← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

فيها؛ كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا؛ وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا. انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن، من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي، به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٩٩): حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمِّ سلمة زوج النبي، ﷺ ، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي عمهم الله بعذاب من عنده". فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: "بلى" قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: "يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٠٠): حدثنا حجاج بن محمَّد، حدثنا [¬١] شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما من قوم يعملون بالمعاصي [¬٢]، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيرون - إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب". ورواه أبو داود: عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به. وقال الإِمام أحمد أيضًا (١٠١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه؛ أن رسول الله، ﷺ ، قال:

стр. 3012

"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله [¬١]، ثم [¬٢] لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب". ثم رواه أيضًا، عن وكيع، عن إسرائيل. وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلهم، عن أبي إسحاق السبيعي، به. وأخرجه ابن ماجة عن علي بن محمَّد، عن وكيع، به (١٠٢). وقال الإِمام أحمد (١٠٣): حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمَّد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ : "إذا ظهر السوء في الأرض؛ أنزل الله بأهل الأرض بأسه". فقالت [¬٣]: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: "نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله". ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾ ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطرين، يخافون أن يتخطفهم [¬٤] الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم؛ لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها؛ آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وآسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . قال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ (١٠٤) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ

стр. 3013

مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينه ضلالًا، [مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه] [¬١]، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإِسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا [لله نعمه] [¬٢]؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ قال [عبد الله] [¬٣] بن أبي قتادة والزهري (١٠٥): أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله، ﷺ ، إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله، ﷺ ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله؛ فحلف لا يذوق ذواقًا [حتى يموت] [¬٤]، أو يتوب الله عليه. وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه [¬٥]، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر [¬٦] مغشيًّا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله؛ فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا [أن يحلوه] [¬٧] من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله، ﷺ ، بيده، فحله، فقال [¬٨]: يا رسول الله؛ إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: "يجزيك الثلث أن تصدق به".

стр. 3014

وقال ابن جرير (١٠٦): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمَّد بن عبيد الله أبو [¬١] عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية. وقال ابن جرير أيضًا (١٠٧): حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمَّد بن المحرم، قال لقيت عطاء بن أبي رباحِ فحدثني، قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله، ﷺ ، فقال: إن أبا سفيان [كذا وكذا. فقال النبي، ﷺ ، لأصحابه: "إن أبا سفيان] [¬٢] في موضع كذا وكذا؛ فاخرجوا إليه واكتموا". فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم. فأنزل الله : ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآية. هذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر. وفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة (١٠٨)، أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله، ﷺ ، إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبًا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؛ فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: "دعه، فإنه قد شهد بدرًا، وما [¬٣] يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم". قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها.

стр. 3015

وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يقول: بترك [¬١] سنته، وارتكاب معصيته. وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره؛ فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. وقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي، ﷺ ، الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين. وقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه [¬٢] عليها، وتطيعونه [¬٣] فيها أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ [بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ] فِتْنَةً﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته، خير لكم من الأموال والأولاد؛ فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة. وفي الأثر يقول الله [¬٤] تعالى: "يا بن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء". وفي الصحيح (١٠٩) عن رسول الله، ﷺ ، [أنه قال] [¬٥]: "ثلاثٌ من

стр. 3016

كن فيه وجد بهن [¬١] حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان [] [¬٢] أن يلقى في النار أحب إليه من [¬٣] أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه". بل حب رسول الله، ﷺ ، مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح (١١٠) أنه، ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين". ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ قال ابن عباس والسدي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا [¬٤]. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة. وفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾: نجاة. وفي رواية عنه: نصرًا. وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلًا بين الحق والباطل. وهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وهو [¬٥] يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه وهو ومحوها، وغفرها و [¬٦] سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾

стр. 3017

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيدوك [¬١]. وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك. وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق. وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء. وقال سُنَيْد (١١١)، عن حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء: سمعت عُبيد بن عُمير يقول: لما ائتمروا بالنبي، ﷺ ، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: "يريدون أن يسحروني [¬٢] أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال من أخبرك [¬٣] بهذا؟ قال: "ربي". قال: نِعْم الرب ربك، استوص به خيرًا. قال [¬٤]: "أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي". وقال أبو جعفر بن جرير (١١٢): حدثني محمد بن إسماعيل البصري [¬٥] المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي روَّاد [¬٦]، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول اللَّه ﷺ : ما يأتمر بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني [¬٧] أو يقتلوني أو يخرجوني". فقال: من أخبرك [¬٨] بهذا؟ قال: "ربي". قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا. قال: "أنا أستوصي به؟! بل هو يستوصي بي". قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية. وذِكْرُ أبي طالب في هذا غريب جدًّا؛ بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإِثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لا تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد [¬٩] موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا - ما رواه الإِمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن باذان

стр. 3018

مولى أم هانئ عن ابن عباس، أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل [¬١] نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأى ونصحي. قالوا: أجل، ادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. قال: فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب [¬٢] المنون حتى يهلك، كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو اللَّه الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي، واللَّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قال: فانظروا في غير [¬٣] هذا. قال: [فقال] [¬٤] قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا [¬٥] منه، فإنه إذا خرج بين يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم. فقال [¬٦] الشيخ النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله [¬٧]، وطلاوة [¬٨] لسانه، وأخذ [¬٩] القلوب ما تسمع [¬١٠] من حديثه واللَّه لئن فعلتم [ثم استعرض العرب] [¬١١] ليجتمعن عليكم، ثم [¬١٢] ليأتين إليكم [¬١٣] حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله. فانظروا بابًا [¬١٤] غير هذا. قال: فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد، [لا أرى] [¬١٥] غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًّا وسيطًا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا، وقطعنا عنا أذاه. قال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القول ما قال الفتى لا رأي غيره. قال:

стр. 3019

فتفرقوا على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي، ﷺ ، فأمره أن لا يبيت فى مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم؛ فلم يبت رسول اللَّه ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن اللَّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللَّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكر نعمه عليه، وبلاءه عنده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وأنزل فى قولهم: تربصوا به [ريب المنون] [¬١] حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة؛ للذي [¬٢] اجتمعوا عليه من الرأي (١١٣). وعن السدي نحو هذا السياق، وأنزل اللَّه في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وكذا روى العوفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه، ﷺ ، ينتظر أمر اللَّه، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل ﵇ فأمره أن لا يبيت في مكانه [الذي كان يبيت فيه] [¬٣]، فدعا [¬٤] رسول اللَّه ﷺ على بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، وأن يتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب؛ فجعل يذرها على رءوسهم، وأخذ اللَّه أبصارهم عن نبيه محمد، ﷺ ، وهو يقرأ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [إلى قوله] [¬٥]: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. و [¬٦] قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١١٤): وروي عن [¬٧] عكرمة ما يؤكد هذا.

стр. 3020

وقد روى ابن حبان فى صحيحه (١١٥)، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول اللَّه، ﷺ ، وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك يا بنية؟ " قالت: يا أبت، ومالي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر، يتعاقدون [¬١] باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية، ائتني بوضوء"، فتوضأ رسول اللَّه، ﷺ ، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا [¬٢]: إنما هو ذا. فطأطأوا رءوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللَّه ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: "شاهت الوجوه". فما أصاب رجلًا منهم حصاة من حصياته، إلا قتل يوم بدر كافرًا. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة. وقال الإِمام أحمد (١١٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنى عثمان الجزري [¬٣]، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة [¬٤] بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. يريدون النبى ﷺ . وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فاطلع اللَّه نبيه، ﷺ ، على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول اللَّه، ﷺ ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي، ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوا عليًّا ردّ اللَّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا

стр. 3021

أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال. وقال محمد بن إسحاق (١١٧)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكرت بهم [¬١] بكيدي المتين حتى خلصتك منهم. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ يخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته، حين [¬٢] تتلى عليهم؛ أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. وهذا منهم قول بلا فعل، وإلا فقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا، وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم [¬٣] على باطلهم. وقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث، لعنه اللَّه، كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم، فإنه لعنه اللَّه كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار [¬٤]، ولما قدم وجد رسول اللَّه، ﷺ ، قد بعثه اللَّه، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام، ﷺ ، من مجلس جلس فيه النضر فيحدثهم [¬٥] من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أينا [¬٦] أحسن

стр. 3022

قصصًا: أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى؛ أمر رسول اللَّه ﷺ أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك ولله الحمد، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁ كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار (١١٨)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير؛ قال: قتل النبيُّ ﷺ يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول اللَّه، أسيري. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنه كان يقول في كتاب اللَّه ما يقول". فأمر رسول اللَّه، ﷺ ، بقتله، فقال المقداد: يارسول اللَّه؛ أسيري. فقال رسول اللَّه ﷺ "اللهم، أغن المقداد من فضلك"، فقال المقداد: هذا الذي أردت. قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وكذا رواه هشيم (١١٩)، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية [¬١]، عن سعيد بن جبير، أنه قال: المطعم بن عدي بدل طعيمة وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًّا يوم بدر؛ ولهذا قال رسول اللَّه، ﷺ ، يومئذ: "لو كان المطعم حيًّا، ثم سألني في هؤلاء النَّتَنَى لوهبتهم له" (١٢٠) يعني [] [¬٢] الأسارى؛ لأنه كان قد أجار رسول اللَّه ﷺ يوم رجع من الطائف. ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها، ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت كما أخبر اللَّه عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، فإنه يتقبل منه ويصفح عنه.

стр. 3023

وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقال هؤلاء: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قال شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك، قال: هو أبو جهل ابن هشام؛ قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الآية. رواه البخاري (١٢١) عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. وأحمد هذا هو أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري، واللَّه أعلم. وقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿[وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ] [¬١] فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: هو النضر بن الحارث بن كَلَدَة قال: فأنزل اللَّه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث. زاد عطاء: فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا [¬٢] رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وقال [¬٣]: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال ﴿سَأَلَ

стр. 3024

سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال عطاء: ولقد أنزل اللَّه فيه بضع عشرة آية من كتاب اللَّه . وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان [¬١]، [حدثنا أبو تميلة] [¬٢]، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفًا يوم أحد على فرس، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد [¬٣] حقًّا، فاخسف بي وبفرسي. وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها، فعاد اللَّه بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال ابن أبي حاتم (١٢٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة ابن [¬٤] عمار، عن أبي زميل سماك الحنفى، عن ابن عباس، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ : " قد قد ". ويقولون: [لبيك اللهم لبيك، لبيك] [¬٥] لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ ، والاستغفار، فذهب النبي ﷺ ، وبقي الاستغفار. وقال ابن جرير (١٢٣): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس، قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه اللَّه من بيننا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فلما أمسوا [¬٦] ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل

стр. 3025

اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ يقول: ما كان اللَّه ليعذب قومًا، وأنبياؤهم بين أظهرهم، حتى يخرجهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول: وفيهم من قد سبق له من اللَّه الدخول في الإِيمان، وهو الاستغفار ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني يصلون، يعني بهذا أهل مكة. وروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير والسدي - نحو ذلك. وقال الضحاك وأبو مالك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي [¬١]؛ قال: قال ابن عباس: إن اللَّه جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين [¬٢] من قوارع العذاب، ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه اللَّه إليه، وأمان بقي فيكم. قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا، أن النضر بن عربي حدثه هذا الحديث، عن [¬٣] مجاهد، عن ابن عباس. وروى ابن مردويه وابن جرير (١٢٤) عن أبي موسى الأشعري نحوًا [¬٤] من هذا، وكذا روي عن قتادة، وأبي العلاء النحوي المقرئ. وقال الترمذي (١٢٥): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنزل اللَّه [¬٥] على أمانين لأمتي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ

стр. 3026

لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار [إلى يوم القيامة] [¬١] ". ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه (١٢٦)، من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد؛ أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "إن الشيطان قال: وعزتك يارب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني". ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وقال الإِمام أحمد (١٢٧): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين - هو ابن سعد - حدثني معاوية بن سعد التجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "العبد آمن من عذاب اللَّه ما استغفر اللَّه ". ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا

стр. 3027

أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم؛ لبركة مقام الرسول، ﷺ ، بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع اللَّه بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم، وأسرت سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد. قال قتادة والسدي وغيرهما [¬١]: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا. واختاره ابن جرير؛ فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين؛ لأوقع [¬٢] بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. قال ابن جرير (١٢٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: كان النبي، ﷺ ، بمكة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: فخرج النبي، ﷺ ، إلى المدينة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وكان أولئك البقية من المسلمين [¬٣] الذين بقوا فيها، يستغفرون - يعنى: بمكة - فلما خرجوا أنزل اللَّه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال: فأذن اللَّه في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم. وروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد - نحو هذا. وقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ

стр. 3028

يَسْتَغْفِرُونَ﴾ على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم. قال ابن جرير (١٢٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فنسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فقوتلوا [¬١] بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر. وكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي تميلة [¬٢] يحيى بن واضح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: وكيف لا يعذبهم اللَّه، وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي، ﷺ ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ [¬٣] اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية (١٣٠): حدثنا سليمان بن أحمد - هو الطبراني - حدثنا جعفر بن إلياس بن - صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح ابن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال:

стр. 3029

سئل رسول اللَّه، ﷺ ، من آلُك؟ قال: "كل تقي". وتلا رسول اللَّه ﷺ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾. وقال الحاكم في مستدركه (١٣١): حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم [¬١]، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وملم، قريشًا [¬٢] فقال: "هل فيكم من غيركم؟ ". فقالوا: فينا ابن أختنا [¬٣]، وفينا حليفنا، وفينا مولانا. فقال: "حليفنا منا، وابن أختنا [¬٤] منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون". ثم قال: هذا صحيح، ولم يخرجاه. وقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ قال: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃. وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا، وحيث كانوا. ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به؛ فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. قال عبد اللَّه بن عمر [¬٥]، وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بين كعب القرظي، وحجر بن عنبس، ونبيط بن شريط، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير. وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم. وقال السدي: المكاء: الصفير، على نحو طير أبيض، يقال له: المكاء [¬٦]، ويكون بأرض الحجاز، والتصدية [¬٧]: [التصفيق [¬٨]].

стр. 3030

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد شمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد اللَّه الأشعري - حدثنا جعفر بن [أبي [¬١]] المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن - عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: كانت قريش تطوف بالكعبة [¬٢] عراة تصفر وتصفق. والمكاء: الصفير. وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق. وهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس. وكذا روي عن ابن عمر ومجاهد، ومحمد بن كعب، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك وقتادة، وعطية العوفي، وحجر بن عَنْبَس [¬٣]، وابن أبزى نحو هذا. وقال ابن جرير (١٣٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر [¬٤]، حدثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: المكاء: التصفير [¬٥]، والتصدية: التصفيق. قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه. وعن ابن عمر أيضًا أنه قال: إنهم [¬٦] كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه. وقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال. قال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي، ﷺ ، صلاته. وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. وفي سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدُّهم الناس عن سبيل اللَّه . قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قال الضحاك، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي. واختاره ابن جرير ولم يحك غيره.

стр. 3031

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: عذاب أهل الإِقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾ قال محمد بن إسحاق (١٣٣): حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حَبَّان [¬١]، وعاصم ابن عمر بن قتادة، والحصين [¬٢] بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد [¬٣] بن معاذ، قالوا: لما أصيبت [¬٤] قريش يوم بدر، ورجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره - مشى عبد اللَّه ابن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك [¬٥] العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن [¬٦] أصيب منا! ففعلوا. قال: ففيهم [¬٧]- كما ذكر عن ابن عباس - أنزل اللَّه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله [¬٨]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. وهكذا [¬٩] روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول اللَّه ﷺ .

