عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متواليات: [ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، و] [¬١] رجب مضر الذي [¬٢] بين جمادى وشعبان".
ورواه البزار عن محمد بن معمر، به، ثم قال: [لا يروى] [¬٣] عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. وقد رواه ابن عون وقرة، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن [¬٤] أبي بكرة، عن أبيه، به.
وقال ابن جرير أيضًا (١٠١): حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٥]، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: خطب رسول الله، ﷺ ، في حجة الوداع بمنى، في أوسط أيام التشريق، فقال: "أيها الناس، إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ أولهن: رجب مضر بين جمادى وشعبان. وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم".
وروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مثله أو نحوه.
وقال حماد بن سلمة (١٠٢): حدثني على بن زيد، عن أبي حرة: حدثني [¬٦] الرقاشي، عن عمه - وكانت له صحبة - قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله، ﷺ ، في أوسط أيام التشويق، أذود الناس عنه، فقال رسول الله ﷺ : "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض [¬٧]، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم".
وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿منها أربعة حرم﴾ قال: محرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقوله ﷺ ، في الحديث: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
стр. 3152
والأرض". تقريرٌ منه، صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله تعالى في أول الأمر، من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل، كما قال في تحريم مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة". وهكذا قال هاهنا: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".
أي الأمر اليوم شرعًا كما ابتدأ الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.
وقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: "قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" أنه اتفق أن حج رسول الله، ﷺ ، في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين - بل أكثرها - في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء.
وأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث: أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد، وهو يوم النحر عام حجة الوداع، والله أعلم.
(فصل) ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: (المشهور في أسماء الأيام والشهور) أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا - وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب [¬١] به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا - قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم.
وصفر سمي بذلك؛ لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا، ويجمع على أصفار كجمل وأجمال.
و [¬٢] شهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في [¬٣] عمارة الربع، ويجمع على أربعاء، كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة، كرغيف وأرغفة. وربيع الآخر كالأول.
وجمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه. قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر، إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، [ولا بد] [¬٤] من دورانها، فلعلهم سموه بذلك [أول ما] [¬٥] سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:
стр. 3153
وَلَيلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أنْدِيَة … لَا يُبصِر العَبدُ في طَلْمَائِهَا الطَّنَبَا
لَا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ … حَتى يَلِفَّ عَلَىَ خُرطُومِهِ الذَّنبَا
وتجمع [¬١] على جماديات كحبارى وحباريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى والأول [¬٢]، وجمادى الآخر [¬٣] و [¬٤] الآخرة.
رجب من الترجيب وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات.
و [¬٥] شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة، ويجمع على شعابين وشعبانات.
و [¬٦] رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر، يقال: رمضت الفصال إذا عطشت. ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة. قال: وقول من قال: إنه اسم من أسماء الله خطأ، لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه.
قلت: قد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام.
شوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات.
القَعدة بفتح القاف - قلت: وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.
الحجة بكسر الحاء - قلت: وفتحها - سمي بذلك لإِيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.
أسماء الأيام: أولها الأحد: ويجمع على آحاد وأُحاد ووحود. ثم يوم الإثنين، ويجمع على أثانين. الثلاثاء يمد [¬٧] ويذكر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث. ثم الأربعاء: بالمد، ويجمع على أربعاوات وأرابيع. والخميس: يجمع على أخمسة وأخامس. ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضًا، ويجمع على جُمَع وجُمْعَات [¬٨].
السبت: مأخوذ من السبت وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام: أول، ثم أهون، ثم جبار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين:
стр. 3154
أُرَجى أَنْ أَعِيشَ وإِن يَومِي … بِأَوَّل أَوْ بأَهْون أَوْ جبَار
أوِ التالِي دبَار فإنْ أَفُتْهُ [¬١] … فَمُؤنس أَوْ عروبة أوْ شيار
وقوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ فهذا مما كانت العرب أيضًا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم، يقال لهم: البسل، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقًا وتشديدًا.
وأما قوله: "ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان" [فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان] [¬٢]، لا كما كانت تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبين، ﷺ ، أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر [¬٣] وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي [¬٤] الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا [¬٥] فيه إلى نائي [¬٦] أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا.
وقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول.
وقال [¬٧] تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها [¬٨] أكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في
стр. 3155
قوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ قال: في الشهور كلها.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. الآية. ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، نجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم. والعمل الصالح والأجر أعظم.
وقال قتادة في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم [فيما سواها] [¬١]، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله. فإنما يُعَظِّمُ [¬٢] الأمورَ [¬٣] ما [¬٤] عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.
وقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن، عن [¬٥] محمد بن الحنفية: بأن لا تحرموهن كحرمتهن.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا [¬٦] حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يضل به الذين كفروا﴾. الآية.
وهذا القول اختيار ابن جرير.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: جميعكم ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: جميعهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم؟ على قولين:
أحدهما - وهو الأشهر - أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال هاهنا: ﴿فلا تظلموا فيهن
стр. 3156
أَنْفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعرٌ بأنه أمر بذلك أمرًا عامًّا، فلو [¬١] كان محرمًا في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها؛ ولأن رسول اللَّه، ﷺ ، حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة، كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن، في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فَلُّهم فلجئُوا [¬٢] إلى الطائف - عمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يومًا وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه حاصَرَ في الشهر الحرام.
والقول الآخر أن ابتداء القتال فى الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام، لقوله [¬٣] تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.
وقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة، لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله، وأنه حكم مستأنف، ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضًا لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم [¬٤] بنظير ما يفعلون. ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين فى الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية. وهكذا الجواب عن حصار رسول اللَّه، ﷺ ، أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله ﷺ ، كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبًا من أربعين يومًا، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أيامًا، ثم قفل عنهم؛ لأنه يغتفر فى الدوام ما لا يغتفر فى الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة، والله أعلم. ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك. وقد حررنا ذلك في السيرة، والله أعلم [¬٥].
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا
стр. 3157
وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾
هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله.
فإنهم كان فيهم من القوّة الغضبية والشهامة والحميّة ما استطالوا به مدّة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإِسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره [¬١] إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة [] [¬٢] الأشهر الأربعة، كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بحذل [¬٣] الطعان:
لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ [¬٤] قَوْمِي … كِرَامُ الناس إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا
ألسْنَا النَّاسِئين عَلى مَعَدّ … شُهُورَ الحِل نجْعَلُهَا حَرَامَا
فَأَيَّ النَّاسِ لَمْ نُدْرِكْ بِوتْرٍ؟ … وَأيَّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكْ [¬٥] لِجامًا (١٠٣)؟
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في [¬٦] قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: النسيء: أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي [¬٧] الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، [] [¬٨] فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب، ألا وإن صَفَرَ العام الأولِ العامَ حلالٌ، فيحله للناس، فيحرم صفرًا عامًا ويحرم المحرم عامًا، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ [إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [¬٩] يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرمونه.
وروى العوفي عن ابن عباس نحوه.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول: يأيها الناس، إني لا أعاب ولا أحاب [¬١٠]، ولا مردَّ لما
стр. 3158
أقول، إنا قد حرّمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفرًا [¬١] وأخرنا المحرم فهو قوله [¬٢]: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قال: يعني الأربعة، فيحلوا [¬٣] ما حرم الله بتأخير هذا الشهر الحرام.
وروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ الآية. قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: القَلَمَّس، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغِيرُ بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يَلْقَي الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده، فلما كان هو قال: اخرجوا بنا، قالوا له: هذا المحرم. قال [¬٤]: ننسئه العام هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا [¬٥] جعلناهما محرمين، قال: ففعل ذلك، فلما كان عام قابل قال: لا تغزوا فى صفر حرّموه مع المحرم هما محرمان.
فهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر؛ لأنهم [¬٦] في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾؟.
وقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضًا، فقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن [ابن] [¬٧] أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ الآية. قال: فرض الله، ، الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يسمون الأشهر [¬٨]: ذا الحجة، و [¬٩] المحرم، وصفر، وربيع الأول [¬١٠] وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّالًا [¬١١] وذا [¬١٢] القعدة وذا [¬١٣] الحجة يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون [¬١٤] عن المحرّم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفرًا [¬١٥] صفرًا [¬١٦]، ثم يسمون رجبًا جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوّالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوّالًا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم
стр. 3159
يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه واسمه عندهم ذو [¬١] الحجة، ثم عادوا بمثل هذه الصفة [¬٢] فكانوا يحجون فى كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي [¬٣] القعدة، ثم حج النبي: ﷺ ، حجته التي حج فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي، ﷺ ، في خطته: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض".
وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت فى ذي القعدة وأنى هذا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. الآية. وإنما نودي بذلك [¬٤] في حجة أبي بكر، فلو لم تكن فى ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم، وحجهم في كل شهر عامين، فإن النسيء حاصل بدون هذا، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عامًا يحرمون عوضه صفرًا، وبعده ربيع وربيع إلى [آخر السنة بحالها على نظامها وعدّتها وأسماء شهورها، ثم في السنة الثانية يحرمون المحرّم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر وربيع وربيع إلى] [¬٥] آخرها، فيحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا؛ ليواطئوا عدّة ما حرم اللَّه، فيحلوا ما حرم اللَّه أي [¬٦]: فى تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدّمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر أي: يؤخرونه، وقد قدمنا الكلام على قوله، ﷺ : "إن الزمان قد استدار [كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر] ". [] [¬٧]؛ أي: إن الأمر في عدة الشهور، وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٤): حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: "وإنما النسئ من الشيطان زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا
стр. 3160
يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا". فكانوا يحرمون المحرم عامًا ويستحلون صفر، ويستحلون المحرم وهو النسيء.
وقد تكلم الإِمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلامًا جيدًا مفيدًا حسنًا فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله القلمس، وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإِسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا فحرم رجبًا وذا القعدة وذا الحجة، ويحل المحرم عامًا ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عامًا ليواطئ عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله، [والله أعلم] [¬١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارَّة (*) [¬٢] القيظ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض (**) [¬٣] وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [أي: ما لكم فعلتم هكذا؟ أرِضّى منكم بالدنيا بدلًا من الآخرة] [¬٤]؟.
стр. 3161
ثم زهد ﵎ في الدنيا، ورغب فى الآخرة فقال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ كما قال الإِمام أحمد (١٠٥): حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجح؟ " وأشار بالسبابة. انفرد بإخراجه مسلم.
وقال ابن أبي حاتم (١٠٦): حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد - يعنى الجصاصَ - عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من [¬١] إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله، ﷺ ، يقول: "إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة". قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله ﷺ ، يقول [¬٢]: "إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
[فالدنيا: ما مضى منها، وما بقي منها - عند الله قليل.
وقال الثوري، عن الأعمش في الآية ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [¬٣]﴾ قال: كزاد الراكب.
وقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: [قال:] [¬٤] لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاةُ، قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول: أف [¬٥] لك من دار، إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور.
ثم توعد تعالى على ترك الجهاد فقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: استنفر رسول الله، ﷺ ، حيًّا من العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك اللَّه عنهم القطر فكان عذابهم.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: ﴿وإن
стр. 3162
تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد، ونُكُولِكُم وتثاقلكم عنه ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.
وقد قيل: إن هذه الآية وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾: إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم، ورده ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله، ﷺ ، إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه، وهذا له اتجاه، والله أعلم بالصواب [¬١].
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
يقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما هَمَّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا صحبة صَدِيقِهِ وَصِدِّيقِهِ [¬٢] وصاحبه أبي بكر بن أبى قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيرا [¬٣] نحو المدينة، فجعل أبو بكر، ﵁، يجزع أن يطلع عليهم أحد، فيخلص إلى الرسول، ﵊، منهم أذى، فجعل النبي، ﷺ ، يسكنه ويثبته ويقول: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ". كما قال الإِمام أحمد (١٠٧):
стр. 3163
حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس: أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي، ﷺ ، ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر الي قدميه لأبصرنا تحت قدميه. قال: فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ". أخرجاه في الصحيحين.
ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه، أي: على الرسول، ﷺ ، في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا؛ لأن الرسول، ﷺ ، لم تزل معه سكينة. وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال؛ ولهذا قال: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أي: الملائكة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾.
قال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله هي لا إله إلا الله.
وفي الصحيحين (١٠٨) عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ ، عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: فى انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾
قال سفيان الثوري عن أبيه، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح: هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أول ما نزل من سورة براءة.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا أو [¬١] كبيرًا، فيقول: إني لا آثم.
فأنزل الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. الآية.
أمر الله تعالى بالنفير العام مع [الرسول﴾ ﷺ ، عام غزوة تبوك، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال، في المنشط
стр. 3164
والمكره، والعسر واليسر، فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
قال [¬١] على بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: كهولًا وشبانًا [¬٢]، ما أسمع [¬٣] الله عذر أحدًا، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل.
وفي رواية: قرأ أبو طلحة سورة براءة فأبى على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال: أرى ربنا يستنفرنا [¬٤] شيوخًا وشبانًا [¬٥]، جهزوني يا بني. فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ ، حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه بها [¬٦] إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه بها.
وهكذا روي عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، والحسن البصري، وشمر [¬٧] بن عطية ومقاتل بن حيان، والشعبى وزيد بن أسلم: أنهم قالوا في تفسير هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا [¬٨]: كهولًا وشبانًا، وكذا قال عكرمة، وألضحاك، ومقاتل بن حيان وغير واحد.
