← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

[حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري] [¬١] قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى؛ فكتب إليه ابن عباس كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى. وهذا الحديث [] [¬٢] صحيح، رواه [¬٣] مسلم (١٥٨) وأبو [¬٤] داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعيد المقبري، [عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القردى] [¬٥] فذكره، إلى قوله: فأبى ذلك [¬٦] علينا قومنا. والزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم [¬٧] بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر ابن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : "رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم "أو "يكفيكم". هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير (١٥٩)، واللَّه أعلم [¬٨]. وقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين. والمساكين هم المحاويج، الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك. و [¬٩] سيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من [¬١٠] سورة براءة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.

стр. 3047

وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس (١٦٠)، في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله، ﷺ ، قال لهم: "وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله" ثم قال: "هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محَمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاَة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم" الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البُخاريّ على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: "باب أداء الخمس من الإيمان" ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه [¬١] في شرح البُخاريّ، ولله الحمد والمنة (١٦١). وقال مقاتل بن حيان [¬٢]: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة. وقوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ] [¬٣] يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى أعلى فيه كلمة الإِيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه. قال على بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل. رواه الحاكم. وكذا قال مجاهد، ومقسم، وعبيد الله بن عبد الله والضَّحَّاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: إنَّه يوم بدر. وقال عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزُّبير في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة؛ فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله، ﷺ ، يومئذٍ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك.

стр. 3048

وقد روى الحاكم في مستدركه (١٦٢)، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود قال في ليلة القدر: تحررها لإحدى عشرة يبقين، فإن في [¬١] صبيحتها يوم بدر؛ وقال: على شرطهما. وروي مثله عن عبد الله بن الزُّبير أيضاً، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه. وقال ابن جرير (١٦٣): حدّثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يَحْيَى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون، عن محمَّد بن عبد الله الثَّقفيُّ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال [] [¬٢] الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان، يوم التقى الجمعان، لسبع عشرة [¬٣] من رمضان، إسناد جيد قوي. ورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من شهر رمضان. وهو الصَّحيح عند أهل المغازي والسير. وقال يزيد بن أبي حبيب [¬٤] إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان [يوم بدر] [¬٥] يوم الإثنين. ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم. ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ قول تعالى [مخبرًا عن] [¬٦] يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم

стр. 3049

نزول بعدوة الوادي الدُّنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركين نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة [من المدينة إلى] [¬١] ناحية مكّة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ [أي: أنتم والمشركون إلى مكان] [¬٢] ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾. قال محمَّد بن إسحاق: وحدثني يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم؛ ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من [¬٣] غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه. وفي حديث كعب بن مالك قال (١٦٤): إنَّما خرج رسول الله، ﷺ ، والمسلمون يريدون عير قريش حتَّى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقال ابن جرير (١٦٥): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشَّام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله، ﷺ ، وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء حتَّى التقت السقاة، ونهد النَّاس بعضهم لبعض. وقال محمَّد بن إسحاق في السيرة (١٦٦): ومضى رسول الله، ﷺ ، على وجهه ذلك، حتَّى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمور [¬٤]، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يلتمسان الخبر عن أبي سفيان؛ فانطلقا حتَّى إذا وردا بدرًا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين تختصمان [¬٥]: تقول إحداهما [¬٦] لصاحبتها: اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنَّما تأتي [¬٧] العير غدًا أو بعد غد؛ فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع ذلك [¬٨] بسبس

стр. 3050

وعدي، فجلسا على بعيريهما حتَّى أتيا رسول الله ﷺ ، فأخبراه الخبر. وأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حدر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلَّا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره، فانطلق بها، فساحل حتَّى إذا رأى أنَّه قد أحرز عيره [بعث] [¬١] إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا. فقال أبو جهل: والله، لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا، فنطعم بها الطَّعام، وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا. فقال الأخنس بن شريق: يا معشر بنى زهرة، إن الله قد نجى [¬٢] أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا؛ فأطاعوه [¬٣] فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها ولا بنو عدي. قال محمَّد بن إسحاق (١٦٧): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام في نفر من أصحابه، يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش؛ غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله، ﷺ ، فوجدوه يصلِّي، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ ، يسألونهما: لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أزلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان؛ فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ ، وسجد سجدتين [¬٤]، ثم سلم وقال: "إذا صدقاكم ضربتموهم وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش". قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ : "كم القوم؟ " قالا: كثير. قال: "ما عدتهم؟ " قالا: ما ندري. قال "كم ينحرون كل يوم؟ " قالا: يومًا تسعًا، ويوما عشرًا. قال رسول الله ﷺ : "القوم ما بين التسعمائة إلى

