وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء، فيه غرابة أيضًا، والله أعلم.
وقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولاً، منها: [أنهم شهدوا] [¬١] أنهم صلحاء تفرعوا من فرع الآخرة، ودخلوا [¬٢]، يطلعون على أخبار الناس.
وقيل: هم أنبياء، وقيل: هم [¬٣] ملائكة.
وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، قال على بن أبي طلحة (١٠٠)، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، واهل النار بسواد الوجوه. وكذا روى الضحاك عنه.
وقال العوفى، عن ابن عباس: أنزلهم الله تلك [¬٤] المنزلة؛ ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه [¬٥]، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم فى ذلك يحيون أَهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله.
وكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن به. زيد في أسلم وغيرهم [¬٦].
وقال معمر، عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع فى قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.
وقال قتادة: أنبأ كم الله بمكانهم من الطمع.
وقوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الضحاك، عن ابن عباس: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، و [¬٧]، عرفوهم، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 2767
وقال السدي: وإذا مروا بهم يعني - بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقال عكرمة: تحرد [¬١] وجوههم للنار [¬٢]، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم.
وعن [¬٣] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾
يقول الله تعالى مخبرًا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي: كثرتكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله، بل صريح إلى ما صرتم فيه من العذاب والنكال.
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة (١٠١)، عن ابن ياس: يعني أصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال ابن جرير (١٠٢): حدثني محمد بن سعد، [قال: حدثني أبي] [¬٤] حدثني عمي [¬٥]، حدثني أبي [¬٦]، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال: فلما قالوا [¬٧] لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعني: أصحاب الأعراف
стр. 2768
لأهل الحنة وأهل النار - قال الله لأهل التكبر والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقال [¬١] حذيفة (١٠٣): إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم، فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك. فقال: على تعلمون أن أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم، فيأتون إبراهيم ﷺ ، فيسألونه [¬٢] أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: تعلمون من أحد اتخذه الله خليلاً، هل تعلمون أن أحدًا أحرقه [¬٣] قومه في النار في الله، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى ﵇، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا وقربه نجيًّا، غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه ﵇، فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب غيري [¬٤]؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ . فيأتونني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها. ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، [فأثني على] [¬٥] ربي ، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل ولا منك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح [أهل الجنة] [¬٦]، فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم [¬٧]: مساكين أهل الجنة.
стр. 2769
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾
يخبر تعالى عن ذلة أهل النار، وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، وأنهم لا يجابون إلى ذلك.
قال السدي: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الطعام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يستطعمونهم ويستسقونهم.
وقال الثوري (١٠٤)، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية، قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له [¬١]: قد احترقت، فأفض [¬٢] على من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وروى من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس مثله سواء [¬٣].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: طعام الجنة وشرابها.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٥): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا ﷺ
стр. 2770
أبو موسى الصفار في دار عمرٍو [¬١] بن مسلم، قال: سألت ابن عباس أو سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عايه وسلم: "أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار [لما استغاثوا بأهل الجنة] [¬٢]، قالوا [¬٣]: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.
وقال أيضًا (١٠٦): حدثنا أحمد بن سنان، حدثت أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: لما مرض أبو طالب، قالوا له: لو أرسلت إلى اليمن أخيك هذا، فيرسل إليك بعنقود من الجنة؛ لعله أن يشفيك به. فجاءه الرسول، وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
ثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه [¬٤] فى الدنيا، من اتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها، عفا أمروا به من العمل للدار الآخرة.
قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، ولا ينساه؛ كما قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.
وإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة؛ كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.
стр. 2771
وقال العوفي (١٠٧)، عن ابن عباس [في قوله] [¬١]: ﴿فاليوم [ننساهم كما نسوا لقاء يومهم] [¬٢] هذا] قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر.
وقال على بن أبي طلحة (١٠٨)، عن ابن عباس قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا.
[وقال مجاهد: نتركهم في النار. وقال السدي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا] [¬٣].
وفي الصحيح (١٠٩) أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: "ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسَخّرْ لك الحيل والإبل وأذَرْك تَرأسُ وتَربَعُ؟ " فيقول: بلى. فيقول: "أظننت أنك مُلاقِيَّ" فيقول: لا. فيقول الله تعالى: "فاليوم أنساك كما نسيتني".
