← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

الدرجات العلى، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما". ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ قال الإِمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه "الكاف" في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فقال بعضهم: شُبّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم لله [¬١] ورسوله. ثم روي عن عكرمة نحو هذا. ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قَسْمه وقَسْم رسوله، ﷺ ، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة - وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم - فكان عاقبة كراهتكم للقتال - بأن قدّره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد - رَشَدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ

стр. 2977

لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم. ثم روى نحوه عن مجاهد، أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق. وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ [فِي الْحَقِّ] [¬١] بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾. وقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة؛ كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالًا فنستعدَّ له. قلت: رسول الله، ﷺ ، إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله، ﷺ ، المسلمين من [¬٢] خَفَّ منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله، ﷺ ، في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى مكة، فنهضوا في قريب من ألف مُقَنَّع ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين [¬٣] المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل، كما سيأتي بيانه. والغرض أن رسول الله، ﷺ ، لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يَعِدُه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (٣١): حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني،

стр. 2978

حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن [¬١] أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله، ﷺ ، ونحن [¬٢] بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير، لعل الله أن [¬٣] يُغْنمناها؟ " فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين قال لنا: "ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ " فقلنا: لا والله، ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: "ما ترون في قتال القوم؟ " فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول، لك يا رسول الله؛ كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. قال: فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من [¬٤] أن يكون لنا مال عظيم. قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. وذكر تمام الحديث. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن لهيعة بنحوه. وروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله، ﷺ ، إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: "كيف يرون؟ " فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، بلغنا أنهم [بمكان كذا] [¬٥] وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون؟ "؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: "كيف ترون" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي (برك الغماد) من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله [¬٦] إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وَعَادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن

стр. 2979

على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الآيات. وقال العوفي (٣٢)، عن ابن عباس: لما شاور النبي، ﷺ ، في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فعبئوا [¬١] للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإِيمان، فأنزل الله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. [وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾، في القتال. وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] [¬٢] أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم. وقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعد ما تبين لهم [أنك لا] [¬٣] تفعل إلا ما أمرك الله به. قال أبن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين. حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب؛ قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال: وليس هذا من صفة الآخرين. هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإِيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: إنه خبر عن المؤمنين. وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم. وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣٣): حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق؛ قالا: حدثنا

стр. 2980

إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر، عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه - ثم اتفقا: أنه لا يصلح لك. قال: "ولم؟ " قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. إسناد جيد، ولم يخرجوه [¬١]. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حَدَّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم، وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال؛ ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإِسلام، ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. وقال محمد بن إسحاق ﵀ (٣٤): حدثنى محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس - كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر - قالوا: لما سمع رسول الله، ﷺ ، بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم. وقال: "هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها [¬٢]؛ لعل الله أن ينفلكموها"، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله، ﷺ ، يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فَحَذِرَ عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل [¬٣] مكة، وأمره أن يأتي قريشًا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج

стр. 2981

ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديًا يقال له "ذَفران"، فخرج منه، حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله، ﷺ ، الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله به؛ فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬١] مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى "برك الغماد" - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه. فقال له رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، خيرًا، ودعا له بخير. ثم قال رسول الله ﷺ : "أشيروا علي أيها الناس"، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم [] [¬٢] حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: "أجل". فقال: قد [¬٣] آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت له هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحق، إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فَسِر بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشَّطه ذلك، ثم قال: "سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد [¬٤] وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم". وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ

стр. 2982

مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ قال الإِمام أحمد (٣٥): حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ﵁، قال: لما كان يوم بدر نظر النبي، ﷺ ، إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي، ﷺ ، القبلة [ثم مَدَّ يديه] [¬١]، وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: " [اللهم، أين ما وعدتني] [¬٢]. اللهم، [أنجز لي ما وعدتني] [¬٣] اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا". قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ [رداءه فردَّاه] [¬٤]- ألبسه [¬٥]- ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله؛ كفاك [¬٦] مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم [] [¬٧] والعشيرة والإِخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله ﷺ : "ما ترى يا بن الخطاب" قال: قلت: والله [¬٨] ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضربَ عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس هي قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فَهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد - قال عمر: - فغدوت [¬٩] إلى النبي، صلى الله عليه