стр. 3051

الألف"، ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريش؟ " قالا: عتبة [¬١] بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري [¬٢] بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن [نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن] [¬٣] خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله، ﷺ ، على النَّاس فقال: "هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها". قال محمَّد بن إسحاق رحمه الله تعالى (١٦٨): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن سعد بن معاذ قال لرسول الله، ﷺ ، لما التقى النَّاس يوم بدر: يا رسول الله، ألا نبنى لك عريشًا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا [¬٤] الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، لو علموا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك، ويوازرونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله، ﷺ ، خيرًا ودعا له به، فبنى له عريش، فكان فيه رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر ما معهما غيرهما. قال ابن إسحاق (١٦٩): وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت و [¬٥] رآها رسول الله، ﷺ ، تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، فقال: "اللَّهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها؛ تحادّك وتكذب رسولك، اللَّهم أحنهم الغداة". وقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قال محمَّد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة، لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. وهذا تفسير جيد، وبسط ذلك أنَّه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوّكم في مكان واحد على غير ميعاد؛ لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرًا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك

стр. 3052

من هلك أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنَّه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أي: يؤمن [¬١] من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: حجة وبصيرة. والإِيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ وقالت عائشة في قصَّة الإِفك: فيَّ هلك من هلك؛ أي: قال فيها ما قال من [الكذب و] [¬٢] البهتان والإفك. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم [¬٣] تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾ قال مجاهد: أراه [¬٤] الله إياهم [¬٥] في منامه قليلًا، وأخبر [¬٦] النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم. وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد. وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها. وقد روى ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، حدّثنا يوسف بن موسى المدبر، حدّثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال: بعينك. وهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ها هنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه. وقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تحته الضمائر، وتنطوي عليه الأحشاء؛ فـ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.

стр. 3053

وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ [¬١] قَلِيلًا﴾ وهذا أيضاً من لطفه تعالى بهم؛ إذ [¬٢] أراهم إياهم قليلاً في رأي العين؛ فيجرئهم [¬٣] عليهم، ويطمعهم فيهم. قال أبو إسحاق السبيعي (١٧٠)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتَّى قلت لرجل إلى جنبي [¬٤]: تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم [¬٥] مائة حتَّى أخذنا رجلًا منهم فسألناه فقال [¬٦]: كُنَّا ألفاً. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (١٧١): [حدّثنا أبي] [¬٧]، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾. قال: حضض [¬٨] بعضهم على بعض. إسناد صحيح. وقال محمَّد بن إسحاق (١٧٢): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: [ليلقي بينهم الحرب] [¬٩] للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإِنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته. ومعنى هذا أنَّه تعالى أخرى كلا من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال، وأيد الله المؤمنين [] [¬١٠] بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار [¬١١] يرى حزب [الإيمان ضعفيه] [¬١٢]، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ

стр. 3054

بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين؛ فإن كلًّا منها حق وصدق ولله الحمد والمنة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ هذا تعليم من الله [تعالى لعباده] [¬١] المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة [¬٢] الأعداء فقال [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾. ثبت في الصحيحين (١٧٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن [¬٤] رسول الله، ﷺ ، أنَّه [¬٥] انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ، حتى إذا مالت الشَّمس، قام فيهم فقال: "يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنَّة تحت ظلال السيوف". ثم قام النَّبي، ﷺ ، وقال: "اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم". وقال عبد الرَّزاق (١٧٤): عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا [¬٦] الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن [أجلبوا وضجوا] [¬٧] فعليكم بالصمت [¬٨] ".