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن إعذاره إلى المشركين، بإرسال الرسول إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ] [¬٤]﴾.
وقوله: ﴿فصلناه على علم﴾ أي: على علم منا بما فصلناه به، كقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾.
стр. 2772
قال ابن جرير [¬١]: وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [¬٢]﴾، ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم﴾.
وهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد طال الفصل، ولا دليل علن ذلك، وإنما لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة [¬٣] في الدار [¬٤] الآخرة، ذكر أنه قد [¬٥] أزاح عللَّهم في الدار الدنيا؛ بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾. ولهذا قال: ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾ أي: ما [وعدوا به] [¬٦] من العذاب والنكال والجنة والنار، قاله مجاهد وغير واحد.
[وقال مالك] [¬٧]: ثوابه.
وقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ.
وقوله [¬٨]: ﴿يوم يأتي تأويله﴾ أي: يوم القيامة. قاله ابن عباس. ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾ أي: تركوا العمل به، وتناسوه [¬٩] في الدار الدنيا: ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ أي: في خلاصنا مما نحن فيه، ﴿أو نرد﴾ إلى الدار [¬١٠] الدنيا: ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما قال هاهنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾] [¬١١] أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله؛ [فلا يشفعون لهم ولا ينصرونهم] [¬١٢] ولا ينقذونهم مما هم فيه.
إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ
стр. 2773
بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾
يخبر تعالى بأنه خالق [¬١] العالم سماواته وأرضيه، وما بين ذلك فى ستة أيام، كما أخبر بذلك فى غير ما آية من القرآن، والستة أيام [¬٢] هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كله، فيه خلق آدم ﵇، واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد والإِمام أحمد بن حنبل؟ ويروى ذلك من [¬٣] رواية الضحاك عن ابن عباس، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال (١١٠): حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل".
فقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه، عن حجاج وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج به. وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿في ستة أيام﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ فى هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. بل الأمر كما قال الأئمة: منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال [¬٤]: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه [¬٥]، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة
стр. 2774
والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى.
وقوله تعالى: ﴿يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا﴾ أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلبها حثيثًا أي: سريعًا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾. فقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه، بل هو في أثره لا واسطة بينهما، ولهذا قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ منهم من نصب، ومنهم من رفع، وكلاهما [¬١] قريب المعنى. أي: الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبهًا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ أي: له الملك والتصرف. ف ﴿تبارك الله رب العالمين﴾، كقوله: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا [وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا] [¬٢]﴾.
وقال ابن جرير (١١١): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا [عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري] [¬٣]، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح، وحمد نفسه فقد كفر، وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله [¬٤]: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب
стр. 2775
العالمين﴾ ".
وفي الدعاء المأثور، عن أبي الدرداء، وروي مرفوعًا (١١٢): " اللَّهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله؛ أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله".
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
أرشد ﵎ عباده إلى دعائه، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ معناه: تذللاً واستكانة، ﴿وخفية﴾ كما قال: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ الآية. وفي الصحيحين (١١٣) عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ : "أيها الناس اربَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه [سميع قريب] [¬١] ". الحديث.
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿تضرعًا وخفية﴾ قال: السر.
وقال ابن جرير [¬٢]: ﴿تضرعًا﴾ تذللًا واستكانة لطاعته، ﴿وخفية﴾ يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا و [¬٣] مراءاة.
стр. 2776
وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن [¬١] كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته، وعنده الزَّوْر [¬٢]، وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله، فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيًّا﴾.
وقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ثم روى عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ في الدعاء، ولا في غيره.
وقال أبو مجلز: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ لا يسأل منازل الأنبياء.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (١١٤) ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، سمعت أبا عيلة [¬٣]، عن مولى لسعد: أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو وهو [¬٤] يقول: اللَّهم، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا [¬٥]، وتعوذت به [¬٦] من شر كثير، وإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء". وقرأ هذه
стр. 2777
الآية: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾. وإن بحسبك أن تقول: اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
ورواه أبو داود (١١٥) من حديث شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن ابن لسعد، عن سعد. فذكره، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (١١٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة: أن عَبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتها، فقال: يا بنى، سل الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبى شيبة، عن عفان، به.
