وقد روى الإمام أَبو داود في سننه (٢٢٥)؛ حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬١]، حدَّثنا سفيان بن حبيب، حدَّثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله، ﷺ ، جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.
وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء؛ أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإِمام الشَّافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
قال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله، ﷺ ، قال يوم بدر: "إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم، قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم - أي: من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها" فقال أَبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف! فبلغت رسول الله، ﷺ ، فقال لعمر بن الخطاب: "يا أبا حفص" - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ "أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ " فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فكان أَبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁.
وبه، عن ابن عبَّاس قال: لما أمسى رسول الله، ﷺ ، يوم بدر،
стр. 3082
والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه. فسكت فنام رسول الله ﷺ .
قال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا.
وفي صحيح البخاري (٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه. قال: "لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا".
وقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله [¬١] عليه وسلم: "الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟ قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه"، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، .
وقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.
стр. 3083
وقال أَبو جعفر بن جرير (٢٢٧): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا ابن إدريس [عن ابن إسحاق] [¬١] عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبرت النبي، ﷺ ، بإسلامي، وسألته يحاسبنى بالعشرين الأوقية التي أخذ مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي فى يده.
وقال ابن إسحاق أيضًا (٢٢٨): حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، عن جابر ابن عبد الله بن رئاب، قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله، ﷺ ، إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله.
وقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عبَّاس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ ؛ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذى كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكون غُفر لي.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطانا الله خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر فَفَدَيت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه.
وقال قَتَادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله، ﷺ ، لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكتًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذ حتَّى فرقه، فأمر العباس أن [¬٢] يأخذ منه ويحتثي فأخذ. قال: فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.
وقال يعقوب بن سفيان (٢٢٩): حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن
стр. 3084
حميد بن هلال، قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ ، من البحرين ثمانين ألفًا، ما أتاه مال أكثر منه لا قَبلُ ولا بَعدُ. قال [¬١]: فنثرت على حصير ونُودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله، ﷺ ، فمثل قائمًا على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عَدَدٌ ولا وَزْنٌ، ما كان إلَّا قَبضًا، وجاء العباس بن عبد المطلب يحثى في خميصة عليه، وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ارفع [¬٢] علي. قال: فتبسم رسول الله، ﷺ ، حتَّى خرج ضاحكه - أو: نابه - وقال له: "أعدْ من [¬٣] المال طائفة، وقم بما تطيق". قال: ففعل، وجعل العباس يقول - وهو منطلق -: أمّا إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ … الآية، ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، ولا أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله، ﷺ ، ماثلًا على ذلك المال، حتَّى ما بقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلَّى.
حديث آخر في ذلك، قال الحافظ أَبو بكر البيهقي (٢٣٠): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أَبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله الشعيري [¬٤]، حدَّثنا مَحْمش بن عصام، حدَّثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ابن مالك؛ قال: أُتي رسول الله، ﷺ ، بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ ، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضي الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطني فإني [¬٥] فاديت نفسي، وفاديت عَقيلًا، فقال له رسول الله ﷺ : "خذ". فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقلّه فلم يستطع، فقال: مُرْ بعضهم يرفعه إليّ. قال: "لا". قال: فارفعه أنت عليَّ. قال: "لا". فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتَّى خَفِيَ عنه، عَجَبًا من حِرصْه، فما قام رسول الله، ﷺ ، وثَمَّ منها درهم.
وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم (٢٣١)، يقول: "وقال إبراهيم بن طهمان" ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا.
стр. 3085
وقول: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، أي: فيما أظهروا لك من الأقوال، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل بدر بالكفر به، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، أي: بالإسار [¬١] يوم بدر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يفعله، حكيم فيه.
قال قَتَادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد، ولحق بالمشركين.
وقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: نزلت في عبَّاس وأصحابه، حين قالوا: "لننصحن لك على قومنا".
وفسرها السدي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾
ذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين: خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم [أولياء بعض] [¬٢] أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد. ولهذا آخى رسول الله، ﷺ ، بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخارى (٢٣٢)، عن ابن عبَّاس.
