به (٤١)
وقال عبد بن حميد في مسنده (٤٢): حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما عمار المساجد هم أهل الله".
ورواه الحافظ أبو بكر البزار (٤٣): عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما عمار المساجد هم أهل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح.
وقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعًا: "إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم". ثم قال: غريب.
وروى الحافظ البهائي [¬١] في المستقصى (٤٤) عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا يقول الله: وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، والتي المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.
وقال الإِمام أحمد (٤٥): حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد،
стр. 3117
عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان كذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعَامة والمسجد".
وقال عبد الرزاق (٤٦): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب النبي ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.
وقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: من سمع النداء بالصلاة، ثم لم يجب و [¬١] يأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية. رواه ابن مردويه.
وقد رُوي مرفوعًا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر، ليس هذا موضع بسطها. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق وقوله [¬٢]: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
قال [على] [¬٣] بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وحّد الله وآمن باليوم الآخر، يقول: من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قوله: لم يعبد إلا الله. ثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ [أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ] [¬٤]﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا] [¬٥] محمودًا [¬٦] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
وقال محمَّد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق.
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
стр. 3118
جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾
قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم، قال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي ﷺ ، فخير الله الإِيمان والجهاد مع النبي [¬١] ﷺ على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه [¬٢] به. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.
وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية [¬٣]، قال: قد [¬٤] نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر [¬٥] قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج [¬٦] ونفك العاني [¬٧]، قال الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أن ذلك كله [¬٨] كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك.
وقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني،
стр. 3119
ونحجب البيت، ونسقي الحاج فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال: نزلت في علي والعباس ﵄ تكلما في ذلك.
وقال ابن جرير (٤٧): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أُخبرت [¬١] عن أبي صخر، قال: سمعت محمَّد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، فقال [] [¬٢] طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء [¬٣] بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، فقال على ﵁: ما أدري ما تقولان [¬٤]، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. الآية كلها.
وهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر على، والعباس، وعثمان [¬٥] وشيبة بن عثمان، وذكر نحوه.
وقال عبد الرزاق (٤٨): أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن، قال: نزلت في على، وعباس وعثمان، وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما [أراني إلَّا] تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ : "أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا".
ورواه محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن فذكر [¬٦] نحوه [] [¬٧].
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلابد من ذكره ها هنا:
قال عبد الرزاق (٤٩): أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير ﵁: أن رجلًا قال: ما أبالي أن أعمل عملًا بعد الإِسلام [إلا أن أسقي الحاج.
стр. 3120
وقال آخر: ما أبالي أن لا [¬١] أعمل عملًا بعد الإِسلام] [¬٢] إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على [¬٣] [النبي ﷺ فسألناه] [¬٤]. فنزلت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلام، [عن جده أبي سلام الأسود] [¬٥]، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالى أن لا أعمل لله عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، ﷺ ، وذلك [¬٦] يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله، ﷺ فاستفتيه [¬٧] فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
رواه مسلم في صحيحه (٥٠)، وأبو داود، وابن جرير وهذا لفظه وابن مردويه، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
стр. 3121
الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾
أمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن [¬١] استحبوا أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك، كقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.
وروى الحافظ البيهقي (٥١) من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم، بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
ثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر [¬٢] أهله وقرابته [¬٣] وعشيرته على الله [¬٤] رسوله
وجهاد في سبيله فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [¬٥]﴾ أي: تحبوتها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقال الإِمام أحمد (٥٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنا مع رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي. فقال رسول الله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه". فقال عمر: فأنت الآن والله أحب الي من نفسي. فقال رسول الله: "الآن يا عمر".
стр. 3122
انفرد بإخراجه البخاري (٥٣) فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي ﷺ بهذا.
وقد ثبت في الصحيح (٥٤) عنه ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
وروى الإِمام أحمد وأبو داود واللفظ له (٥٥) من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
وروى الإِمام أحمد أيضًا (٥٦)، عن يزيد بن هارون، عن أبي جناب [¬١]، عن شهر بن حوشب؛ أنَه سمع عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾
стр. 3123
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة، يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم، وإحسانه لديهم، في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره لا بعَددهم [¬١]، ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ ، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلاً، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.
