتاله حتى ورجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل

стр. 2279

عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. و [¬١] قال ابن أبي حاتم (٥٠٥): حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي، قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥٠٦). وقال الحافظ أبو القاسم الطبرانى (٥٠٧): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الخوطي [¬٢]، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أنا شعيب بن أبي حمزة، في عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام [¬٣] سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه" وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه [¬٤] [] [¬٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ

стр. 2280

فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله [قاتلهم الله] [¬١]، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. [قال ابن أبي حاتم (٥٠٨): حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام. فقال: إنه لا يستطع. فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية] [¬٢]. ثم [¬٣]، قال [] [¬٤] " (٥٠٩): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. وحدثنا أبو سعيد الأشج (٥١٠)، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن

стр. 2281

عباس: أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: كُلْ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. وروي عن أبي الزناد: نحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: يبادرون إلى موالاتهم [¬١] ومودّتهم [¬٢] في الباطن والظاهر ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم: أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين [¬٣] بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال السدي: يعني: فتح مكة، وقال غيره: يعني: القضاء والفصل، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قال السدي: يعنى: ضرب الجزية على اليهود والنصارى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني: الذين والَوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾، أي: على ما كان منهم مما لم يُجد عنهم شيئًا ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يُدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. وقد اختلف القراء في هذا الحرف؛ فقرأه [¬٤] الجمهور بإثبات الواو في قوله: ﴿وَيَقُولُ

стр. 2282

الَّذِينَ [¬١]﴾ ثم منهم من رفع، ويقول على الابتداء، ومنهم من نصب عطفًا على قوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تقديره: أن يأتي وأن يقول، وقرأ أهل المدينة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير، قال ابن جريج [¬٢]، عن مجاهد: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حينئذ (يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا باللهَ جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) (٥١١). واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي: أنها نزلت فى رجلين، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أمّا أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي [فآوي إليه] [¬٣] وأتهود معه؛ لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: أما [¬٤] أنا [فإني ذاهب] [¬٥] إلى فلان النصراني بالشام [فآوي إليه] [¬٦] وأتنصر معه. فأنرل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ … ﴾ (٥١٢) الآيات. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح. رواه ابن جرير (٥١٣). وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير (٥١٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد، قال: جاء

стр. 2283

عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله ﵌ لعبد الله بن أبي: "يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه". قال: قد [¬١] قبلت. فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾. ثم قال ابن جرير (٥١٥): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود [¬٢]: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغركم إن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أمررنا [¬٣] العزيمة أن نستجمع [¬٤] عليكم لم يكن لكم يد [¬٥] بقتالنا. فقال عبادة [بن الصامت] [¬٦]: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرًا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى [¬٧] رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله ابن أبي: لكني لا أبرأ من ولاء يهود إنى [¬٨] رجل لابد لي منهم. فقال رسول الله ﵌: "يا أبا الحباب، أرايت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك فى دونه". فقال:

стр. 2284

إذا أقبل. قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ [بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ ] [¬١] حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أرسلني". وغضب رسول الله ﷺ حتى رُئي لوجهه ظللًا، ثم قال: "ويحك! أرسلني". قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم [¬٢] في غداة واحدة، إني امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال رسول الله ﷺ : "هم لك" (٥١٦). قال محمد بن إسحاق (٥١٧): فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله ابن أبي وقام دونهم، و [¬٣] مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجلعهم [¬٤] إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله ورسوله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [] [¬٥] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

стр. 2285

وقال الإمام أحمد (٥١٨): حدثنا قتيبة بن سعيد [¬١]، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيّ نعوده، فقال له النبي ﷺ : "قد كنت أنهاك عن حب يهود". فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد [¬٢] بن زرارة فمات. وكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة: أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، [وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾] [¬٣] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى [هاهنا] [¬٤]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 2286

من يرتد منكم عن دينه﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش (٥١٩). وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردّة أيام أبي بكر. ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [قال الحسن: هو واللَّه أبو بكر وأصحابه. رواه ابن أبي حاتم (٥٢٠). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله: ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾] [¬١]: هم أهل القادسية (٥٢١). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ (٥٢٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من الشكوك. وحدثنا أبي (٥٢٣)، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية - يعني: ابن حفص -، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم وبحبونه﴾ قال: "هؤلاء قوم من

стр. 2287

أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب". وهذا حديث غريب جدًّا. وقال ابن أبي حاتم (٥٢٤): حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد - يعني: ابن عبد [¬١] الوارث - حدثنا شعبة، عن سماك: سمعت عياضًا يحدث عن [أبي موسى] [¬٢] الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هم قوم هذا". ورواه ابن جرير: من حديث شعبة بنحوه. وقوله تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل؛ أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوّه، كما قال تعالى: ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم﴾ وفي صفة رسول اللَّه ﷺ : أنه الضحوك [¬٣] القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.