стр. 3032

وقال الضحاك: نزلت فى أهل بدر. وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم [¬١] تذهب أموالهم، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور اللَّه، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار؛ فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي؛ ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء. وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل اللَّه للكفار [¬٢] من مال، ينفقونه في الصد عن سبيل اللَّه، أي: إنما أقدرناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين؛ أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. ونظيرتها في براءة أيضًا. فمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليميز اللَّه [¬٣] الخبيث من الطيب ويجعل [¬٤] الخبيث بعضه على بعض

стр. 3033

[﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض،] [¬١] كما قال تعالى في السحاب: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكما متراكبًا، ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠) يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي [¬٢]: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإِسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح (١٣٤) من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁؛ أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإِسلام أخذ بالأول والآخر". وفي الصحيح أيضًا (١٣٥) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الإِسلام يَجُبّ ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها". وقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا، واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة. قال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في قريش يوم بدر، وغيرها من الأم. وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: ويوم بدر. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال

стр. 3034

البخاري (١٣٦): حدثنا الحسن بن عبد العزيز [¬١]، حدثنا عبد اللَّه بن يحيى، حدثنا حَيْوَة بن شريح، عن بكر بن عمرو [¬٢]، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع [¬٣] ما ذكر اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية. فما يمنعك أن لا تقاتل، كما ذكر اللَّه في كتابه؟ فقال: يا بن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلى من أن أعير بالآية التي يقول اللَّه، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخر الآية. قال: فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللَّه، ﷺ ، إذ كان الإِسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة. فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في على وعثمان؟ قال ابن عمر: أما قولي في على وعثمان؟ أما عثمان فكان اللَّه قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو اللَّه [¬٤] عنه، وأما على فابن عم رسول اللَّه، ﷺ ، وخَتَنُه - وأشار بيده [¬٥]- وهذه ابنته - أو بنته - حيث ترون. وحدثنا أحمد بن يونس (١٣٧)، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن وبرة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خرج علينا أو: إلينا ابن عمر ﵄ فقال رجل [¬٦]: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد، ﷺ ، يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. هذا كله سياق البخاري رحمه اللَّه تعالى. وقال عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن اللَّه حرم علي دم أخي المسلم؟ قالوا: أو لم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه.

стр. 3035

وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد اللَّه اللخمي، قال: كنت عند عبد اللَّه بن عمر، ﵄، فأتاه رجل، فقال: إن اللَّه يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه. رواهما ابن مردويه. وقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه؛ قال: قال ذو البطين - يعني أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا. قال [¬١]: [فقال سعد بن مالك: وأنا والله، لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا] [¬٢]. فقال رجل: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن خعنة، وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك. وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل ابن حيان [¬٣]، وزيد بن أسلم. وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يفتن مسلم عن دينه. وقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال. : يخلص التوحيد لله. وقال الحسن وقتادة وابن جريج: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أن يقال: لا إله إلا اللَّه. وقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لا يكون مع دينكم

стр. 3036

كفر. ويشهد لهذا [¬١] ما ثبت في الصحيحين (١٣٨) عن رسول اللَّه، ﷺ ، أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه ". وفي الصحيحين (١٣٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ ، عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللَّه ؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه ". وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم] [¬٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وفي الصحيح (١٤٠) أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا اللَّه. فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول اللَّه، ﷺ ، فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللَّه؟ وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟ ". فقال: يا رسول اللَّه، إنما قالها تعوذًا. قال: "هلا شققت عن قلبه؟ ". وجعل يقول ويكرر عليه: "من لك بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟ " قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم. وقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، فاعلموا أن اللَّه مولاكم و [¬٣] سيدكم وناصركم على أعدلكم، فنعم المولى ونعم النصير.