стр. 2983

وسلم، وأبي [¬١] بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، ما [¬٢] يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيتُ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي ﷺ : "الذي [¬٣] عرض على أصحابك [¬٤] مولى أخذهم الفداء، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" لشجرة قريبة، وأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحلَّ لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، بأخذكم الفداء. ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق، عن عكرمة بن عمار به. وصححه على بن المديني والترمذي، وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي [¬٥] ". وهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس؛ أن هذه الآية الكريمة، قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أنها في دعاء النبي، ﷺ ، وكذا قال يزيد بن تبيع والسدي وابن جريج. وقال أبو بكر بن عياش (٣٦)، عن أبي حصين، عن أبي صالح، قال: لما كان يوم بدر جعل النبي، ﷺ ، يناشد ربه أشد النِّشدَة، يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك، فوالله ليفين الله لك بما وعدك. وقال البخاري (٣٧) في "كتاب المغازي" باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق [بن شهاب] [¬٦]؛ قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عُدل به، أتى النبي

стр. 2984

ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى [¬١]: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره، [يعني: قوله] [¬٢]. وحدثنا محمد بن عبد الله بن حَوشب (٣٨)، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم، أنشدك عهدك ووعدك. اللهم، إن شئت لم [¬٣] تُعْبَد". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ورواه النسائي، عن بندار، عن عبد الوهاب بن [¬٤] عبد المجيد الثقفي. وقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضًا، كما قال هارون بن عنترة [¬٥]، عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين. ويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم، أي: نجدة لكم، كما قال العوفي عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، يقول: المدد، كما تقول ايت [¬٦] الرجل فزده كذا وكذا. وهكذا قال مجاهد وابن كثير القارئ وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: مُمدّين. وقال أبو كُدَينة، عن قابس [¬٧]، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُمِدُّكُمْ [¬٨] بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، قال: وراء كل مَلَكٍ ملك. وفي رواية بهذا الإِسناد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: بعضهم على أثر بعض. وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقال ابن جرير (٣٩): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري،

стр. 2985

حدثني عبد العزيز بن عمران [¬١]، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي ﵁ قال: نزل جبريل [في ألف] [¬٢] من الملائكة عن ميمنة النبي، ﷺ ، [وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي، ﷺ ] [¬٣]، وأنا في الميسرة. وهذا يقتضي - لو صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، فالله أعلم. والمشهور ما رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: وأمد الله نبيه، ﷺ ، والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم (٤٠)، من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم. ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس [¬٤] [يقول: "أقدم حيزوم". إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، قال] [¬٥]: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه [¬٦]، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر [¬٧] ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة"، فَقَتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين. وقال البخاري (٤١): " باب شهود الملائكة بدرًا": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ ، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.

стр. 2986

انفرد بإخراجه البخاري، وقد رواه الطبراني (٤٢) في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم. وفي الصحيحبن (٤٣) أن رسول الله، ﷺ ، قال لعمر، لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد [¬١] اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم، بدون ذلك؛ ولهذا قال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا [¬٢] لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ [¬٣] [] [¬٤] الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾. فهذه حكمٌ شَرَع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمة المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادًا الأولى بالدّبُور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل [¬٥]، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى، وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، شرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾، وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة [¬٦] للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2987

ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الأِيمان، فَقَتْلُ [¬١] أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة [¬٢] له من أن يموت على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب - لعنه الله - بالعَدَسة (٤٤)، بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته، . ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾ يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف. وقال الحافظ أبو يعلى (٤٥): حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي

стр. 2988

إسحاق، عن حارثة بن [¬١] مضرب، عن علي ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة، ويبكي حتى أصبح. وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان. وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب. قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جدًا، وأما يوم بدر فهذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس؛ لتكون [¬٢] قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونِعَمِه عليهم، وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولهذا جاء [¬٣] في الصحيح أن رسول الله، ﷺ ، لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق ﵁، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سِنَة من النوم، ثم استيقظ متبسمًا، فقال: "أبشر يما أبي بكر، هذا جبرِيل على ثناياه النَّقْعُ". ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: نزل النبي ﷺ يعني: حين [¬٤] سار إلى بدر - والمسلمون [¬٥] بينهم وبين الماء رملة دعْصَة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مُجْنبين؛ فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وأنشف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه؛ فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون

стр. 2989

مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت، وثبتت [¬١] عليها الأقدام. ونحو ذلك رُوي عن قتادة والضحاك والسدي. وقد رُوي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طَش أصابهم يوم بدر. والمعروف أن رسول الله، ﷺ ، لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي: أول ماء وجده فتقدم إليه الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله؛ فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة". فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، ولكن سِرْ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونُغَوِّر ما وراءه [¬٢] من القُلُب، ونستقي الحياض، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ ففعل كذلك. وفي مغازي "الأموي" (٤٦) أن الحباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمَّد؛ إن ربك يقرئك [¬٣] السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به "الحباب بن المنذر"، فالتفت رسول الله، ﷺ ، إلى جبريل ﵇ فقال: "هل تعرف هذا؟ " فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم؛ لأنّه ملك وليس بشيطان. وأحسن ما في هذا ما رواه الإِمام محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي" ﵀ (٤٧) - حدثني يزيد بن رُومان، عن عروة بن الزبير؛ قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا، فأصاب رسول الله، ﷺ ، وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.

стр. 2990

وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس؛ فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم. وقال ابن جرير (٤٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة [¬١]، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طَشَّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله، ﷺ ، [يدعو ربه: "اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض". فلما أن طلع الفجر نادى: "الصلاة، عباد الله! " فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ ] [¬٢]، وحرض على القتال. وقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهر الظاهر [¬٣]، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيئ وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر [¬٤]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: مطهرًا لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإِقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم. وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنّه - تعالى وتقدّس وتبارك وتمجد - أوحى [¬٥] إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وازرُوهم. وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سَوَادهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﵌، يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك؛ فتقوى أنفسهم. حكاه ابن جرير، وهذا لفظه بحروفه.

стр. 2991

وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبتوا أنتم المؤمنين [¬١]، وقووا أنفسهم على أعدائهم، عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري، وكذب رسولي؛ ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم، وهي أيديهم وأرجلهم. وقد اختلف المفسرون في معنى: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرءوس. قاله عكرمة. وقيل: معناه ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي على الأعناق، وهي الرقاب. قاله الضحاك وعطية العوفي. ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾. وقال وكيع (٤٩)، عن المسعودى، عن القاسم، قال: قال النبي ﷺ : "إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب، [وشد الوثاق] [¬٢] ". واختار ابن جرير أنها [] [¬٣] تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام. قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله، ﷺ ، جعل يمر بين القتلى يوم بدر، فيقول: "نُفَلِّقُ [¬٤] هامًا … ". فيقول أبو بكر: … من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما (٥٠) فيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره؛ لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.

стр. 2992

وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم [¬١]، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به. وقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال ابن جرير: معناه: واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومَفصل، من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان: جمع بنانة، كما قال الشاعر (٥١): ألا ليتني قطعْتُ مني بنانة … ولاقيته [¬٢] في البيت يقظان حاذرًا [¬٣] وقال على بن أبي طلحة (٥٢)، عن ابن عباس: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني بالبنان الأطراف. وكذا قال الضحاك وابن جريج. وقال السدي: البنان الأطراف، ويقال: كل مفْصَل. وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل. وقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك. وقال العوفي، عن ابن عباس، فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا، ولكن خذوهم أخذًا، حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم [¬٤] في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزم. فأوحى الله إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فقتل أبو جهل (لعنه الله) في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا، فوفى ذلك سبعين، يعني: قتيلًا. ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، وهو مأخوذ أيضًا من شق العصا، وهو جعلها فرقتين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله

стр. 2993

[غيره، ولا رب] [¬١] سواه. ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ يقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم منهم [¬٢]. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفروا وتتركوا أصحابكم. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة، ليريه أنه قد [¬٣] خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسدي. وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدّو فيصيبها. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: ذر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين؛ يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك حتى لو [¬٤] كان في سرية، ففر إلى أميره أو إلى الإِمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. قال الإِمام أحمد (٥٣): حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله، ﷺ ، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص [¬٥]، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب [¬٦]؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله، ﷺ ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: "من القوم؟ " فقلنا: نحن

стр. 2994

الِفرارون. فقال: "لا، بل أنتم العكارون (*)، أنا فيكم، وأنا فئة المسلمين". قال: فأتيناه حتى قبلنا يده، وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق: عن يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من [حديث ابن أبي زياد] [¬١]. ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره: وقرأ رسول الله، ﷺ ، هذه الآية: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾. قال أهل العلم: معنى قوله: "العكارون" أي: العطافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب: ﵁[في أبي عبيدة] [¬٢]، لما قتل على الجسر [¬٣] بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إليّ كنت له فئة. هكذا رواه محمَّد ابن سيرين، عن عمر (٥٤). وفي رواية أبي عثمان النهدي، عن عمر قال: لما قتل أبو عبيدة [¬٤]، قال عمر: أيها الناس، أنا فئتكم (٥٥). وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم. وقال عبد الملك بن عمير، عن عمر: أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا [¬٥] فئة كل [¬٦] مسلم. وقال ابن أبي حاتم (٥٦): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد ابن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر، قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله صلى الله عليه

стр. 2995

وسلم. فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها. وقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه. فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال (٥٧): قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". [ولهذا الحديث] [¬١] شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده [] [¬٢] ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقال الإمام أحمد (٥٨): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي - يعني ابن الخصاصية [¬٣]- وهو بشير بن معبد - قال: أتيت، النبي ﷺ ، لأبايعه؛ فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإِسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت يا رسول الله، أما اثنتَان [¬٤] فوالله لا أطيقهما؛ الجهاد: فإنهم زعموا أنه [¬٥] من ولى الدبر، فقد جاء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة: فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذَوْد هن رَسَل أهلي

стр. 2996

وحمولتهم. فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا [¬١] جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟ " فقلت [¬٢]: يا رسول الله، أنا [¬٣] أبايعك. فبايعته عليهن كلهن. هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٩): حدثنا أحمد بن محمَّد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان، عن النبي، ﷺ ، قال: "ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف". وهذا أيضًا حديث غريب جدًا. وقال الطبراني أيضًا (٦٠): حدثنا العباس بن الفضل [¬٤] الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني [¬٥]، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله، ﷺ ، قال: سمعت أبي يحدث عن جدي، قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف". وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به. [وأخرجه الترمذي عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به] [¬٦]. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

стр. 2997

قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه. وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة؛ لأنه [يعني الجهاد] [¬١] كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبى نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك وغيرهم. وحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى [¬٢] عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ : "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض (٦١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك (٦٢)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال: فلا بأس عليه. وقال ابن المبارك أيضًا (٦٣)، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ * ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. وفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (٦٤) أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر. وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر؛ وإن كان [¬٣]

стр. 2998

سبب [نزول الآية] [¬١] فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه [¬٢]، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي [¬٣]: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، يعلم ﵎ أن النصر ليس عن [¬٤] كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من [عند الله] [¬٥] تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا: في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين [¬٦] يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها، وقال: "شاهت الوجوه"، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت. قال على بن أبي طلحة (٦٥)، عن ابن عباس: رفع رسول الله، ﷺ ، يديه - يعني يوم بدر - فقال: "يارب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا". فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، [فأخذ قبضة من