وقال مجاهد: شبانًا [¬٩] وشيوخًا وأغنياء ومساكين، وكذا قال أبو صالح وغيره.
وقال الحكم بن عتيبة [¬١٠]: مشاغيل وغير مشاغيل.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: انفروا نشاطًا وغير نشاط. وكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة [¬١١] والشغل والتيسر به أمره، فأنزل الله - وأبى أن يعذرهم [¬١٢] دون أن ينفروا - ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي] [¬١٣]: على ما كان منهم.
стр. 3165
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضًا: فى العسر واليسر. وهذا كله من مقتضيات العموم [في الآية] [¬١]، وهذا اختيار ابن جرير.
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافًا وركبانا، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافًا وثقالًا و [¬٢] ركبانًا ومشاة. وهذا تفصيل في المسألة.
وقد روي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعطاء الخراسانى وغيرهم: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله.
وقال السدي: قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: غنيًّا وفقيرًا، وقويًّا وضعيفًا، فجاءه رجل يومئذ - زعموا [¬٣] أنه المقداد - وكان عظيمًا سمينًا، فشكى إليه وسأله أن يأذن له، فأبى فنزلت يومئذ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها، فنسخها الله فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقال ابن جرير (١٠٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ ، بدرًا، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا [وهوٍ في آخرين إلا] عامًا واحدًا، قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا.
وقال ابن جرير (١١٠): حدثني سعيد بن عمرو السكوني [¬٤]، حدثنا بقية، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني [¬٥] قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله، ﵌، جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص - وقد فضل عنها من عِظَمِهِ - يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك. فقال: أتت علينا سورة البحوث (*) [¬٦] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
стр. 3166
[وبه] [¬١] قال ابن [¬٢] جرير (١١١): حدثني حبان [¬٣] بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حمص، قبل الأفسوس (*) [¬٤]، إلى الجراجمة (**)، فلقيت [¬٥] شيخًا كبيرًا هِمًّا (* * *) قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه [¬٦] فقال: يا ابن أخي، استنفرَنا الله خفافًا وثقالًا، [] [¬٧] إنه من يحبه الله يَبْتَلِهِ، ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله .
ثم رغب تعالى في النفقة في سبيله، وبذل المُهَج في مرضاته ومرضاة رسوله، فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنكم تغرمون في النفقة قليلًا، فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا، مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة، كما قال النبي، ﷺ : "تكفل [¬٨] الله للمجاهد في سبيله؛ إن [¬٩] توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة" (١١٢).
ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.
ومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد (١١٣): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله، ﵌، قال لرجل: "أسلمْ". قال: أجدني كارهًا. قال: "أسلم وإن [¬١٠] كنت كارهًا".
стр. 3167
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾
يقول تعالى موبخًا للذين تخلفوا عن النبي، ﷺ ، في غزوة تبوك، وقعدوا عن النبي، ﷺ ، بعد ما استأذنوه في ذلك، مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قال ابن عباس: غنيمة قريبة ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريبًا أيضًا ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ أي: لكانوا جاءوا معك لذلك [¬١]- ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة إلى الشام ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: لو لم تكن [¬٢] لنا أعذار لخرجنا معكم [¬٣]. قال الله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾
قال ابن أبي حاتم (١١٤): حدّثنا أبي، حدثنا أبو حصين [] [¬٤] بن سليمان الرازي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.
стр. 3168
وكذا قال مورق العجلي وغيره.
وقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال [¬١]: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. الآية [¬٢]. وكذا روي عن عطاء الخراساني.
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله، ﷺ ، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.
ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في إبداء الأعذار ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول تعالى: هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه.
ولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو] [¬٣] أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود عن الغزو ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [¬٤] وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ [لأن أولئك] [¬٥] يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود ممن لا عذر له ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكت في صحة ما جئتهم به ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يتحيرون، يقدمون رِجْلًا ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حياري هلكي، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا.
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾
стр. 3169
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي: معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أي: لكانوا تأهبوا له ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: أبغض أن يخرجوا معك [¬١]- قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: أخرهم ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: قدرًا.
ثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي [¬٢]؛ لأنهم جبناء مخذولون [¬٣] ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: مطيعون لهم، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم [¬٤] وإن كانوا لا يعلمون حالهم؛ فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.
وقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار و [¬٥]، ينقلونها إليهم، وهذا لا يبقي له اختصاص بخروجهم [¬٦] معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أصهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.
وقال محمد بن إسحاق (١١٥): كان [الذين استأذنوا] فيما بلغني من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله؛ لعلمه بهم، أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه؛ لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.
ثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا؛ ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا
стр. 3170
أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾
يقول تعالى محرضًا لنبيه، ﵇، على المنافقين ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: لقد أعملوا فكرهم، وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك، وخذلان دينك وإخماله [¬١] مدة طويلة؛ وذلك أول مقدم النبي، ﷺ ، المدينة رمته العرب عن قوس واحدة [¬٢]، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام طاهرًا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله أغاظهم [¬٣] ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾
يقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك يا محمد: ﴿ائذن لي﴾ في القعود ﴿وَلَا تفتني﴾ بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا، كما قال محمد بن إسحاق، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم [بن عمر] [¬٤] بن قتادة، وغيرهم (١١٦) قالوا: قال رسول الله، ﵌، ذات يوم، وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة: "هل لك لك جدّ العام في جلاد بني الأصفر؟ " فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله، ﷺ ، وقال: "قد أذنت لك".
ففي الجد بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية. أي:
стр. 3171
إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، [فما سقط] [¬١] فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ ، والرغبة بنفسه عن نفسه - أعظم.
وهكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد أنها نزلت في الجد بن قيس، وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. وفي الصحيح: أن رسول الله، ﷺ ، قال لهم: "من سيدكم [يا بني سلمة] [¬٢]؟ " قالوا: الجد بن قيس على أنَّا نبخله. فقال رسول الله، ﷺ : "وأي داء أدوأ من البخل؟ ولكن سيدكم الفتى [الأبيض الجعد] [¬٣]: بشر بن البراء بن معرور".
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: لا محيد لهم عنها، ولا محيص ولا مهرب.
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾
يعلم ﵎ نبيه، ﷺ ، بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة أي: فتح، ونصر، وظفر على الأعداء، مما يَسُرُّه ويَسُرُّ أصحابه ساءهم ذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ [¬٤] مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد احترزنا من متابعته [¬٥] من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فأرشد الله تعالى رسوله، ﷺ ، إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: نحن تحت مشيئة الله وقدره ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: سيدنا وملجؤنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا
стр. 3172
فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾
يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ أي: تنتظرون بنا ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ شهادة أو ظفر بكم؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ [أي: ننتظر بكم] [¬١] ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [] [¬٢] أي: ننتظر بكم هذا [أو هذا] [¬٣]، إما أن يصيبكم الله بقارعة [¬٤] من عنده، أو بأيدينا بسبي أو بقتل ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: مهما أنفقتم من نفقة طائعين، أو مكرهين ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.
ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم ﴿لأِنَهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [¬٥]﴾ [أي: والأعمال إنما تصح بالإِيمان] [¬٦] ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ أي: ليس لهم قصد صحيح، ولا همة في العمل ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ نفقة ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.
وقد أخبر الصادق المصدوق، ﷺ ، أن "الله لا يملُّ حتى تملوا، [وإنه] [¬٧] طيب لا يقبل إلا طيبًا". فلهذا لا يتقبل [¬٨] الله من هوُلاء نفقة ولا عملًا؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين.
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾
يقول تعالى لرسوله، ﷺ : ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ
стр. 3173
خَيْرٌ وَأَبْقَي﴾. وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ [أَنَّ مَا] [¬١] نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الحسن البصري: بزكاتها [¬٢] والنفقة منها في سبيل الله.
وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا] [¬٣]، إنما يريد الله ليعذبهم بها [في الآخرة] [¬٤].
واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن.
وقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر؛ ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم، عياذًا بالله! من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾
يخبر الله [¬٥] تعالى نبيه، ﷺ ، عن جزعهم وفزعهم وفَرَقِهم وهَلَعهم أنهم ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ يمينًا مؤكدة ﴿وما هم منكم﴾ أي: في نفيس الأمر ﴿ولكنهم قوم يفرقون﴾ أي: فهو الذي حملهم على الحلف. ﴿لو يجدون ملجأ﴾ أي: حصنًا يتحصنون به، وحرزًا يحترزون [¬٦] به ﴿أو مغارات﴾ وهي التي في الجبال ﴿أو مدخلًا﴾ وهو السرب في الأرض والنفق، قال ذلك في الثلاثة: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون في ذهابهم [عنكم؛ لأنهم إنما] [¬٧] يخالطونكم [¬٨] [كرهًا لا محبة، وودوا أنهم] [¬٩] لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام؛ ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإِسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة؛ فلهذا كلما سُرَّ المؤمنون [¬١٠] ساءهم ذلك، فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين، ولهذا قال: ﴿لو
стр. 3174
يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾
يقول تعالى: ﴿ومنهم﴾ أي: ومن المنافقين ﴿من يلمزك﴾ أي: يعيب [¬١] عليك ﴿في﴾ قسم ﴿الصدقات﴾ إذا فرقتها، ويتهمك في ذلك، وهم المتهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ أنفسهم؛ ولهذا إن أعطوا من الزكاة رضوا ﴿وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ أي: يغضبون لأنفسهم.