وقد قال الإِمام أحمد (٥٧): حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة".
وهكذا رواه أبو داود والترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب [لا يسنده كبير] [¬٢] أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهريّ عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره (٥٨)، عن أكثم بن الجون، عن رسول الله ﷺ بنحوه، والله أعلم.
وقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ ﷺ من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله ﷺ ، فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن [¬٣] أميرهم مالك بن عوف النضري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعههم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا [بقضهم وقضيضهم] [¬٤]، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي
стр. 3124
جاء معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضًا [¬١]، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي، وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم [¬٢]، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملةَ رجلٍ واحد، كما أمرهم ملكهم، فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله وثبت رسول الله ﷺ وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه ﵊ ويدعو المسلمين إلى الرجعة، "أين يا عباد الله؟ إليَّ أنا رسول الله". ويقول في تلك الحال:
"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
وثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم عن قال: ثمانون، فمنهم: أبو بكر وعمر، ﵄ والعباس، وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃ ثم أمر [رسول الله] [¬٣] ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على أن لا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة؛ فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس، فجعلوا يتراجعون إلى رسول الله ﷺ ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه، وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله، ﷺ ، فلما اجتمعت [¬٤] شرذمة منهم، [عند رسول الله ﷺ ] [¬٥] أمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال: "اللهم، أنجز لي ما وعدتني".
ثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون: يأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا
стр. 3125
والأسرى [¬١] مجدلة [¬٢] بين يدي رسول الله ﵌.
وقال الإِمام أحمد (٥٩): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد [¬٣] الله بن يسار [] [¬٤] أبي [¬٥] همام، عن أبي عبد الرحمن الفهري - واسمه - يزيد ابن أسيد، ويقال: يزيد بن أنيس، ويقال: كرز - قال: كنت مع رسول الله، ﷺ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمَتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله، ﷺ ، وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته [¬٦]، حان الرواح؟ فقال: "أجل". فقال: "يا بلال". فثار من تحت سمرة كأن ظلها [¬٧] ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك. فقال: "أسرج لي فرسي". فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليف فيهما أشر ولا بطر.
قال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله : ﴿[ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] [¬٨]﴾، فقال رسول الله ﷺ : "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله". ثم قال: "يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله". قال: ثم اقتحم رسول الله، ﷺ ، عن فرسه، فأخذ كفًّا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه! ". فهزمهم الله تعالى. قال يعلي بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطَّسْت [¬٩]، الحديد [¬١٠].
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن
стр. 3126
سلمة، به.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله، ﵌، إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله، ﵌، وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت [¬١] عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله [عليه] [¬٢] وآله وسلم ذات اليمين يقول: "أيها الناس، هلموا إليَّ أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله". فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلما رأى رسول الله ﵌ أمر الناس قال: "يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة". فأجابوا [¬٣] لبيك! لبيك! فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله، ﷺ ، منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صُبُرًا عند الحرب، وأشرف رسول الله، ﷺ ، في ركائبه [¬٤]، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: "الآن حمي الوطيس".
قال: فو الله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله، ﷺ ، ملقون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من [¬٥] انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.
وفي الصحيحين (٦٠) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵄[أن رجلًا قال له] [¬٦]: يا أبا عمارة؛ أفررتم عن رسول الله، ﷺ ، يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله، ﷺ ، لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ - وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام - بغلته [¬٧] البيضاء - وهو يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
قلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة
стр. 3127
الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا [¬١] على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب، وهو مع هذا [¬٢] أيضًا يركضها إلى وجوههم، وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه - صلوات الله وسلامه عليه - دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكل عليه، وعلمٌ منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين معه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة.
كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير: [حدثنا القاسم قال] [¬٣]: حدثني الحسن بن عرفة، قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف - هو ابن أبي جميلة [¬٤] الأعرابي - قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن بُرثن، حدثني رجل كان مع [¬٥] المشركين يوم حنين، قال: لما [] [¬٦] التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حَلَبَ شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله ﷺ ، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (٦١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمَّد بن أحمد بن بَالُويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود ﵁: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء [¬٧] يمضي قُدُمًا، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: "ناولني كفًّا من التراب". فناولته، قال: فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا، قال: "أين المهاجرون والأنصار؟ ". قلت: هم هناك. قال: "اهتف بهم". فهتفت بهم فجاءوا، وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.