стр. 2288

وقوله : ﴿يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم﴾ أي: لا يردّهم عما هم فيه من طاعة اللَّه، [وإقامة الحدود، وقتال أعدائه] [¬١]، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردّهم عن ذلك راد، ولا يصدّهم عنه صاد، ولا يحيك [¬٢] فيهم لوم [¬٣] لائم، ولا عذل عاذل. قال الإِمام أحمد (٥٢٥): حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في اللَّه لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش. وقال الإِمام [¬٤] أحمد أيضًا (٥٢٦): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن [¬٥] أبي المثنى: أن

стр. 2289

أبا ذر ﵁ قال: بايعني رسول اللَّه ﷺ خمسًا وواثقني سبعًا، وأشهد اللَّه عليَّ تسعًا؛ أنى لا أخاف في اللَّه لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ ". قلت: نعم. قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط علي: " [] [¬١] أن لا تسأل الناس شيئًا". قلت: نعم. قال: "ولا سوطك وإن سقط منك". يعني: تنزل إليه فتأخذه. وقال الإِمام أحمد أيضًا (٥٢٧): حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه [¬٢] لا يقرب [¬٣] من أجل، ولا يباعد [¬٤] من رزق، أن يقول بحق، أو أن [¬٥] يذكر بعظيم". تفرد به أحمد.

стр. 2290

وقال أحمد (٥٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زبيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمرًا للَّه [فيه مقال فلا يقول] [¬١] فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف". ورواه ابن ماجة: [من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة به. وروى أحمد وابن ماجة] [¬٢] (٥٢٩): من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن نهار بنى عبد اللَّه العبدي المدنى، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن اللَّه ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لقن اللَّه عبدًا حجته، قال: [أي رب] [¬٣] وثقت بك وخفت الناس". وثبت في

стр. 2291

الصحيح: "ما ينبغي للمؤمن [¬١] أن يذل نفسه". قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول اللَّه؟ قال: "يتحمل من البلاء ما لا يطيق" (٥٣٠). ﴿ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء﴾ أي: من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل اللَّه عليه وتوفيقه له. ﴿والله واسع عليم﴾ أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه. وقوله تعالى: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا﴾ أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى اللَّه ورسوله والمؤمنين. وقوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام، وهي له [¬٢] وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين. وأما قوله: ﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي: في حال [¬٣] ركوعهم، ولو كان هذا كذلك؛ لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه

стр. 2292

من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه؛ وذلك [¬١] أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه (٥٣١). وقال [¬٢] ابن أبي حاتم (٥٣٢): حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلى بن أبي طالب. وحدثنا أبو سعيد الأشج (٥٣٣)، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق على بخاتمه وهو راكع، فنزلت: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. وقال ابن جرير (٥٣٤): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد اللَّه،

стр. 2293

سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية: نزلت في على بن أبي طالب تصدق وهو راكع. وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية: نزلت في علي بن أبي طالب. عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به. وروى ابن مردويه (٥٣٥): من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان على بن أبي طالب قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمة، فنزلت ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية. الضحاك لم يلق ابن عباس. وروى ابن مردويه أيضًا (٥٣٦): من طريق محمد بن السائب الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد، والناس يصلون بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "أعطاك أحد شيئًا؟ " قال: نعم. قال: "من؟! قال: ذلك الرجل القائم. قال: "على أي حالٍ أعطاكه؟ ". قال: وهو راكع. قال: وذلك على بن أبي طالب. قال: فكبر رسول الله ﷺ عند ذلك، وهو يقول: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللَّه هم الغالبون﴾. وهذا إسناد لا يفرح به. ثم رواه ابن مردويه (٥٣٧): من حديث على بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن

стр. 2294

ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بسنده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنما ويكم اللَّه ورسوله﴾ نزلت في المؤمنين، وعلى بن أبي طالب أولهم. وقال ابن جرير (٥٣٨): حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر، قال: سألته عن هذه الآية ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ [قال: الذين آمنوا] [¬١]. قلنا: بلغنا أنها نزلت في علي ابن أبي طالب. قال: علي من الذين آمنوا. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن على بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (٥٣٩). وقال على بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى اللَّه ورسوله والذين آمنوا. رواه ابن جرير (٥٤٠). وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات [¬٢] كلها نزلت في عبادة بن الصامت - ﵁ حين تبرأ من حلف بهود ورضي بولاية اللَّه ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللَّه هم الغالبون﴾، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.