ورواه العَوْفي، وعليٌّ بن أبي طلحة، عنه (٢٣٣).
وقال به مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة وغيرهم.
стр. 3086
قال الإِمام أحمد (٢٣٤): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير - هو ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهاجرون والأنصار [أولياء بعضهم لبعض] [¬١] والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة. تفرد به أحمد.
وقال الحافظ أَبو يعلى (٢٣٥): حدَّثنا شيبان، حدَّثنا عكرمة - يعني ابن إبراهيم الأزدي، حدَّثنا عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: "المهاجرون والأنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة". هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود.
وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ .... ﴾ الآية، وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ..... ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ .... ﴾ الآية.
وأحسن ما قيل في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فاٍ ن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أَبو بكر أحمد [¬٢] بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (٢٣٦)، حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا [¬٣] حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة قال: "خيَّرني رسولُ الله، ﷺ ، بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة".
ثم قال: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
стр. 3087
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾، [قرأ حمزة: ولايتهم بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدِّالة والدَّلالة] [¬١] ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نَصِيبٌ، ولا في خُمسها إلَّا ما حضروا فيه القتال، كما قال الإمام أحمد (٢٣٧):
حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُرَيدة عن أبيه: بُرَيدة ابن الحُصَيب الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في [¬٢] خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى [¬٣] ثلاث خصال - أو: خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أَبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهُم في الفيء والغنيمة نصيب، إلَّا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أَبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم".
انفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر.
وقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقول تعالى: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني، على عدوّ لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على القوم من الكفار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، أى: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا [¬٤] ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مروي عن ابن عبَّاس ﵁.
стр. 3088
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾
لما ذكر تعالى أن المُؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال الحاكم في مستدركه (٢٣٨):
حدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدَّثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، حدَّثنا محمد بن أبان، حدَّثنا محمد بن في يد، وسفيان بن حسين، عن الزُّهْريّ، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي، ﷺ ، قال: "لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
قلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد قال (٢٣٩): قال رسول الله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
وفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال (٢٤٠): قال رسول الله ﷺ : "لا يتوارث أهل ملتين شتى". وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.
وقال أَبو جعفر بن جرير (٢٤١): حدَّثنا محمد [عن محمد بن ثور] [¬١] عن معمر، عن الزُّهْريّ أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإِسلام فقال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب".
وهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر عن رسول الله صلى الله
стр. 3089
عليه وسلم أنَّه قال: "أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين". ثم قال: "لا يتراءى ناراهما" (٢٤٢).
وقال أَبو داود في آخر كتاب الجهاد (٢٤٣): حدَّثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرنى يحيى بن حسان [¬١]، أنبأنا سليمان بن موسى أَبو داود، حدَّثنا جعفر بن سعد بن سمرة [ابن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة] [¬٢] عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ : "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".
وذكر الحافظ أَبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض [¬٣] ". [قالوا: يا رسول الله، وإن كان … ؟. قال: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه". ثلاث مرات.
أخرجه أَبو داود والتِّرمِذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه (٢٤٤).
ثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة ﵁ قال (٢٤٥): قال رسول الله ﷺ : "إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض"] [¬٤].
ومعنى قوله؛ ﴿إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلَّا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين
стр. 3090
بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾
لما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإِيمان كما تقدم فى أول السورة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه.
ثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ ....... ﴾ الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المرء من أحب". وفى الحديث الآخر: "من أحب قومًا [فهو منهم". وفي رواية] [¬١]: "حشر معهم" (٢٤٦).
وقال الإِمام أحمد (٢٤٧): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهاجرون والأنصار أولياء بعض لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" قال شريك: فحدثنا الأعمَش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي ﷺ مثله.
стр. 3091
تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله وليس المراد بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولاهم [¬١] عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم - كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة والحسن وقَتَادة وغير واحد على أنَّها ناسخة للإرث بالحلف والإِخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلةٍ، من أقواها حديث: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". قالوا: فلو كان له حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا، والله أعلم.