стр. 3128
ورواه الإِمام أحمد في مسنده، عن عفان به نحوه.
وقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان، قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري منه.
قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائمًا [¬١] عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. قال: فجئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن تمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ ، وقال: "يا شيب يا شيب؛ ادن مني. اللهم؛ أذهب عنه الشيطان". قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: "يا شيب؛ قاتل الكفار".
رواه البيهقي من حديث الوليد فذكره (٦٢)، ثم روى من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول ﷺ يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكنني [¬٢] أبيت [¬٣] أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلًا بُلقًا [¬٤] فقال: "يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر".
فضرب [يده في] [¬٥] صدري ثم قال "اللَّهُمّ، اهد شيبة"، ثم ضربها الثانية ثم قال: "اللَّهُمَّ، اهد شيبة"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: "اللَّهُمَّ، اهد شيبة". قال: فو الله ما رفع يده عن [¬٦] صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحبَّ إليَّ منه.
وذكر تمام الحديث ثم [¬٧] التقاء [¬٨] الناس، وانهزام المسلمين، ونداء العباس، واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله المشركين.
стр. 3129
[وقال] [¬١] محمَّد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير ابن مطعم ﵁ قال: إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد [¬٢] الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
وقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين - فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن [¬٣] فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.
وقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم.
وفي صحيح مسلم (٦٣) عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة [قال: قال] [¬٤] رسول الله ﷺ []: [¬٥] "نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم". ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ [¬٦] اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد تاب الله على بقية هوازن وأسلموا [¬٧] وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خيره بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير مِن [¬٨] بين صبي وامرأة، فرده عليهم وقسم أموالهم [¬٩] بين الغانمين، ونفل أناسًا من الطلقاء؛ ليتألف قلوبهم على الإِسلام، فأعطاهم مائة مائة من الإِبل، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النضري واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:
مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ … في النَاسِ كُلِّهمُ بمثْلِ محمدِ
стр. 3130
أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا [اجْتَدَى … ومتى] [¬١] تشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا في غَدِ
وَإذَا [الكَتِيبَةُ عَرّدَتْ] [¬٢] أَنْيَابُهَا … بالسَّمْهَريِّ وضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ
فَكَأَنَّهُ لَيثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ [¬٣] … وَسْطَ الهبَاءَةِ [¬٤] خَادِرٌ في مَرْصَدِ [¬٥]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾
أمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله، ﷺ ، عليًّا صحبة أبي [¬٦] بكر، ﵄، عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين؛ أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، فأتم الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا.
وقال عبد الرزاق (٦٤): أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن، عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمة.
وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال الإِمام أحمد (٦٥): حدثنا حسن [¬٧]، حدثنا شريك، عن الأشعث - يعني ابن سوار - عنَ الحسن، عن جابر؛ قال: قال رسول الله -
стр. 3131
ﷺ : "لا يدخل مسجدنا هذا [¬١] بعد عامنا هذا مشركٌ إلا أهل العهد وخدمكم [¬٢] ".
تفرد به الإِمام [¬٣] أحمد مرفوعًا، والموقوف أصحُّ إسنادًا.
وقال الإِمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁: أن امنعوا اليهودَ والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٦٦).
وقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
ودلَّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما دلَّت [على طهارة المؤمن] [¬٤]؛ لما [¬٥] ورد [] [¬٦] في الصحيح: "المؤمن لا ينجس" (٦٧). وأما [¬٧] نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى [¬٨] نجاسة أبدانهم.
وقال أشعث عن الحسن: عن صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (٦٨).
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال محمد [¬٩] بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا [¬١٠] ما كنا نصيب فيها عن المرافق، فنزلت [¬١١]: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله [¬١٢]: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي:
стр. 3132
[إن] [¬١] هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله بما قطع [عنهم من] [¬٢] أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق [¬٣] أهل الكتاب من الجزية.
وهكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة والضحاك وغيرهم.
﴿إن الله عليم﴾ أي: بما يصلحكم ﴿حكيم﴾ أي: فيما بأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره ﵎، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، فقال [¬٤]: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ فهم في نفس الأمر لما [¬٥] كفروا بمحمد، ﷺ ، لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد [¬٦] من الرسل ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإِيمان بمحمد، ﷺ ؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به - وهو أشرف الرسل - عُلِمَ أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء [والأقدمين] [¬٧]؛ لأنه من عند [¬٨] الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهذه الآية الكريمة [نزلت] [¬٩] أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلما [¬١٠] استقرت [¬١١] جزيرة العرب، أمَرَ الله رسوله بقتال أهل الكتابين؛ اليهودِ والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله، ﷺ ، لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، فأوعبوا [¬١٢] معه، واجتمع من المقاتلة نحو [من] [¬١٣] ثلاثين ألفًا [¬١٤]، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من
стр. 3133
المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ [¬١] وحر، وخرج رسول الله، ﷺ ، يريد الشام؛ لقتال الروم، فبلغ تبوك فنزل بها وأقام على مائها [¬٢] قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك؛ لضيق الحال وضعف الناس، كما [¬٣] سيأتي بيانه بعدُ إن شاء الله تعالى.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشبههم كالمجوس، كما صحَّ فيهم الحديث أن رسول الله، ﷺ ، أخذها من مجوس [¬٤] هجر، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المثمهور عنه، وقال أبو حنيفة، ﵀: بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.
وقال الإِمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار، من: كتابي، ومجوسي، ووثني وغير ذلك. ولمآخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكانٌ غير هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ أي: إن لم يسلموا ﴿عن يد﴾ أي: عن قهر لهم وغلبة ﴿وهم صاغرون﴾ أي: ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز [¬٥] أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم (٦٩): عن أبي هريرة، ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه"؛ ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله، عنه - تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب، رضي الله، عنه - حين صالح نصارى من أهل الشام: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا، ولا كنيسة، ولا قلاية (*)،
стр. 3134
ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها ولا نحصي منها، ما كان خِططًا (*) للمسلمين، وألَّا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا [¬١]، ولا نكتم غشًّا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا تظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإِسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألَّا نظهر الصليب على كنائسنا، وألَّا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًّا، وألَّا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج سعانين (**) ولا باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم [¬٢] بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم".
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، ووظفنا على أنفسنا فلا ذمّة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾.
стр. 3135
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾
وهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى، لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وذكر السدي وغيره: أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك: أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم، حتى سقطت جفون عينيه، فبينا [¬١] هو ذات يوم إذ مر على جبانة، وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه! واكاسياه! فقال لها: ويحك! من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت. قالت: يا عزير، فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟! فعرف أنه شيء قد وعظ به، ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصل هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخاً فما أطعمك فكله، فذهب ففعل ما أمر به، فإذا الشيخ [¬٢] فقال له: افتح فمك، ففتح فمه فألقى فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، [فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة] [¬٣]. فقالوا: يا عزيرُ، ما كنت كذابًا! فعمد فربط على أصبع من أصابعه قلمًا، وكتب التوراة بأصبعه كلَّها، فلما تراجع الناس من عدوهم، ورجع العلماء أخبروا بشأن عزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوها [¬٤] بها، فوجدوا ما جاء به صحيحًا، فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله!!
وأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا مستند لهم فيما ادّعوه سوى افتراء لهم واختلاقهم [¬٥] ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ أي: يشابهون ﴿قول الذين كفروا من قبل﴾ أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضل هؤلاء [] [¬٦] ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: العنهم لله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟﴾ أي: كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟
стр. 3136
وقوله [¬١]: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
روى الإِمام أحمد والترمذي وابن جرير (٧٠): من طرق، عن عدي بن حاتم، ﵁: أنه لما بلغته دعوة رسول الله، ﷺ ، فرَّ إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله، ﷺ ، على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها ورغبته [¬٢] في الإِسلام، وفي القدوم على رسول الله، ﷺ ، فقدم عدي إلى [¬٣] المدينة، وكان رئيسًا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله، ﵌ وفي عنق عدي صليب من فضة - فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: "بلى، إنهم حرموا عيهم الحلال، وحللوا [¬٤] لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم".
وقال رسول الله، ﷺ : "يا عدي، ما تقول؟ أَيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم [مِنْ إله إلا] [¬٥] الله؟ ". ثم دعاه إلى الإِسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال [¬٦]: "إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون".
وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدي: استنصحوا الرجال وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله [فهو الحلال] [¬٧]، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ.
стр. 3137
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [¬١] سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء، والأعوان، والأضداد، والأولاد، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾
يقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿[أَنْ يُطْفِئُوا] [¬٢] نُورَ اللَّهِ﴾ أي: ما بعث به رسول الله، ﷺ ، من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نورَ القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله، ﷺ ، لابد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
والكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل كافرًا [¬٣]؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرًا [¬٤]؛ لأنه يغطي الحَبَّ في الأرض، كما قال (يعجب الكفار نباته).
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ فالهدى: هو ما جاء به من الإِخبارات [¬٥] الصادقة، والإِيمان الصحيح، والعلم النافع، ودين الحق: هو [¬٦] الأعمال الصالحة [¬٧] الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.
﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله، ﵌، أنه قال: "إن الله زوى (*) لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (٧١).
стр. 3138
وقال الإِمام أحمد (٧٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت شقيق بن حيان [¬١] يحدث، عن مسعود بن قبيصة - أو قبيصة بن مسعود - يقول: صلى هذا الحي من محارب [¬٢] الصبح، فلما صلَّوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله، ﵌، يقول: "إنه سيفتح [¬٣] لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدّى الأمانة".
وقال الإِمام أحمد (٧٣): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدرٍ (*) ولا وبر إلا أدخله هذا الدينَ، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإِسلامَ، وذلًّا يذل الله به الكفر". فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان [منهم كافرًا] الذل والصغار والجزية.
وقال الإِمام أحمد (٧٤): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود، يقول: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللَّه [¬٤] كلمة الإِسلام، بعز عزيزٍ [أو ذلّ] [¬٥] ذليلٍ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، أو [¬٦] يذلهم
стр. 3139
فيدينون لها".
وفي المسند أيضًا (٧٥): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي حذيفة، عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله، ﷺ ، فقال: "يا عدي، أسلم تسلم". فقلت: إني من أهل دين. قال: "أنا أعلم بدينك منك". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: "نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟ ". قلت: بلى! قال: "فإن هذا لا يحل لك في دينك".
قال: فلم يعدُ أن قالها فتواضعتُ لها. قال "أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإِسلام، تقول: إنما اتبعه ضَعَفَةُ الناس ومَنْ لا قوّة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ ". قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: "فو الذي نفسي بيده ليتمَّنّ الله هذا الأمر، حتى تخرج الظَّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من [¬١] غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز".
قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد" قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من [¬٢] غير جوار أحد [¬٣]، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله، ﷺ ، قد قالها.
وقال مسلم (٧٦): حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، ﵂، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى". فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن - حين أنزل الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [¬٤]- أن
стр. 3140
ذلك تام.
قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، [فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان] [¬١]، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾
قال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وهو كما قال؛ فإن الأحبار هم علماء اليهود؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
والمقصود: التحذير من علماء السوء وعباد الضلالة [¬٢]، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح (٧٧): " لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذَّةِ (*) بالقذة". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " وفي رواية: فارس والروم؟ قال: "فمن [¬٣] الناس إلا هؤلاء؟ ".
والحاصل: التحذير من التشبه بهم في [أحوالهم وأقوالهم]؛ ولهذا قال تعالى:
стр. 3141
﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم [¬١] عندهم خَرْجٌ (*) وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، ﷺ استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم؟ طمعًا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوّة، وسلبهم إياها، وعوضهم [الذل والصغار] [¬٢]، وباءوا بغضبٍ من الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وهم - مع أكلهم الحرام - يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة [¬٣] على العلماء، وعلى العباد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال [ابن المبارك] [¬٤]:
وهل أفسد الدِّينَ إِلَّا الملُوكُ … وأحبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها
وأما الكنز: فقال مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر [أنه قال] [¬٥]: هو المال الذي لا تؤدى منه زكاة [¬٦].
وروى الثوري وغيره (٧٨)، عن عبيد [¬٧] الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرًا لا تؤدى زكاته فهو كنز.
وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا (٧٩)، وقال [¬٨] عمر ابن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما
стр. 3142
مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض.
وروى البخاري (٨٠): من حديث الزهري، عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله ابن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طُهْرَةً [¬١] للأموال.
وكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها [] [¬٢] قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾. الآية.
وقال سعيد عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز، ما أحدثكم إلا ما سمعت [من رسول الله، ﷺ ] [¬٣].
وقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي، ﵁، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما كان أكثر [من ذلك] [¬٤] فهو كنز.
وهذا غريب، وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة، وذم التكثر منهما [¬٥] أحاديث كثيرة، ولنورد منها هنا طرفًا يدل على الباقي: قال [¬٦] عبد الرزاق (٨١): أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي، ﵁، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال النبي، ﷺ : "تبًّا للذهب تبًّا للفضة" يقولها ثلاثًا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ ، وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك. فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم،
стр. 3143
و [¬١] قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال: "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني [سالم بن عبد الله] [¬٢]، أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل، حدثني صاحب لي، أن رسول الله، ﵌، قال: "تبًّا للذهب والفضة". قال: فحدثني [¬٣] صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، قولك: "تبًّا للذهب والفضة" ماذا ندخر؟ قال رسول الله، ﷺ : "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين على الآخرة".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٣): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما نزل في [الفضة والذهب] [¬٤] ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ [قال عمر: أنا أعلم ذلك لكم، فأوضع (*) على بعير فأدركه - وأنا في أثره - فقال: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟] [¬٥] قال: "ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على [¬٦] أمر الآخرة".
ورواه الترمذي وابن ماجة: من غير وجه، عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي: حسن. وحكى عن البخاري أن سالمًا لم يسمعه من ثوبان.
قلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلًا، والله أعلم.
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى ابن يعلى [¬٧]، المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن إياس [¬٨]، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. الآية، كَبُرَ ذلك على المسلمين، وقالوا: ما
стр. 3144
يستطيع أحد منا [أن يترك لولده] [¬١] مالًا يبقى بعده. فقال عمر: أنا أفرج عنكم. فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي، ﷺ ، فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله، ﵌: "إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم". قال: فكبر عمر، ثم قال له النبي، ﷺ : "ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؛ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته".
ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى، به، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (٨٤).
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٨٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان ابن عطية قال: كان شداد بن أوس، ﵁، في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة (*) نعبث [¬٢] بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمه منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها على واحفظوا ما أقول لكم، سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم؛ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكرَ نعمتِك، وأسألك حسنَ عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب".
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتًا
стр. 3145
وتقريعًا وتهكّمًا، كما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي: هذا بذاك، وهو الذي كنتم تكنزون لأنفسكم؛ ولهذا يقال: من أحب شيئًا، وقدمه على طاعة الله عذب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عذبوا بها، كما كان أبو لهب - لعنه الله - جاهدًا في عداوة [الرسول] [¬١]، ﷺ ، وامرأته تعينه في ذلك، كانت يوم القيامة عونًا على عذابه أيضًا، ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي: عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي: تجمع من الحطب في النار، وتلقي عليه؛ ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن [¬٢] هو أشفق عليه [كان] [¬٣] في الدنيا، كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأشياء [¬٤] على أربابها، كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم - وناهيك بحرها - فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.
قال سفيان (٨٦)، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: والله الذي لا إله غيره، لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارًا ولا درهم درهمًا، ولكن يوسع [¬٥] جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته.
وقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح رفعه، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعًا يتبع صاحبه، وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك، لا يدرك منه شيئًا إلا أخذه.
وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (٨٧): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "من ترك بعده كنزًا، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يتبعه و [¬٦] يقول: ويلك! ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك. ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها [¬٧]، ثم يتبعها سائر جسده".
стр. 3146
ورواه ابن حبان في صحيحه: من حديث يزيد، عن سعيد، به، وأصل هذا الحديث في الصحيحين (٨٨): من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁.
و [¬١] في صحيح مسلم (٨٩): من حدث سهيل بت أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا جعل له [¬٢] يوم القيامة صفائح من نار، يكوى [¬٣] بها جنبه وجهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس [¬٤]، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار".
وذكر تمام الحديث.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية (٩٠): حدثنا قتيبة [بن سعيد] [¬٥]، حدثنا جرير، عن حصين، عن زيد [¬٦] بن وهب، قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ فقال [¬٧]: كنا بالشام فقرأت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ فقال معاوية: ما هذا [¬٨] فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال: قلت: إنها لفينا وفيهم.