стр. 3037

وقال محمد بن جرير (١٤١): حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن مخرج رسول الله، ﷺ ، من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله: كان من شأن خروج [¬١] رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، [وأماتنا عليها] [¬٢]، وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله له [¬٣] من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه [¬٤]، وكادوا يسمعون منه، حتى إذا [¬٥] ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس فتركوه، إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله، من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله، ﷺ ، أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثنَى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مَسْكَنًا لتجارهم، يجدون [¬٦] فيها رفاغا [¬٧] من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم [¬٨] بها النبي، ﷺ ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإِسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم. فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة [¬٩] عن رسول الله، ﷺ ، وعن

стр. 3038

أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي [¬١] أخرجت من خرج [¬٢] من أصحاب رسول الله ﷺ قِبَل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخي عنهم، ودخل في [¬٣] الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله، ﷺ ، أنه قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون. فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون [¬٤] ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله، ﷺ ، بمكة، فلما رأت قريش ذلك تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الأخيرة؛ فكانت فتنتان، فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النبي، ﷺ ، بها، وأذن لهم في الخروج إليها. وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم إنه جاء رسول الله، ﷺ ، من المدينة سبعون نقيبًا، رءوس الذين أسلموا فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم و [] [¬٥]، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن [¬٦] من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله، ﷺ ، أصحابه، وخرج هو. وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾. ثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى (١٤٢)، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير أنه كتب إلى الوليد - يعني ابن عبد الملك بن مروان - بهذا … فذكر مثله. وهذا صحيح إلى عروة، ﵀. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى﴾

стр. 3039

عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ يبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة [من إحلال المغانم] [¬١]. والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل. والركاب والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك؛ كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء [¬٢] [] [¬٣] السلف والخلف. ومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة والغنيمة على الفيء أيضًا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾. قال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماسها [¬٤] للمجاهد [¬٥]، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعًا [¬٦] إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام، والله أعلم. فقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير، حتى الخيط والخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس، يجعل في الكعبة. قال أبو جعفر الرازي (١٤٣)، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول. الله، ﷺ ، يؤتى بالغنيمة، فيقسمها [¬٨] على خمسة، تكون أربعة أخماس

стр. 3040

لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم؛ فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وقال آخرون: ذكر اللَّه هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﵇. قال الضحاك، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله، ﷺ ، إذا بعث سرية فغنموا، خمس الغنيمة؛ فضرب ذلك الخمس في خمسة [¬١]، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فجعل سهم الله وسهم الرسول، ﷺ ، واحدًا، وهكذا قال إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية، والحسن البصري والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة ومغيرة وغير واحد: إن سهم الله ورسوله واحد. ويؤيد هذا ما رواه الإِمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح (١٤٤)، عن عبد [¬٢] الله بن شقيق، عن رجل [من بلقين (*)] [¬٣] قال: أتيت النبي، ﷺ ، وهو بوادي القرى، وهو يعرض فربما، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: "لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: "لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم". وقال ابن جرير (١٤٥): حدّثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى [أبو بكر] [¬٤] بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه. ثم اختلف قائلوا هذا القول، فروى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: كانت الغنيمة تقسم [¬٥] على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس: فربع لله وللرسول [ ﷺ ، ولذي القربى - يعني قرابة

стр. 3041

النبي ﷺ ] [¬١] فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي، ﷺ ، ولم يأخذ النبى، ﷺ ، من الخمس شيئًا، [والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل] [¬٢]. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه. وقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح؛ قال: خمس الله والرسول واحد، كان [¬٣] يحمل منه ويصنع [¬٤] فيه ما شاء، يعني النبى ﷺ (١٤٦). وهذا أعم وأشمل، وهو [أن الرسول] [¬٥]، ﷺ ، يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (١٤٧): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام [¬٦] الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃ فتذاكروا حديث رسول الله، ﷺ ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله، ﷺ ، في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس. فقال عبادة: إن رسول الله، ﷺ ، صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام

стр. 3042

رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: "إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا [¬١] الخمس، والخمس مردود عليكم؛ فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلّوا؛ فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر؛ [] [¬٢] وجاهدوا في [سبيل] [¬٣] الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم". هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبَد الله بن عمرو (١٤٨)، عن رسول الله، ﷺ ، نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول. وعن عمرو بن عبسة [¬٤]، أن رسول الله، ﷺ ، صلى بهم إلى بعير من المغنم فلما سلم، أخذ وبرة من هذا [¬٥] البعير، ثم قال: "ولا يحل لى من [¬٦] غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود فيكم". رواه أبو داود والنسائي (١٤٩). وقد كان للنبي، ﷺ ، من المغانم [¬٧] شيء يصطفيه لنفسه: عبد [¬٨] أو أمة، أو فرس [¬٩]، أو سيف [¬١٠]، أو نحو ذلك. كما نص عليه محمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء. وروى الإِمام أحمد، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس (١٥٠): أن رسول الله، صلى

стр. 3043

الله عليه وسلم، تنفل سيفه ذا [¬١] الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وعن عائشة، ﵂ قالت: كانت صفية من الصفي. رواه أبو داود في سننه (١٥١). وروى أيضًا بإسناده (١٥٢)، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد، إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: "من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ ، وسهم الصفي؛ أنتم آمنون بأمان الله ورسوله"، فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: رسول الله ﷺ . فهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإِمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء. وقال شيخنا اللإِمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال. فإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضًا في الذي كان يناله ﵇ من الخمس، ماذا صنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده. روي هذا عن أبي بكر، وعلى، وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع (١٥٣). وقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين. وقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. اختاره ابن جرير.

стр. 3044

وقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ ، وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق. وقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير (١٥٤): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلى بن الحسين عن [¬١] الخمس، فقالا: هو لنا. فقلت لعلي: فإن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا. وقال سفيان الثوري، وأبو نعيم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم، سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية [¬٢] رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فقال: هذا مفتاح كلام الله، الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله، ﷺ ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليمًا للخليفة من بعده، وقال قائلون: لقرابة النبي ﷺ . وقال قائلون [¬٣]: سهم القرابة لقرابة الخليفة، [واجتمع رأيهم] [¬٤] أن يجعلوا هذين السهمين فى الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك فى خلافة أبي بكر وعمر ﵄. [قال الأعمش، عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر] [¬٥] يجعلان سهم النبي، ﷺ في الكراع والسلاح؛ فقلت لإبراهيم: ما كان على يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه. وهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏. وأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم فى الجاهلية، [وفي أول الإِسلام] [¬٦]، ودخلوا معهم فى الشعب غضبًا لرسول الله، ﷺ ، وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة، وطاعة لأبي طالب عم رسول الله ﷺ . وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني [¬٧] عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم

стр. 3045

ونابذوهم ومالئوا [¬١] بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم [¬٢] في قصيدته اللامية أشد من غيرهم؛ لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … [عقوبة [¬٣] [شر عاجل] [¬٤] غير آجل] [¬٥] بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني [¬٦] خَلفَ قيضًا بنا والغياطل ونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل وقال جبير [¬٧] بن مطعم بن عدي [بن نوفل] [¬٨]: مشيت أنا وعثمان بن عفان يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله، ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد". رواه مسلم (١٥٥). وفي بعض روايات هذا الحديث: "إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام" (١٥٦). وهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. قال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم. ثم روى عن خصيف عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة. وفي رواية عنه، قال: هم قرابة رسول الله، ﷺ ، الذين لا تحل لهم الصدقة. ثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك. قال ابن جرير (١٥٧): وقال آخرون بل هم قريش كلها.

стр. 3046

[حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري] [¬١] قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى؛ فكتب إليه ابن عباس كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وهذا الحديث [] [¬٢] صحيح، رواه [¬٣] مسلم (١٥٨) وأبو [¬٤] داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعيد المقبري، [عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القردى] [¬٥] فذكره، إلى قوله: فأبى ذلك [¬٦] علينا قومنا. والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم [¬٧] بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر ابن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : "رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم "أو "يكفيكم". هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير (١٥٩)، واللَّه أعلم [¬٨]. وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين. والمساكين هم المحاويج، الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك. و [¬٩] سيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من [¬١٠] سورة براءة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.