آخر تفسير سورة الأنفال ولله الحمد والمنة
وعلبه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 3092
تفسير سورة التوبة [¬١] وهي مدنية
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾
هذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ ، كما قال البخاري: حدَّثنا أَبو [¬٢] الوليد، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وآخر سورة نزلت براءة (١).
وإنما لا يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإِمام، [بل اقتدوا] [¬٣] في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه كما قال التِّرمِذي (٢): حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن [¬٤] جعفر، وابن أبي عدي، وسهل بن يوسف؛ قالوا: حدَّثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عبَّاس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين [¬٥] وقرنتم [¬٦] بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر [¬٧] بسم
стр. 3093
الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتى عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هذه الآيات في السورة [¬١] التى يذكر فيها كذا وكذا". فإذا نزلت عليه الآية فيقول: "ضعوا هذه الآية في السورة [¬٢] التي يذكر فيها كذا وكذا". وكانت الأنفال من أول ما نزل [¬٣] بالمدينة، وكانت براءة من آخر [ما نزل من] [¬٤] القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنَّها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنَّها منها، فمن أجل ذلك قرنت [¬٥] بينهما ولم أكتب بينهما سطر [¬٦] بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها [¬٧] في السبع الطول.
وكذا رواه الإمام أحمد، وأَبو داود، والنَّسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق أخر عن عوف الأعرابي به. وقال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
وأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرًا على الحج هذه السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ببراءة، فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغًا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له، كما سيأتي بيانه.
فقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هذه براءة أي: تبرؤ من الله ورسوله
стр. 3094
﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.
اختلف المفسرون هاهنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجده إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ولما سيأتي في الحديث، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ من عهد فعهده إلى مدته، وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير ﵀، ورُوي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد.
وقال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية [¬١] قال: حدَّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيثما [¬٢] شاءوا، وأجَّل أجَل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم [] [¬٣] [من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم] [¬٤]، فذلك خمسون ليلة (٣).
[وقال الضحاك] [¬٥]: فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد يقتلهم حتَّى يدخلوا في الإِسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضًا حتَّى يدخلوا في الإسلام (٤).
وقال أَبو معشر المدني (٥): حدَّثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث على بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة أجل المشركين عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: "لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان".
стр. 3095
وقال ابن أبي نجيح (٦): عن مجاهد ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم، أقبل [¬١] رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: "إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتَّى لا يكون ذلك". فأرسل أبا بكر وعليًّا ﵄ فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمنوا أربعة أشهر: فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.
وهكذا روي عن السدي وقَتَادة.
قال [¬٢] الزُّهْريّ: كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم.
وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها! وإنما ظهر لهم أمري يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك، ولهذا قال تعالى:
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾
يقول تعالى: وإعلام ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وتقدم، وإنذار إلى الناس ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو [يوم النحر] [¬٣] الذي هو أفضل أيام المناسك، وأطهرها [¬٤] وأكثرها جمعًا ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي: بريء منهم أيضًا، ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: استمررتم على ما أنثم عليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.
قال البخاري (٧) ﵀: حدَّثنا عبد الله بن يوسف [¬٥]، حدَّثنا اللَّيث، حدثني
стр. 3096
عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين الذين [¬١] بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف [¬٢] بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة وأن [¬٣] لا يحج بعد هذا [¬٤] العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
ورواه البخاري أيضًا (٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد ابن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف [¬٥] بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر: يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله ﷺ مشرك.
هذا [¬٦] لفظ البخاري في كتاب الجهاد.
وقال عبد الرزاق عن معمر (٩)، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لما كان النبي ﷺ زمن حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجة قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر. قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي ﷺ عليًّا وأمَرَهُ أن يؤذن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال: على [¬٧] هيئته.
وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميرًا سنة تسع.
