← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

يوم القيامة] [¬١]، فقال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾. وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل فى الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل (٣٨٧) ﵀: حدثنا عفان [¬٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجَعْد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄: أن [¬٣] رسول الله ﷺ قال [¬٤] فيما يروي عن ربه ﵎ [] [¬٥]: "إن ربكم رحيم، مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعافٍ كثيرة، ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ، ولا يَهلِكُ على الله إلا هالكٌ". ورواه البخاري ومسلم والنسائى: من حديث الجعد أبي عثمان به. وقال أحمد أيضًا (٣٨٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "يقول الله :

стр. 2697

من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه [¬١] مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن [] [¬٢] اقترب إلىَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة". ورواه مسلم: عن أبي كريب، عن أبي معاوية به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش به. ورواه ابن ماجه: عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلى (٣٨٩): حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ابن مالك ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة [¬٣] ". واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام؛ تارة يتركها لله، فهذا تكتب [¬٤] له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيح (٣٩٠): " فإنما تركها من جرائي [¬٥] " أي: من أجلي. وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا. وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها، بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء [في الحديث] [¬٦] فى الصحيحين (٣٩١) [عن النبي ﷺ أنه قال] [¬٧]: " إذا تواجه

стр. 2698

المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". وقال الإمام أبو يعلي الموصلى (٣٩٢): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا على وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما [¬١]، عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا [¬٢]، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي". هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى. وقال الإمام أحمد (٣٩٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُريم بن فاتك الأسدي: أن النبي

стр. 2699

ﷺ قال: "الناس أربعة والأعمال ستة؛ فالناس مُوَسَّعٌ له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة. والأعمال، مُوجِبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف". ورواه الترمذي والنسائي (٣٩٤): من حديث الركين بن الربيع، عن أبيه، عن يسير بن عميلة، عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ به ببعضه، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم (٣٩٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو [¬١] بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي

стр. 2700

ﷺ قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر؛ رجل حضرها بلغو [¬١] فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله؛ فإن [¬٢] شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام". وذلك لأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٣٩٦): حدثنا هاشم بن مَرْثَد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها [¬٣]، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام ثلاثة أيام من [كل شهر] [¬٤] فقد صام الدهر كله".

стр. 2701

رواه الإمام أحمد وهذا لفظه (٣٩٧)، والنسائى وابن ماجة والترمذي وزاد: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ اليوم بعشرة أيام. ثم قال: هذا حديث حسن. وقال ابن مسعود (٣٩٨): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك. وهكذا جاء [¬١] عن جماعة من السلف. وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته (٣٩٩)، لكني لم أره من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدّا، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ يقول تعالى آمرًا نبيه [¬٢] ﷺ سيد المرسلين: أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج [¬٣] فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي: قائمًا ثابتًا

стр. 2702

﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾. وليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم [] [¬١] الحنيفية: أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه ﵇ قام لها قيامًا عظيمًا، وأكملت له إكمالا تامًا، لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان [¬٢] خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى [إبراهيم] [¬٣] الخليل ﵇. وقد قال ابن مردويه (٤٠٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث، عن ابن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: "أصبحنا على ملة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا [¬٤] إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين".

стр. 2703

وقال [¬١] الإمام أحمد (٤٠١): حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه [¬٢] قال: قيل لرسول الله ﷺ : أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: "الحنيفية السَّمْحَة". وقال أحمد أيضًا (٤٠٢): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني [¬٣] على منكبه؛ لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله

стр. 2704

عليه وسلم يومئذ: "لتعلم [¬١] يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة". أصل الحديث مخرج في الصحيحين (٤٠٣)، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك [¬٢]، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإِقبال بالقصد والنية والعزم على الإِخلاص لله تعالى. قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [قال] [¬٣] النسك: الذبح في الحج والعمرة. وقال الثوري: عن السدي، عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال: ذبحي. وكذا قال السدي والضحاك. وقال ابن أبي حاتم (٤٠٤): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي [¬٤]، حدثنا