стр. 2999

التراب، فرمى بها في وجوههم] [¬١]، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين. وقال السدي: قال رسول الله، ﷺ ، لعليٍّ ﵁ يوم بدر: "أعطي حصبًا من الأرض". فناوله [¬٢] حصبًا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم [¬٣] ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وقال أبو معشر المدني (٦٦)، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله، ﷺ ، قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: "شاهت الوجوه". فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله، ﷺ ، يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله، ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله، ﷺ ، ثلاث حصيات [¬٤]، فرمى بحصاة [¬٥] ميمنة القوم، وحصاة [¬٦] في ميسرة القوم، وحصاة [¬٧] بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه". فانهزموا. وقد روي في هذه القصة (٦٧)، عن عروة [بن الزبير و] [¬٨] مجاهد، وعكرمة، وقتادة وغير واحد من الأئمة: أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر، وإن كان [¬٩] قد فعل ذلك يوم حنين أيضًا.

стр. 3000

وقال أبو جعفر بن جرير (٦٨): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة [¬١]، عن يزيد ابن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [¬٢]، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله، ﷺ ، تلك الرمية فانهزمنا. غريب من هذا الوجه، وهاهنا قولان آخران غريبان جدًا: (أحدهما): قال ابن جرير (٦٩): حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله، ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر - دعا بقوس فأتي بقوس طويلة، وقال: "جيئوني بقوس غيرها" فجاءوه بقوس كبداء (٧٠)، فرمى النبي، ﷺ ، الحصن، فأقبل السهم يهوي، حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه، فأنزل الله : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم. (والثاني): روى ابن جرير أيضًا، والحاكم في مستدركه (٧١)، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي، ﷺ ، يوم أحد أبي بن خلف بالحربة، وهو في لأمته فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ (٧٢) عن فرسه

стр. 3001

مرارًا، حتى كانت وفاته بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم، موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة. وهذا القول عن هذين الإِمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا: أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرّف المؤمنين [من] [¬١] نعمته عليهم؛ من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته (٧٣). وهكذا فسر ذلك [¬٢] ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: "وكل بلاء حسن أبلانا". وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ [¬٣] وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾ يقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله، وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، كما قال محمد بن إسحاق وغيره، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير [¬٤]؛ أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة. وكان ذلك [¬٥] استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية.

стр. 3002

وقال الإمام أحمد (٧٤): حدثنا يزيد - يعنى: ابن هارون - أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، أن أبا جهل قال حين التقي القوم: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة. فكان المستفتح. وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، به. وكذا رواه الحاكم في مستدركه، من طريق الزهري به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروي نحو [¬١] هذا عن ابن عباس ومجاهد، والضحاك وقتادة، ويزيد بن رومان وغير واحد. وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم، انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال الله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. [وقوله تعالى] [¬٢]: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، [] [¬٣] كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الوقعة [¬٤]. وقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ أي [¬٥]: إلى الفتح لمحمد ﷺ ، والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ

стр. 3003

الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته، والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد المشركون. و [¬١] اختاره ابن جرير. وقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك. ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق، ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش. روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون. قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح. ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهمًا، فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم، فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك. ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.

стр. 3004

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ قال البخاري (٧٥): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثنا [¬١] إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خصيب بن عبد الرحمن؛ قال: سمعت حفص ابن عاصم يحدث، عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي، فمر [بي النبى] [¬٢] ﷺ فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: "ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ". ثم قال: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قل أن أخرج". فذهب رسول الله ﷺ ليخرج، فذكرت له - وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلاً من اْصحاب النبي، ﷺ ، بهذا - وقال: هي [¬٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السبع المثاني. هذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة. وقال مجاهد في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: الحق [¬٤]. وقال قتادة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة واحياة. وقال السدي: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإِسلام إحياؤهم بعد مرتهم بالكفر. وقال محمد بن إسحاق (٧٦)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.