قال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال: أتي النبي، ﷺ ، بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، قال: ووراءه [¬٢] رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل: فنزلت هذه الآية.
وقال قتادة في قوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلًا من أهل [¬٣] البادية حديث عهد بأعرابية، أتي النبي، ﷺ ، وهو يقسم ذهبًا وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله، ﷺ : "ويلك! فمن ذا الذي [¬٤] يعدل عليك بعدي؟ " ثم قال نبي الله: "احذروا هذا وأشباهه، فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم". وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ ، كان يقول: "والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئًا ولا أمنعكموه [¬٥]، إنما أنا خازن".
وهذا الذي ذكره قتادة [شبيه بما] [¬٦] رواه الشيخان (١١٧) من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة - واسمه حُرْقُوص - لما اعترض على النبي، ﷺ ، حين قسم غنائم حنين، فقال له: اعدل فإنك لم تعدل. فقال: "لقد خبتُ
стр. 3175
وخسرتُ إن لم أكن أعدل". ثم قال رسول الله، ﷺ ، وقد رآه مُقَفيًا (*): "إنه يخرج من ضِئْضِئ (**) هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنه شر قتلى تحت أديم السماء". وذكر بقية الحديث.
ثم قال تعالى منبهًا لهم على ما هو خير [من ذلك لهم] [¬١]، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فتضمنت هذه الآية [¬٢] الكريمة أدبًا [¬٣] عطيمًا وسرًّا شريفًا، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده وهو قوله: ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ وكذلك الرغبة إلى الله وحده - في التوفيق لطاعة الرسول، ﷺ ، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾
لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي، ﷺ ، ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بَيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكِلْ قسمها إلى أحد غيره، فجزَّأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه الإِمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وفيه ضعف - عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، ﵁، قال: أتيت النبي، ﷺ ، فبايعته، فأتي رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له: "إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" (١١٨).
فقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية: هل يجب استيعاب الدفع إليها، أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة.
стр. 3176
والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، ويُعْطَى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر، وحذيفة، وابن عباس وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران.
قال ابن جرير: وهو قول عامة أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإِعطاء.
ولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا، والله أعلم.
وإنما قدم الفقراء هاهنا [] [¬١]؛ لأنهم أحوج من البقية [¬٢] على المشهور، [و] [¬٣] لشدة فاقتهم وحاجتهم. وعند أبي حنيفة أن المسكين اسوأ حالًا من الفقير، وهو كما قال.
قال ابن جرير (١١٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد قال: قال عمر ﵁: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق (*) الكسب. قال ابن علية: الأخلق: المُحارَف (**) [¬٤] عندنا.
والجمهور على خلافه.
وروي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وابن زيد (* * *) - و [اختاره] [¬٥] ابن جرير - وغير واحد: أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئًا، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف يتبع الناس.
وقال قتادة: الفقير من به زَمَانة، والمسكين الصحيح الجسم.
стр. 3177
وقال الثوري، عن منصور عن إبراهيم: هم فقراء المهاجرين، قال سفيان الثوري: يعني: ولا يعطى الأعراب منها شيئًا.
وكذا روي عن سعيد بن جبير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.
وقال عكرمة: و [¬١] لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين مساكين [¬٢] أهل الكتاب.
ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية.
فأما الفقراء فعن ابن عمرو [¬٣] قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سوي (*) " رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (١٢٠).
ولأحمد أيضًا والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة مثله (١٢١).
وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي، ﷺ ، يسألانه من الصدقة، فقلَّب (**) فيهما البصر، فرآهما جلدين (* * *) فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها [¬٤] لغنيٍّ ولا لقوي مكتسب".
رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسنادٍ جيد قوي (١٢٢).
وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح [والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قال: هم أهل الكتاب] [¬٥]. روى عنه عمر بن
стр. 3178
نافع سمعت أبي يقول ذلك.
قلت: وهذا قول غريب جدًّا بتقدير صحة الإسناد، فإن أبا بكر هذا، وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول.
وأما المساكين فعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ليس المسكين بهذا الطَّوَّاف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان". قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا". رواه الشيخان: البخاري ومسلم (١٢٣).