стр. 2705

محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [أبي عياش] [¬١]، عن جابر بن [¬٢] عبد الله، قال: ضحى رسول الله ﷺ في يوم عيدٍ بكبشين، وقال حين [ذبحهما] [¬٣]: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال قتادة: أي من هذه الأمّة. وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾، وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا

стр. 2706

النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. فأخبر تعالى أنه [¬١] بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه، بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇: "نحن معاشر الأنبياء أولاد [¬٢] علات ديننا واحد" (٤٠٥)، فإن أولاد العلات: هم الأخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التى هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا: بنو [¬٣] الأم الواحدة من آباء شتى، والأخوة الأعيان: الأشقاء [¬٤] من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد (٤٠٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: " ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ [¬٥] الْمُسْلِمِينَ﴾، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت [أنت] [¬٦] ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لى ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا

стр. 2707

تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًّا سواه ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر. [ففي هذه الآية] [¬١] الأمر بإخلاص [العبادة و] [¬٢] التوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة [لله وحده] [¬٣] لا شريك له، وهذا معنى يقرن بالآخر كثيرًا [في القرآن] [¬٤]، كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له [¬٥]: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إخبار عن الواقع يوم القيامة، في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله: أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا [¬٦] يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال علماء التفسير: أي: فلا يظلم بأن يحمل [¬٧] عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذرياتهم [¬٨] [وقراباتهم، كما قال في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] [¬٩] بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ [ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ألحقنا بهم] [¬١٠] ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم فى الأعمال، بل في أصل الإِيمان، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: أنقصنا [¬١١] أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم [] [¬١٢] منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منازل الآباء

стр. 2708

ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: من شر. وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: اعملوا على مكانتكم [¬١]، إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلكم تعمرونها [¬٢] جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وخلفًا بعد سلف. قاله [¬٣] ابن زيد وغيره، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، [وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾] [¬٤]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة فى ذلك، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وقد روى مسلم في صحيحه (٤٠٧): من حديث أبي نضرة، عن أبى سعيد الخدري ﵁

стр. 2709

قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، لينظر ماذا [¬١] تعملون، فاتقوا الدنيا [¬٢]، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع فيمن [¬٣] عصاه، وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه، واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم. رواه ابن أبي حاتم (٤٠٨). وكثيرًا ما يقرن الله تعالى فى القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: [﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقوله] [¬٤]: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى [¬٥] غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة، وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة، وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب، سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد قال الإِمام أحمد (٤٠٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة؛ فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون".

стр. 2710

ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به. وقال: حسن. ورواه مسلم: عن يحيى بن [يحيى] [¬١] وقتيبة وعلى بن حجر ثلاثتهم، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء. [آخر تفسير سورة الأنعام] [¬٢]

стр. 2711

تفسير سورة الأعراف وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ قد تقدم الكلام فى أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه. قال ابن جرير (١): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبى الضحى، عن ابن عباس ﴿المص﴾: أنا الله أفصل. وكذا قال سعيد بين جبير. ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزل إليك، أي: من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به واصبر كما صبر أولو [¬١] العزم من الرسل، ولهذا قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه [¬٢] إليك لتنذر به الكافرين ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم [¬٣] من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله:

стр. 2712

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [¬١]، وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وكقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ [¬٢] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. وقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ أى: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ من القيلولة، وهى الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله ﴿خَامِدِينَ﴾. وقال ابن جرير (٢): في هذه الآية الدلالة [¬٣] الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول

стр. 2713

الله ﷺ من قوله: "ما هلك قوم حتى يُعْذِروا [¬١] من أنفسهم"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جربر، عن أبى سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم". قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك. قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ] [¬٢]﴾؛ [كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾] [¬٣]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [فيسأل الله الأمم يوم القيامة] [¬٤] عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ [¬٥] رسالاته؛ ولهذا قال على بن أبي طلحة (٣): عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين] [¬٦] عما بلغوا. وقال ابن مردويه (٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن

стр. 2714

الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام يسأل عن الرجل، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده". قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله ثم قرأ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة. وقال ابن عباس (٥) [في قوله] [¬١]: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. [﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾] [¬٢] يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا، وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير؛ لأنه تعالى شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ يقول تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي: لا يظلم تعالى أحدًا، كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾.