стр. 3055

وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ (١٧٥): حدّثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدّثنا أميَّة بن بسطام، حدّثنا معتمر بن سليمان، حدّثنا [¬١] ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النَّبيِّ، ﷺ ، مرفوعًا [¬٢] قال: "إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة". وفي الحديث الآخر المرفوع (١٧٦) يقول الله تعالى: "إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني، وهو مناجز قرنه" أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال [¬٣]: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب [¬٤] بالسيوف. وقال ابن أبي حاتم (١٧٧): حدّثنا أبي، حدّثنا عبدة بن سليمان، حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإِنصات [وذكر الله] [¬٥] عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم. وقال أيضاً (١٧٨): [قرئ على] [¬٦] يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن [] [¬٧] [عياش] [¬٨]، عن يزيد بن قوذر [¬٩]، عن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا [¬١٠] ذلك ما أمر النَّاس بالصلاة والقتال؛ ألا ترون أنَّه أمر النَّاس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. قال الشَّاعر:

стр. 3056

ذكرتك والخطيُّ يخطر بيننا … وقد نهلت فينا المثقفة السمر وقال عنترة: ولقد ذكرتك والرماح نواهل [¬١] … مني [¬٢] وبيض [¬٣] الهند تقطر من دمي فأمر تعالى بالثبات عند [¬٤] قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا [¬٥] عليه، ويسألوه [¬٦] النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك: فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً فيختلفوا، فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم [¬٧] وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقد كان للصحابة [¬٨]﵃ في باب الشجاعة والائتمار [بما أمرهم الله ورسوله] [¬٩] وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول، ﵌، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتَّى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنَّه كريم وهاب. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ

стр. 3057

الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾ يقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم ﴿بَطَرًا﴾، أي: دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا [¬١] والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا [فيها يومنا] [¬٢] أبداً؛ فانعكس ذلك عليه أجمع؛ لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورموا [¬٣] في أطواء [¬٤] بدر مهانين أذلاء؛ صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه [¬٥] شر الجزاء لهم. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضَّحَّاك، والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله، ﷺ ، يوم بدر. وقال محمَّد بن كعب: لما خرجت قريش من مكّة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ﴾ الآية، حسن لهم، لعنه الله، ما جاءوا له، وما هموا به، وأطمعهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إنِّي [¬٦] جار لكم، وذلك أنَّه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم

стр. 3058

سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال ابن جريج [¬١]: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس [¬٢] برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، وإني جار لكم، فلما التقوا، ونظر الشَّيطان إلى إمداد الملائكة ﴿وَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرًا، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني [¬٣] مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال الشَّيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من النَّاس، وإني جار لكم، فلما اصطف النَّاس أخذ رسول الله، ﷺ ، قبضة من التُّراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده، ثم ولى مدبرًا هو [¬٤] وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وذلك حين رأى الملائكة. وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر [¬٥] في وجهه فخر صعقًا، فقيل له: ويلك يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقال محمَّد بن عمر الواقدي (١٧٩): أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: لما تواقف النَّاس أغمي على رسول الله، ﷺ ، ساعة، ثم كشف عنه، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة النَّاس، وميكائيل في جند آخر ميسرة النَّاس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس،

стр. 3059

فلما أبصر عدو الله الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنَّه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتَّى سقط في البحر، ورفع ثوبه، وقال: يارب موعدك الذي وعدتني. وفي الطّبرانيّ (١٨٠) عن رفاعة بن رافع قريب من هذا [¬١] السياق، و [¬٢] أبسط منه ذكرناه في السيرة. وقال محمَّد بن إسحاق (١٨١): حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، قال: لما أجمعت [¬٣] قريش المسير [¬٤] ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب؛ فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه؛ فخرجوا سراعًا. قال محمَّد بن إسحاق (١٨٢): فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة ابن مالك، لا ينكرونه حتَّى إذا كان هم بدر، والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين [أي] [¬٥] سراقة؟ ومثل [¬٦] عدو الله فذهب. قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين ﴿نَكَصَ [¬٧] عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وصدق عدو الله، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وهكذا روي عن السدي، والضَّحَّاك، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم ﵏. وقال قتادة: وذكر لنا أنَّه رأى جبريل ﵇، تنزل معه الملائكة؛ فعلم عدو الله أنَّه لا يدان له بالملائكة؛ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب عدو الله. والله ما به مخافة الله ولكن علم أنَّه لا قوة له، ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن

стр. 3060

أطاعه واستقاد له، حتَّى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك. قلت: يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقال يونس بن بكير (١٨٣)، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو [¬١] بن حزم، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كف [¬٢] بصره يقول: لو كنت معكم الآن ببدر [¬٣]، ومعي بصري، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى. فلما نزلت [¬٤] الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا [¬٥] عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض [¬٦] أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنَّه كان على موعد من محمَّد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال؛ فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا. وهذا من أبي جهل - لعنه الله - يقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾. وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو من باب البهت والافتراء؛ ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة. وقال مالك بن أنس (١٨٤)، عن إبراهيم بن أبي عبلة [¬٧]، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ما رؤي [¬٨] إبليس يومًا [¬٩] هو فيه

стр. 3061

أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ [منه في] [¬١] يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزل [¬٢] الرحمة، والعفو عن [¬٣] الذنوب، إلَّا ما رأى [¬٤] يوم بدر" قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: "أما إنَّه رأى جبريل ﵇ بين الملائكة". هذا مرسل من هذا الوجه. وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض، قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرَّ هؤلاء دينهم؛ وإنَّما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا [¬٥] أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقال قتادة رأوا عصابة من المؤمنين تشدّدت لأمر الله، وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله، لما أشرف على محمَّد، ﷺ ، وأصحابه قال: والله لا يعبدون [¬٦] الله بعد اليوم - قسوة وعتوًّا. وقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين [] [¬٧] بمكة قالوه يوم بدر. وقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكّة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غرّ هؤلاء دينهم. وقال مجاهد في قوله : ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال: فئة من قريش، أبو [¬٨] قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلى بن أميَّة بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج خرجوا مع قريش من مكّة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله، ﷺ ، قالوا: غر هؤلاء دينهم، حتَّى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم.

стр. 3062

وكذا [¬١] قال محمَّد بن إسحاق بن يسار سواء. وقال ابن جرير (١٨٥): حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى [¬٢]، حدّثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، قال معمر: وقال [¬٣] بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم [] [¬٤] بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، بأن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلَّا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾ يقول تعالى: ولو عاينت يا محمَّد، حال توفي الملائكة أرواح الكفار؛ لرأيت أمرًا عظيمًا هائلاً فظيعًا منكرًا إذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [ويقولون لهم] [¬٥]: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. قال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أستاههم، قال: يوم بدر. قال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين؛ ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم [¬٦] الملائكة فضربوا [¬٧] أدبارهم. و [¬٨] قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في [¬٩] قوله: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يوم بدر.

стр. 3063

وقال وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد، و [¬١] عن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال: وأستاههم، ولكن الله يكني. وكذا قال عمر مولي غفرة [¬٢]. وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك [¬٣]، قال: [ما ذاك؟] [¬٤] قال: "ذاك [¬٥] ضرب الملائكة". رواه ابن جرير (١٨٦) وهو مرسل. وهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر. بل [¬٦] قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم يأمرونهم، إذا [¬٧] استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد، أن تخرج قهرًا، وذلك إذ [¬٨] بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء: أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة [¬٩] المنكرة يقول: اخرجي أيتها النَّفس الخبيثة، إلى سموم وحميم وظل من يحموم؛ فتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج [¬١٠] معها العروق والعصب. ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. [وقوله تعالى] [¬١١]: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدُّنيا، جزاكم [¬١٢] الله بها هذا الجزاء ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يظلم أحدًا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور تبارك

стр. 3064

وتعالى وتقدس وتنزه الغني الحميد؛ ولهذا جاء في الحديث الصَّحيح عند مسلم (١٨٧) ﵀ من رواية أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى يقول: "يا عبادي، إنِّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا، يا عبادي، إنَّما هي أعمالكم أحصيها لكم؛ فمن وجد خيرًا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلَّا نفسه" ولهذا قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾ يقول تعالى: فعل هؤلاء [المشركون المكذبون] [¬١]، بما أرسلت به يا محمَّد، كما فعل الأمم المكذبة قبلهم؛ ففعلنا بهم ما هو دأبنا؛ أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله: ﴿فَأَخَذَهُمُ [¬٢] اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم] [¬٣] [أهلكهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر] [¬٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي [¬٥]: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾ يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلَّا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. [وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي] [¬٦]: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها [¬٧] إليهم، من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام

стр. 3065

كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك؛ بل كانوا هم الظالمين. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ أخبر تعالى أن شر مادب على وجه الأرض، هم الذين كفروا، فهم لا يؤمنون. الذين كما عاهدوا عهدًا نقضوه [¬١]، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الأيَّام. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكل بهم، قاله ابن عباس، والحسن البصري، والضَّحَّاك، والسدي، وعطاء الخراساني وابن عيينة، ومعناه: غلظ عقوبتهم، وأثخنهم قتلاً؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. و [¬٢] قال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا [¬٣]؛ فيصنع بهم مثل ذلك. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾، أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتَّى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنَّه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك قال الراجز: فاضرب وجوه الغدر للأعداء [¬٤] … حتَّى يجيبوك إلى السواء (١٨٨) وعن الوليد بن مسلم أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على

стр. 3066

مهل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتَّى ولو في حق الكفار [¬١] لا يحبها أيضاً. قال الإِمام أحمد (١٨٩): حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد [¬٢]، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضي الأمد؛ غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاءً لا غدرًا [¬٣]؛ أن رسول الله ﷺ قال: "ومن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتَّى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء" قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع؛ فإذا [¬٤] الشَّيخ [¬٥] عمرو بن عبسة [¬٦]﵁. وهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن حبان في صحيحه، من طرق، عن شعبة به. وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح. وقال الإمام أحمد أيضاً (١٩٠): حدّثنا محمَّد بن عبد الله الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري [¬٧]، عن سلمان - يعني الفارسي ﵁ أنَّه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني [¬٨] أدعوهم [¬٩]؛ كما رأيت رسول الله، ﷺ ، يدعوهم؛ فقال: إنَّما كنت رجلاً منكم، فهداني الله للإسلام، فإن أسلمتم فلكم مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن [¬١٠] أبيتم نابذناكم على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيَّام، فلما كان اليوم الرابع غداً النَّاس إليها ففتحوها بعون الله.

стр. 3067

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ - يا محمد - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾، أي: فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم [¬١] تحت قَهْر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: بطون، وقال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: [] [¬٢] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أي: مهما أمكنكم، ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. قال [¬٣] الأمام أحمد (١٩١): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي على ثمامة بن شُفَيّ [¬٤]، [أنه سمع] [¬٥] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو عدى المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي. رواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب، به. ولهذا الحديث طرق أخر (١٩٢) عن عُقْبَة بن عامر، منها ما رواه الترمذي، من حديث

стр. 3068

صالح بن كيسان، عن رجل، عنه. وروى الامام أحمد وأهل السنن (١٩٣)، عنه قال: قال رسول الله، ﷺ : "ارموا واركبوا، وأن تَرمُوا خَيرٌ [¬١] من أن تركبوا". وقال الإمام مالك (١٩٤)، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح السَّمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل رَبَطَها في سبيل الله، فأطال لها في مَرْج [¬٢] أو روضة، فما أصابت في طيلَها ذلك من [¬٣] المرج أو [¬٤] الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قَطَعت طيلَها فاستنت شَرَفَا أو شَرَفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يُرِد أن يَسقى به، كان ذلك حسنات له، فهى لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تَغنيّا [¬٥] وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهى له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء فهي على ذلك وِزر". وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: "ما أنزل الله على فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة [¬٦]: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. رواه البخاري - وهذا لفظه - ومسلم، كلاهما من حديث مالك. وقال الإمام أحمد (١٩٥): حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين [¬٧] بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ ، قال: "الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن

стр. 3069

فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله، وذكر ما شاء الله. وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فَقر". وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك ﵁ إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم. وقال الإمام أحمد (١٩٦): حدثنا حجاج وهشام قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شُماسة، أن معاوية بن حُديج [¬١] مَرّ على أبي ذَرّ، وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته! قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول: اللهم، أنت خَولتني عبدًا من عبادك، وجعلتَ رزقي بيده، فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله وولده. قال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج [¬٢]، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين، يقول: اللهم، إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو: أحب أهله وماله إليه". رواه النسائي (١٩٧)، عن عمرو بن علي الفَلاس، عن يحيى القطان، به. وقال أبو القاسم الطبراني (١٩٨): حدثنا الحسين بن إسحاق التُستريّ، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبى الحسن أنه قال لابن الحنظلية - يعني سهلًا -: حَدثنا حديثا سمعته من رسول الله، ﷺ ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه، كالمادّ يده بالصدقة لا يقبضها".