стр. 3005

وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإِيمان (٧٧). رواه الحاكم في مستدركه موقوفًا (٧٨)، وقال: صحيح ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعًا (٧٩)، ولا يصح؛ لضعف إسناده، والموقوف أصح. وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي في رواية عن مجاهد في قوله: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ حتى تركه لا يعقل. وقال السدي: يحول بين الإِنسان وقلبه، فلا يستطع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه. وقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. وقد وردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ ، بما يناسب هذه الآية. وقال الإمام أحمد (٨٠): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي، ﷺ ، يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". [قال] [¬١] فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟. قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها". وهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - عن أبي سفيان - واسمه طلحة بن نافع - عن أنس، ثم قال: حسن. وهكذا روي عن غير واحد، عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي، ﷺ ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح (٨١).

стр. 3006

(حديث آخر) [قال الإمام أحمد] [¬١]، وقال عبد بن حميد في مسنده (٨٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: "يا مقلب القلوب، ثبت فلبي على دينك" هذا حديث جيد الإِسناد إلا أن فيه انقطاعًا، وهو مع ذلك على شرط أهل السنن، ولم يخرجوه. (حديث آخر قال [¬٢] الإمام أحمد (٨٣): حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر [¬٣] بن عبَد الله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت النبي، ﷺ ، يقول: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه". وكان يقول: "يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك". قال: "والميزان بيد الرحمن، يخفضه ويرفعه". وهكذا رواه النسائي وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فذكر مثله. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٨٤): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلي ابن زياد، عن الحسن؛ أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله، ﷺ ، يدعو بها: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء. فقال: "إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله؛ فإذا شاء أزاغه؛ وإذا شاء أقامه" .. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٥): حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني [¬٤]

стр. 3007

شهر، سمعت أم سلمة تحدث؛ أن رسول الله، ﷺ ، كان يكثر في دعائه، يقول: "اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". قالت: فقلت [¬١]: يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ؛ فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب". قالت: فقلت [¬٢]: يا رسول الله؛ ألا تعلمنى دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللهم رب النبي محمَّد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني". (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (٨٦): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: "إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرف كيف شاء". ثم قال رسول الله ﷺ : "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك". انفرد [¬٣] بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به. ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فتنة﴾، أي: اختبارًا ومحنة يعم بها المسيئ وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب، بل يعمها [¬٤] حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد (٨٧): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا

стр. 3008

غيلان بن جرير، عن مطرف؛ قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله، ﷺ ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت. وقد رواه البزار (٨٨)، من حديث مطرف، عن الزبير. وقال: لا نعرف مطرّفًا روى عن الزبير غير هذا الحديث. وقد روى النسائي (٨٩)، من حديث جرير [¬١] بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا. و [¬٢] روى ابن جرير (٩٠)، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لفد خوفنا بها [¬٣]، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، ونحن مع رسول الله، ﷺ ، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة. وكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير، ﵁ (٩١). وقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية، قال: نزلت في على وعمار وطلحة والزبير ﵃ (٩٢). وقال سفيان الثوري، عن الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان [¬٤]، سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٩٣).

стр. 3009

وقد روي من غير وجه، عن الزبير بن العوّام. وقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني أصحاب النبي، ﷺ ، خاصة. وقال في رواية له [¬١]، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب. وهذا تفسير حسن جدًّا، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: هي أيضًا لكم. وكذا قال الضحاك ويزيد بن أبي حبيب وغير واحد. وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. رواه ابن جرير. والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم - هو الصحيح؛ ويدل [على ذلك] [¬٢] الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن؛ ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى، كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف؛ ومن أخص ما يذكر ها هنا، ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (٩٤): حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله - يعني: ابن المبارك - أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يقول، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني: عدي بن عميرة - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إن الله لا يعذب العامّة بعمل الخاصة؛ حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة".

