من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وقال الحاكم في مستدركه (٣١٩): حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هنّ أم الكتاب؛ ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.
ثم قال الحاكم [¬١]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
قلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس به، والله [¬٢] أعلم.
وروى الحاكم أيضًا في مستدركه (٣٢٠) [¬٣]: من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن
стр. 2662
حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن، صامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم يبايعني على ثلاث". ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات. "فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا، فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته [¬١]، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه".
ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا .... " (٣٢١) الحديث. وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين [¬٢]، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.
وأما تفسيرها: فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم، حقًّا لا تخرصًا ولا طنًّا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وكما قال الشاعر:
حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا [¬٣] … أَنْ لَا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أَحَدَّا
وَلَا يَزَلْ [¬٤] شَرَابُها مُبَرَّدا
وتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم.
стр. 2663
وفي الصحيحين (٣٢٢): من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: "أتانى جبريل، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمّتك دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق [وإن شرب الخمر] [¬١]؟ قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر". وفي بعض الروايات: أن قائل [¬٢] ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: "وإن رغم أنف أبي ذر"، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.
وفي بعض المسانيد والسنن (٣٢٣): عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: "يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك".
ولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وفي صحيح مسلم (٣٢٤): عن ابن مسعود: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل
стр. 2664
الجنة". والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا. وروى ابن مردويه (٣٢٥): من حديث عبادة وأبي الدرداء: "لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم".
وقال ابن أبي حاتم (٣٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع ابن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عي يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: " [ألا تشركوا] [¬١] بالله شيئًا وإن حرّقتم وقطعتم وصلبتم".
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، [أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] [¬٢]﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وَوَصَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [أي: أحسنوا إليهم] [¬٣]، والله تعالى كثيرًا ما [¬٤] يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
стр. 2665
مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة، وفي الصحيحين (٣٢٧) عن ابن مسعود ﵁ أنه [¬١] قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل [¬٢]؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده (٣٢٨): عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي [رسول الله] [¬٣] ﷺ : "أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل".
ولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى [¬٤] تعالى
стр. 2666
ببر الآباء والأجداد، عطف على ذلك الإِحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم، كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية [¬١] الافتقار، ولهذا ورد [¬٢] في الصحيحين (٣٢٩): من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قلت: يا رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] [¬٣]﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وغيره [¬٤]: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإِسراء [¬٥]: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي: [لا تقتلوهم خشية] [¬٦] حصول فقر في الآجل، ولهذا قال هناك [¬٧]: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم فرزقهم على الله، وأما هنا [¬٨] فلما كان الفقر حاصلًا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأنه الأهم هاهنا والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ [¬٩] الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، وفي الصحيحين (٣٣٠): عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما
стр. 2667
ظهر منها وما بطن".
وقال عبد الملك بن عمير، عن ورّاد، عن مولاه [¬١] المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسم ل الله ﷺ فقال: "أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، و الله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن". أخرجاه (٣٣١).
وقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، إنا نغار؛ قال: "والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرتة نهى عن الفواحش".
رواه ابن مردويه (٣٣٢)، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روى بهذا السند: "أعمار أمتي مما بين الستين إلى السبعين" (٣٣٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نص ﵎ عن النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين (٣٣٤): عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
стр. 2668
وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
وفي لفظ لمسلم [¬١]: "والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم". وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله.
وروى أبو داود والنسائي (٣٣٥): عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل رجلًا [¬٢] متعمدًا فيقتل، ورجل يخرج من الإِسلام و [¬٣] حارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض". وهذا لفظ النسائي.
وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه [¬٤]، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس"؛ فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا، فبم تقتلونني. رواه الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة (٣٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
стр. 2669
وقد جاء النهي والزجر والوعيد فى قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب، كما رواه البخاري (٣٣٧): عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي، ﷺ ، قال: "من قتل معاهدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد [¬١] من مسيرة أربعين عامًا".
وعن أي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ ، قال: "من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين [¬٢] خريفًا".
رواه ابن ماجه والترمذي (٣٣٨) [¬٣] وقال: حسن صحيح.
стр. 2670
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا ما وصاكم به لعلكم تعقلون [عن الله] [¬١] أمره ونهيه.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾
قال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، فانطق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو [¬٢] يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. رواه أبو داود (٣٣٩).
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي، ومالك، وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم.
وقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة. وقيل: أربعون سنة. وقيل: ستون سنة. قال: وهذا كله بعيد هاهنا، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل فى الأخذ والإِعطاء كما توعد على تركه فى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقد أهلك الله أمة من الأم كانوا يبخسون المكيال والميزان.