ورواه ابن جرير (٩١): من حديث عبثر بن القاسم، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ﵁ … فذكره وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني [¬٩]، فكتب إليَّ عثمان أن [¬١٠] أقبل إليه. قال: فأقبلتُ، فلمّا قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت [¬١١] ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبًا. قلت: والله لن أدع ما كنت أقول.
стр. 3147
(قلت): كان من مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذ [الذي يأخذه] [¬١] إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان.
وقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من ورمه. ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب. فقال: ويحك! إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به.
وهكذا روى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنها عامة.
وقال السدي: هي في أهل القبلة.
وقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، [فقام عليهم] [¬٢] فقال: بشر الكانزين [¬٣] برضف (*) يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفه، [ويوضع على نغض كتفه] [¬٤] حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل.
قال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.
فقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئًا.
وفي الصحيح (٩٢) أن رسول الله، ﷺ ، قال لأبي ذر: "ما يسرني أن عندي مثل أُحد ذهبًا، يمر عليه [¬٥] [ثلاثة] [¬٦] وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين".
فهذا - والله أعلم - هو الذي حدا [¬٧] بأبي ذر على القول بهذا.
стр. 3148
وقال الإِمام أحمد (٩٣): حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت ﵁ أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه، ومعه جارية، فجعلت تفضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسًا (*).
قال: قلت: لو ادخرته لحاجة تنوبك [¬١] وللضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إليَّ أن "أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ".
ورواه (٩٤) عن يزيد عن همام به، وزاد: إفراغًا.
وقال [¬٢] الحافظ ابن عساكر (٩٥) بسنده إلى أبي بكر الشبلي، في ترجمته، عن محمد ابن مهدي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فروة الرهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "اتق اللهَ فقيرًا ولا تلقه غنيًّا". قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال: "ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تختبئ". قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال رسول الله ﷺ : "هو ذاك وإلا فالنار". إسناده ضعيف.
وقال الإمام أحمد (٩٦): حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عُتَيبة، عن بُرَيْد ابن الصرمَ؛ قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين، فقال رسول الله، ﵌: "كيَّتان! صلوا على صاحبكم".
وقد روي هذا من طرق أخر (٩٧).
وقال قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صُدَي بن عجلان، قال: مات رجل
стр. 3149
من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله، ﷺ : "كية". ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال رسول الله، ﷺ : "كيتان" (٩٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الأطْرَابُلسِي، حدثني أرطاة، حدثنا أبو عامر الهوزني، سمعت ثوبان مولى رسول الله، ﷺ ، قال: "ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض، إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار، يكوى بها من قدمه إلى ذقنه".
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم، ولكن يوسع جلده، فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون". سيفٌ هذا كذابٌ متروك.
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾
قال الإمام أحمد (٩٩): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين، عن أبي بكرة؛ أن النبي، ﷺ ، خطب في حجته، فقال: "ألا إن الزمان قد استتدار كهيئته
стр. 3150
يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة [حرم ثلاثة متواليات] [¬١]: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان". ثم قال: "ألا أي يوم هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى. ثم قال: "أي شهر هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس ذا الحجة؟ " قلنا: بلى. ثم قال: "أي بلد هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. [قال:] [¬٢] فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أليس [¬٣] البلدة؟ " قلنا: بلى. قال: "فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا [¬٤] بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم [¬٥] الغائب؛ فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه [¬٦] ".
رواه البخاري في التفسير وغيره، ومسلم من حديث أيوب، عن محمد [وهو] [¬٧] ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، به.
وقد قال ابن جرير (١٠٠): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ﵁؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئتة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا
стр. 3151
عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متواليات: [ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، و] [¬١] رجب مضر الذي [¬٢] بين جمادى وشعبان".
ورواه البزار عن محمد بن معمر، به، ثم قال: [لا يروى] [¬٣] عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. وقد رواه ابن عون وقرة، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن [¬٤] أبي بكرة، عن أبيه، به.
وقال ابن جرير أيضًا (١٠١): حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٥]، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: خطب رسول الله، ﷺ ، في حجة الوداع بمنى، في أوسط أيام التشريق، فقال: "أيها الناس، إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ أولهن: رجب مضر بين جمادى وشعبان. وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم".
وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مثله أو نحوه.
وقال حماد بن سلمة (١٠٢): حدثني على بن زيد، عن أبي حرة: حدثني [¬٦] الرقاشي، عن عمه - وكانت له صحبة - قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله، ﷺ ، في أوسط أيام التشويق، أذود الناس عنه، فقال رسول الله ﷺ : "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض [¬٧]، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم".
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿منها أربعة حرم﴾ قال: محرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقوله ﷺ ، في الحديث: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
стр. 3152
والأرض". تقريرٌ منه، صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله تعالى في أول الأمر، من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل، كما قال في تحريم مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة". وهكذا قال هاهنا: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".
أي الأمر اليوم شرعًا كما ابتدأ الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.
وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: "قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أنه اتفق أن حج رسول الله، ﷺ ، في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين - بل أكثرها - في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء.
وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث: أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد، وهو يوم النحر عام حجة الوداع، والله أعلم.
(فصل) ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: (المشهور في أسماء الأيام والشهور) أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا - وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب [¬١] به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا - قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم.
وصفر سمي بذلك؛ لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا، ويجمع على أصفار كجمل وأجمال.
و [¬٢] شهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في [¬٣] عمارة الربع، ويجمع على أربعاء، كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة، كرغيف وأرغفة. وربيع الآخر كالأول.
وجمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه. قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر، إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، [ولا بد] [¬٤] من دورانها، فلعلهم سموه بذلك [أول ما] [¬٥] سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:
стр. 3153
وَلَيلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أنْدِيَة … لَا يُبصِر العَبدُ في طَلْمَائِهَا الطَّنَبَا
لَا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ … حَتى يَلِفَّ عَلَىَ خُرطُومِهِ الذَّنبَا
وتجمع [¬١] على جماديات كحبارى وحباريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى والأول [¬٢]، وجمادى الآخر [¬٣] و [¬٤] الآخرة.
رجب من الترجيب وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات.
و [¬٥] شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة، ويجمع على شعابين وشعبانات.
و [¬٦] رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر، يقال: رمضت الفصال إذا عطشت. ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة. قال: وقول من قال: إنه اسم من أسماء الله خطأ، لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه.
قلت: قد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام.
شوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات.
القَعدة بفتح القاف - قلت: وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.
الحجة بكسر الحاء - قلت: وفتحها - سمي بذلك لإِيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.
أسماء الأيام: أولها الأحد: ويجمع على آحاد وأُحاد ووحود. ثم يوم الإثنين، ويجمع على أثانين. الثلاثاء يمد [¬٧] ويذكر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث. ثم الأربعاء: بالمد، ويجمع على أربعاوات وأرابيع. والخميس: يجمع على أخمسة وأخامس. ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضًا، ويجمع على جُمَع وجُمْعَات [¬٨].
السبت: مأخوذ من السبت وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام: أول، ثم أهون، ثم جبار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين:
стр. 3154
أُرَجى أَنْ أَعِيشَ وإِن يَومِي … بِأَوَّل أَوْ بأَهْون أَوْ جبَار
أوِ التالِي دبَار فإنْ أَفُتْهُ [¬١] … فَمُؤنس أَوْ عروبة أوْ شيار
وقوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ فهذا مما كانت العرب أيضًا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم، يقال لهم: البسل، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقًا وتشديدًا.
وأما قوله: "ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان" [فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان] [¬٢]، لا كما كانت تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبين، ﷺ ، أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر [¬٣] وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي [¬٤] الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا [¬٥] فيه إلى نائي [¬٦] أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا.
وقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول.
وقال [¬٧] تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها [¬٨] أكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في
стр. 3155
قوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ قال: في الشهور كلها.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. الآية. ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، نجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم. والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم [فيما سواها] [¬١]، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله. فإنما يُعَظِّمُ [¬٢] الأمورَ [¬٣] ما [¬٤] عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.
وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن، عن [¬٥] محمد بن الحنفية: بأن لا تحرموهن كحرمتهن.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا [¬٦] حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يضل به الذين كفروا﴾. الآية.
وهذا القول اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: جميعكم ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: جميعهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم؟ على قولين:
أحدهما - وهو الأشهر - أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال هاهنا: ﴿فلا تظلموا فيهن