وأخرجه أبو داود (١١٧)، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نعامة - واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري -، وهو إسناد حسن لا بأس
стр. 2778
به، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ ينهى تعالى عن الإفساد فى الأرض، وما [¬١] أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد؛ فنهى تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ أي: خوفًا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعًا فيما عنده من جزيل الثواب.
ثم قال: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره، كما قال تعالى: ﴿ورحمتى وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون [ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي] [¬٢]﴾.
وقال: ﴿قريب﴾ ولم يقل قريبة؛ لأنه ضمّن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: ﴿قريب من المحسنين﴾.
وقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته؛ فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم (١١٨).
﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾
لما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه؛ لأنه على ما يشاء قادر، نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة، فقال:
стр. 2779
﴿وهو الذي يرسل الرياح نشرًا [¬١]﴾ أي: ناشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرا: (بشرًا) كقوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾.
وقوله: ﴿بين يدي وحمته﴾ أي: بين يدي المطر، كما قال: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾، وقال: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾.
وقوله: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالاً﴾ أي: حملت الرياح سحابًا ثقالاً، أي: من كثرة ما فيها من الماء، تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵀:
وأسْلمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ المزنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا
وَأسْلمْتُ وَجهِي لِمَنْ أسْلَمَتْ … لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ صَخْرَا ثقالًا
وقوله: ﴿سقناه لبلد ميت﴾ أي: إلى أرض ميتة مجدبة [¬٢] لا نبات فيها، كقوله: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها [وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون] [¬٣]﴾، ولهذا قال: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى﴾ أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم القيامة، ينزل الله ماءً من السماء، فتمطر الأرض أربعين يومًا، فتنبت منه الأجساد في قبورها، كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلًا [ليوم القيامة] [¬٤] بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: ﴿لعلكم تذكرون﴾.
وقوده: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعًا حسنًا، كقوله: ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا﴾.
﴿والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا﴾ قال مجاهد وغيره: كالسباخ ونحوها.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس فما هذه الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر.
وقال البخاري (١١٩): حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أسامة، عن بُرَيد [¬٥] بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ﵁، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
стр. 2780
وسلم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا [¬١]، فكان [¬٢] منها نقية [¬٣] قبلت الماء، فأنبتت [¬٤] الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس: فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان [¬٥]: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل [¬٦]، من فَقُه فى دين الله ونفعه ما [¬٧] بعثني الله به، فَعِلمَ وَعلَّم [¬٨]، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
رواه مسلم والنسائى: من طرق، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾
لما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة، وما يتعلق بذلك، وما [¬٩] يتصل به، وفرغ منه شرع تعالى في ذكر [¬١٠] قصص الأنبياء ﵈؛ الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح ﵇؛ فإنه أول رسول [بعثه الله] [¬١١] إلى أهل الأرض، بعد آدم ﵇ وهو نوح بن لامك [¬١٢] ابن متوشلح [¬١٣] بن خنوخ - وهو إدريس النبي ﵇ فيما - يزعمون، وهو أول من خط بالقلم - ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ﵇.
هكذا نسبه ابن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب. قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي
стр. 2781
من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل.
وقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحًا [¬١]؛ لكثرة ما ناح على نفسه.
وقد كان بين آدم إلى زمان نوح ﵉ عشرة قرون، كلهم على الإِسلام.
قال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام؛ أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، [وصورا صور] [¬٢] أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا تلك الصور أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك [¬٣] الصالحين: [ودًّا وسواعًا] [¬٤] ويغوث ويعوق ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله وله الحمد والمنة - رسوله نوحًا، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة، إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام، التي وجدنا آباءنا عليها، وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ما أنا ضال [¬٥]، ولكن أنا رسول من [رب العالمين] [¬٦]، رب كل شيء ومليكه، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا عالما [¬٧] بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم (١٢٠): أن رسول الله، ﷺ ، قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا: "أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد [¬٨] بلغت وأديت ونصحت [¬٩]، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء، وينكتها عليهم، ويقول: "اللَّهم اشهد! اللَّهم اشهدا".
стр. 2782
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ [أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [¬١]﴾، أي: لا تعجبوا من هذا؛ فإن هذا ليس بعجب، أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم، ولطفا وإحسانًا إليكم؛ لينذركم [¬٢] ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: فتمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما نص عليه تعالى في موضع آخر: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة، كما قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، كما قال: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أي: عن الحق، لا يبصرونه ولا يهتدون له.
فبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة، أن العاقبة فيها [¬٣] للمتقين، والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق، ونجى [¬٤] نوحًا وأصحابه المؤمنين.
و [¬٥] قال مالك، عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز.
وقال ابن وهب: بلغنى عن ابن عباس: أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا، أحدهم
стр. 2783
جرهم، وكان لسانه عربيًّا. رواهن ابن أبي حاتم (١٢١)، وقد روي هذا الأثر الأخير من وجه آخر متصلًا [¬١] عن ابن عباس ﵄.
﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾
يقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا، كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا.
قال محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.
(قلت): وهؤلاء هم عاد الأولى، الذين ذكرهم الله، وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى [¬٢] العمد في البر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
وقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل.
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر
стр. 2784
ابن واثلة، سمعت على بن أبي طالب يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر [¬١] تخالطه مدرة حمراء، ذا أراك وسدر كثير، بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، واللَّه إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا، ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود ﵇.
رواه ابن جرير (١٢٢). وهذا فيه فائدة: أن مساكنهم كانت باليمن؛ وأن هودًا ﵇ دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسبًا؛ لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأم تكذيبًا للحق، ولهذا دعاهم هود ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم الجمهور والسادة والقادة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام، والإقبال على [¬٢] عبادة الله وحده، كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا [¬٣]: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] [¬٤]﴾.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغة والنصح والأمانة.
﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم؛ لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح، الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته، لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس ﴿بَسْطَةً﴾ أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمته [¬٥] ومنته عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
стр. 2785
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن تمردهم وطغيانهم، وعنادهم: إنكارهم على هود ﵇: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ [وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] [¬١]﴾، كما قال الكفار من قريش: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصنامًا؛ فصنم يقال له: صُداء، وآخر يقال له: صمود [¬٢]، وآخر يقال له: الهباء.
ولهذا قال هود [¬٣] ﵇: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم ﴿رِجْسٌ﴾ قيل: هو مقلوب من رجز، وعن ابن عباس: معناه [سخط وغضب] [¬٤].
﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلًا؛ ولهذا قال: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وهذا تهديده ووعيد من الرسول لقومه؛ ولهذا عقب بقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن، بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا
стр. 2786
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا * فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين [¬١] جثته؛ ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين [¬٢] عمان وحضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هودًا ﵇ وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟! واتبعه منهم ناس وهم يسير مكتتمون بإيمانهم، فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثًا بغير نفع، كلمهم هود، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ أي: بجنون ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به، أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه، إنما يطلبونه بحَرَمِه [¬٣] ومكان [¬٤] بيته، وكان معروفًا عند المِلَل، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ [¬٥] بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلًا [¬٦] يقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أم من قوم عاد واسمها: كلهدة [¬٧] بنة الخيبزي. قال: فبعثت عاد وفدًا قريبًا من سبعين رجلاً إلى الحرم؛ ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرًا، يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان - قينتان لمعاوية - وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلما طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمل شعرًا يعرض لهم بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنياهم [¬٨]
стр. 2787
به، فقال:
ألا يا قَيْل ويحَك قم فَهَيْنِم … لعلَّ اللَّه يُصْبِحنَا غمامًا
فيسقي أرضَ عادٍ إنْ عادًا … قد امسوا لا يُبِينُون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو [¬١] … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير … فقد أمستْ نساؤهم عَيَاما
وإن الوحش تأتيهم جهارا … ولا تخشى لعاديٍّ سهاما
وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم … نهاركم وليلكم التماما
فقُبِّح وَفْدُكم من وفد قومٍ … ولا لُقُّوا التحيَّةَ والسَّلاما
قال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قيل بن عنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا؛ بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد [من السماء: اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب. فقال: اخترت هذه السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء. فناداه مناد] [¬٢]:
اخترت رمادًا رمددًا، لا تبقي [¬٣] من عاد أحدًا، لا [¬٤] والدًا تترك ولا ولدًا، إلا جعلته همدًا
إلا بني اللوذية المهندًا.