стр. 3070

والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة، وفي صحيح البخاري، عن عُزوَةَ بن أبي الجعد البارقي، أن رسول الله، ﷺ ، قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجرُ والمغنم" (١٩٩). وقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾، أي: تخوفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ - قال مجاهد: يعني "قريظة". وقال السدي: "فارس"، وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان [¬١]: "هم الشاطين التي في الدور". وقد ورد حديث بمثل ذلك، قال ابن أبي حاتم" (٢٠٠): حدثنا أبو عتبة اً حمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيْوَة - يعنى شُرَيح بن يزيد المقرى - حدثنا سَعيد بن سنَان، عن ابن عَريب [¬٢]- يعني - يزيد بن عبد الله بن عرَيب [¬٣]- عن أبيه، عن جده، أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول فى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، قال: هم الجن. ورواه الطبراني (٢٠١)، عن إبراهيم بن دُحَيم؛ عن أبيه، عن محمد بن شعيب، عن سنان ابن سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب [¬٤] به [¬٥]. وزاد: قال رسول الله ﷺ : "لا يُخْبل بيت فيه عتيق من الخيل". وهذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا مَتْنه. وقال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون. وهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، أي:

стр. 3071

مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال؛ ولهذا جاء في حديثٍ رواه أبو داود (٢٠٢)، أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال ابن أبي حاتم (٢٠٣): حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وهذا أيضًا غريب. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ يقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾، أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾، أي: المسألة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾، أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله، ﷺ ، تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. وقال عبد الله بن الإمام أحمد (٢٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن

стр. 3072

عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنه سيكون [بعدي] [¬١] اختلاف - أو: أمر - فإن استطعت أن يكون السّلم، فافعل". وقال مجاهد: نزلت في بني قريظة. وهذا فيه نظر؛ لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله. وقَول ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: (ن هذه الآية منسوخة بآية السيف في "براءة": ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ الآية - فيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا، فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم. وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، أي: كافيك وحده. ثم ذكر نعمته عليه بما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك ومُوازرتك. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كميرة فى الجاهلية، بن الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وفي الصحيحين (٢٠٥) أن رسول الله، ﷺ ، لما خَطَب الأنصار في شأن غنائم حُنَين قال لهم: (يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فَألَّفَكم الله بي" - كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَن.

стр. 3073

ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز الجناب. فلا يَخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه. قال الحافظ اْبو بكر البيهقي (٢٠٦): اْخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا [¬١] على بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحُسَين [¬٢] القنْديلي الأسترابادي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، وذلك موجود في الشعر: إذا مَتّ [¬٣] ذُو القُربَى إليك برحْمه … فَغَشَّك واستَغْنى فَليس بذي رحْم ولكن ذا القربى الذي إن دعوته … أجاب ومن يرمي [¬٤] العدو الذي تَرْمي قال: ومن ذلك قول القائل: وَلَقد صَحبتُ الناس ثُم سَبَرْتُهم … وَبَلوت ما وَصَلوا من الأسْبَاب فَإذَا القَرَابةُ لا تُقَرّبُ قَاطعًا … وإِذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبَاب قال البيهقي: لا أدري هذا موصولًا بكلام ابن عباس، أو هو من قول من دونه من الرواة. وقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁، سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية. قال: هم المتحابون في الله - وفي رواية: نزلت في المتحابين في الله. رواه النسائي والحاكم في مستدركه، [وقال: "صحيح] [¬٥] " (٢٠٧). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر؛ وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.

стр. 3074

رواه الحاكم أيضًا (٢٠٨). وقال أبو عمرو الأوزاعي (٢٠٩): حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد - ولقيته فأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتَّت خطاياهما كما يتَحات [¬١] ورق الشجر. قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير!. فقال: لا تقل ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾!. قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني. وقال ابن جرير (٢١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزيّ، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفر لهما، قال: قلت لمجاهد: بمصافحةٍ يغفر لهما؟ فقال مجاهد: أما سمعته يقول ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني. وكذا روى طلحة بن مصرف، عن مجاهد. وقال ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنا نُحدث: أول ما يرفع من الناس - أو قال: عن الناس - الألفة. وقال الحافظ أبو القاسم سليمان ببن أحمد الطبراني (٢١١) ﵀ حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عبيد [¬٢] الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعدًا أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده، تَحَاتَّت عنهما ذنوبهما، كما يَتَحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زَبَد البحار [¬٣] ". ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ

стр. 3075

﴿الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ يحرض تعالى نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم، أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت امدادهم، ولو قل عدد المؤمنين. قال ابن أبي حاتم (٢١٢): حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان، عن [¬١] شوذب، عن الشعبي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك. قال: وروي عن عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد مثله. ولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، أي: حثهم وذمِّر [¬٢] عليه، ولهذا كان رسول الله، ﷺ ، يحرّض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر، حين أقبل المشركون في عَددِهم وعُدَدهم: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض". فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟! فقال رسول الله ﷺ : "نعم". فقال: بَخ بَخ، فقال: ما يحملك على قولك "بخ بخ؟ " قال: رجاء أن أكون من أهلها! قال: "فإنك من أهلها" فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج ثمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييِتُ حتى أكلهن إنها لحياة طويلة! ثم تقدم فقاتل حتى قتل، ﵁ (٢١٣). وقد رُوي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر

стр. 3076

ابن الخطاب، وكمل به الأربعون. وفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم. ثم قال تعالى مُبَشرَا للمؤمنين وآمرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كل واحد بعشرة [¬١]. ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة. قال عبد الله بن المبارك، حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخرّيت [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس؟ قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ … ﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم. وروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه (٢١٤). وقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين. وروى البخاري (٢١٥)، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به نحوه [¬٣]. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ … الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا [¬٤] عنهم. وروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس نحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو

стр. 3077

ذلك. وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ . وروى الحاكم في مستدركه (٢١٦)، من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله، ﷺ ، قرأ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، رفع. ثم قال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾ قال الإِمام أحمد (٢١٧): حدَّثنا على بن عاصم، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: استشار رسول الله، ﷺ ، الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم. فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي، ﷺ ، ثم عاد رسول الله، ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس" فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله، ﷺ ، ما كان فيه في الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله : ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ … الآية. وقد سبق في أول السورة حديث ابن عبَّاس في صحيح مسلم بنحو ذلك. وقال الأعمش (٢١٨)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: لما كان

стр. 3078

يوم بدر قال رسول الله، ﷺ : ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟. قال: فقال أَبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: [يا رسول الله] [¬١]، أنت في وادٍ كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه. [قال: فقال العباس: قطعت رحمك] [¬٢] قال: فسكت رسول الله، ﷺ ، فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله، ﷺ ، فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتَّى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإن مثلك يا عمر مثل موسى ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، أنتم عالة فلا ينفلتن [¬٣] أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق. قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، ﷺ ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتَّى قال رسول الله، ﷺ : إلا سهيل [¬٤] بن بيضاء. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ … إلى آخر الآية. رواه الإِمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄ عن النبي، ﷺ ، نحوه، وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري. وروى ابن مردويه أيضًا - واللفظ له - والحاكم في مستدركه (٢١٩)، من حديث عبيد الله ابن موسى: حدثنا إسرئيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر [¬٥]؛ قال: لما

стр. 3079

أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" فقال له عمر: أفآتهم؟ قال: نعم. فأتى عمر الأنصار فقال لهُم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا، والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله، ﷺ ، رضا؟ قالوا: فإن كان لرسول الله، ﷺ ، رضا فخذه. فأخذه عمر فلما صار في يده قال له: يا عبَّاس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلَّا لا رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله، ﷺ ، أبا بكر، فقال أَبو بكر: عشيرتك. فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. ففاداهم رسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقال سفيان الثَّوري، عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن عليٍّ ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ ، يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى: إن شاءوا الفداء، وإن شاءوا القتل على أن يقتل منهم مقبلًا مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا. رواه التِّرمِذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثَّوري به (٢٢٠). وهذا حديث غريب جدًّا. وقال ابن عون، عن عبيدة، عن علي، قال (٢٢١): قال رسول الله، ﷺ ، في أسارى يوم بدر: "إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهُم" قال: فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة، ﵁. ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا، فالله أعلم (٢٢٢).

стр. 3080

وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، فقرأ حتَّى بلغ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتَّى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقال الأعمش: سَبَق منه أن لا يعذب أحدًا شهد بدرًا. وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء. وقال شعبة، عن أبي هاشم، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، أي: لهم بالمغفرة. ونحوه عن سفيان الثوري ﵀. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، يعني: في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ .... ﴾ الآية. وكذا روى العوفي، عن ابن عبَّاس. وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقَتَادة، والأعمش أيضًا، أن المراد ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأمة بإحلال الغنائم. وهو اختيار ابن جرير ﵀. ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين (٢٢٣)، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت خمسًا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة". وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال (٢٢٤): قال رسول الله ﷺ : "لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا". ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.

