← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات [¬١] الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالإِخصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت [هذه الآية] [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الإِخصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم [¬٣] رسول الله ﷺ ، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا وإن لأعينكم حقًّا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس هنا من ترك سنتنا". فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت. وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين، كما تقدم ذلك ولله الحمد والمنة (٦٣٥). وقال أسباط: عن السدّي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ كانوا عشرة، منهم: على بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون -: ما حقنا إن لم نحدث عملًا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم. فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان ابن مظعون ممن حرم النساء؛ فكان [¬٤] لا يدنو من أهله ولا تدنو منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها [¬٥] عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع على زوجي وما رفع عني [¬٦] ثوبًا منذ كذا وكذا! قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: "ما يضحككن؟ ". قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها [¬٧] عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: "ما لك يا

стр. 2347

عثمان؟ " قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة. وقص عليه أمره، وكان عثمان قد [¬١] أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "أقسمت عليك [¬٢] إلا رجعت فواقعت أهلك". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال: "أفطر". فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. وقال رسول الله ﷺ : "ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني". فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجبَّ نفسك؛ فإن هذا هو الاعتداء [¬٣]، وأمرهم أن يكفروا عن [¬٤] أيمانهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. رواه [¬٥] ابن جرير (٦٣٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم [¬٦] المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي [¬٧] عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ثم قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته [¬٨] وعصيانه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ

стр. 2348

فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾ و [¬١] قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة. وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، وبلى والله. وهذا مذهب الشافعي [¬٢]، وقيل: هو في الهزل، وقيل: في المعصية، وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب. وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. والصحيح: أنه اليمين من غير قصد، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما صممتم عليه [من الأيمان] [¬٣] وقصدتموها ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما كفيه. وقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي: من أعدل ما تطعمون أهليكم (٦٣٧). [وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم (٦٣٨)] [¬٤]. قال ابن أبي حاتم (٦٣٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، قال: خبز ولبن، وخبز [¬٥] وسمن.

стр. 2349

وقال ابن أبي حاتم (٦٤٠): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان - يعني: ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الرجل يقوت بعض [¬١] أهله قوت دون، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي [¬٢]: من [¬٣] الخبز والزيت. وحدثنا أبو سعيد الأشج: عن [¬٤] وكيع، عن: إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم (٦٤١). وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب - يعنى: ابن شابور - حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن التميمي [¬٥]، عن ابن عمر ﵁، أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز واللحم، [والخبز والسمن] [¬٦]، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل (٦٤٢). وحدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، [والخبز واللبن] [¬٧]، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز

стр. 2350

واللحم (٦٤٣). ورواه ابن جرير: عن هناد وابن وكيع كلاهما، عن أبي معاوية. ثم روى ابن جرير (٦٤٤): عن عبيدة، والأسود، وشريح القاضي، ومحمد بن سيرين، والحسن، والضحاك، وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة. ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبى حاتم (٦٤٥): حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغذيهم ويعشيهم. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة: خبزًا ولحمًا. زاد الحسن: فإن لم [يجد فخبزًا] [¬١] وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد [¬٢] فخبزًا وزيتًا وخلًّا حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. و [¬٣] هذا قول عمر وعلى وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه.

стр. 2351

وقد قال أبو بكر بن مردويه (٦٤٦): حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة [¬١] ابن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفر رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر. روراه ابن ماجة: عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائى، عن عمر [¬٢] بن عبد الله ابن يعلن الثقفي، عن المنهال بن عمرو به. لا يصح هذا الحديث؛ لحال عمر بن عبد الله هذا فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر، وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي حاتم (٦٤٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن [¬٣] داود - يعني: ابن أبي هند - عن عكرمة، عن ابن عباس، [أنه قال] [¬٤]: مد [¬٥] من بر. يعني: لكل مسكين ومعه إدامه. ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم [¬٦] وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري نحو [¬٧] ذلك. وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ لكل مسكين، ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي صلى الله عليهوسلم للذي جامع في رمضان: بأن يطعم ستين مسكينًا من مكيل يسع [¬٨] خمسة عشر صاعًا، لكل واحد منهم مد.