قال: وبنو اللوذية بطن من عاد مقيمون [¬٥] بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون، التي اختارها قيل بن عنز، بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. يقول: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [أي: تهلك كل شيء مرت به] [¬٦]، فكان أول من أبصر ما [¬٧] فيها، وعرف أنها ريح، فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال لها: مهدد [¬٨]؟ فلما تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا مهدد [¬٩]؟ قالت: ريحًا فيها شهب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما قال الله تعالى، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدًا إلا
стр. 2788
هلك، واعتزل هود ﵇ فيما ذكر لى ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه إلا ما [¬١] تلين عليه الجلود، وتلتذ [¬٢] الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة.
وذكر تمام القصة بطولها، وهو سياق غريب، فيه فوائد كثيرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
وقد ورد في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد [في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار ﵀. قال الإِمام أحمد] [¬٣] (١٢٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام ابن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي [¬٤]: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله، ﷺ ، حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله ﷺ ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا [¬٥]: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا. قال: فجلست. قال [¬٦]: فدخل منزله - أو قال: رحله - فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت
стр. 2789
فسلمت، فقال: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت لنا الدَّبَرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبن تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت [¬١]، فقالت: يا رسول الله، فإلي أين يضطر مضرك؟. قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: "معْزَى حملت حتفها"، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد. قال: "هيه، ومما وافد عاد؟ ". وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه [¬٢]. قلت: إن عادًا قحطوا، فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه [¬٣] جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى [جبال مهرة] [¬٤]، فقال: اللَّهم إنك تعلم أنى لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللَّهم اسق عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذعا رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. قال: فما بلغني أنه بُعث عليهم من الريح، إلا قَدْر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا - قال أبو وائل: وصدق - قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد.
هكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي: عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي: من حديث سلام أبي المنذر، عن عاصم - وهو ابن بهدلة -. ومن طريقه رواه ابن ماجة أيضًا [¬٥]: عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري، به.
стр. 2790
ورواه ابن جرير: عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، به. ووقع عنده: [عن الحارث بن يزيد البكري] [¬١] فذكره. ورواه أيضًا: عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث بن حسان البكري فذكره. ولم أر في النسخة أبا وائل، والله أعلم.
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾
قال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله، ﷺ ، على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك في [¬٢] سنة تسع.
стр. 2791
قال الإمام أحمد (١٢٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جُوَيْريَة، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله، ﷺ ، بالناس عام [¬١] تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى [¬٢] الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور، فأمرهم النبي، ﷺ ، فأهراقوا [¬٣] القدور، وعلفوا العجين الإِبل، ثم ارتحل بهم، حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا عَلى القوم الذين عذبوا، وقال [¬٤]: "إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم".
وقال أحمد أيضًا (١٢٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ ، وهو بالحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم".
وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٢٦): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [¬٥] المسعودي، عن إسماعيل ابن
стр. 2792
أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجرى يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فنادى في الناس: " الصلاةَ جامعة". قال: فأتيت رسول الله، ﷺ ، وهو ممسك بعيره [¬١]، وهو يقول: "ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم". فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله. قال: "أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا".
لم يخرجه أحد من أصحاب السنن [¬٢]، وأبو كبشة: اسمه عمرو [¬٣] بن سعد، ويقال: عامر ابن سعد، والله أعلم.
وقال الإِمام أحمد (١٢٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله، ﷺ ، بالحجر، قال: "لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج،
стр. 2793
وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله". فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: "أبو رِغَال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه".
وهذا الحديث ليس في شئ من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم.
فقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع [¬١] الرسل يدعون [¬٢] إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن [¬٤] تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاتبة، فطلبوا منه أن يُخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى سؤالهم، وأجابهم إلى طلبتهم، ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح ﵇ إلى صلاته، ودعا الله فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو: جندع بن عمرو، ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب [¬٥] بن صمعر [¬٦] ابن جلهس [¬٧]، وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال [¬٨] له: شهاب بن خليفة بن مخلاة [¬٩] ابن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضًا، فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود، يقال له: مِهْوس [¬١٠] ابن عِنمة بن الدميل [¬١١]، ﵀:
стр. 2794
وكانت عصبة من آل عمرو … إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعًا … فَهَمَّ بأن يجيب فلو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزًا … وما عدلوا [¬١] بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر … تولوا بعد رشدهم ذئابًا [¬٢]
فأقامت الناقة وفصيلها بعدما وضعته بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يومًا، وتدعه لهم يومًا، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وكانت تسرح في بعض تلك الأدوية، ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع [¬٣] من الماء، وكانت - على ما ذكر - خلقًا هائلًا ومنظرًا رائعًا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك، واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇ عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم؛ فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها.
. قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة، طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان.
قلت: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك، والله أعلم.
وذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة: أن امرأة منهم، يقال لها: عنيزة بنة غنم بن مجلز [¬٤] وتكنى أم غنم [¬٥] كانت عجوزًا كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنة المحيا بن [دهر بن المحيا] [¬٦]، ذات حسب ومال [¬٧] وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت صدوف رجلًا يقال له: الحباب، فعرضت [¬٨] عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك،
стр. 2795
ودعت عنيزةُ بنت غنم قدارَ بن سالف بن جُنْدع [¬١]، وكان رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنه كان [¬٢] ولد زَنْية، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه - وهو [¬٣] سالف - وإنما هو من رجل يقال له: صهياد [¬٤]، ولكن ولد على فراش سالف، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطق قدار بن سالف ومصدع ابن مهرج، فاستنفرا [¬٥] غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا، فرصدوا الناقة حين صدرت عن [¬٦] الماء، وقد كمن لها قدار [بن سالف] [¬٧] في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع، فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غنم عنيزة، وأمرت ابنتها - وكانت من أحسن الناس وجهًا - فسفرت عن وجهها لقدار [¬٨] وذمَّرته، فشد على الناقة بالسيف فكشف [¬٩] عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها [¬١٠]، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها [¬١١]- وهو فصيلها - حتى أزى جبلًا منيعًا، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا. فروى عبد الرزاق: عن معمر، عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يارب، أين أمي. ويقال: إنه رغا ثلاث مرات، وإنه دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: إنهم [¬١٢] اتبعوه فعقروه مع أمه، فالله أعلم.
فلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، بلغ الحبر صالحًا ﵇، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط، عزموا على قتل صالح، وقالوا: إن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا ألحقناه بناقته: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾.
فلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه، وجاءوا من الليل، ليفتكوا بنبي الله صالح، أرسل الله
стр. 2796
وله العزة ولرسوله - عليهم حجارة، فرضختهم سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم [¬١]، وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة، ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو صوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا، وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه - عياذًا بالله من ذلك -، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ [¬٢] جَاثِمِينَ﴾ أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد: لا صغير ولا كبير، ولا [¬٣] ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة، اسمها: كلبة [¬٤] بنة السلق، ويقال لها: الذريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ﵇، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيًّا من الأحياء، فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها [¬٥]، ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت ماتت.
قال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح ﵇ ومن اتبعه ﵃ إلا أن رجلًا [] [¬٦] يقال له: أبو رغال، كان لما وقعت النقمة بقومه مقيمًا في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله.
وقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك، وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف، الذين كانوا يسكنون الطائف.
قال عبد الرزاق (١٢٨): قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية: أن النبي ﷺ مر بقبر أبي رِغال، فقال: "أتدرون من هذا؟ ". قالوا [¬٧]: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا قبر أبي رغال؛ رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرمُ الله عذابَ الله؛ فلما خرج أصابه ما أصاب قومة، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا [¬٨] عنه فاستخرجوا الغصن".
стр. 2797
و [¬١] قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف.
هذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر، كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول، حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال: "هذا قبر أبى وغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم، فدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن شيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه" فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن.
وهكذا رواه أبو داود (١٢٩): عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن [¬٢] إسحاق به [¬٣]. قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.
(قلت): تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية.
(قلت): وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، مما أخذه من الزاملتين.
стр. 2798
قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾
هذا تقريع من صالح ﵇ لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا، وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين (١٣٠): أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثًا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها، ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول: "يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا". فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا. فقال: "والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون".
وفي السيرة (١٣١): أنه ﵇ قال لهم: "بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم".
وهكذا [¬١] صالح ﵇ قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقد ذكر بعض المفسرين: أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم: حرم مكة، والله أعلم.
стр. 2799
وقد قال الإمام أحمد (١٣٢): حدثنا وكيع، حدثنا زَمْعَة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله ﷺ بوادي عُسْفَانَ حين حج، قال: "يا أبا بكر، أيُّ وادٍ هذا؟ ". قال: هذا وادي عسفان. قال: "لقد مَرّ به هودٌ وصالح ﵉، على بَكَراتٍ حُمْر [¬١] خُطُمها اللّيفُ، أُزُرُهم العباء، وأرديتهم النِّمار، يُلبُّون يَحُجُون البيت العتيق".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحد منهم.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾
يقول تعالى: ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿لُوطًا﴾ أو [¬٢] تقديره: ﴿وَ﴾ اذكر ﴿لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ولوط: هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور [دون الإِناث] [¬٣]، وهذا شيء لم
стр. 2800
يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله!
قال عمرو بن دينار في [¬١] قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.
وقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دشق: لولا أن الله قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا.
ولهذا قال لهم لوط ﵇: ﴿أَتَأْتُونَ [¬٢] الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ [¬٣] لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: عدلتم عن النساء، وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهو [¬٤] إسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محله؛ ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك.
وذكر المفسرون: أن الرجال كانوا قد استغنى [¬٥] بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن [¬٦] قد استغنين [¬٧] بعضهن ببعض [¬٨] أيضًا.
﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾
أي: ما أجابوا لوطًا إلا أن [¬٩] هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى سالمًا، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال قتادة: عابوهم بغير عيب.
وقال مجاهد: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ من أدبار الرجال وأدبار النساء. وروي مثله عن ابن عباس أيضًا.
стр. 2801
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾
يقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يَقْدم عليه من ضيفانه باشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط ﵇ أن يسري بأهله أمر أن لا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر: أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين، ومنهم من فسر ذلك (من الغابرين): الهالكين، وهو تفسير باللازم.
وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر [¬١] بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾؛ ولهذا قال ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد، كيف كانت [¬٢] عاقبة من تجهرم على معاصي الله وكذب رسله.
وقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به (١٣٣) ".
وقال آخرون: هو كالزاني؛ فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة.
стр. 2802
وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولا شاذًّا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة.
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾
قال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن مديان بن إبراهيم، وشعيب هو ابن ميكيل ابن يشجر [¬١]. قال: واسمه بالسريانية "يثرون [¬٢] ".
(قلت): "مدين" تطلق [¬٣] على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب "مَعَان" من طريق الحجاز. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وهم أصحاب الأيكة، كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قد أقام اللَّه الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس، بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا [¬٤] الناس في أموالهم، ويأخذوها [¬٥] على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، نسأل اللَّه العافية منه.
ثم قال تعالى إخبارًا عن شعيب، الذي يقال له: خطب الأنبياء، لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته.
﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ
стр. 2803
بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾
ينهاهم شعيب ﵇ عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم.
قال السدي وغيره: كانوا عشارين. وعن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَ [¬١] لَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه.
والأوَّل أظهر؛ لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: هي الطرق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودّون أن تكون [¬٢] سبيل الله عوجًا مائلة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم، فصرتم أعزة لكثرة عددكم [¬٣]، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.
وقوله ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: قد [¬٤] اختلفتم عليَّ ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم، أي: يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا
стр. 2804
وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾
هذا إخبار من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه [¬١] شعيبًا ومن معه من المؤمنين، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من [¬٢] القرية أو [¬٣] الإكراه على الرجوع فى ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد: أتباعه الذين كانوا معه على الملة.
وقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلو ذلك ولو [¬٤] كنا كارهين ما تدعونا إليه، فإنا إن رجعنا إلى ملتكم، ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على اللَّه في جعل الشركاء معه أندادًا، وهذا تنفير [¬٥] منه عن اتباعه ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا رد إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ [¬٦] بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ﴾ أي: افصل بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور [¬٧] أبدًا.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾
يخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب، وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق؛ ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ فلهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة، [وذلك كما] [¬٨] أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا [¬٩] مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والمناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا [بنبي الله شعيب] [¬١٠] في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أن
стр. 2805
نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فجاءت الصيحة فأسكتتهم [¬١].
وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم، ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار، ولهب [¬٢] ووهج عطم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام [¬٣] ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها.
ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾
أي: فتولى عنهم شعيب ﵇ بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به؛ ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، يعني بالبأساء: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء: ما يصيبهم