стр. 2715

فصل والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا. قال البغوي [¬١]: يُروى هذا عن ابن عباس؛ كما جاء في الصحيح (٦) من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف. و [من ذلك] [¬٢] في الصحيح (٧) قصة القرآن، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت [¬٣] نهارك. وفي حديث البراء (٨) في قصة سؤال القبر: "فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح". وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال؛ كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له فى كفة تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة [] [¬٤] فيها لا إله إلا الله، فيقول: يارب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ : "فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة". رواه الترمذي (٩) بنحو من هذا وصححه [¬٥]. وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث (١٠): " يُؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة"، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.

стр. 2716

وفى مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي، ﷺ ، قال: "أتعجبون من دقة ساقيه؟ فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد" (١١). وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة [¬١] توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾ يقول تعالى ممتنًّا على عبيده فيما مكن لهم من أنه [¬٢] جعل الأرض قرارًا، وجعل فيها [¬٣] رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب، لإِخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا [يكسبون بها] [¬٤]، ويتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وقد قرأ الجميع: ﴿مَعَايِشَ﴾ بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها، والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز؛ لأن معايش جمع مَعِيشة من عاش يعيش عيشًا، ومعيشة أصلها مَعْيِشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت [¬٥] إلى العين فصارت معِيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال، فقيل: معايِش ووزنه مفاعل؛ لأن الياء أصلية في الكلمة، بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة، من مدن وصحف وأبصر؛ فإن الياء فيها زائدة؛ ولهذا تجمع على فعائل، وتهمز لذلك، والله أعلم.

стр. 2717

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام [¬١] على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة [¬٢] عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم؛ ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين لازب، وصوّره بشرًا سويًّا [¬٣]، ونفخ فيه من روحه - أمر [¬٤] الملائكة بالسجود له تعظيمًا لشأن الله [¬٥] تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. وقد تقدم الكلام على إبليس أول تفسير سورة البقرة. وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير [¬٦]: أن المراد بذلك كله آدم ﵇. وقال سفيان الثوري: عن الأعمش، عن منهال [¬٧] بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء. رواه الحاكم (١٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ونقل [¬٨] ابن جرير [¬٩]، عن بعض السلف أيضًا: أن المراد بـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾

стр. 2718

الذرية. وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية. وهذا فيه نظر؛ لأنه قال بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم، وإنما قيل ذلك بالجمع؛ لأنه أبو البشر؛ كما قال الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا فى زمن النبي ﷺ : ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ [¬١] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ [¬٢] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن [¬٣] موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل صار [] [¬٤] كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [الآية، فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة] [¬٥]، وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا؛ لأن المراد من [¬٦] خلقنا الإِنسان الجنس لا معينًا، والله أعلم. ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لا هنا [¬٧] زائدة. وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر: *ما إن رأيت ولا سمعت بمثله* فأدخل "إنْ" وهي للنفي على "ما" النافية لتأكيد النفي. قالوا: [وكذا هنا] [¬٨]: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. حكاهما ابن جرير [¬٩]، وردهما واختار: أن منعك تضمَّن [¬١٠] معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك، ونحو هذا [¬١١]. وهذا القول قوي حسن، والله أعلم.

стр. 2719

وقول إبليس لعنه الله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة؛ لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص [] [¬١] قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فشذ من بين الملائكة بترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة؛ [أي: آيس من الرحمة] [¬٢]، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليس عنصرُه، ونفع آدمَ عنصرُه بالرجوع [¬٣] والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". هكذا [¬٤] رواه مسلم (١٣). وقال ابن مردويه (١٤): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن [¬٥] عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن. وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: "وخلقت الحور العين من

стр. 2720

الزعفران" (١٥). وقال ابن جرير (١٦): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس. إسناده [¬١] صحيح. وقال (١٧): حدثنى عمرو [¬٢] بن مالك، حدثنا يحيى بن سليم [¬٣] الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. إسناد صحيح أيضًا. ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ يقول تعالى مخاطبًا لإبليس بأمر قدري كوني ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها.

стр. 2721

قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إليَّ الجنَّة، ويحتمل أن يكون عائدا على [¬١] المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى. ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، ومكافأه لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين، وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: ﴿أَنْظِرْنِي [¬٢] إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾، أجابه تعالى إلى ما سأل؛ لما له في ذلك من الحكمة والاِرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب. ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ يخبر تعالى أنَّه لما أنظر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني. قال ابن عباس (١٨): كما [¬٣] أضللتني. وقال غيره: كما [¬٤] أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه، على ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، فلأضلنهم [¬٥] عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي. وقال بعض النُّحاة: الباء ها هنا قسمية، كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. [قال مجاهد ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾] [¬٦] يعني: الحق. وقال محمَّد بن سوقة: عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكّة. قال ابن جرير [¬٧]: والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك. (قلت): لما روى الإمام أحمد (١٩): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا أبو عقيل - يعني:

стр. 2722

الثَّقفيُّ عبد الله بن عقيل -، حدّثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة ابن أبي فاكه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول [¬١]: "إن الشَّيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، قال: فعصاه وأسلم"، قال: "وقعد له بَطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنَّما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل [¬٢]، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النَّفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال: فعصاه وجاهد". قال رسول الله ﷺ : "فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنَّة، [وإن قتل كان حقاً على الله أن يدخله الجنَّة، وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنَّة] [¬٣]، أو وقصته دابة كان حقاً على الله أن يدخله الجنَّة". وقوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول [¬٤]: أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أشهي لهم المعاصي. وقال ابن أبي طلحة في رواية والعوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأمَّا من خلفهم فأمر آخرتهم، وأمَّا عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأمَّا عن [¬٥]

стр. 2723

شمائلهم فمن قبل سيئاتهم. وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم من بين أيديهم، فأخبرهم أنَّه لا بعث ولا جنة ولا نار، "ومن خلفهم" من أمر الدُّنيا فزينها [¬١] لهم ودعاهم إليها، "وعن أيمانهم" من قبل حسناتهم بطأهم عنها، "وعن شمائلهم" زين لهم السيئات والمعاصى، ودعاهم إليها وأمرهم بها، آتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنَّه لم يأتك من فوقك، لم [¬٢] يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وكذا روي عن إبراهيم النَّخعيُّ والحكم بن عتيبة [¬٣] والسدي وابن جريج [¬٤] إلَّا أنهم قالوا: من بين أيديهم: الدُّنيا، ومن خلفهم: الآخرة. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم: حيث يبصرون، [ومن خلفهم وعن شمائلهم: حيث لا يبصرون] [¬٥]. واختار ابن جرير [¬٦]: أن المراد: جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحببه لهم. وقال الحكم بن أبان (٢٠): عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: ولم يقل من فوقهم؛ لأنَّ الرحمة تنزل من فوقهم. وقال على بن أبي طلحة (٢١): عن ابن عباس ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال: موحدين. وقول إبليس هذا إنَّما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.

стр. 2724

ولهذا ورد في الحديث: الاستعاذةُ من تسلط الشَّيطان على الإِنسان من جهاته كلها؛ كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٢٢): حدّثنا نصر بن علي، حدّثنا عمرو بن مجمع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم - يعني نافع بن جبير -، عن ابن عباس. وحدثناه عمر بن الخطاب - يعني السجستاني -، حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا عبيد [¬١] الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جِبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: كان رسول الله، ﷺ ، يدعو [¬٢]: "اللَّهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللَّهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللَّهم أن أغتال من تحتي". تفرد به البزار وحسنه. وقال الإِمام أحمد (٢٣): حدّثنا وكيع، حدّثنا [¬٣] عبادة بن مسلم الفَزَاريُّ، حدثني جبير [¬٤] بن

стр. 2725

أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر [¬١] يقول: لم يكن رسول الله، ﷺ ، يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يُمسي: "اللَّهم، إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخرة، اللَّهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللَّهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي"، قال وكيع: ["من تحتي"] [¬٢] يعني: الخسف. ورواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به [¬٣]، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ أكد (تعالى) اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: ﴿خْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾. قال ابن جرير [¬٤]: أما المذءوم: فهو المعيب، والذام - غير مشدّد -: العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأمًا فهو مذءوم، ويتركون الهمز، فيقولون: ذمته أذيمه ذيمًا وذامًا، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم. قال: والمدحور: المُقصَى، وهو المبعد المطرود. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذءوم والمذموم إلَّا واحدًا. وقال سفيان الثوري (٢٤): عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿خْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ قال: مقيتًا. وقال على بن أبي طلحة (٢٥): عن ابن عباس: صغيرًا منفيًّا [¬٥]. وقال السدي: مقيتًا

стр. 2726

مطرودًا. وقال قتادة: لعينًا مقيتًا. وقال مجاهد: منفيًّا مطرودًا. وقال الرَّبيع بن أنس: مذءومًا منفيًّا، والمدحور: المصغَّر. وقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ يذكر تعالى أنَّه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حوّاء [¬١] الجنَّة، أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلَّا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليُسلَبَا ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقَالَ﴾ كذباً وافتراء ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [أي: لئلا تكونا ملكين] [¬٢] أو خالدين ها هنا، ولو [¬٣] أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلك [¬٤]؛ كقوله: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ أي: لئلا تكونا ملكين؛ كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: لئلا تضلوا ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [أي: لئلا تميد بكم] [¬٥]. وكان ابن عباس (٢٦) ويحيى بن أبي كثير يقرآن: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ) بكسر اللام، وقراءة [¬٦] الجمهور بفتحها.

стр. 2727

﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهما بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما ها هنا، وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين؛ كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤيب: وقاسَمَها [¬١] بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ … أَلذُّ من السَّلْوَى إذا [¬٢] ما [¬٣] نَشُوُرَها أي: حلف لهما بالله [على ذلك] [¬٤] حتَّى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إنِّي خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني [¬٥] أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول: [من خدعنا بالله انخدعنا له] [¬٦]. ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ قال سعيد بن أبي عروبة (٢٧): عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان آدم رجلًا طوالا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما [¬٧] وقع فيه [¬٨] من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنَّة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنَّة، فقال لها: أرسليني، فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه : يا آدم أمنى تفر؟ قال: يا [¬٩] رب، إنِّي استحييتك [¬١٠]. وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق: عن الحسن، عن أبي بن كعب عن النَّبيِّ، ﷺ ، والموقوف أصح إسناداً. وقال عبد الرَّزاق (٢٨): أنبأنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال

стр. 2728

ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته: السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما [من سوآتهما] [¬١] أشعارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة ورق التين، يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم ﵇ موليًا في الجنَّة، فعلقت [¬٢] برأسه شجرة من الجنَّة، فنابها الله [¬٣]: يا آدم، أمنى تفر؟ قال: لا، ولكني استحييتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنَّة وأبحتك منهامشدوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال: وهو قول الله : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾؛ قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلَّا كدًّا، قال: فأهبط من الجنَّة، وكانا يأكلان منها رغدًا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع، ثم سقى، حتَّى إذا بلغ حصد، ثم داسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلعه [¬٤] حتَّى بلغ [¬٥] منه ما شاء الله أن يبلغ [¬٦]. وقال الثوري (٢٩): عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين. صحيح إليه. قال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة، قال [¬٧]: كهيئة الثوب. وقال وهب بن منبه في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ قال: كان لباس آدم وحوّاء نورًا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما.

стр. 2729

رواه ابن جرير (٣٠) بسند [¬١] صحيح إليه. وقال عبد الرَّزاق (٣١): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال آدم: أي رب، أرأيت إن تبت واستغفرت؟ قال: إذًا أدخلك الجنَّة، وأمَّا إبليس فلم يسأله التوبة، وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله. وقال ابن جرير (٣٢): حدّثنا القاسم، حدّثنا الحسين، حدّثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها [¬٢]؟ قال: حواء أمرتني؛ قال: فإنّي قد أعقبتها أن لا تحمل إلَّا كَرْهًا، ولا تضع إلَّا كرهًا، قال: فرنت [عند ذلك حواء] [¬٣]، فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك. وقال الضَّحَّاك بن مزاحم في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه. ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾ قيل: المراد بالخطاب في [¬٤]: ﴿اهْبِطُوا﴾ آدم وحواء وابليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم. والعمدة في العداوة آدم وابليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه، ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾

стр. 2730

الآية، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحًا فهي تبع لإِبليس. وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ . وقوله [¬١]: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأوَّل. وقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ القبور. وعنه [قال: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فوق] [¬٢] الأرض وتحتها. رواهما ابن أبي حاتم (٣٣). وقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، يخبر تعالى أنَّه جعل [¬٣] الأرض دارًا لبني آدم مدة الحياة الدُّنيا؛ فيها محياهم، وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة [¬٤] الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلًّا بعمله. ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والرياش، فاللباس المذكور ها هنا لستر العورات، وهي: السوآت، والرياش والريش: هو [¬٥] ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات. قال ابن جرير [¬٦]: الرياش في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر من الثياب. وقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس، وحكاه البُخاريّ (٣٤) عنه: الرياش [¬٧]: المال.

стр. 2731

وهكذا [¬١] قال مجاهد وعروة بن الزُّبير والسدي والضَّحَّاك [وغير واحد] [¬٢]. وقال العوفي (٣٥): عن ابن عباس: الرياش: اللباس والعيش والنعيم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال. وقال الإمام أحمد (٣٦): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا أصبغ، عن أبي العلاء الشَّامي قال: لبس أبو أماَمة ثوبًا جديدًا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "من استجد ثوبًا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق [¬٣]- أو: ألقى - فتصدق به - كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيًّا وميتًا". ورواه التِّرمذيُّ وابن ماجة: من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ - هو ابن زيد الجهني - وقد وثقه يَحْيَى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشَّامي لا يُعرف إلَّا بهذا الحديث، ولكن لم

стр. 2732

يجرحه [¬١] أحد، والله أعلم. وقال الإمام أحمد أيضاً (٣٧): حدّثنا محمَّد بن عبيد، حدّثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر: أنه رأى علياً ﵁ أتى غلامًا حدّثنا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى [¬٢] ما بين الرسغين [¬٣] إليَّ الكعبين، يقول حين [¬٤] لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النَّبيِّ [¬٥] ﷺ ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله، ﷺ ، يقول عند الكسوة: "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي". وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم: (ولباسَ التقوى) بالنصب، وقرأ الآخرون بالرَّفع على الابتداء، و ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره. واختلف المفسرون في معناه؛ فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم (٣٨). وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الإيمان. وقال العوفي (٣٩): عن ابن عباس: [العمل الصالح. وقال زياد بن عمرو (٤٠): عن ابن عباس] [¬٦]: هو السمت الحسن في الوجه.

стр. 2733

وعن عروة بن الزُّبير: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خشية الله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى. وكل هذه متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال (٤١): حدثني المثنى، حدّثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفَّان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ ، عليه [¬١] قميص قوهي [¬٢] محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، و ينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها النَّاس اتقوا الله في هذه السرائر، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمَّد بيده، ما عمل أحد قط سرًّا إلَّا ألبسه الله رداء علانية، إن خيرًا فخير [¬٣] وإن شرًّا فشر [¬٤] ". ثم قرأ [¬٥] هذه الآية: (ورياشاً) ولم يقرأ ﴿وريشًا﴾، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن. هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف. وقد روى الأئمة الشَّافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة: عن الحسن البصري: أنَّه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (٤٢).

стр. 2734

وأمَّا المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير له شاهداً من وجه آخر حيث قال: حدّثنا [محمود بن محمَّد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا الفضل بن موسى، عن محمَّد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر" .... (٤٣) [¬١] ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ يقول تعالى محذراً بني آدم من إبليس وقبيله، ومبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنَّة، التي هي دار النعيم، إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلَّا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا

стр. 2735

وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على فرجها النِّسعة أو الشيء وتقول: اليَوْم يَبدُو بَعْضُهُ أَوُ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية. قلت: كانت العرب ما عدا قريشًا [¬١] لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم، فمن [¬٢] أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف [¬٣] عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الشيء، وتقول: اليَوْمَ يَبدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ وأكثر ما كان النساء بين عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمَّد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة [¬٤] في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيِّدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنَّه تعالى لا يتقبل العمل حتَّى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك.
следующие страницы →