стр. 2352

وقد ورد حديث آخر، صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه (٦٤٨): حدثنا أحمد بن على بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي، عن عبد الله بن عمر [¬١] العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مدًّا من حنطة بالمد الأول. إسناده ضعيف؛ لحال [¬٢] النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول. مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة. فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضًا. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مد من بر، أو مدان من غيره. والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة: من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة - أجزأه ذلك. واختلف أصحابه فى القلنسوة هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجًا بما رواه ابن أبي حاتم (٦٤٩): حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي قالا: حدثنا القاسم بن مالك، عن محمد ابن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم فكساهم [¬٣] قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا.

стр. 2353

ولكن هذا إسناد ضعيف؛ لحال محمد بن الزبير، هذا والله أعلم، وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإِسفراييني في الخف وجهين أيضًا، والصحيح عدم الإِجزاء. وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة، ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرًا: كل بحسبه، والله أعلم. وقال العوفي، عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة (٦٥٠). وقال مجاهد: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت (٦٥١). وقال ليث، عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (٦٥٢). وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاووس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك: ثوب ثوب (٦٥٣). وعن إبراهيم النخعى أيضًا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يري [¬١] الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعًا (٦٥٤). وقال الأنصاري عن أشعث، عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان [¬٢] (٦٥٥). وقال الثوري: عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها (٦٥٦).

стр. 2354

وقال ابن جرير (٦٥٧): حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى: أنه حلف على يمين فكسا ثوبين من معقدة البحرين. وقال ابن مردويه (٦٥٨): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: "عباءة لكل مسكين". حديث غريب. وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة إطلاقها، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لابد أن تكون مؤمنة، وأخذ تقييدها بالإِيمان من كفارة القتل، لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب، ولحديث [¬١] معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين الله؟ ". قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ ". قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". الحديث بطوله (٦٥٩). فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإِجماع، وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإِطعام [أسهل و] [¬٢] أيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فرقى [¬٣] فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث، كفر بصيام ثلاثة أيام، كما [قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ " [¬٤].

стр. 2355

وروى [¬١] ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإِطعام وإلا صام (٦٦٠). وقال ابن جرير حاكيًا عن بعض متأخري متفقهة [¬٢] زمانه أنه قال: جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف به [¬٣] لمعاشه [¬٤] [ما يكفر به بالإطعام أن يصوم إلا أن يكون له كفاية ومن المال ما يتصرف] [¬٥] [به لمعاشه] [¬٦]، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه. ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين، واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع [أو يستحب، ولا يجب ويجزئ التفريق] [¬٧] على قولين [¬٨]؛ أحدهما [¬٩]: [أنه] [¬١٠] [لا يجب] [¬١١] و [¬١٢] هذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإِطلاق قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء ومضان لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة؛ لأنه قد روي عن أبى بن كعب وغيره: أنهم كانوا يقرءونها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).

стр. 2356

قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: إنه كان يقرؤها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٦٦١). وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود (٦٦٢). وقال إبراهيم: في قراءة أصحاب [¬١] عبد الله بن مسعود: (فصيام [ثلاث أيام] [¬٢] متتابعات) (٦٦٣). وقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك (٦٦٤). وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنًا متواترًا فلا أقل من [¬٣] أن يكون [خبرًا واحدًا [¬٤]، أو تفسيرًا من الصحابة وهو في حكم المرفوع. وقال أبو بكر بن مردويه (٦٦٥): حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري،

стр. 2357

حدثنا الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، [عن ابن جريج] [¬١]، عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الكفارات، قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطمعت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وهذا حديث غريب جدًّا. وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [أي: هذه كفارة اليمين الشرعية] [¬٢] ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يوضحها وينشرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر؛ وهو القمار. وقد ورد عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر. رواه ابن أبي حاتم، [عن أبيه] [¬٣] عن عُبيس بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن

стр. 2358

أبيه، عن علي به (٦٦٦). وقال ابن أبي حاتم (٦٦٧): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس - قال سفيان: أو اثنين منهم - قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز. وروي عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب مثله [¬١]، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار (٦٦٨). وقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإِسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة (٦٦٩). وقال مالك، عن داود بن الحصين، إنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (٦٧٠). وقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار (٦٧١). وقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٦٧٢)، رواهن ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم (٦٧٣): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا

стр. 2359

صدقة، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجزًا؛ فإنها من الميسر". حديث غريب، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (٦٧٤). وفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنني أبي داود وابن ماجه: عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" (٦٧٥). وروي موقوفًا على [¬١] أبي موسى من قوله، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٦٧٦): حدثنا مكي [¬٢] بن إبراهيم، حدثنا الجعيد [¬٣]، عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي [¬٤]، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله ﷺ ؟ فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي".

стр. 2360

وأما الشطرنج، فقد قال عبد الله بن عمر: إنه شر من النرد. وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر. ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى. واْما الأنصاب: فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها. وأما الأزلام، فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها. وقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أي: سخط من عمل الثميطان. وقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي: شر من عمل الشيطان. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضمير عائد على الرجس، أي: أتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذا ترغيب. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهذا تهديد وترهيب [¬١]. [ذكر الأحاديث الواردة في بيان [¬٢] تحريم الخمر] قال الإِمام أحمد (٦٧٧): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرما [¬٣] علينا، إنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وكانوا

стр. 2361

يشربون الخمر حتى كان يوم [¬١] من الأيام، صلى رجل من المهاجرين أَمَّ أصحابه في المغرب فخلط [¬٢] في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان [¬٣] الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قالوا: انتهينا ربنا! وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا بشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ : "لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم"، انفرد به أحمد. وقال الإِمام أحمد (٦٧٨): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي [¬٤] عمرُ فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة [¬٥] النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا [أقام] [¬٦] الصلاة نادى: أن [¬٧] لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر [¬٨] فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت

стр. 2362

الآية [¬١] التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ [قول الله تعالى] [¬٢]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر: انتهينا [انتهينا] [¬٣]. وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو [¬٤] بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني - عن عمر [¬٥] به. وليس له عنه سواه. قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث على بن المديني والترمذي. وقد ثبت في الصحيحين (٦٧٩) عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ : أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهو من خمسة: [من] [¬٦] العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. وقال البخاري (٦٨٠): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة [¬٧] أشربة ما فيها شراب العنب. (حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي (٦٨١): حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري

стр. 2363

- يعني: أبا طعمة قارئ مصر - قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات؛ فأول شيء نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا [¬١] ننتفع بها كما قال الله تعالى! قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيتين [¬٢]. فقال رسول الله ﷺ : "حرمت الخمر". (حديث آخر): قال الإمام أحمد (٦٨٢): حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر [¬٣] يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ : "يا فلان؛ أما علمت أن الله حرمها". فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ : " يا فلان؛ بماذا أمرته؟ " فقال: أمرته أن يبيعها. قال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها". فأمر بها [¬٤] فأفرغت في البطحاء. رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم. ومن طريق ابن وهب أيضًا، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كلاهما، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به. ورواه النسائي: عن قتيبة، عن مالك به.

стр. 2364

(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٦٨٣): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري: أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ [كل عام] [¬١] راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك، وقال: "إنها قد حرمت بعدك". قال: يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهود؛ حرمت [¬٢] عليهم شحوم البقر والغنم فأذابوه وباعوه، والله حرم الخمر وثمنها". وقد رواه أيضًا الإِمام أحمد فقال (٦٨٤): حدثنا روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: سمعت شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم: أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال: "أشعرت أنها قد حرمت بعدك". فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﵌: " لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه فباعوا به ما يأكلون، وإن الحمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، [وإان الخمر حرام وثمنها حرام] [¬٣] ". (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٦٨٥): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن

стр. 2365

سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان، أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتي بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب. فقال رسول الله ﷺ : "يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك". قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنها قد حرمت وحرم ثمنها". فانطق كيسان إلى الزقاق فأخذ لأرجلها ثم هراقها. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٦٨٦): حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس، قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة، [وأنا أسقيهم] [¬١] حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين، فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فما قالوا [¬٢]: حتى ننظر ونسأل. فقالوا: يا أنس، اكف [¬٣] ما بقي [¬٤] في إنائك. فو الله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، و [¬٥] هي خمرهم يومئذ. أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. فهرقتها، فقالوا - أو قال بعضهم -: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟. قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (٦٨٧).

стр. 2366

وقال ابن جرير (٦٨٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد [¬١]، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح [وأبي دجانة] ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء، حتى مالت رءوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﵌ يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل: يا رسول الله، فما منزلة من مات وهو يشربها [¬٢] فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. فقال رجل لقتادة: أنت [¬٣] سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم. قال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، أو: حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٦٨٩): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة، أن

стр. 2367

رسول الله ﷺ قال: "إن ربي ﵎ حرم [عليَّ] [¬١] الخمر والكوبة [¬٢] والقنين (*)، وإياكم والغبيراء (**) فإنها ثلث خمر العالم". (حديث آخر): قال الإمام أحمد (٦٩٠): حدّثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله حرم على أمتي الحمر والميسر [¬٤] والمزر (* * *) والكوبة والقنين، وزادني صلاة الوتر". قال يزيد: القنين. البرابط. تفرد به أحمد. وقال أحمد أيضًا (٦٩١): حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل - أخبرنا عبد الحميد بن جعفر،

стр. 2368

حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وكل مسكر حرام". تفرد به أحمد أيضًا. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٦٩٢): حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي: أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ ؛ "لعنت الخمر على عشرة وجوه، لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها". و [¬١]، رواه أبو داود وابن ماجة من حديث وكيع به. وقال أحمد (٦٩٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر، فتأخرت عنه فكان [¬٢] عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ. فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: "لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها،

стр. 2369

ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاعرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها". وقال أحمد (٦٩٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية - وهي الشفرة - فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت (*)، ثم أعطانيها وقال: "اغد عليَّ بها". ففعلت. فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتى الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًّا إلا شققته. (حديث آخر): قال عبد الله بن وهب (٦٩٥): أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولانى أخبره: أنه كان عم يبيع الخمر وكان يتصدق، فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت [¬١] ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام وثمنها حرام. ثم قال [] [¬٢]-: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم ونبي بعد نبيكم؛ لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة، ولعمري لهو أشد عليكم. قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن

стр. 2370

ثمن الخمر؟ فقال: سأخبرك عن الخمر؛ إني كنت عند [¬١] رسول الله ﷺ في المسجد، فبينا [¬٢] هو محتب حل حبوته ثم قال: "من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها". فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخر: عندي زق. أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ : "اجمعوا ببقيع كذا وكذا ثم آذنوني". ففعلوا ثم آذنوه فقام وقمت معه، فمشيت [¬٣] عن يمينه وهو متكئ عليَّ، فَلَحِقَنا أبو بكر ﵁ فأخرني رسول الله ﷺ فجعلني عن شماله وجعل أبا [¬٤] بكر مكاني [¬٥]، ثم لحقنا عمر بن الخطاب ﵁ فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر قال للناس: "أتعرفون هذه [¬٦] قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر. قال: "صدقتم". قال [¬٧]: "فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها". ثم دعا بسكين فقال: "اشحذوها". ففعلوا ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: فى هذه الزقاق منفعة. فقال [¬٨]: "أجل، ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا لله لما فيها من سخطه". فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله. قال: "لا". قال ابن وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث. رواه البيهقي. (حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر البيهقي (٦٩٦): أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا محمد [] [¬٩] بن عبيد الله المنادي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد، [عن سعد] [¬١٠]، قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث، قال: وضع رجل من الأنصار طعامًا، فدعانا فشربنا

стр. 2371

الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا [¬١]، فتفاخرنا؛ فقالت [¬٢] الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور فضرب به أنف سعد ففزره (*)، [وكانت أنف سعد مفزورًا] [¬٣]، فنزلت [آية الخمر] [¬٤]: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. أخرجه مسلم من حديث شعبة. (حديث آخر): قال البيهقي (٦٩٧): وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو على الرفاء، حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن [¬٥] صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن [¬٦]، [فيقول: والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم] [¬٧] فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال ناس [¬٨] من المتكلفين: هي رجس وهي فى بطن فلان وقد قتل يوم أحد. فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 2372

ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال. (حديث آخر): قال ابن جرير (٦٩٨): حدثني محمد بن خلف، حدثنا سعيد بن محمد الحرمي، عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن [¬١] بريدة، عن أبيه، قال: بينا نحن تعود على شراب لنا ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية (*) لنا ونحن نشرب الخمر حلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﵌ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخر الآيتين [¬٢] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شَرْبته في يده قد شرب بعضها، وبقي بعض في الإناء، فقال بالإِناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا!. (حديث آخر): قال البخاري (٦٩٩): حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال: صبح أناس [¬٣] غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعا [¬٤] شهداء، وذلك قبل تحريمها. هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٧٠٠): حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان، عن [¬٥] عمرو بن دينار، سمع جابر ابن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. ثم قال: وهذا إسناد

стр. 2373

صحيح. وهو كما قال، ولكن في سياقه غرابة. (حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي (٧٠١): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ابن عازب، قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. و [¬١] رواه الترمذي [] [¬٢] عن غندر، عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح. (حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٧٠٢): حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب القمي، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل [¬٣] منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين، فقال: يا فلان، إن الخمر قد حرمت. فوضعها حيث انتهى على تل وسجى عليها بأكسية، ثم أتى النبي صلى الله عيه وسلم فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حرمت؟ قال: "أجِل". قال: أَلي [¬٤] أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: "لا يصلح [¬٥] ردها". قال: أَلي [¬٦] أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: "لا". قال: فإن فيها مالًا ليتامى في حجري. قال: "إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوِّض أيتمامك

стр. 2374

من مالهم". ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله الأوعية ننتفع بها؟ قال: "فحلوا أوكيتها"، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي. هذا حديث غريب. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (٧٠٣): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي هبيرة - وهو يحيى بن عباد الأنصاري - عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرًا. فقال [¬١]: "أهرقها". قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: "لا". ورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه. (حديث آخر): قال ابن أبي حاتم (٧٠٤): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا عبد العزيز بن أبي [¬٢] سلمة، حدثنا هلال بن أبى هلال، عق عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: هي في التوراة: إن الله أنزل [¬٣] الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير والزفن والكِنَّارات يعني البرابط - والزمارات يعني بها [¬٤] الدف والطنابير والشعر، والخمر مرة لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزة حَيْله [¬٥] من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس. وهذا إسناد صحيح.

стр. 2375

(حديث آخر): قال عبد الله بن وهب (٧٠٥): أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمرو بن شعيب حدثهم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: "من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عُصارة أهل جهنم". ورراه أحمد من طريق عمرو بن شعيب. (حديث آخر): قال أبو داود (٧٠٦): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني، قال: سمعت النعمان - هو ابن أبي شيبة الجندي [¬١]- يقول: عن طارس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شوب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان [¬٢] حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: "صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". تفرد به أبو داود.

стр. 2376

(حديث آخر): قال الشافعي ﵀ (٧٠٧): أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "من شرب الحمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة". أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به. وروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الحمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة" (٧٠٨). (حديث آخر): قال ابن وهب (٧٠٩): أخبرني عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار، أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه ومسلم: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة؛ العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى". ورواه النسائي: عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به. وروى أحمد [¬١] (٧١٠): عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه ومسلم قال: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر"

стр. 2377

ورواه أحمد أيضًا (٧١١): عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم [¬١] عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن خصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي (٧١٢) عن القاسم بن زكريا، عن الحسين [¬٢] الجعفى، عن زائدة، عن يزيد [¬٣] بن [¬٤] أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد كلاهما، عن أبي سعيد به. (حديث آخر): قال الإمام [¬٥] أحمد (٧١٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عديه وسلم قال: "لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زِنيَة [¬٦] ".