وقال الإِمام [¬٨] أحمد (١٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن
стр. 3097
الشعبي، عن محرر [¬١] بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة. فقال: ما كنتم تنادون؟ قال [¬٢]: كنا ننادي أنه [¬٣] لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو أمده التي أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسولُهُ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي.
وقال الشعبي: حدثني محرر [¬٤] بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على [¬٥] بن أبي طالب، ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ ينادي، فكان إذا صحل ناديت. فقلت [¬٦]: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع، لا يطوف [¬٧] بالكعبة عريان، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشركٌ. رواه ابن جرير من غير ما وجه عن الشعبي (١١).
ورواه شعبة عن مغيرة عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى أربعة أشهر. وذكر تمام الحديث.
قال ابن جرير (١٢): وأخشى أن يكون وهمًا من بعض نقلته؛ لأن الأخبار متظاهرة [¬٨] في الأجل بخلافه.
وقال الإِمام أحمد (١٣): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول الله ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: "لا يبلغها إلا أنما أو رجل من أهل بيتي". فبعث بها مع على بن أبي طالب ﵁.
ورواه الترمذي في التفسير، عن بندار، عن عفان وعبد الصمد، كلاهما عن حماد بن
стр. 3098
سلمة به. ثم قال: حسن غريب من حديث أنس ﵁.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (١٤): حدثنا محمد بن سليمان [¬١]- لوين - حدثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁؛ قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ ، دعا النبي ﵌ أبا [¬٢] بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: "أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم". فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ فقال: "لا، ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك". هذا إسناد فيه ضعف.
وليس المراد أن أبا بكر ﵁ رجع من فوره، بل [¬٣] بعد قضائه المناسك التي أمّره عليها رسول الله ﷺ ، كما جاء مبيَّنًا في الرواية الأخرى.
وقال عبد الله أيضًا (١٥): حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ حين بعثه ببراءة، قال: يا نبي الله؛ إني لست باللسن ولا بالخطيب. قال: "ما [¬٤] بد لي أن أذهب [¬٥]، بها أنا أو تذهب [¬٦] بها أنت". قال: فإن كان ولابد فسأذهب أنا. قال: "انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك" قال: ثم وضع يده على فيه.
وقال الإمام أحمد (١٦): حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد [بن يثيع] [¬٧]- رجل من همدان -: سألنا عليًا: بأي شيء بعثت؟ - يعني يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة - قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان [¬٨] بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون
стр. 3099
والمسلمون بعد عامهم هذا.
ورواه الترمذي عن قلابة [¬١]، عن سفيان بن عيينة، به، وقال: حسن صحيح. كذا قال. ورواه شعبة عن أبي إسحاق، فقال عن زيد [بن أثيل] [¬٢]، وهم فيه. ورواه الثوري عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي، ﵁.
وقال ابن جرير (١٧): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو [¬٣] أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجدَ الحرام مشركٌ بعد عامهم هذا، ومن كان [¬٤] بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فهو إلى مدتهِ، ولا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنة.
ثم رواه ابن جرير (١٨) - عن محمد بن عبد الأعلى، عن أبي [¬٥] ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي؛ قال: أمرت بأربع … فذكره.
وقال إسرائيل (١٩) عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع؛ قال: نزلت براءة فبعث رسول الله، ﷺ ، أبا بكر ثم أرسل علما فأخذها منه [¬٦]، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيَّ شيءٌ؟ قال: "لا، ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي". فانطلق إلى أهل مكة فقام فيهم بأربع: لا يدخل مكةَ مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته [] [¬٧].
وقال محمد بن إسحاق (٢٠)، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر
стр. 3100
محمد بن علي بن الحسين بن علي؛ قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ ، وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت إلى أبي بكر. فقال: "لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي". ثم دعا عليًّا فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته". فخرج عليٌّ ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه [أبو بكر قال] [¬١]: أمير أو مأمور؟ فقال [¬٢]: بل مأمور. ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب [¬٣] إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام عليّ بن أبي طالب، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس؛ إنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى.