стр. 3081

وقد روى الإمام أَبو داود في سننه (٢٢٥)؛ حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬١]، حدَّثنا سفيان بن حبيب، حدَّثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله، ﷺ ، جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة. وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء؛ أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإِمام الشَّافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١) قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله، ﷺ ، قال يوم بدر: "إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم، قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم - أي: من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها" فقال أَبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف! فبلغت رسول الله، ﷺ ، فقال لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص" - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ "أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ " فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فكان أَبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁. وبه، عن ابن عبَّاس قال: لما أمسى رسول الله، ﷺ ، يوم بدر،

стр. 3082

والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه. فسكت فنام رسول الله ﷺ . قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا. وفي صحيح البخاري (٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه. قال: "لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا". وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله [¬١] عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟ قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه"، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، . وقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.

стр. 3083

وقال أَبو جعفر بن جرير (٢٢٧): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا ابن إدريس [عن ابن إسحاق] [¬١] عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبرت النبي، ﷺ ، بإسلامي، وسألته يحاسبنى بالعشرين الأوقية التي أخذ مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي فى يده. وقال ابن إسحاق أيضًا (٢٢٨): حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، عن جابر ابن عبد الله بن رئاب، قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله، ﷺ ، إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله. وقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عبَّاس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ ؛ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذى كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكون غُفر لي. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطانا الله خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر فَفَدَيت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه. وقال قَتَادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله، ﷺ ، لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكتًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذ حتَّى فرقه، فأمر العباس أن [¬٢] يأخذ منه ويحتثي فأخذ. قال: فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة. وقال يعقوب بن سفيان (٢٢٩): حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن

стр. 3084

حميد بن هلال، قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ ، من البحرين ثمانين ألفًا، ما أتاه مال أكثر منه لا قَبلُ ولا بَعدُ. قال [¬١]: فنثرت على حصير ونُودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله، ﷺ ، فمثل قائمًا على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عَدَدٌ ولا وَزْنٌ، ما كان إلَّا قَبضًا، وجاء العباس بن عبد المطلب يحثى في خميصة عليه، وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ارفع [¬٢] علي. قال: فتبسم رسول الله، ﷺ ، حتَّى خرج ضاحكه - أو: نابه - وقال له: "أعدْ من [¬٣] المال طائفة، وقم بما تطيق". قال: ففعل، وجعل العباس يقول - وهو منطلق -: أمّا إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ … الآية، ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، ولا أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله، ﷺ ، ماثلًا على ذلك المال، حتَّى ما بقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلَّى. حديث آخر في ذلك، قال الحافظ أَبو بكر البيهقي (٢٣٠): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أَبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله الشعيري [¬٤]، حدَّثنا مَحْمش بن عصام، حدَّثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ابن مالك؛ قال: أُتي رسول الله، ﷺ ، بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضي الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطني فإني [¬٥] فاديت نفسي، وفاديت عَقيلًا، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ". فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقلّه فلم يستطع، فقال: مُرْ بعضهم يرفعه إليّ. قال: "لا". قال: فارفعه أنت عليَّ. قال: "لا". فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتَّى خَفِيَ عنه، عَجَبًا من حِرصْه، فما قام رسول الله، ﷺ ، وثَمَّ منها درهم. وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم (٢٣١)، يقول: "وقال إبراهيم بن طهمان" ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا.

стр. 3085

وقول: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، أي: فيما أظهروا لك من الأقوال، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل بدر بالكفر به، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، أي: بالإسار [¬١] يوم بدر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يفعله، حكيم فيه. قال قَتَادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد، ولحق بالمشركين. وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: نزلت في عبَّاس وأصحابه، حين قالوا: "لننصحن لك على قومنا". وفسرها السدي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين: خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم [أولياء بعض] [¬٢] أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد. ولهذا آخى رسول الله، ﷺ ، بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخارى (٢٣٢)، عن ابن عبَّاس. ورواه العَوْفي، وعليٌّ بن أبي طلحة، عنه (٢٣٣). وقال به مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة وغيرهم.
следующие страницы →