стр. 2295

فكل من رضي بولاية اللَّه ورسوله والمؤمنين؛ فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللَّه هم الغالبون﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ وهذا تنفير من موالاة أعداء الإِسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإِسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل: وكم من [¬١] عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السقيم وقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار﴾ " مِنَ " هاهنا لبيان الجنس، كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ وقرأ بعضهم: (والكفار) بالخفض عطفًا، وقرأ آخرون: بالنصب على أنه معمول ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ تقديره: (ولا الكفار أولياء) أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء. والمراد بالكفار هاهنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا﴾ (٥٤١). وقوله: ﴿واتقوا اللَّه إن كنتم مؤمنين﴾ أي: اتقوا اللَّه أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء، إن كنتم مؤمنين بشرع اللَّه الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا، كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من

стр. 2296

اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾. وقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال، لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أيضًا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع "الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حُصاص [¬١]، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قفي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل [¬٢] الرجل إن يدري كم صلي، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل السلام". متفق عليه (٥٤٢). وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (٥٤٣). وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا [¬٣] وَلَعِبًا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حرق الكاذب. فدخلت خادمه ليلة من الليالي بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٥٤٤)، وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد [¬٤] والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد [¬٥]: لقد أكرم

стр. 2297

الله أسيدًا [¬١] أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصي. فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: "قد علمت الذي قلتم"، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد كان معنا؛ فنقول أخبرك (٥٤٥). وقال الإِمام أحمد (٥٤٦): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: أن عبد الله بن محيريز أخبره، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال له [¬٢]: نعم، خرجت في نفر، وكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون [¬٣]، فصرخنا [نحكيه و] [¬٤] نستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت [¬٥]، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ : "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ ". فأشار

стр. 2298

القوم كلهم إلي وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: "قم فأذن بالصلاة [¬١] ". فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فألقى علي رسول الله ﵌ التأذين هو بنفسه، قال: "قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله [ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك". ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، [¬٢]، حي على الصلاة، حى على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله". ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني [¬٣] صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ : "بارك الله فيك وبارك عليك". فقلت: يا رسول الله، [] [¬٤] مرني بالتأذين بمكة. فقال: "قد أمرتك به". وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة [¬٥]، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة، على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز.

стр. 2299

[هكذا رواه الإِمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة: من طريق عن عبد الله بن محيريز] [¬١]، عن أبي محذورة، واسمه سمرة بن معير [¬٢] بن لوذان أحد مؤذني رسول الله ﷺ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة وامتدت أيامه ﵁ وأرضاه. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة؛ فيكون الاستثناء منقطعًا، كما في قوله تعالى: ﴿نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي الحديث المتفق عليه: "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله" (٥٤٧). وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [معطوف على ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون] [¬٣]، أي: خارجون عن الطريق المستقيم.

стр. 2300

ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة [¬١] فقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، و [¬٢] كما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف. وقد قال سفيان الثوري: عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال [¬٣]."إن الله لم يهلك قومًا -[أو قال: لم يمسخ قومًا] [¬٤]- فيجعل لهم نسلا ولا عقبًا [¬٥]، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك" (٥٤٨). وقد رواه مسلم: من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به. وقال أبو داود الطيالسي (٥٤٩): حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال: "لا، إن الله لم يلعن قومًا [قط فمسخهم] [¬٦] فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود

стр. 2301

فمسخهم جعلهم مثلهم". ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به. وقال ابن مردويه (٥٥٠): حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال وسول الله ﷺ : " الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والحنازير". هذا حديث غريب جدًا. وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ و [¬١] قرئ: (وعَبَد الطاغوت) على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئ: (وعبُدَ الطاغوت) بالإضافة على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده، وقرئ: (وعُبُد الطاغوت) على أنه جمع الجمع عبد وعبيد وعبد، مثل ثمار وثمر، حكاها ابن جرير عن الأعمش، وحكى عن بريدة الأسلمي: أنه كان يقرؤها: [(وعابد الطاغوت). وعن أبيّ وابن مسعود: (وعبدوا). وحكى ابن جرير، عن أبي جعفر القارئ: أنه كان يقرؤها] [¬٢] [(وعُبِدَ الطاغوتُ)] [¬٣] على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر: أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم؛ أي: وقد عبدت