стр. 2671
وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي (٣٤٠): من حديث الحسين بن قيس أبي على الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: "إنكم وليتم أمرًا هلكت فيه الأم السالفة قبلكم". ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسين، وهو ضعيف في الحديث، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا.
قلت: وقد رواه ابن مردويه فى تفسيره (٣٤١): من حديث شريك، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة: المكيال، والميزان".
وقوله ﵎: ﴿لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [¬١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: من اجتهد فى أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده [¬٢] فلا حرج عليه.
وقد روى ابن مردويه (٣٤٢): من حديث بقية، عن مبشر بن عبيد، عن عمرو بن ميمون بن
стр. 2672
مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [¬١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقال: "من أوفى على يده في [الكيل والميزان] [¬٢]، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها". هذا مرسل غريب.
وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كقوله [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [¬٤]، وكذا التي [¬٥] تشبهها في سورة النساء، يأمر تعالى بالعدل [في الفعال والمقال، على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل] [¬٦] لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.
وقوله [¬٧]: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير [¬٨]: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء [لذلك بأن] [¬٩] تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتنتهودت عما [¬١٠] كنتم فيه من قبل، هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال، وآخرون بتخفيفها.
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾
قال على بن أبي طلحة (٣٤٣)، عن ابن عباس في [¬١١] قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وفي [¬١٢] قوله: ﴿أَنْ [¬١٣] أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه
стр. 2673
إنما [¬١] هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات فى دين الله.
ونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد.
وقال الإِمام أحمد بن حنبل (٣٤٤): حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن عاصم - هو ابن أبي النجود - عن أبي وائل، عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله، ﷺ ، خطًا بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيمًا"، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
وكذا رواه الحاكم (٣٤٥): عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به. وقال: صحيح ولم يخرجاه.
وهكذا روإه أبو جعفر الرازي، وورقاء، وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن [مسعود مرفوعًا به] [¬٢] نحوه.
وكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد (٣٤٦) والنسائي (٣٤٧) - عن يحيى بن حبيب بن عربي - وابن حبان (٣٤٨) - من حديث ابن وهب - أربعتهم [¬٣]، عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن
стр. 2674
أبي وائل، عن ابن مسعود به.
وكذا رواه ابن جرير (٣٤٩): عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به. [] [¬١] ورواه الحاكم (٣٥٠): عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به، كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه.
وقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم (٣٥١): من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، به، مرفوعًا.
وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (٣٥٢): من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، به.
فقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما، عن ابن مسعود، به، والله أعلم.
وقال الحاكم [¬٢]: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد.
стр. 2675
يشير إلى الحديث الذي قال الإِمام أحمد [¬١] وعبد بن حميد [] [¬٢] واللفظ لأحمد (٣٥٣): حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسًا عند النبي، ﷺ ، فخط خطًّا هكذا أمامه، فقال: "هذا سبيل الله" وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: "هذه سبيل الشيطان". ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
ورواه ابن ماجة في كتاب [¬٣] السنة من سننه والبزار، عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد، عن
стр. 2676
أبي [¬١] خالد الأحمر، به.
قلت: ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين: عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله خطًّا، وخط عن يمينه خطًّا، وخط عن يساره خطًّا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.
ولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفًا عليه.
وقال ابن جرير (٣٥٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن [¬٢] كان: أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن بساره جواد، و [¬٣] ثمَّ رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية.
وقال ابن مردويه (٣٥٥): حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا [أبان بن أبي عياش [¬٤]]، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله بن عمر: سأل عبد الله عن الصراط المستقيم؟ فقال ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة. وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم.
وقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه.
стр. 2677
قال الإِمام أحمد (٣٥٦): حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا [¬١] ولا تفرجوا [¬٢]، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [¬٣]: واعظ الله في قلب كل مسلم".
ورواه الترمذي والنسائي: عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما، عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان به. وقال الترمذي: حسن غريب.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ إنما وحد سبيله؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل [¬٤]؛ لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (٣٥٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بني حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث؟ ". ثم تلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من ثلاث آيات [¬٥]، ثم قال: "ومن وفى بهن [فأجره على] [¬٦] الله، ومن انتقص منهن شيئًا [فأدركه الله] [¬٧] في الدنيا كانت عقوبته،
стр. 2678
ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه".
﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾
قال ابن جرير [¬١]: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تقديره: ثم قل يا محمد مخبرًا عنا: بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.