وقال ابن جرير (٢١): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا أبو [¬٤] صخر؛ أنه سمع أبا معاوية البجلي، من أهل الكوفة؛ يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت عليَّ بن أبي طالب عن [¬٥] يوم الحج الأكبر؟ فقال [¬٦]: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليَّ فقال: قم يا علي؛ فأدّ رسالة رسول الله ﷺ ، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة، ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا [حضروا كلهم] [¬٧] خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم إخال حسبتم [¬٨] أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة.
стр. 3101
وقال عبد الرزاق (٢٢)، عن معمر، عن أبي إسحاق: سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر؟ قال: يوم عرفة. فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمد ﷺ ؟ قال: كلٌّ في ذلك.
وقال عبد الرزاق أيضًا، عن ابن [¬١] جريج، عن عطاء؛ قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة.
وقال عمر بن الوليد الشَّنِّي: حدثنا شهاب بن عباد العصري، عن أبيه؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة، هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيب. فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة. فقال: أخبرك عمن هو أفضل منى مائة ضعف: عمر - أو [¬٢] ابن عمر - كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر (٢٣).
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٢٤)، وهكذا رُوي عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس؛ أنهم قالوا: يوم عرفة هو [¬٣] يوم الحج الأكبر.
وقد ورد في ذلك [¬٤] حديث مرسل (٢٥) رواه ابن جريج - أُخبرت [¬٥] عن محمد بن قيس ابن مخرمة؛ أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: "هذا يوم الجح الأكبر".
ورُوي من وجه آخر عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، عن رسول الله ﷺ ، أنه خطبهم بعرفات فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر".
والقول الثاني: أنه يوم النحر.
قال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. وقال أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور: سألت عليًّا ﵁ عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: هو [¬٦] يوم النحر.
стр. 3102
وقال شعبة، عن الحكم: سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي، ﵁: أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة، فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن الحج الأكبر فقال: هو يومك هذا خل سبيلها.
وقال عبد الرزاق، عن سفيان، وشعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى؛ أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وروى شعبة وغيره عن عبد الملك بن عمير به نحوه، وهكذا رواه هشيم وغيره، عن الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وقال الأعمش، عن عبد الله بن سنان؛ قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعيرٍ، فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.
وقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر.
وكذا رُوي عن أبي جحيفة، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ونافع بن جبير بن مطعم، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة، وأبي جعفر الباقر، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر. واختاره ابن جرير، وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري، أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى.
وقد ورد في ذلك أحاديث أخر؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (٢٦): حدثني سهل ابن محمد السجستاني [¬١]، حدثنا أبو جابر الحرمي [¬٢]، حدثنا هشام بن الغاز [¬٣] الجرشي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع؛ فقال: "هذا يوم الحج الأكبر".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من حديث أبي جابر، واسمه محمد بن عبد الملك، به.
ورواه ابن مردويه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز [¬٤] به. ثم رواه
стр. 3103
من حديث سعيد بن عبد العزيز عن نافع، به.
وقال شعبة عن عمرو بن مرة [عن مرة] [¬١] الهمداني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال (٢٧): قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة؛ فقال: "أتدرون أي يوم [¬٢] يومكم هذا؟ ". قالوا: يوم النحر. قال: "صدقتم يوم الحج الأكبر".
وقال ابن جرير (٢٨): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه؛ قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﷺ على بعير له، وأخذ الناس بخطامه - أو زمامه - فقال: "أي يوم هذا؟ " قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: "أليس هذا يوم الحج الأكبر؟ ".
وهذا إسناد صحيح، وأصله مخرج في الصحيح.
وقال أبو الأحوص [¬٣] عن شبيب بن [¬٤] غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص [¬٥]، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: "أي يوم هذا؟ ". فقالوا: يوم [¬٦] الحج الأكبر.
وعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر. رواه ابن أبى حاتم.
وقال مجاهد أيضًا: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها.
وكذا قال أبو عبيد، قال سفيان: يوم الحج، ويوم الجمل، ويوم صفين، أي: أيامه كلها.
وقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر، فقال: ما لكم وللحج
стр. 3104
الأكبر؟ ذاك عام حجَّ فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله ﷺ فحج بالناس. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (٢٩): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون: سألت محمدًا يعني ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر؟ فقال [¬١]: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله ﷺ حج [¬٢] أهل الوبر.
﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾
هذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجوَ بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض [¬٣] المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا - أي: يمالئ عليهم من سواهم فهذا الذي يوفَّى له بذمته وعهده إلى مدته؛ ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم.
﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
اختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا ما هي؛ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية. قاله أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم.
وهذا الذي ذهب إليه حكاه على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك
стр. 3105
أيضًا، وفيه نظر. والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله [¬١]: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة [التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة] [¬٢] المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد [] [¬٣] في هذه السورة الكريمة.
وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض، وهذا عامٌّ والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.
وقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وَأْسروهم إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا.
وقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم [¬٤] بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإِسلام؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت [¬٥] قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإِسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف [أركان الإِسلام] [¬٦] بعد الشهادتين [¬٧] الصلاة التي هي حق الله وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعدٍ [¬٨] إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "أمرت أن [¬٩] أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة … " الحديث.
وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يترك فلا صلاة له.
стр. 3106
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أَبَى الله أن يقبل الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: يرحم الله أبا بكر! ما كان أفقههُ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا على بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا إلاَّ، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول إلاَّ، واسقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما [¬١] عليهم".
ورواه البخاري في صحيحه (٣٠) وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به.
وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (٣١): حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبربا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس [عن أنس] [¬٢]؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك به شيئًا [¬٣]، فارقها والله عنه راضٍ".
قال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ركهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. ورواه ابن مردويه.
ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له (٣٢): حدثنا إسحاق بن إبراهيم،
стр. 3107
أنبأنا حَكِّام بن سَلْم [¬١]، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء.
وهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي ﷺ وبين أحد من المشركين، وكل عهد، وكل مدة.
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة، منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل [] [¬٢] أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية؛ قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام؛ ونقض ما كان سمى لهم من العهد والميثاق؛ وأذهب الشرط الأول.
وقال ابن أبي حاتم (٣٣): حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري؛ قال: قال سفيان [بن عيينة] [¬٣]: قال على بن أبي طالب: بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف: سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
هكذا رواه مختصرًا، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب؛ [في قوله] [¬٤] تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ … ﴾ الآية [¬٥]. والرابع قتال الباغين في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا [¬٦] عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه؛ فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فإما منًّا بعد وإما فداء﴾، وقال قتادة بالعكس.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾
стр. 3108
يقول تعالى لنبيه - صلوات اللَّه وسلامه عليه -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم] [¬١] ﴿استجارك﴾ أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله. أي [القرآن] [¬٢]: تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من الدين تقيم عليه به حجة الله ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ أي: وهو امن مستمر الأمان، حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء، ليعلموا دين الله، وتنتشر [¬٣] دعوة الله في عباده.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في تفسير هذه الآية - قال: إنسان يأتيك يسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء.
ومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما [¬٤] جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم: عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدًا بعد واحد يتردّدون في قضية [¬٥] بينه وبين المشركين، فراوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، و [¬٦] ما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم [¬٧] بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم.
ولهذا أيضًا لما قدم رسولُ مسيلمةَ الكذاب على رسول الله ﷺ ، قال له: " أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ " قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "لولا أن الرسلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ عنقَك" (٣٤).
وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة، وأمر به فضربت عنقُه لا ﵀ ولعنه!
والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب [¬٨] من الإمام أو نائبه
стр. 3109
أمانًا [¬١] [] أعطي أمانًا ما دام متردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإِقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر. وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشَهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏.
﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾
يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ [¬٢] عَهْدٌ﴾ وأمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون [¬٣] به وبرسوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ [¬٤] عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. الآية.
﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالئوا حلفاءهم [وهم بنو] [¬٥] بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم، أيضًا، فعند ذلك غزاهم رسول الله، ﷺ ، في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة. فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، [] [¬٦] منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما بقدره ويفعله.
стр. 3110
﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾
يقول تعالى محرضًا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم، ومبينًا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله ﷺ ، [ولأنهم لو] [¬١] ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا [¬٢] ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة.
قال على بن أبي طلحة، وعكرمة، والعوفي عن ابن عباس: الإل: القرابة، والذمة: العهد. وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل:
أفسد الناسَ خلوفٌ خلفوا … قطعوا الإِل وأعراق الرحمْ (٣٥)
وقال حسان بن ثابت ﵁:
وجدناهم كاذبًا [إلّهُم … وذو] [¬٣] الإلّ والعهد لا يكذب (٣٦)
وقال ابي أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ قال: الله. وفي رواية: لا يرقبون الله ولا غيره.
وقال ابن جرير (٣٧): حدثني يعقوب؛ حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل، كأنه [يضيف "جبر" و"ميكا" و "إسراف" إلى "إيل"] [¬٤] [يقول: عبد الله ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ كأنه] [¬٥] يقول: لا يرقبون الله.
стр. 3111
والقول الأول أشهر وأظهر وعليه الأكثر.
[وعن مجاهد أيضًا الإِلّ العهد] [¬١]. وقال قتادة: الإِل الحلف.
﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾
يقول تعالى ذمًّا للمشركين وحثًّا للمؤمنين على قتالهم ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة ﴿فصدوا عن سبيله﴾ أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة﴾ تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ إلى آخرها تقدمت.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٨): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ : "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا [يشرك به] [¬٢]، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض". وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فإن تابوا﴾ يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. وقال في آية أخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾.
ثم قال الزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راض، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.
стр. 3112
﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾
يقول تعالى: ﴿وإن نكثوا [¬١]﴾ هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة ﴿أيمانهم﴾ أي: عهودهم ومواثيقهم ﴿وطعنوا في دينكم﴾ أي: عابوه وانتقصوه، ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول - صلوات الله: سلامه عليه - أو من طعن في دين الإِسلام أو ذكره بتنقص، ولهذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال.
وٍ قد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر كأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف، وعدَّد رجالاً.
وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مرَّ سعد برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد: كذبت، بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه.
وقال الأعمش: عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثله.
والصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم.
وقال الوليد بن مسلم (٣٩): حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أنه كان في عهد أبي بكر ﵁ إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قويًّا محَوَّقَة رءوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلًا منهم أحب إليَّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾. رواه ابن أبي حاتم.
﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
стр. 3113
﴿(١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾
وهذا أيضًا تهييح وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾.
وقال تعالى: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾.
وقوله: ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾ قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت وعلموا بذلك استمروا [¬١] على وجوههم [¬٢] طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا كما تقدم بسط ذلك.
وقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله، ﷺ ، حتى سار إليهم رسول الله ﷺ عام الفتح وكان ما كان، ولله الحمد والمنة [¬٣].
وقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي، وعقوبتي؛ فبيدي الأمر، وما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن.
ثم قال تعالى عزيمة على المؤمنين، وبيانًا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. وهذا عام في المؤمنين كلهم.
وقال مجاهد، وعكرمة، والسدي في هذه الآية ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني خزاعة، وأعاد [¬٤] الضمير فى قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عليهم أيضًا.
стр. 3114
وقد ذكر ابن عساكر (٤٠) في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز ﵁ عن مسلم ابن يسار، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال: "يا عويش، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر ذنبي، وأذهب غيط قلبي، وأجرني من مضلات الفتن".
ساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي، عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الجون [¬١] عنه.
﴿ويتوب اللَّه على من يشاء﴾ أي: من عباده ﴿والله عليم﴾ أي: بما يصلح عباده ﴿حكيم﴾ في أفعاله، وأقواله الكونية، والشرعية، فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدًا ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾
يقول تعالى: أم حسبتم أيها المؤمنون، أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؛ ولهذا قال: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون اللَّه ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ أي: بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني
وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية.