стр. 3047

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس (١٦٠)، في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله، ﷺ ، قال لهم: "وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله" ثم قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محَمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاَة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم" الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البُخاريّ على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: "باب أداء الخمس من الإيمان" ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه [¬١] في شرح البُخاريّ، ولله الحمد والمنة (١٦١). وقال مقاتل بن حيان [¬٢]: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة. وقوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ] [¬٣] يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى أعلى فيه كلمة الإِيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه. قال على بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل. رواه الحاكم. وكذا قال مجاهد، ومقسم، وعبيد الله بن عبد الله والضَّحَّاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: إنَّه يوم بدر. وقال عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزُّبير في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة؛ فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله، ﷺ ، يومئذٍ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك.

стр. 3048

وقد روى الحاكم في مستدركه (١٦٢)، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود قال في ليلة القدر: تحررها لإحدى عشرة يبقين، فإن في [¬١] صبيحتها يوم بدر؛ وقال: على شرطهما. وروي مثله عن عبد الله بن الزُّبير أيضاً، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه. وقال ابن جرير (١٦٣): حدّثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يَحْيَى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون، عن محمَّد بن عبد الله الثَّقفيُّ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال [] [¬٢] الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان، يوم التقى الجمعان، لسبع عشرة [¬٣] من رمضان، إسناد جيد قوي. ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من شهر رمضان. وهو الصَّحيح عند أهل المغازي والسير. وقال يزيد بن أبي حبيب [¬٤] إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان [يوم بدر] [¬٥] يوم الإثنين. ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم. ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ قول تعالى [مخبرًا عن] [¬٦] يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم

стр. 3049

نزول بعدوة الوادي الدُّنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركين نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة [من المدينة إلى] [¬١] ناحية مكّة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ [أي: أنتم والمشركون إلى مكان] [¬٢] ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾. قال محمَّد بن إسحاق: وحدثني يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم؛ ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من [¬٣] غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه. وفي حديث كعب بن مالك قال (١٦٤): إنَّما خرج رسول الله، ﷺ ، والمسلمون يريدون عير قريش حتَّى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقال ابن جرير (١٦٥): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشَّام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء حتَّى التقت السقاة، ونهد النَّاس بعضهم لبعض. وقال محمَّد بن إسحاق في السيرة (١٦٦): ومضى رسول الله، ﷺ ، على وجهه ذلك، حتَّى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمور [¬٤]، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يلتمسان الخبر عن أبي سفيان؛ فانطلقا حتَّى إذا وردا بدرًا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين تختصمان [¬٥]: تقول إحداهما [¬٦] لصاحبتها: اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنَّما تأتي [¬٧] العير غدًا أو بعد غد؛ فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع ذلك [¬٨] بسبس

стр. 3050

وعدي، فجلسا على بعيريهما حتَّى أتيا رسول الله ﷺ ، فأخبراه الخبر. وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حدر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلَّا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره، فانطلق بها، فساحل حتَّى إذا رأى أنَّه قد أحرز عيره [بعث] [¬١] إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا. فقال أبو جهل: والله، لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا، فنطعم بها الطَّعام، وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بنى زهرة، إن الله قد نجى [¬٢] أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا؛ فأطاعوه [¬٣] فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها ولا بنو عدي. قال محمَّد بن إسحاق (١٦٧): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام في نفر من أصحابه، يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش؛ غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله، ﷺ ، فوجدوه يصلِّي، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ ، يسألونهما: لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أزلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان؛ فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ ، وسجد سجدتين [¬٤]، ثم سلم وقال: "إذا صدقاكم ضربتموهم وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش". قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ : "كم القوم؟ " قالا: كثير. قال: "ما عدتهم؟ " قالا: ما ندري. قال "كم ينحرون كل يوم؟ " قالا: يومًا تسعًا، ويوما عشرًا. قال رسول الله ﷺ : "القوم ما بين التسعمائة إلى
следующие страницы →