قلت: وفي هذا نظر، و "ثم" هاهنا إما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب هاهنا، كما قال الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد [¬٢] ساد قبل ذلك جده
وهاهنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح [¬٣] التوراة [ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وكثيرًا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة] [¬٤]، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾، وقوله أول هذه السورة: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ الآية، وبعدها: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ [¬٥] تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، قال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا﴾ أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا، جامعًا لما [¬٦] يحتاج إليه فى شريعته، كقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا] [¬٧]﴾.
стр. 2679
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول: أحسن فيما أعطاه الله.
وقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم [¬١] له ذلك في الآخرة. واختار ابن جرير أن تقدير الكلام: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على إحسانه، فكأنه جعل "الذي" مصدرية، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم، وقال ابن رواحة:
فثبَّت الله ما أتاك من حَسَنٍ … في المرسلين ونَصْرًا كالذي نُصِروا
وقال آخرون: "الذي" ها هنا بمعنى الذين.
قال ابن جرير [¬٢]: وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها: (تمامًا على الذين أحسنوا).
وقال ابن أبي نجيح، عن [¬٣] مجاهد: ﴿تمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قال: على المؤمنين والمحسنين. وكذا قال أبو عبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم.
قلت: كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل ﵉ لأدلة أخرى [¬٤].
قال ابن جرير (٣٥٨): وروى أبو [¬٥] عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر: أنه كان يقرؤها: (تماما على الذي أحسنُ) رفعًا بتأويل على الذي هو أحسن. ثم [¬٦] قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح.
стр. 2680
وقيل: معناه تمامًا على إحسان الله إليه [زيادة على ما أحسن الله إليه] [¬١]. حكاه ابن جرير والبغوي.
ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة؛ [لأنه حبل الله المتين] [¬٢].
﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾
قال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا يقولوا: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. يعنى: لينقطع عذرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال على بن أبي طلحة (٣٥٩)، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى.
وكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في غفلة وشغل عما هم فيه.
стр. 2681
وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا [¬١] لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي: وقطعنا تعللكم [¬٢]: أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا] [¬٣]﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﵌ النبي العربي قرآن عطم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك، قاله السدي.
وعن ابن عباس (٣٦٠) ومجاهد وقتادة ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعرض عنها.
وقول السدي هاهنا فيه قوة؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كما تقدم في أول السورة ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
وقد يكون المراد [فيما قاله] [¬٤] ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وغير [¬٥] ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، ولكن المعنى الأول أقوى وأظهر والله أعلم.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي
стр. 2682
إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾
يقول تعالى متوعدًا للكافرين به، والمخالفين لرسله، والمكذبين آياته، والصادّين عن سبيله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [¬١]، وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وذلك قبل يوم القيامة، كائن من أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (٣٦١):
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، [عن أبي] [¬٢] هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ".
حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها [م تكن آمنت من قبل] [¬٣] " ثم قرأ هذه الآية.
هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين، ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة (٣٦٢) في كتبهم إلا الترمذي: من طرق، عن عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به.
وأما الطريق الثاني: فرواه عن إسحاق غير منسوب [¬٤]، فقيل: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: إسحاق بن نصر والله أعلم.
стр. 2683
وقد رواه مسلم (٣٦٣) عن محمد بن رافع الجنديسابوري كلاهما [¬١]، عن عبد الرزاق به.
وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، كما انفرد مسلم (٣٦٤) بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة به [¬٢].
وقال ابن جرير (٣٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبى حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض".
ورواه أحمد [¬٣]، عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم سلمان، عن أبي هريرة به. وعنده: والدخان.
ورواه مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن وكيع.
ورواه هو أيضًا والترمذي: من غير وجه [¬٤]، عن فضيل بن غزوان به.
ورواه إسحاق بن عبد الله الفروي [¬٥]، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف الفروي، والله أعلم.
стр. 2684
وقال ابن جرير (٣٦٦): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث، في أبيه، في جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ " الآية.
ورواه ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. [ورواه وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به] [¬١].
أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣٦٧).
وقال ابن جرير (٣٦٨): حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [¬٢]، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من
стр. 2685
تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(حديث آخر) عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما (٣٦٩) من طرق: عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قال لي [¬١] رسول الله ﷺ : "أتدري [¬٢] أين تذهب الشمس إذا غربت؟ " قلت: لا أدري. قال: "إنها تنتهي دون العرش فتخر [¬٣] ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعى، فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها [¬٤]: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ".
(حديث آخر) عن حذيفة بن أسيد بن [¬٥] أبي سريحة الغفاري ﵁.