стр. 3115
والحاصل: أنه تعالى لما شرع [لعباده الجهاد] [¬١] بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن بعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشئ قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد [¬٢] لما قدّره وأمضاه.
﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾
يقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ "مسجد الله" فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد فى الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي: بحالهم وقالهم كما قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال نصراني، [ولو سألت] [¬٣] اليهودي: ما دينك؟ لقال [¬٤]: يهودي، والصابئ [¬٥]؟ لقال: صابئ، والمشرك لقال: مشرك ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ أي: بشركهم ﴿وفي النار هم خالدون﴾، و [¬٦] قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد تعالى بالإِيمان لعمار المساجد، كما قال الإمام أحمد: حدثنا سريج [¬٧]، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمَح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب،
стр. 3116
به (٤١)
وقال عبد بن حميد في مسنده (٤٢): حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما عمار المساجد هم أهل الله".
ورواه الحافظ أبو بكر البزار (٤٣): عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما عمار المساجد هم أهل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح.
وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعًا: "إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم". ثم قال: غريب.
وروى الحافظ البهائي [¬١] في المستقصى (٤٤) عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا يقول الله: وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، والتي المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.
وقال الإِمام أحمد (٤٥): حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد،
стр. 3117
عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان كذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعَامة والمسجد".
وقال عبد الرزاق (٤٦): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب النبي ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: من سمع النداء بالصلاة، ثم لم يجب و [¬١] يأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية. رواه ابن مردويه.
وقد رُوي مرفوعًا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر، ليس هذا موضع بسطها. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق وقوله [¬٢]: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
قال [على] [¬٣] بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وحّد الله وآمن باليوم الآخر، يقول: من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قوله: لم يعبد إلا الله. ثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ [أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ] [¬٤]﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا] [¬٥] محمودًا [¬٦] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وقال محمَّد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
стр. 3118
جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾
قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم، قال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي ﷺ ، فخير الله الإِيمان والجهاد مع النبي [¬١] ﷺ على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه [¬٢] به. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.
وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية [¬٣]، قال: قد [¬٤] نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر [¬٥] قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج [¬٦] ونفك العاني [¬٧]، قال الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أن ذلك كله [¬٨] كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك.
وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني،
стр. 3119
ونحجب البيت، ونسقي الحاج فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال: نزلت في علي والعباس ﵄ تكلما في ذلك.
وقال ابن جرير (٤٧): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أُخبرت [¬١] عن أبي صخر، قال: سمعت محمَّد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، فقال [] [¬٢] طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء [¬٣] بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، فقال على ﵁: ما أدري ما تقولان [¬٤]، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. الآية كلها.
وهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر على، والعباس، وعثمان [¬٥] وشيبة بن عثمان، وذكر نحوه.
وقال عبد الرزاق (٤٨): أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن، قال: نزلت في على، وعباس وعثمان، وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما [أراني إلَّا] تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا".
ورواه محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن فذكر [¬٦] نحوه [] [¬٧].
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلابد من ذكره ها هنا:
قال عبد الرزاق (٤٩): أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير ﵁: أن رجلًا قال: ما أبالي أن أعمل عملًا بعد الإِسلام [إلا أن أسقي الحاج.
стр. 3120
وقال آخر: ما أبالي أن لا [¬١] أعمل عملًا بعد الإِسلام] [¬٢] إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على [¬٣] [النبي ﷺ فسألناه] [¬٤]. فنزلت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلام، [عن جده أبي سلام الأسود] [¬٥]، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالى أن لا أعمل لله عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، ﷺ ، وذلك [¬٦] يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله، ﷺ فاستفتيه [¬٧] فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
رواه مسلم في صحيحه (٥٠)، وأبو داود، وابن جرير وهذا لفظه وابن مردويه، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي