وهكذا [¬١] قال مجاهد وعروة بن الزُّبير والسدي والضَّحَّاك [وغير واحد] [¬٢].
وقال العوفي (٣٥): عن ابن عباس: الرياش: اللباس والعيش والنعيم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال.
وقال الإمام أحمد (٣٦): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا أصبغ، عن أبي العلاء الشَّامي قال: لبس أبو أماَمة ثوبًا جديدًا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ : "من استجد ثوبًا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق [¬٣]- أو: ألقى - فتصدق به - كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيًّا وميتًا".
ورواه التِّرمذيُّ وابن ماجة: من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ - هو ابن زيد الجهني - وقد وثقه يَحْيَى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشَّامي لا يُعرف إلَّا بهذا الحديث، ولكن لم
стр. 2732
يجرحه [¬١] أحد، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد أيضاً (٣٧): حدّثنا محمَّد بن عبيد، حدّثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر: أنه رأى علياً ﵁ أتى غلامًا حدّثنا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى [¬٢] ما بين الرسغين [¬٣] إليَّ الكعبين، يقول حين [¬٤] لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النَّبيِّ [¬٥] ﷺ ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله، ﷺ ، يقول عند الكسوة: "الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي".
وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم: (ولباسَ التقوى) بالنصب، وقرأ الآخرون بالرَّفع على الابتداء، و ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره.
واختلف المفسرون في معناه؛ فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم (٣٨).
وقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الإيمان.
وقال العوفي (٣٩): عن ابن عباس: [العمل الصالح.
وقال زياد بن عمرو (٤٠): عن ابن عباس] [¬٦]: هو السمت الحسن في الوجه.
стр. 2733
وعن عروة بن الزُّبير: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خشية الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى.
وكل هذه متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال (٤١):
حدثني المثنى، حدّثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفَّان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ ، عليه [¬١] قميص قوهي [¬٢] محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، و ينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها النَّاس اتقوا الله في هذه السرائر، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والذي نفس محمَّد بيده، ما عمل أحد قط سرًّا إلَّا ألبسه الله رداء علانية، إن خيرًا فخير [¬٣] وإن شرًّا فشر [¬٤] ". ثم قرأ [¬٥] هذه الآية: (ورياشاً) ولم يقرأ ﴿وريشًا﴾، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن.
هكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف. وقد روى الأئمة الشَّافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة: عن الحسن البصري: أنَّه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (٤٢).
стр. 2734
وأمَّا المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير له شاهداً من وجه آخر حيث قال: حدّثنا [محمود بن محمَّد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا الفضل بن موسى، عن محمَّد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر" .... (٤٣) [¬١]
﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾
يقول تعالى محذراً بني آدم من إبليس وقبيله، ومبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنَّة، التي هي دار النعيم، إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلَّا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا
стр. 2735
وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾
قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على فرجها النِّسعة أو الشيء وتقول:
اليَوْم يَبدُو بَعْضُهُ أَوُ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية.
قلت: كانت العرب ما عدا قريشًا [¬١] لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم، فمن [¬٢] أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عرياناً، وربما كانت امرأة فتطوف [¬٣] عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الشيء، وتقول:
اليَوْمَ يَبدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
وأكثر ما كان النساء بين عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمَّد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة [¬٤] في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيِّدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنَّه تعالى لا يتقبل العمل حتَّى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك.
стр. 2736
وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الضَّلَالَةَ﴾ اختلف في معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
فقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يحييكم بعد موتكم.
وقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدُّنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.
وقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئاً، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولاً كذلك يعيدكم آخرًا.
واختار هذا القول أبو جعفر بن جرير (٤٤)، وأيده بما رواه: من حديث سفيان الثوري وشعبة ابن الحجاج كلاهما، عن المغيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: "يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين: من حديث شعبة، وفي صحيح [¬١] البُخاريّ أيضاً: من حديث الثوري به.
[وقال وقاء [¬٢] بن إياس أبو يزيد: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: يبعث المسلم مسلماً، والكافر كافراً.
وقال أبو العالية ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: ردّوا إلى علمه فيهم] [¬٣].
стр. 2737
وقال سعيد بن جبير: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: كما كتب عليكم تكونون. وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون.
وقال محمَّد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إليَّ [ما ابتدئ عليه خلقه] [¬١]، وإن عمل بأعمال أهل السعادة [كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه] [¬٢]، ومن ابتدأً خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، وإن [¬٣] عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا [¬٤] بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا [¬٥] عليه.
وقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى [وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾] [¬٦]: كما خلقناكم [¬٧] طريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.
وقال على بن أبي طلحة (٤٥)، عن ابن عباس قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافرًا؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا.
قلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البُخاريّ (٤٦): " فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخل الجنة".
وقال أبو القاسم البغوي (٤٧): حدّثنا على بن الجعد، حدّثنا أبو غسان [¬٨]، عن أبي حازم، عن
стр. 2738
سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد ليعمل فيما يرى النَّاس بعمل أهل الجنَّة، وإنه من أهل النَّار، وإنه ليعمل فيما يرى النَّاس بعمل أهل النَّار، وإنه من أهل الجنَّة، وإنما الأعمال بالخواتيم".
هذا قطعة من حديث رواه البُخاريّ: من حديث أبي غسان محمَّد بن مطرف المدني في قصَّة قزمان يوم أحد.
وقال ابن جرير (٤٨): حدثني ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "تبعث كل نفس على ما كانت عليه".
وهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: "يبعث كل عبد على ما مات عليه".
قلت: ولابد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وما جاء في الصحيحين (٤٩): عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه". وفي صحيح مسلم (٥٠): عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله تعالى: إنِّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم" الحديث. ووجه الجمع على هذا أنَّه تعالى خلقهم؛ ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده
стр. 2739
والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وفي الحديث (٥١): " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها". وقدر الله نافذ في بريته، فإنَّه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، و ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. وفي الصحيحين (٥٢): " فأمَّا من كان منكم [¬١] من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما [¬٢] من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل [¬٣] الشقاوة". ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، ثم علل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٤]﴾.
قال ابن جرير [¬٥]: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم: أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها إلَّا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأنَّ ذلك [¬٦] لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنَّه هاد وفريق الهدى؛ فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة؛ كما رواه مسلم والنَّسائيُّ وابن جرير واللفظ له (٥٣): من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة: الرجال والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:
اليوم يَبدُو بَعضُه أو كُلهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
стр. 2740
وقال العوفي (٥٤): عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البزِّ والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.
وكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النَّخعيُّ وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضَّحَّاك [ومالك، عن الزُّهريّ] [¬١] وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: إنَّها نزلت [¬٢] في طواف المشركين بالبيت عراة.
وقد روى الحافظ ابن مردويه (٥٥): من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: أنَّها أنزلت في الصَّلاة في النعال. ولكن في صحته نظر، والله أعلم.
ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصَّلاة، ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنَّه من الزينة، والسواك؛ لأنَّه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس [¬٣] البياض؛ كما قال الإِمام أحمد (٥٦):
стр. 2741
حدّثنا على بن عاصم، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن من خير أكحالكم الإثمد، فإنَّه يجلو البصر ويُنْبتُ الشعر".
هذا حديث جيد الإِسناد، رجاله على شرط مسلم، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة: من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به. وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
وللإمام أحمد (٥٧) أيضاً وأهل السنن [¬١] بإسناد جيد: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بثياب [¬٢] البياض فالبسوها، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم".
وروى الطّبرانيّ (٥٨) بسند صحيح: عن قتادة، عن محمَّد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى
стр. 2742
رداء بألف، وكان [¬١] يصلِّي فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [¬٢]﴾، قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
وقال البُخاريّ (٥٩): قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.
وقال ابن جرير (٦٠): حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدّثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة. إسناده صحيح.
وقال الإِمام أحمد (٦١): حدّثنا بهز، حدّثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: "كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في [¬٣] غير مخيلة ولا سَرَفٍ، فإن الله يُحِبُّ أن يرى نعمته على عبده".
стр. 2743
ورواه النَّسائيّ وابن ماجة: من حديث قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة".
وقال الإِمام أحمد (٦٢): حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا سليمان بن سليم الكناني، حدّثنا يَحْيَى بن جابر الطَّائي [¬١]، سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ملأ [ابن آدم] [¬٢] وعاء شرًّا من بطنه [¬٣]، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلث لطعامه [¬٤] وثلث لشرابه [¬٥]، وثلث لنفسه".
ورواه النَّسائيّ والترمذي من طرق، عن يَحْيَى بن جابر به. وقال التِّرمذيُّ: حسن. وفي نسخة: حسن صحيح.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (٦٣): حدّثنا [سويد بن عبد العزيز] [¬٦]، حدّثنا بقية، عنٍ يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت".
стр. 2744
ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب، تفرد به بقية.
وقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك [¬١] ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [¬٢]﴾، يقول: لا تسرفوا في التحريم.
وقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يقول: ولا تأكلوا حراماً، ذلك الإِسراف.
وقال عطاء الخراساني (٦٤): عن ابن عباس قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الطعام والشَّراب.
وقال ابن جرير [¬٣]: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدين [¬٤]، حدّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل أو حرم، بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
стр. 2745
يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.
يقول تعالى ردًّا على من حرم شيئاً من المآكل أو [¬١] المشارب أو [¬٢] الملابس، من تلقاء نفسه من غير شرع من الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] [¬٣]﴾، أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله، وعبده في الحياة الدُّنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسًّا في الدُّنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنَّة محرمة على الكافرين.
قال أبو القاسم الطّبرانيّ (٦٥): حدّثنا أبو حصين محمَّد بن الحسين القاضي، حدّثنا يَحْيَى الحماني، حدّثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب.
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾
قال الإمام أحمد (٦٦): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أحد أغير من الله؛ [فلذلك حرم الفواحش ما ظهر
стр. 2746
منها وما بطن، ولا أحد أحب إله المدح من الله"] [¬١] أخرجاه في الصحيحين: من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن [شقيق أبي وائل] [¬٢]، عن عبد الله بن مسعود به [¬٣]. وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام.
وقوله: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على النَّاس بغير الحق.
وقال مجاهد: الإِثم: المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه.
وحاصل ما فسر [¬٤] به الإثم أنَّه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى النَّاس، فحرم الله هذا وهذا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: تجعلوا له شركاء [¬٥] في عبادته ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [] [¬٦] من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولذا، ونحو ذلك مما لا علم لكم به؛ كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ] [¬٧]﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي [¬٨]: قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ميقاتهم المقدر لهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ عن ذلك ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
ثم أنذر تعالى بني آدم بأنه [¬٩] سيبعث إليهم رسلاً يقصون عليهم آياته، وبشر وحذر، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
стр. 2747
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾
يقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته [¬١] المنزلة.
﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فقال العوفي (٦٧): [عن ابن عباس] [¬٢]: ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسَودٌ.
وقال على بن أبي طلحة (٦٨): عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرًا جُزِي به، ومن عمل شرًّا جُزِي به.
وقال مجاهد: ما وعدوا فيه من خير وشر.
وكذا قال قَتَادَةُ والضَّحَّاك وغير واحد واختاره ابن جرير [¬٣].
وقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال: عمله ورزقه وعمره.
وكذا قال الرَّبيع بن أنس وعبه الرحمن بن زيد بن أسلم.
وهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ويصير [¬٤] المعنى في هذه الآية كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾،
стр. 2748
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا] [¬١]﴾، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين، تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النَّار، يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدُّنيا، وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله، ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه، قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا عنا، فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما يقول لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذبين بآياته: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: من أشكالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم السالفة الكافرة.
﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلاً من قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾، ويحتمل أن يكون ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم.
وقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، كما قال الخليل ﵇: ﴿ثُمَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا] [¬٢]﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ
стр. 2749
لِأُولَاهُمْ﴾ أي: آخرهم دخولاً - وهم الأتباع لأولادهم وهم المتبوعون لأنهم أشد جرمًا من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: أضعف عليهم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
وقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: قد فعلنا ذلك، وجازينا كلا بحسبه؛ كقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا [فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ] [¬١]﴾، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [¬٢]﴾.
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ أي: قال المتبوعون للأتباع ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذا الحال كما أخبر الله [¬٣] تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾
قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء.
قاله مجاهد وسعيد بن جبير، ورواه العوفي وعليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس. وكذا رواه
стр. 2750
الثوري: عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس (٦٩).
وقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء.
رواه الضَّحَّاك (٧٠) عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد، ويؤيده ما قال ابن جرير (٧١):
حدّثنا أبو كريب، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال - هو ابن عمرو -، عن زاذان، عن البراء: أن رسول الله، ﷺ ، ذكر قبض روح الفاجر، وأنَّه يصعد بها إلى السماء، قال [¬١]: "فيصعدون بها فلا يمرون [¬٢] على ملأ من الملائكة إلَّا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدُّنيا، حتى ينتهوا [¬٣] بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له، فلا يفتح له". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ] [¬٤]﴾.
هكذا رواه، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجة من طرق: عن المنهال بن عمرو، به. وقد رواه الإِمام أحمد بطوله فقال (٧٢):
حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن المنهال [¬٥] بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله، ﷺ ، وجلسنا حوله كأن على رءوسنا المطر، وفي يده عود ينكت [¬٦] به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب
стр. 2751
القبر" - مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى [¬١] الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى منفرة من الله ورضوان".
قال: "فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها [¬٢] فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه [¬٣] الروح الطيبة [¬٤]؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له
стр. 2752
فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى".
قال: "فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقِول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله علية وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطِيبها، ويفسح له في قبره مد البصر [¬١].
قال: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت فوجهك الوجه [¬٢] يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
قال: "وإن العبد الكافر إذا كان في انْقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها [¬٣] النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق [¬٤]، في جسده، فينتزبها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه [¬٥]، الووح الخبيثة [¬٦]؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا، [حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا] [¬٧]، فيستفتح له، فلا يفتح [] [¬٨]، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله : اكتبوا كتابة في سجين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول:
стр. 2753
هاه هاه لا أدرى. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي [¬١]، فافرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى [¬٢] النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق علية قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل، قبيح الوجه قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة".
وقال الإمام [¬٣] أحمد أيضًا (٧٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى جنازة … فذكر نحوه.
وفيه: "حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله : أن يرج بروحه من قبلهم".
وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى،
стр. 2754
فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير - واللفظ له (٧٤) -: من حديث محمد بن عمرو بن عطَاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة [¬١]، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري بروح وريحان، ورب غير غضبان [¬٢]. فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فيقال [¬٣] لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله ، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من من شكله أزواج، فيقولون ذنك حتى تخوج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا، فيقولون: فلان. فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، التي [¬٤] كانت في الجسد الخبيث، ارجعى ذميمة، فإنه لم تفتح [¬٥] لك أبواب السماء، كرسل بين السماء والأرض: فتصير إلى القبر".
وقد قال ابن جريج في قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ قال [¬٦]: لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم.
وهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ هكذا قرأه [¬٧] الجمهور، وفسروه: بأنه البعير.
قال ابن مسعود (٧٥): هو الجمل ابن الناقة. وفي رواية: زوج الناقة.
стр. 2755
وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق [¬١] الإِبرة.
وكذا قال أبو العالية والضحاك، وكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي: عن ابن عباس.
وقال مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها: (يلج الجُمّل في سم الخياط) بضم الجيم وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإِبرة.
وهذا اختيار سعيد بن جبير، و [¬٢] في رواية: أ نه قرأ (حتى يلج الجُمّلُ) يعني قلوس السفن، وهي الحبال الغلاظ.
وقوله: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ [قال محمد بن كعب القرظي: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾] [¬٣] قال: الفريق ﴿ومن فوقهم غواش﴾ قال: اللحف.
وكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي، ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾
لما ذكر تعالى حال [¬٤] الأشقياء عطف بذكر حال السعداء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا
стр. 2756
بآيات الله واستكبروا عنها.
وينبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال [¬١]: ﴿لَا نُكَلِّفُ [¬٢] نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من حسد وبغض [¬٣]؛ كما جاء في صحيح البخاري (٧٦): من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ["إذا خلص المؤمنون من النار] [¬٤]، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتُصَّ لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوُا، أذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا".
وقال السدي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا [¬٥]، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا، ولم يشحبوا بعدها أبدًا. وقد روى أبو إسحاق (٧٧): [عن عاصم] [¬٦]، عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب نحوا من هذا؛ كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا﴾ إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقال قتادة: قال علي ﵁: إني لأرجو أن أ كون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾. رواه ابن جرير (٧٨).
وقال عبد الرزاق (٧٩): أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل، قال: سمعت الحسن يقول: قال على: فينا واللَّه أهل بدر نزلت: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾.
стр. 2757
وروى النسائي وابن مردويه - واللفظ له (٨٠) -: من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرًا، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني، فيكون له حسرة".
ولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: ﴿أن تلكم الجنة [¬١] أورثتموها بما كنتم تعملون﴾، أي: بسبب أعمالكم [نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة، وتبوّأتم منازلكم بحسب أعمالكم] [¬٢]. وإنما وجب الحمل على هذا؛ لما ثبت فى الصحيحين (٨١) عن رسول الله ﷺ [أنه قال] [¬٣]: "واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة". قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ
стр. 2758
﴿رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾
يخبر تعالى بما يخاطب به [¬١] أهل الجنة أهل النار وذلك [¬٢] على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا﴾ ﴿أن﴾ هاهنا مفسرة للقول المحذوف، و ﴿قد﴾ للتحقيق، أي: قالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم [¬٣] ربكم حقا؟ قالوا: نعم. كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال، وكذلك [¬٤] تقرعهم [¬٥] الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وكذلك قرع رسول الله، ﵌، قتلى القليب يوم بدر، فنادى: "يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رءوسهم -: هل وجدتم ما ومحمد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا". وقال عزَّ: يا رسول الله، تخاطب قومًا قد جيفوا! فقال: "والذي نفسي يده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا" (٨٢).
وقوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم﴾ أي: أعلم معلم، ونادى مناد: ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾ أي: مستقرة عليهم.
ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه، وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل [¬٦] معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار
стр. 2759
الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما [¬١] يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أقوالاً وأعمالًا.
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾
لما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار حجابًا [¬٢]، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة.
قال ابن جرير [¬٣]: وهو السور الذي قال الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهو الأعراف، الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿وبينهما حجاب﴾: وهو السور، وهو [¬٤]، الأعراف.
وقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.
قال ابن جرير (٨٣): والأعراف جمع عُرْف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عُرْفًا، وإنما قبل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه.
وحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد [¬٥] الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: [الأعراف هو الشيء الشرف.
стр. 2760
وقال الثوري (٨٤)، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال] [¬١]: الأعراف سور كعرف الديك.
وفي رواية (٨٥) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، الأعراف: تَلُّ بين الجنة والنار، حُبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار. وفي رواية عنه (٨٦): هو سور بين الجنة والنار: وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير.
وقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافًا؛ لأن أصحابه يعرفون الناس.
واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد؛ وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (٨٧):
حدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [¬٢] النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له: أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته؟ فقال: "أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
ورواه من وجه آخر (٨٨) عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر، عن رجل
стр. 2761
من مزينة قال: سئل رسول الله ﷺ عن [أصحاب الأعراف] [¬١]؟ فقال: "إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله".
وقال سعيد بن منصور (٨٩): حدثنا أبو معشر، حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني، عن أبيه قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن أصحاب الأعراف؟ فقال: "هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله".
وهكذا رواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر، به، وكذا [¬٢] رواه
стр. 2762
ابن ماجة (٩٠) مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر.
وقال ابن جرير (٩١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة: أنه سُئل عن أصحاب الأعراف؟ قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت [¬١]، بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلَّفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم.
وقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا، فقال (٩٢):
حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: قال الشعبي: أرسل الي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا، ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة؛ فقالا: هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم تحاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت [¬٢] بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم
стр. 2763
تلقاء أصحاب النار: ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ فبينما [¬١] هم كذلك، اطلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم.
وقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود، قال: يحاسب الناس يوم القيامة؛ فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ] [¬٢]﴾. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ورجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم، إذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار: ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا القوم الظالمين﴾ فتعوذوا [¬٣] بالله من منازلهم. قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا، فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، قالوا: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا﴾، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم [¬٤]، فلم ينزع، فهنالك [¬٥] يقول الله تعالى: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ فكان الطمع دخولاً. قال: وقال ابن مسعود: على [¬٦] أن العبد إذا عمل حسنة كتب [¬٧] له بها عشر [¬٨] وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من [غلب وُحدَانُه] [¬٩] أعشاره.
رواه ابن جرير (٩٣). وقال أيضًا (٩٤):
حدثني ابن وكيع، وابن حميد قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت،
стр. 2764
عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا لله أن يعافيهم؛ انطلق بهم إلى نهر يقال له: نهر [¬١] الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه [¬٢] حتى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم شامة بيضاء. يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم؛ أتى بهم الرحمن ﵎ فقال: "تمنوا ما شئتم". فيتمنون، حتى إذا انقطعت أُمنيتهم، قال لهم: "لكم الدي تمنيتم وحله سبعون ضعفًا". فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون: مساكين أهل الجنة.
وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير به. وقد رواه سفيان الثوري (٩٥)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث من قوله. وهذا أصح والله أعلم. وكذا [¬٣] روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.
وقال سنيد بن داود (٩٦): حدثني جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن أصحاب الأعراف؟ قال: "هم آخر من يفصل بينهم من العباد؛ فإذا في رب العالمين من الفصل [¬٤] بين العباد، قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم" وهذا مرسل حسن.
وقيل: هم أولاد الزنا. حكاه القرطبي [¬٥].
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى (٩٧)، عن [منبه بن عثمان] [¬٦]، عن
стр. 2765
عروة بن رويم، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ : "أن مؤمني الجن لهم ثواب وعلهم عقاب". فسألناه عن ثوابهم [وعن مؤمنيهم] [¬١]؟ فقال: "على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ ". فسألناه وما الأعراف؟ فقال: "حائط الجنة تجري فيه الأنهار، وكتبت فيه الأشجار والثمار".
رواه البيهقي: عن ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد ابن موسى به. وقال سفيان الثوري، عن خصيف، عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء.
وقال ابن جرير (٩٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ قال: هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [في النار] [¬٢] ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال: فهذا [¬٣] حين يدخل [¬٤] أهل الجنة الجنة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وهذا صحيح إلى أبي مجلز؛ لاحق بن حميد أحد التابعين. وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق. وقول الجمهور مقدم على قوله، لدلالة [¬٥] الآية على ما ذهبوا إليه (٩٩) -.
стр. 2766
وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء، فيه غرابة أيضًا، والله أعلم.
وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولاً، منها: [أنهم شهدوا] [¬١] أنهم صلحاء تفرعوا من فرع الآخرة، ودخلوا [¬٢]، يطلعون على أخبار الناس.
وقيل: هم أنبياء، وقيل: هم [¬٣] ملائكة.
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، قال على بن أبي طلحة (١٠٠)، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، واهل النار بسواد الوجوه. وكذا روى الضحاك عنه.
وقال العوفى، عن ابن عباس: أنزلهم الله تلك [¬٤] المنزلة؛ ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه [¬٥]، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم فى ذلك يحيون أَهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله.
وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن به. زيد في أسلم وغيرهم [¬٦].
وقال معمر، عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع فى قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
وقال قتادة: أنبأ كم الله بمكانهم من الطمع.
وقوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الضحاك، عن ابن عباس: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، و [¬٧]، عرفوهم، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 2767
وقال السدي: وإذا مروا بهم يعني - بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقال عكرمة: تحرد [¬١] وجوههم للنار [¬٢]، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم.
وعن [¬٣] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾
يقول الله تعالى مخبرًا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي: كثرتكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله، بل صريح إلى ما صرتم فيه من العذاب والنكال.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة (١٠١)، عن ابن ياس: يعني أصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال ابن جرير (١٠٢): حدثني محمد بن سعد، [قال: حدثني أبي] [¬٤] حدثني عمي [¬٥]، حدثني أبي [¬٦]، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال: فلما قالوا [¬٧] لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعني: أصحاب الأعراف
стр. 2768
لأهل الحنة وأهل النار - قال الله لأهل التكبر والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال [¬١] حذيفة (١٠٣): إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم، فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك. فقال: على تعلمون أن أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم، فيأتون إبراهيم ﷺ ، فيسألونه [¬٢] أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: تعلمون من أحد اتخذه الله خليلاً، هل تعلمون أن أحدًا أحرقه [¬٣] قومه في النار في الله، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى ﵇، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا وقربه نجيًّا، غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه ﵇، فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب غيري [¬٤]؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ . فيأتونني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها. ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، [فأثني على] [¬٥] ربي ، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل ولا منك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح [أهل الجنة] [¬٦]، فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم [¬٧]: مساكين أهل الجنة.
стр. 2769
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾
يخبر تعالى عن ذلة أهل النار، وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، وأنهم لا يجابون إلى ذلك.
قال السدي: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الطعام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يستطعمونهم ويستسقونهم.
وقال الثوري (١٠٤)، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية، قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له [¬١]: قد احترقت، فأفض [¬٢] على من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وروى من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس مثله سواء [¬٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: طعام الجنة وشرابها.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٥): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا ﷺ
стр. 2770
أبو موسى الصفار في دار عمرٍو [¬١] بن مسلم، قال: سألت ابن عباس أو سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عايه وسلم: "أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار [لما استغاثوا بأهل الجنة] [¬٢]، قالوا [¬٣]: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.
وقال أيضًا (١٠٦): حدثنا أحمد بن سنان، حدثت أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: لما مرض أبو طالب، قالوا له: لو أرسلت إلى اليمن أخيك هذا، فيرسل إليك بعنقود من الجنة؛ لعله أن يشفيك به. فجاءه الرسول، وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه [¬٤] فى الدنيا، من اتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها، عفا أمروا به من العمل للدار الآخرة.
قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، ولا ينساه؛ كما قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة؛ كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.