стр. 2378

وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به. وقد رواه أيضًا عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط [¬١] بن شُرَيط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر". ورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم [¬٢] أحدًا تابع شعبة عن نبيط [¬٣] بن شريط. وقال البخاري: لا يعرف [¬٤] لجابان سماع من عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط. وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضًا عن أبي هريرة، فالله أعلم. وقال الزهري (٧١٤): حدثني أبو بكر بن [عبد الرحمن] [¬٥] بن الحارث بن هشام، أن أباه

стр. 2379

قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل معها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكني [¬١] دعوتك لتقع عليَّ، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإِيمان أبدًا، إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه. و [¬٢] رواه البيهقي وهذا إسناد صحيح، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه ذم المسكر (٧١٥) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري به مرفوعًا، والموقوف أصح، والله أعلم. وله شاهد في الصحيحين (٧١٦) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وقال أحمد بن حنبل (٧١٧): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن

стр. 2380

عكرمة، عن ابن عباس، قال. لما حرمت الخمر [¬١] قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [إلى آخر] [¬٢] الآية. قال [¬٣]. ولما حولت القبلة قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهو [¬٤] يصلون إلى بيت [¬٥] المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾. وقال الإمام أحمد (٧١٨): حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا داود - يعنى: العطار - عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "من شرب الحمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافرًا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال". قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار". وقال الأعمش (٧١٩)، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فقال النبي ﷺ "قيل لي: أنت منهم". وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه.

стр. 2381

وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٧٢٠): قرأت على أبي، حدثنا على بن عاصم، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم وهاتان الكعبتان [¬١] [الموسومتان اللتان تزجران] [¬٢] زجرًا، فإنهما ميسر العجم". ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ قال الوالبي عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا يتناولونه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه. وقال مجاهد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني:

стр. 2382

كباره. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم [¬١] في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح، [سرًا وجهرًا]، ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو [¬٢] جهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وقوله هاهنا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإِعلام والإِنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه. ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأَما غير المأكول من حيوانات البر فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما [ثبت في الصحيحين (٧٢١)] [¬٣] من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم [¬٤]؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". وقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". أخرجاه (٧٢٢).

стр. 2383

ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال أيوب: قلت لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها. ومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد؛ لأنها أشد ضررًا منه، فالله أعلم. وقال [زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة]: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها. واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: "اللهم سلط عليه كلبك بالشام" (٧٢٣). فأكله السبع بالزرقاء قالوا: فإن قتل ما عداهن فداها كالضبع والثعلب وهو البر ونحو ذلك. قال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل. وقال أبو حنيفة: يقتل المحرم: الكلب العقور، والذئب؛ لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه. وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي [¬١]. وقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه. وقال بعض الناس: المراد [بالغراب هاهنا الأبقع]، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي (٧٢٤) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: "خمس يقتلهن المحرم؛ الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب

стр. 2384

الأبقع، والكلب العقور". والجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين (٧٢٥) من إطلاق لفظه. وقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه. وقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه. ويروى مثله عن علي. وقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم فقال: "الحيه، والعقرب، والفويسقة، وررمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي" (٧٢٦). رواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، والترمذي، عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم. وابن ماجة عن أبي كريب، و [¬١] عن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم (٧٢٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: نبئت عن طاوس، أنه [¬٢] قال: لا يحكم [¬٣] على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه

стр. 2385

متعمدًا. وهنا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية. وقال مجاهد بن جبر: المراد [بالمتعمد هاهنا] القاصد إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه فذاك أمره أعظم من أن يكفر وقد بطل إحرَامه. رواه ابن جرير (٧٢٨) عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضًا، والذى عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد وجرت السنة على الناسي. ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم. وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [قرأ بعضهم بالإضافة وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾] [¬١]، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأها: (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم) وفي قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور - من وجوب الجزاء من [¬٢] مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه وإن شاء اشترى به هديًا. والذي حكم به الصحابة في المثلى أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحق ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليًّا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقي. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثلي أو بالقيمة في غير المثلي عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على - قولين:
следующие страницы →