قال الإِمام أ حمد بن حنبل (٣٧٠): حدثنا سفيان، عن [¬٦] فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة ابن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات؛ طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج [¬٧] الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا".
стр. 2686
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة: من حديث فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، [عن حذيفة بن أسيد به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر)] [¬١] عن حذيفة بن اليمان ﵁.
قال الثوري: عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﵌: "تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فبينما الذين كانوا يصلون فيها يعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا تسري قد قامت مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم [¬٢]، حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا فلم [¬٣] ينفعهم إيمانهم".
رواه ابن مردويه (٣٧١)، وليس [هو في شيء من] [¬٤] الكتب الستة من هذا الوجه، والله أعلم.
(حديث آخر عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان [] [¬٥] ﵁ وأرضاه.
قال الإِمام أحمد (٣٧٢): حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله عليه: سلم: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا
стр. 2687
يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قال: "طلوع الشمس من مغربها".
ورواه الترمذي: عن سفيان بن وكيع، عن أبيه به [¬١]. وقال: غريب. ورواه بعضهم ولم يرفعه.
وفي حديث طالوت بن عباد (٣٧٣) [¬٢]، عن فَضَّال بن جُبَيْر، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها".
وفي حديث عاصم بن أبي النجود (٣٧٤)، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون
стр. 2688
عامًا للتوبة، [] [¬١] لا يغلق حتى تطلع الشمس منه".
رواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجة في حديث طويل.
(حديث آخر) عن عبد الله بن أبي أوفى.
قال ابن مردويه (٣٧٥): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا خار ابن صرد، حدثنا ابن فضيل، عن سليمان بن زيد [¬٢]، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم من [¬٣] بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت [من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة] [¬٤]، حتى إذا [¬٥] صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها. قال: حينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة.
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو.
قال الإِمام أحمد (٣٧٦): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [أبو حيان] [¬٦]، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه [] [¬٧] وهو يحدث
стр. 2689
عن [¬١] الآيات، يقول [¬٢]: إن أولها خروج الدجال، قال: فانصرفوا [¬٣] إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذى سمعوه من مروان في الآيات، فقال: لم يقل مروان شيئا، قد [¬٤] حفظت من رسول الله، ﷺ ، [في مثل ذلك حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ ] [¬٥] يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج [¬٦] الدابة ضحى، فأيتهما [¬٧] كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها، فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فلم يردّ عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء [ثم تستأذن فلا يرد عليها شيء] [¬٨]، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا [¬٩] أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيقال لها: من مكانك فاطلعي. فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] [¬١٠]﴾.
وأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجة في سننيهما: من حديث أبي حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به.
(حديث آخر عنه) قال الطبراني (٣٧٧): حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان [¬١١]
стр. 2690
الرَّقِّيش، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن [¬١] زِبْريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن ير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حُيَيِّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ : "إذا طَلَعَتِ الشمسُ من مغربها، خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر: إلهي مُرْنِي أن أسجد لمن شئت. قال: فيجتمع إليه زبانيتهُ فيقولون: يا سيِّدَهُم، ما هذا التضرُّعُ؟ فيقول: إنما سألتُ ربي أن يُنْظِرَني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم. قال: ثم تخرجُ دابَّةُ الأرض من صَدْعِ في الصَّفا. قال: فأوَّلُ خطوة تَضَعُها بأنطاكيَّةَ فتأتي إبليس فتخطمه [¬٢] ".
هذا حديث غريب جدًّا وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم.
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين.
قال الإِمام أحمد (٣٧٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم [¬٣] ابن زرعة، عن شريح بن عبيد يردّه إلى مالك بن يُخَامِر، عن ابن السعدي: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تنقطع الهجرة مما دام العدو يقاتل [¬٤] ". فقال معاوية
стр. 2691
وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن رسول الله ﷺ قال: " [إنَّ الهجرة] [¬١] خصلتان؛ إحداهما [¬٢]: تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشميس من مغربها [¬٣]، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل".
هذا الحديث [¬٤] حسن الإِسناد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.
(حديث آخر) عن ابن مسعود ﵁.
قال عوف الأعرابي (٣٧٩): عن محمد بن سيرين، حدثني أبو عبيدة، عن ابن مسعود: أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات فقد مضى، غير أربع؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال: وكان يقول: الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية كلها، يعني: طلوع الشمس من مغربها.