стр. 2302

الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا: الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما [¬١] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟! ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة؛ كقوله ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي: إلى [¬٢] عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي [¬٣]: والله عالم [¬٤] بسرائرهم [¬٥] وما تنطوي عليه ضمائرهم [¬٦]، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة اعلم بهم منهم وسيجزيهم على ذلك أتم الحزاء. وقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على الناس، وأكل أموالهم بالباطل ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لبئس العمل كان [¬٧] عملهم، وبئس الاعتداء [¬٨] اعتداؤهم [¬٩]. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عنَ تعاطي ذلك، والربانيون [¬١٠]

стр. 2303

منهم وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم [¬١] العلماء فقط. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال [¬٢] علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الربانيين، أنهم بئس ما كانوا يصنعون، يعني: في تركهم ذلك (٥٥١). وقال [¬٣] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا و [¬٤] لهؤلاء حين عملوا. قال: وذلك الأركان. قال: ويعملون ويصنعون واحد. رواه ابن أبي حاتم (٥٥٢). وقال ابن جرير (٥٥٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية [¬٥] أشد توبيخًا من هذه الآية: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ. وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية [¬٦] أخوف عندي منها أنا لا ننهي [¬٧]. رواه ابن جرير (٥٥٤). وقال ابن أبي حاتم (٥٥٥): ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا [محمد بن] [¬٨] مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو [¬٩] سعيد الهمْداني، قال: رأيته بالري، فحدث عن يحيى بن يعمر، قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها

стр. 2304

الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، [فلما تمادوا في المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار] [¬١] أخذتهم العقوبات، فمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلاً. وقال الإِمام أحمد (٥٥٦): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر ابن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب". تفرد به أحمد من هذا الوجه. ورواه أبو داود: عن مسدد، عن [¬٢] أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا [¬٣] [عليه فلا] [¬٤]، يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا" (٥٥٧).

стр. 2305

وقد رواه ابن ماجه: عن علي بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به (٥٥٨). [] [¬١] قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة، عن أبي إسحق به. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٢] إلى يوم القيامة: بأنهم وصفوه [¬٣] تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل [بأن قالوا] [¬٤]: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني [¬٥]، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي: بخيلة (٥٥٩). و [¬٦] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال:

стр. 2306

لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة [¬١]، ولكن يقولون: بخيا، أمسك ما عنده بخلًا [¬٢]. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا (٥٦٠). وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وقَتَادة، والسدي، والضحاك وقرأ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ يعني: أنَّه ينهى عن البخل، وعن التبذير: و [هو زيادة] [¬٣] الإِنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي عليه لعنة الله (٥٦١)، وقد تقدم أنَّه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ فضربه أَبو بكر الصديق ﵁ (٥٦٢). وقال محمد بن إسحاق (٥٦٣): حدَّثنا محمد بن أبي محمد [¬٤]، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رجل من اليهود يقال له شأس [¬٥] بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. وقد ردَّ الله عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وهكذا وقع لهم فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة - أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ

стр. 2307

النَّاسِ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: بل [¬١]. هو الواسع الفضل الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلَّا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ والآيات في هذا كثيرة. وقد قال الإِمام أحمد ابن حنبل (٥٦٤): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، بينه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى - الفيض [¬٢] يرفع ويخفض - قال -: وقال الله تعالى: أنفق أنفق عليك" أخرجاه في الصحيحين: البخاري في التوحيد عن علي بن المديني ومسلم فيه عن محمد بن رافع، و [¬٣] كلاهما عن عبد الرزاق به. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكافرون [¬٤] الحاسدون لك ولأمتك ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو المبالغة والمجاوزة للحدِّ في الأشياء ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: تكذيبًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.

стр. 2308

وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أنَّه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائمًا؛ لأنهم لا يجتمعون في حق، وقد خالفوك وكذبوك. وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قال: الخصومات والجدال في الديق. رواه ابن أبي حاتم (٥٦٥). وقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، و [¬١] كلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها، أبطلها [¬٢] الله وردَّ [¬٣] كيدهم عليهم، وحاق [¬٤] مكرهم السيئ بهم. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعون في الإِفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من [المآثم والمحارم] [¬٥] ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم [¬٦] المقصود. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عبَّاس وغيره: هو [¬٧] القرآن. ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لو أنَّهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هى عليه من غير تحريف ولا [تبديل ولا تغيير] [¬٨]، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق، والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه، والأمر باتباعه حتمًا لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني بذلك: كثرة الرزق النازل

стр. 2309

عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض. و [¬١] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعنى: يخرج من الأرض بركاتها (٥٦٦). وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، والسدي، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال بعضهم معناه: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: من غير كد ولا تعب، ولا شقاء ولا عناء. وقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من قرنه إلى قدمه. ثم رد هذا القول؛ لمخالفته أقوال السلف. وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حدَّثنا [¬٢] علقمة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن [بن جبير] [¬٣] بن نفير، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يُرفع العِلْم". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: "ثكلتك أمك يا بن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله". ثم قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٥٦٧). هكذا رواه [¬٤] ابن أبي حاتم حديثًا [¬٥] معلقًا من أول إسناده، مرسلًا في آخره، وقد رواه الإِمام

стр. 2310

أحمد بن حنبل متصلًا موصولًا؛ فقال (٥٦٨): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد: أنَّه [¬١] قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا فقال: "ذاك عند [¬٢] ذهاب العلم". قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، و [¬٣] أبناؤنا يقرئونه [¬٤] أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا بن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإِنجيل ولا ينتفعون بما فيهما [¬٥] بشيء". وكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده [¬٦] نحوه. وهذا إسناد صحيح. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو [¬٧] أوسط

стр. 2311

مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية. والصحيح: أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم [¬١] يدخلون الجنَّةَ. وقد قال أَبو بكر بن مردويه (٥٦٩): حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا أحمد بن يونس الضبي، حدَّثنا عاصم بن علي، حدَّثنا أَبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أَنس بن مالك، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنَّةَ، وتفرقت أمّة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنَّةَ وإحدى وسبعون منها في النار، و [¬٢] تعلو أمتي على الفريقين جميعًا، واحدة في الجنَّةَ وثنتان وسبعون في النار". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "الجماعات الجماعات". قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا [¬٣] الحديث عن رسول الله ﷺ ، تلا فيه قرآنا قال [¬٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ] [¬٥]﴾ إلى قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، وتلا أيضًا [قوله تعالى]: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ . وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾

стр. 2312

يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ [¬١] جميع [¬٢] ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، الله [¬٣] يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٥٧٠). هكذا رواه هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والتِّرمِذي والنسائى في كتاب [¬٤] التفسير من سننهما من طرق عديدة [¬٥]، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع عنها ﵂. وفي الصحيحين [عنها أيضًا] [¬٦] أنَّها قالت: لو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا [¬٧] من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥٧١).

стр. 2313

وقال ابن أبي حاتم (٥٧٢): حدَّثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عبَّاس فجاء رجل، فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عبَّاس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء. وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وَهْب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (٥٧٣). وقال البخاري ﵁: قال الزُّهْريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه [¬١] نحوًا بن أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطته ويومئذ: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء ويقلبها إليهم [¬٢] ويقول: "اللهم هل بلغت، اللهم بلغت" (٥٧٤).

стр. 2314

قال [¬١] الإِمام أحمد (٥٧٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "يا أي الناس، أى يوم هذا؟ " قالوا: هم حرام. قال: "أي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: "فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: "فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". ثم أعادها مرارًا ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: "اللهم هل بلغت". مرارًا. قال: يقول ابن عبَّاس: والله لوصية إلى ربه . ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: وإن لم تؤد [¬٢] إلى الناس ما أرسلتك به ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] [¬٣]﴾ يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته (٥٧٦). قال [¬٤] ابن أبي حاتم (٥٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا قبيصة بن عقبة [¬٥]، حدَّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

стр. 2315

قال: "يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي". فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. ورواه ابن جرير من طريق سفيان - وهو الثَّوري - به. وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، كما قال الإِمام أحمد (٥٧٨): حدَّثنا يزيد، حدَّثنا يحيى، قال [¬١]: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث: أن عائشة ﵂ كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة". قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: "ما جاء بك؟ " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه. أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به. وفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة، يعني: على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها (٥٧٩).
следующие страницы →