стр. 3010

فيه رجل مبهم [¬١]، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٥): حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن جعفر - أخبرني عمرو بن أبي عمرو [¬٢]، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن اليمان؛ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو [¬٣] ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم". ورواه عن أبي سعيد (٩٦)، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: "أو ليبعثن الله عليكم قومًا، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم". وقال الإِمام [¬٤] أحمد (٩٧): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا رزين [¬٥] بن حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد، قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة، وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة، على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات؛ لتأمرن بالمعروف، و [¬٦] لتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم؛ ثم يدعو [¬٧] خياركم فلا يستجاب لهم. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد أيضًا (٩٨): حدثني [¬٨] يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر ﵁؛ قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يخطب يقول - وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه [¬٩]- يقول: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، والمدهن

стр. 3011

فيها؛ كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا؛ وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا. انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن، من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي، به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٩): حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمِّ سلمة زوج النبي، ﷺ ، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي عمهم الله بعذاب من عنده". فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى" قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٠): حدثنا حجاج بن محمَّد، حدثنا [¬١] شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما من قوم يعملون بالمعاصي [¬٢]، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيرون - إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب". ورواه أبو داود: عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به. وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٠١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه؛ أن رسول الله، ﷺ ، قال:

стр. 3012

"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله [¬١]، ثم [¬٢] لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب". ثم رواه أيضًا، عن وكيع، عن إسرائيل. وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلهم، عن أبي إسحاق السبيعي، به. وأخرجه ابن ماجة عن علي بن محمَّد، عن وكيع، به (١٠٢). وقال الإِمام أحمد (١٠٣): حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمَّد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ : "إذا ظهر السوء في الأرض؛ أنزل الله بأهل الأرض بأسه". فقالت [¬٣]: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: "نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله". ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطرين، يخافون أن يتخطفهم [¬٤] الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم؛ لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها؛ آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وآسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . قال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ (١٠٤) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ

стр. 3013

مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينه ضلالًا، [مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه] [¬١]، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإِسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا [لله نعمه] [¬٢]؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ قال [عبد الله] [¬٣] بن أبي قتادة والزهري (١٠٥): أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله، ﷺ ، إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله؛ فحلف لا يذوق ذواقًا [حتى يموت] [¬٤]، أو يتوب الله عليه. وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه [¬٥]، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر [¬٦] مغشيًّا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله؛ فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا [أن يحلوه] [¬٧] من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله، ﷺ ، بيده، فحله، فقال [¬٨]: يا رسول الله؛ إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: "يجزيك الثلث أن تصدق به".

стр. 3014

وقال ابن جرير (١٠٦): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمَّد بن عبيد الله أبو [¬١] عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. وقال ابن جرير أيضًا (١٠٧): حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمَّد بن المحرم، قال لقيت عطاء بن أبي رباحِ فحدثني، قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله، ﷺ ، فقال: إن أبا سفيان [كذا وكذا. فقال النبي، ﷺ ، لأصحابه: "إن أبا سفيان] [¬٢] في موضع كذا وكذا؛ فاخرجوا إليه واكتموا". فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم. فأنزل الله : ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآية. هذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر. وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة (١٠٨)، أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله، ﷺ ، إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبًا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؛ فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: "دعه، فإنه قد شهد بدرًا، وما [¬٣] يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم". قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها.

стр. 3015

وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يقول: بترك [¬١] سنته، وارتكاب معصيته. وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره؛ فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي، ﷺ ، الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه [¬٢] عليها، وتطيعونه [¬٣] فيها أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ [بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ] فِتْنَةً﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته، خير لكم من الأموال والأولاد؛ فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول الله [¬٤] تعالى: "يا بن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". وفي الصحيح (١٠٩) عن رسول الله، ﷺ ، [أنه قال] [¬٥]: "ثلاثٌ من
следующие страницы →