(حديث ابن عباس ﵄ رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣٨٠): من
стр. 2692
حديث عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكر حديثًا طويلًا غريبًا منكرًا رفعه، وفيه: "أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ [من المغرب] [¬١] مقرونين، وإذا نصَّفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه". وهو حديث غريب جدًّا، بل منكر، بل موضوع إن ادّعى أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مدفوع [¬٢]، والله أعلم.
وقال سفيان: عن منصور، عن عامر، عن عائشة ﵂، قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام [¬٣]، وحُبِست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. رواه ابن جرير (٣٨١) رحمه الله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أنشأ [¬٤] الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلَّطًا فأحدث توبة حينئذ [¬٥] لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوّف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وإنما كان [هذا الحكم] [¬٦] عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب [وقت القيامة] [¬٧]، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ
стр. 2693
تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ] [¬١]﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾
قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نرلت هذه الآية في اليهود والنصارى.
وقال العوفي (٣٨٢)، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [¬٢] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد ﷺ فتفرقوا، فلما بعث محمد ﷺ أنزل [الله عليه] [¬٣]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [¬٤] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية.
وقال ابن جرير (٣٨٣): حدثني سعيد بن عمرو [¬٥] السكوني [¬٦] حدثنا بقية بن الوليد، كتب إلىَّ عباد بن كثير، حدثني ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [في هذه الآية] [¬٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ]: "وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه
стр. 2694
الأمّة". لكن هذا الإسناد [¬١] لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه، فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أنه [¬٢] قال: نزلت في هذه الأمّة.
وقال أبو غالب (٣٨٤)، عن أبي أمامة في قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج. وروي عنه مرفوعًا ولا يصح.
وقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال لعائشة ﵂: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: "هم أصحاب البدع".
وهذا رواه ابن مردويه (٣٨٥)، وهو غريب أيضًا، ولا يصح رفعه.
стр. 2695
والظاهر أن الآية عامّة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد [¬١] لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا كأهل الملل والنحل و [] [¬٢] الأهواء والضلالات، [فإن الله تعالى] [¬٣] قد برأ [رسول الله ﷺ ] [¬٤] مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] [¬٥]﴾، وفي الحديث (٣٨٦): " نحن معاشر [¬٦] الأنبياء أولاد علات ديننا واحد".
فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات، وآراء وأهواء، والرسل برآء منها، كما قال الله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [¬٧]﴾، ثم بين [لنفسه فضله سبحانه في حكمه وعدله
стр. 2696
يوم القيامة] [¬١]، فقال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.
وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل فى الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل (٣٨٧) ﵀: حدثنا عفان [¬٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجَعْد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄: أن [¬٣] رسول الله ﷺ قال [¬٤] فيما يروي عن ربه ﵎ [] [¬٥]: "إن ربكم رحيم، مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعافٍ كثيرة، ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ، ولا يَهلِكُ على الله إلا هالكٌ".
ورواه البخاري ومسلم والنسائى: من حديث الجعد أبي عثمان به.
وقال أحمد أيضًا (٣٨٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "يقول الله :
стр. 2697
من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه [¬١] مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن [] [¬٢] اقترب إلىَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة".
ورواه مسلم: عن أبي كريب، عن أبي معاوية به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش به. ورواه ابن ماجه: عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلى (٣٨٩): حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ابن مالك ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة [¬٣] ".
واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام؛ تارة يتركها لله، فهذا تكتب [¬٤] له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيح (٣٩٠): " فإنما تركها من جرائي [¬٥] " أي: من أجلي. وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا. وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها، بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء [في الحديث] [¬٦] فى الصحيحين (٣٩١) [عن النبي ﷺ أنه قال] [¬٧]: " إذا تواجه
стр. 2698
المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار".
قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
وقال الإمام أبو يعلي الموصلى (٣٩٢): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا على وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما [¬١]، عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا [¬٢]، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي". هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى.
وقال الإمام أحمد (٣٩٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُريم بن فاتك الأسدي: أن النبي
стр. 2699
ﷺ قال: "الناس أربعة والأعمال ستة؛ فالناس مُوَسَّعٌ له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة. والأعمال، مُوجِبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف".
ورواه الترمذي والنسائي (٣٩٤): من حديث الركين بن الربيع، عن أبيه، عن يسير بن عميلة، عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ به ببعضه، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (٣٩٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو [¬١] بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي
стр. 2700
ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر؛ رجل حضرها بلغو [¬١] فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله؛ فإن [¬٢] شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام". وذلك لأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٩٦): حدثنا هاشم بن مَرْثَد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها [¬٣]، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من [كل شهر] [¬٤] فقد صام الدهر كله".