← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية. والصحيح: أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم [¬١] يدخلون الجنَّةَ. وقد قال أَبو بكر بن مردويه (٥٦٩): حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا أحمد بن يونس الضبي، حدَّثنا عاصم بن علي، حدَّثنا أَبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أَنس بن مالك، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنَّةَ، وتفرقت أمّة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنَّةَ وإحدى وسبعون منها في النار، و [¬٢] تعلو أمتي على الفريقين جميعًا، واحدة في الجنَّةَ وثنتان وسبعون في النار". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "الجماعات الجماعات". قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا [¬٣] الحديث عن رسول الله ﷺ ، تلا فيه قرآنا قال [¬٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ] [¬٥]﴾ إلى قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، وتلا أيضًا [قوله تعالى]: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ . وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة. ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾

стр. 2312

يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ [¬١] جميع [¬٢] ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام. قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، الله [¬٣] يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٥٧٠). هكذا رواه هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والتِّرمِذي والنسائى في كتاب [¬٤] التفسير من سننهما من طرق عديدة [¬٥]، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع عنها ﵂. وفي الصحيحين [عنها أيضًا] [¬٦] أنَّها قالت: لو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا [¬٧] من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (٥٧١).

стр. 2313

وقال ابن أبي حاتم (٥٧٢): حدَّثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عبَّاس فجاء رجل، فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عبَّاس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء. وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وَهْب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (٥٧٣). وقال البخاري ﵁: قال الزُّهْريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه [¬١] نحوًا بن أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطته ويومئذ: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء ويقلبها إليهم [¬٢] ويقول: "اللهم هل بلغت، اللهم بلغت" (٥٧٤).

стр. 2314

قال [¬١] الإِمام أحمد (٥٧٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: "يا أي الناس، أى يوم هذا؟ " قالوا: هم حرام. قال: "أي بلد هذا؟ " قالوا: بلد حرام. قال: "فأي شهر هذا؟ " قالوا: شهر حرام. قال: "فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا". ثم أعادها مرارًا ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: "اللهم هل بلغت". مرارًا. قال: يقول ابن عبَّاس: والله لوصية إلى ربه . ثم قال: "ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض". وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: وإن لم تؤد [¬٢] إلى الناس ما أرسلتك به ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] [¬٣]﴾ يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته (٥٧٦). قال [¬٤] ابن أبي حاتم (٥٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا قبيصة بن عقبة [¬٥]، حدَّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾

стр. 2315

قال: "يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي". فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. ورواه ابن جرير من طريق سفيان - وهو الثَّوري - به. وقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، كما قال الإِمام أحمد (٥٧٨): حدَّثنا يزيد، حدَّثنا يحيى، قال [¬١]: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث: أن عائشة ﵂ كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة". قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: "من هذا؟ " فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: "ما جاء بك؟ " قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه. أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به. وفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة، يعني: على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها (٥٧٩).

стр. 2316

وقال ابن أبي حاتم (٥٨٠): حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد - يعني: أبا قدامة - عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، وقال: "با أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله ". وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي كلاهما، عن مسلم ابن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب. وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه، من طريق مسلم بن إبراهيم به، ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به. ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري، عن ابن شقيق قال: كان النبي ﷺ يحرس [¬١] .... ولم يذكر عائشة. قلت: هكذا رواه ابن جرير: من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب كلاهما، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق مرسلًا (٥٨١)، وقد روي هذا مرسلًا، عن سعيد ابن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير (٥٨٢)، والربيع بن أنس، رواه ابن

стр. 2317

مردويه ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس. حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه؛ فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ترك رسول الله ﷺ الحرس. حدثنا على بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل ابن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكى يحدث، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه، حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه فقال: "يا عم، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث" (٥٨٣). وهذا حديث غريب وفيه نكارة؛ فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية. ثم قال (٥٨٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا

стр. 2318

أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يحرس، فكان [أبو طالب يرسل إليه] [¬١] كل يوم رجالًا [¬٢] من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: "إن الله قد عصمني من الجن والإنس". رواه [¬٣] الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به. وهذا أيضًا حديث [¬٤] غريب، والصحيح: أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم. ومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها، وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلاً ونهارًا - بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة، بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه [¬٥] أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإِسلام، وعلى أن يتحول [¬٦] إلى دارهم: وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده اللَّه ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين داء لذلك الداء، ولما سمه [¬٧] اليهود في [¬٨] ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة. قال [¬٩] أبو جعفر بن جرير (٥٨٥): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا [¬١٠]: كان رسول الله ﷺ إذا نزل

стр. 2319

منزلًا [¬١]، اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك منى؟ فقال: "الله ". فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٥٨٦): حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زبد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ﷺ بنى أنمار نزل ذات الرقاع [¬٢] بأعلي نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال [غَوْرَث بن الحارث] [¬٣] من بني النجار: لأقتلن محمدًا. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه [¬٤]. فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله ﷺ : "حال الله بينك وبين ما تريد". فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك منى؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله يمنعني منك، ضع السيف". فوضعه، فأنزل الله : ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وكذا رواه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.

стр. 2320

وقال الإِمام أحمد (٥٨٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا [¬١] إسرائيل - يعني الجشمي - سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلًا سمينًا، فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك". قال: وأتى النبي ﷺ برجل، فقيل [¬٢]: هذا أراد أن يقتلك. فقال له [¬٣] النبي ﷺ : "لم ترع [لم ترع] [¬٤]، ولو أردت ذلك يسلطك [¬٥] الله [¬٦] على". وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما [¬٧] قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾

стр. 2321

يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد ﷺ ، والإيمان بمبعثه والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن العظيم (٥٨٨). وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تقدم تفسيره، ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فلا تحزن عليهم ولا يهيدنك [¬١]، ذلك منهم. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم حملة التوراة ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون: طائفة بين [¬٢] النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: بين [¬٣] اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير بين [¬٤]: اليهود والنصارى، وعن الحسن: إنهم كالمجوس. وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى غير القبلة ويقرءون الزبور. وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها ولم يحدثوا كفرًا (٥٨٩). وقال ابن وهب (٥٩٠): أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: الصابئون هم [¬٥] قوم مما يلي العراق وهم بكوثي [¬٦]، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وقيل: غير ذلك. وأما النصارى فمعروفون، وهم حملة الإِنجيل. والمقصود: أن كل فرقة آمنت بالله واليوم [¬٧] الآخر - وهو الميعاد والجزاء يوم الدين - وعملت

стр. 2322

عملًا صالحًا، ولا يكون ذلك كذلك [¬١] حتى يكون موافقًا للشريعة المحمدية، بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا [¬٢]. ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾ يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بنى إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسله [¬٣]، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا فترتب، وهو: أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما كانوا فيه ﴿ثُمَّ عَمُوا﴾ أي: بعد ذلك ﴿وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مطلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ

стр. 2323

كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ يقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًّا كبيرًا. هذا، وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ولم يقل: إني [¬١]، أنا الله ولا ابن الله بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله به وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه [¬٢]، غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وفي الصحيح: أن النبي ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة - وفي لفظ مؤمنة - " (٥٩١). وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منهم ديوانًا لا يغفره الله وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾. الحديث في مسند أحمد.

стр. 2324

ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه. وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم (٥٩٢): حدثنا على بن الحسن الهسنجاني [¬١]، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود: عزيز ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة. وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا [¬٢] اليهود والنصارى، [والصحيح أنها] [¬٣] [أنزلت في النصارى] [¬٤] خاصة. قاله مجاهد وغير واحد. ثم اختلفوا في ذلك؛ فقيل: المراد بذلك كفرهم [¬٥] في قولهم بالأقانيم الثلاثة؛ وهو أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. قال [¬٦] ابن جرير وغيره. والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاث كافرة. وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا [¬٧] الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية (٥٩٣). وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم.

стр. 2325

قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا، بل هو وحده لا شريك له إله جميع الكائنات وسائر الموجودات. ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: فى الآخرة من الأغلال والنكال. ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه، ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه. ثم قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَ﴾ أي: له سَويَّة [¬١] أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد بن عباد الله، ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، [استدلالًا منهم بخطاب] [¬٢] الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، وقد حكي الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإِجماع على ذلك. وقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به وإلي خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين، كما زعمت [¬٣] فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٤] إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء [¬٥] أين يذهبون؟ وبأي قول يتمسكون؟ وإلي أي مذهب من الضلال يذهبون؟

стр. 2326

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ يقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإِلهية: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذَلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على إيصال ضر [¬١] إليكم، ولا إيجاد نفع ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: فلم عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، [فلم عدلتم عنه] [¬٢] إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه. ثم قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإِلهية، كما صنعتم في المسيح و [¬٣] هو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاكَ إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال. قال ابن أبى حاتم (٥٩٤): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم، فأخذ بالكتاب والسنة زمانًا فأتاه [¬٤] الشيطان، فقال: إنما تركب أثرًا أو أمرًا قد عمل قبلك فلا تجمد عليه، ولكن ابتدع أمرًا من قبل نفسك، وادع إليه واجبر الناس عليه؛ ففعل، ثم ادّكر بعد فعله زمانًا فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أيامًا، فأتى [¬٥] فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك، عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك [¬٦]، حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك

стр. 2327

أبدًا. ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طوبل، فيما أنزله [¬١] على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم؛ بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه. قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا [¬٢] في التوراة والإِنجيل وفي الزبور وفي الفرقان (٥٩٥). ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر أن يرتكب [¬٣] مثل الذي ارتكبوه [¬٤] فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [¬٥]﴾. وقال الإِمام أحمد (٥٩٦) ﵀: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله [¬٦]، عن

стр. 2328

على بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم - قال يزيد: وأحسبه قال [¬١]: وأسواقهم - وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. وكان رسول الله ﷺ متكئًا، فجلس، فقال: "لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم [¬٢] على الحق أطرًا [¬٣] ". وقال أبو داود (٥٩٧)،: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد، عن علي [¬٤] ابن بذيمة، [عن أبي عبيدة] [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشربيه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾، ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه [¬٦] على الحق أطرًا، أو تقصرنه على الحق قصرًا".

стр. 2329

وكذا رواه الترمذي وابن ماجة، من طريق على بن بذيمة به. وقال الترمذي: حسن غريب. ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلًا. وقال ابن أبي حاتم (٥٩٨): حدثنا أبو سعيد الأشج وهارون بن إسحاق الهمداني قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبى عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعزيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه". وفي حديث هارون: "وشربيه". ثم اتفقا في المتن: "فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ثم قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه [¬١] على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم". والسياق لأبي سعيد، كذا قال في روايته [¬٢] هذا الحديث. وقد رواه أبو داود أيضًا عن خلف بن هشام، عن أبى شهاب الخياط، عن العلاء [¬٣] بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس - عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه. ثم قال أبو داود: وكذا رواه خالد، عن العلاء، عن عمرو بن مرة به. ورواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (٥٩٩). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن العلاء أبن المسيب] [¬٤]، عن عمرو بن مرة، [عن أبى عبيدة] [¬٥]، عن أبى موسى.

стр. 2330

والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام. قد تقدم حديث جرير [¬١] عند قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ وسيأتي عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ حديثُ أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإِمام أحمد (٦٠٠): حدثنا سليمان الهاشمى، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم". ورواه الترمذي عن علي بن حجر، عن إِسماعيل بن جعفر به. وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (٦٠١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية ابن هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم".

стр. 2331

تفرد به، وعاصم هذا مجهول. وفي الصحيح (٦٠٢): من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلد أضعف الإِيمان". رواه مسلم. وقال الإمام أحمد (٦٠٣): حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف - هو ابن أبي سليمان - سمعت عدي بن [] [¬١] عدي الكندي يحدث، عن مجاهد، قال: حدثني مولي لنا، أنه سمع جدي - يعني عدي بن عميرة ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادوون على أن ينكروه فلا ينكرونه [¬٢]، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة".

стр. 2332

ثم رواه أحمد (٦٠٤): عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي [¬١]، حدثني مولى لنا، أنه سمع جدي يقول: سمعت [¬٢] رسول الله ﷺ يقول [¬٣]، فذكره، هكذا رواه الإِمام أحمد من هذين الوجهين. وقال أبو داود (٦٠٥): [حدثنا محمد] [¬٤] بن [¬٥] العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عدي، عن العرس - يعني: ابن عميرة - عن النبي ﷺ ، قال: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فوضيها كان كمن شهدها". تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلًا. و [¬٦] قال أبو داود (٦٠٦): حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة - وهذا لفظه - عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن النبي ﷺ قال: "لن يهلك الناس حتى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم". وقال ابن ماجة (٦٠٧): حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد

стр. 2333

ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: "ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمة". قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا [¬١]. وفي حديث إسرائيل، [عن محمد بن جحادة] [¬٢]، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" (٦٠٨). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال ابن ماجة (٦٠٩): حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد

стр. 2334

ابن سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة [الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة] [¬١] الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمي جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: "أين السائل؟ " قال: أنا يا رسول الله. قال: "كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر". تفرد به. وقال ابن ماجة (٦١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحقر أحدكم نفسه". قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: "يرى أمرًا لله فيه مقال، لم لا يقول فيه، فيقول الله [له] [¬٢] يوم القيامة: ما منعك أن تقول في [¬٣] كذا وكذا وكذا. فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى [¬٤] ". تفرد به. وقال أيضًا (٦١١): حدثنا على بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يفول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب، رجوتك وفرقت من [¬٥] الناس". تفرد به أيضًا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به. وقال الإِمام أحمد (٦١٢): حدثنا عمرو بن عاصم، عن حماد [¬٦] بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: "لا

стр. 2335

ينبغي لمسلم أن يذل نفسه". قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: "يتعرض من البلاء ما [¬١]، لا يطيق". وكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [¬٢] غريب. وقال ابن ماجة (٦١٣): حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيي بن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني، عن مكحول، عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول الله: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: "إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم". قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: "الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رُذَّالكم". قال زيد: تفسير معنى قول النبي ﷺ : "والعلم لي رُذَّالكم": إذا كان العلم في الفساق. تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ - شاهد لهذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني بذلك: موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًّا إلى يوم معادهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم [¬٣] أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ [¬٤] خَالِدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.

стр. 2336

قال ابن أبي حاتم (٦١٤): حدّثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلمة [¬١] بن علي، عن الأعمش بإسناد ذكره قال: "يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فية ست خصال: ثلاثًا [¬٢] في الدنيا وثلاثًا [¬٣] في الآخرة؛ فأما التي في الدنيا: فإنه يُذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار". ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. هكذا ذكره ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مردويه، من طريق هشام بن عمار، عن مسلمة [¬٤]، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكره، وساقه أيضًا: من طريق سعيد بن عُفير، عن مسلمة [¬٥]، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكر مثله. وهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لو آمنوا حق الإِيمان بالله والرسول والقرآن [¬٦] لما ارتكبوا ما ارتكبوه؛ من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه [ما حذرهم أولياء] [¬٧]، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.

стр. 2337

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم (٦١٥). وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما (٦١٦): نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ؛ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه [¬١] و [¬٢] قرأ عليهم [النبي ﷺ ] [¬٣] القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدّي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق. وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة.

стр. 2338

ثم اختلف في عدة هذا الوفد؛ فقيل: اثنا عشر؛ سبعة قساوسة [¬١]، وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلًا. فالله أعلم. وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين (٦١٧). وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا (٦١٨). واختار ابن جرير أن هذه الآيات [¬٢] نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها. فقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط [¬٣] للناس، وتنقص بحملة العلم؛ ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء، حتى هموا بقتل [رسول الله] [¬٤] ﷺ غير مرة، وسموه [¬٥] وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٦] إلى يوم القيامة. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية (٦١٩): حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا على بن سعيد العلاف، حدثنا أبو

стр. 2339

النضر، عن الأشجعى، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خلا يهودي [بمسلم قط] إلا هم بقتله". ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق اليشكري، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما خلا يهودي بمسلم إلا حدّثته [¬١] نفسه بقتله". وهذا حديث غريب جدًّا. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله - فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك [¬٢] إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. و [¬٣] ليس القتال مشروعًا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد مشتق من الرهبة وهي [¬٤] الخوف، كراكب وركبان وفارس وفرسان. قال ابن جرير (٦٢٠): وقد يكون الرهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، [وجردان وجرادين] [¬٥]، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدًا قول [¬٦] الشاعر: لو عاينت رهبان دير في القلل … لانحدر الرهبان يمشي ونزل وقال الحافظ أبو بكر البزار (٦٢١): حدثنا بشر بن آدم، حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني

стр. 2340

الصلت الدهان، عن حامية [¬١] بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ : "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا". وكذا رواه ابن مردويه: من طريق يحيى بن عبد الحميد [¬٢] الحماني، عن نصير بن زياد الطائى، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، [عن سلمان به]. وقال ابن أبي حاتم (٦٢٢): ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا نصير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب] [¬٣]، قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: هم البرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها. قال سلمان: وقرأت على النبي ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني "ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا ". فقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به. وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر [¬٤] بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه:

стр. 2341

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٦٢٣). وقال الطبراني (٦٢٤): حدثنا أبو شبيل [عبيد الله بن عبد الرحمن] [¬١] بن واقد، حدثنا أبى، حدثنا العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة وجعفر بن إياس، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، في قوله [¬٢]: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. قال إنهم كانوا نواتين [¬٣]- يعنى: ملَّاحين [¬٤]- قدموا مع جعفر بن أبى طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم [¬٥] " القرآن آمنوا، وفاضت أعينهم. فقال رسول الله ﷺ : "لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم". فقالوا: لن ننتقل عن ديننا. فأنزل الله ذلك من قولهم. وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه (٦٢٥): من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد صلى الله

стр. 2342

عليه وسلم، وأمته و [¬١] هم الشاهدون: يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا. ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. وهذا المصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [إلى قوله] [¬٢]: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أيْ: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ساكني فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان. ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بها وخالفوها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: هم أهلها والداخلون فيها [¬٣]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﵌، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك. فقالوا: نعم. فقال النبي ﷺ : "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني". رواه ابن أبي حاتم (٦٢٦).

стр. 2343

وروى ابن مردويه: من طريق العوفي، عن ابن عباس نحو ذلك (٦٢٧). وفي الصحيحين (٦٢٨): عن - عائشة ﵂: أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال. "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". وقال ابن أبي حاتم (٦٢٩): حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان يعني. ابن سعد - أخبرني عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، واني حرمت عليَّ اللحم فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعًا: عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم النبيل به. وقال: حسن غريب. وقد روي من وجه آخر مرسلًا، وروي موقوفًا على ابن عباس، فالله أعلم. ققال سفيان الثوري ووكيع: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، فال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا

стр. 2344

أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أخرجاه من حديث إسماعيل (٦٣٠)، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم. وقال الأعمش: عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٦٣١). وقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له [¬١] عبد الله: ادن. فقال: إني حرت أن آكله. فقال عبد الله: ادن، فاطعَم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٦٣٢) الآية. رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه: من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن [¬٢] منصور به، ثم قال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ثم قال ابن أبي حاتم (٦٣٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام

стр. 2345

ابن سعد، أن زيد بن أسلم حدثه: أن عبد الله بن رواحة ضافه [¬١] ضيف [¬٢] من أهله وهو عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارًا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو عليَّ حرام. فقالت امرأته: هو عليَّ حرام. وقال الضيف: هو عليَّ حرام. فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله. ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذا أثر منقطع. وفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره: إلى أن من حرم مأكلًا أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما فى الحديث المتقدم لم يأمره النبى ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإِمام أحمد بن حنبل: إلى أن من حرم مأكلاً أو مشربًا [أو ملبسًا] [¬٣] أو شيئًا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. وكذلك هاهنا [¬٤] لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين فى اقتضاء التكفير، والله أعلم. وقال ابن جرير (٦٣٤): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو، أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جريج، عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة في أصحاب تبتلوا، فجلسوا في البيوت،

стр. 2346

واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات [¬١] الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالإِخصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت [هذه الآية] [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الإِخصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم [¬٣] رسول الله ﷺ ، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا وإن لأعينكم حقًّا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس هنا من ترك سنتنا". فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين، كما تقدم ذلك ولله الحمد والمنة (٦٣٥). وقال أسباط: عن السدّي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ كانوا عشرة، منهم: على بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون -: ما حقنا إن لم نحدث عملًا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم. فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان ابن مظعون ممن حرم النساء؛ فكان [¬٤] لا يدنو من أهله ولا تدنو منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها [¬٥] عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع على زوجي وما رفع عني [¬٦] ثوبًا منذ كذا وكذا! قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: "ما يضحككن؟ ". قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها [¬٧] عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما لك يا

стр. 2347

عثمان؟ " قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة. وقص عليه أمره، وكان عثمان قد [¬١] أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "أقسمت عليك [¬٢] إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال: "أفطر". فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. وقال رسول الله ﷺ : "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني". فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجبَّ نفسك؛ فإن هذا هو الاعتداء [¬٣]، وأمرهم أن يكفروا عن [¬٤] أيمانهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. رواه [¬٥] ابن جرير (٦٣٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم [¬٦] المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي [¬٧] عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته [¬٨] وعصيانه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ

стр. 2348

فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ و [¬١] قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة. وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، وبلى والله. وهذا مذهب الشافعي [¬٢]، وقيل: هو في الهزل، وقيل: في المعصية، وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب. وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. والصحيح: أنه اليمين من غير قصد، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما صممتم عليه [من الأيمان] [¬٣] وقصدتموها ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما كفيه. وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي: من أعدل ما تطعمون أهليكم (٦٣٧). [وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم (٦٣٨)] [¬٤]. قال ابن أبي حاتم (٦٣٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، قال: خبز ولبن، وخبز [¬٥] وسمن.

стр. 2349

وقال ابن أبي حاتم (٦٤٠): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان - يعني: ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الرجل يقوت بعض [¬١] أهله قوت دون، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي [¬٢]: من [¬٣] الخبز والزيت. وحدثنا أبو سعيد الأشج: عن [¬٤] وكيع، عن: إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم (٦٤١). وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب - يعنى: ابن شابور - حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن التميمي [¬٥]، عن ابن عمر ﵁، أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز واللحم، [والخبز والسمن] [¬٦]، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل (٦٤٢). وحدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، [والخبز واللبن] [¬٧]، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز

стр. 2350

واللحم (٦٤٣). ورواه ابن جرير: عن هناد وابن وكيع كلاهما، عن أبي معاوية. ثم روى ابن جرير (٦٤٤): عن عبيدة، والأسود، وشريح القاضي، ومحمد بن سيرين، والحسن، والضحاك، وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة. ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبى حاتم (٦٤٥): حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغذيهم ويعشيهم. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة: خبزًا ولحمًا. زاد الحسن: فإن لم [يجد فخبزًا] [¬١] وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد [¬٢] فخبزًا وزيتًا وخلًّا حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. و [¬٣] هذا قول عمر وعلى وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه.
следующие страницы →