وأما العاملون عليها: فهم الجُبَاة والسعاة يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله، ﷺ ، الذين تحرم عليهم الصدقة، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله، ﷺ ، ليستعملهما على الصدقة، فقال: "إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" (١٢٤).
وأما المؤلفة قلوبهم فأقسام:
منهم: من يعطى لِيُسْلِم، كما أعطى النبي، ﵌، صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إليَّ بعد أن كان أبغض الناس إلي، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله، ﷺ ، يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يعطيني حتى [صار، و] [¬١] إنه لأحب الناس إلي.
ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري، به (١٢٥).
ومنهم: من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعة من
стр. 3179
صناديد الطلقاء، وأشرافهم مائة من الإبل، مائة من الإبل، وقال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه، مخافة [¬١] أن يكُبَّه الله على وجهه في نار جهنم" (١٢٦).
وفي الصحيحين (١٢٧) عن أبي سعيد: أن عليًّا بعث إلى النبي، ﵌، بِذُهَيْبَةٍ فى تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: "أتألفهم".
ومنهم: من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه.
ومنهم: من يعطى ليجبي [¬٢] الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا فى كتب الفروع، والله أعلم.
وهل تعطى المؤلفة على الإِسلام بعد النبي، ﷺ ؟ فيه خلاف، فروي عن عمر [وعامر الشعبي] [¬٣] وجماعة أنهم لا يعطون بعده؛ لأن الله قد أعز الإِسلام وأهله، ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد.
وقال آخرون: بل يعطون؛ لأنه، ﵊، قد أعطاهم بعد فتح مكة وكَسْر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم.
وأما الرقاب، فروي عن الحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد: أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث، ﵄.
وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة.: هو مذهب [الإمام أحمد ابن حنبل]، ومالك، وإسحاق، أي: أن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا، وقد ورد في ثواب الإِعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوًا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وعن أبي هريرة، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال "ثلاثة حق على الله عونهم:
стр. 3180
الغازي [¬١] في سبيل الله، والمكاتب الذي [¬٢] يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف".
رواه الإِمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود (١٢٨).
وفي المسند عن البراء بن عازب، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. فقال: "أعتق النسمة وفك الرقبة". فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا؟ قال: " لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" (١٢٩).
وأما الغارمون فهم أقسام:
فمنهم من تحمل [¬٣] حمالة (*) أو [¬٤] ضمن دينًا فلزمه، فأجحف بماله، أو غرم في أداء دينه، أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يدفع إليهم. والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله، ﷺ ، أسأله فيها فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها". قال: ثم قال: "يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من [] [¬٥] قومه، قولون: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال [¬٦] سدادًا من عيش - ففي سواهن من المسألة سُحْتٌ، يأكلها صاحبها سحتًا". رواه مسلم (١٣٠).
стр. 3181
وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله، ﵌، في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، [فقال النبي، ﷺ : "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه] [¬١]، فقال النبي، ﷺ لغرمائه: " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك". رواه مسلم (١٣١).
وقال الإِمام أحمد (١٣٢): حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن زيد، عن قاضي المصرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "يدعو الله بصاحب الدَّيْن يوم القيامة، حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم، فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس [¬٢]؟ فيقول: يا رب، [إنك تعلم] [¬٣] أني أخذته، فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي، أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته".
وأما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله، للحديث.
وكذلك ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهو المسافر المجتاز في بلد، ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده، وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفرٍ من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية، وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ (١٣٣)، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى لغني".
وقد رواه السفيانان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا، ولأبى داود عن عطية
стр. 3182
العوفي، عن أبي سعيد الخدري (١٣٤)، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي [¬١] لك أو يدعوك".
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: حكمًا [مقدرًا بتقدير] [¬٢] الله وفرضه وقسمته [¬٣] ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما [يفعله ويقوله] [¬٤] ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾
يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله، ﷺ ، بالكلام فيه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: من قال له شيئًا [¬٥] صدقه، و [¬٦] من حدثه فينا صدقه، فإذا جئناه [¬٧] وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويصدق المؤمنين ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي: فهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية - قال: ذكر لنا أن رجلًا من المنافقين قال: والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقًّا [¬٨]
стр. 3183
لهم شرٌّ من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله، إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار. قال: فسعى بها الرجل إلى نبي الله [¬١]، ﷺ ، فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال: "ما حملك على الذي قلت؟ " فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صَدِّقِ الصادق وكَذِّب الكاذب، فأنزل الله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾. أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد الله ، أي: شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد والله ورسوله في حد ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي: مهانًا معذبًا و [¬٢] ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي: وهذا هو الذل العظيم، والشقاء الكبير.
﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾
قال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا.
وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، وقال في هذه الآية: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له أمركم، كقوله تعالى: [﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ إلى قوله] [¬٣]: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ولهذا قال قتادة: كانت [¬٤] تسمى هذه السورة الفاضحة؛ فاضحة المنافقين.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾
قال أبو معشر المديني، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من
стр. 3184
المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله، ﷺ ، فجاء إلى رسول الله، ﵌، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتنسفان (*) [¬١] الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله، ﷺ ، وهو متعلق بنِسْعَة (**) [¬٢] رسول الله، ﵌.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر؛ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما [¬٣] رأيت مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنَّ رسول الله، ﷺ . فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ ، ونزل القرآن. قال [¬٤] عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقًا بحَقَب (* * *) ناقة رسول الله، ﷺ ، تنكبه [¬٥] الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله، ﵌، يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [¬٦].
وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا (١٣٥).
وقال ابن إسحاق (١٣٦): وقد كان جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بنى أمية بن زيد [بن] [¬٧] عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مُخَشِّن [¬٨] بن حُمَيِّر، يُشيرُون [¬٩] إلى رسول الله، ﷺ ، وهو منطق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا، والله، لكأنا بكم
стр. 3185
غدًا مقرنين في الحبال [¬١]؛ إرجافا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مُخَشِّن [¬٢] بن حُمَيِّر: والله، لوددت أني أقاضَى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا ننفلت [¬٣] أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم [¬٤] هذه. وقال رسول الله، ﷺ ، فيما بلغني لعمار بن ياسر: "أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم [¬٥] عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا". فانطق إليهم عمار، فقال ذلك لهم [¬٦]، فأتوا رسول الله، ﷺ ، يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله، ﷺ ، واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. [فنزلت الآية] [¬٧] [فقال مُخَشِّن] [¬٨] بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفي [¬٩] عنه في هذه الآية مخشن [¬١٠] بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله [¬١١] شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم [¬١٢] يوجد له أثر.
وقال قتادة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي، ﵌، فى غزوة تبوك، ورَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها هيهات! هيهات! فأطلع الله نبيه، ﵌، على ما قالوا، فقال:! عليَّ بهؤلاء النفر". فدعاهم فقال: "قلتم كذا وكذا" فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب.
وقال عكرمة فى تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، و [تحب منها القلوب] [¬١٣]، اللهم؛ فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك، لا يقول [¬١٤] أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة فما أحد من المسلمين إلا وقد وُجِدَ غَيْرَهُ.
وقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ
стр. 3186
نَعْفُ [¬١] عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ [¬٢] طَائِفَةً﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم، ولابد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [أي مجرمين] [¬٣] بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)
يقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإِنفاق في سبيل اللَّه ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر اللَّه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عامدهم معامدة من نسيهم، كقوله تعالى: ﴿[وَقِيلَ الْيَوْمَ] [¬٤] نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن صريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة.
وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)
стр. 3187
يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة، كما أصاب من قبلهم، وقد كانوا أشد منهم قوة، وأكر أموالًا وأولادًا، وقوله [¬١]: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم. وقوله [¬٢]: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطت مساعيهم، فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.
قال ابن جريج، عن عمر [¬٣] بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة! ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهْنَا لهم، لا أعلم إلا أنه قال: "والذي نفسي بيده، لتتبعُنَّهم حى لو دخل الرجل منهم [¬٤] جحر ضَبٍّ لدخلتموه" (١٣٧).
قال ابن جريج (١٣٨): وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زيد [¬٥] بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "والذي نفسي بيده، لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا: ومن هم يا رسول اللَّه؟ [] [¬٦] أهل الكتاب؟! قال: "فمه! ".
وهكذا رواه أبو معشر (١٣٩)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ … فذكره. وزاد: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول اللَّه، كما صنعت فارس والروم؟ قال: "فهل الناس إلا هم؟! ".
стр. 3188
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (١٤٠).
﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾
يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم، لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة، لما كذبوا صالحاً ﵇، وعقروا الناقة ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره اللَّه عليهم، وأيده بالمعجزات [¬١] الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم النمرود [¬٢] بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه اللَّه، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇، وكيف أصابتهم [¬٣] الرجفة والصيحة وعذاب يوم [¬٤] الظلة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ أي: الأمة المؤتفكة، وقيل: أم قراهم: وهي سدوم.
والغرض أن اللَّه تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي اللَّه لوطًا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
стр. 3189
الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾
لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال ﴿[وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ] [¬١] بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح (١٤١): " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعفعه بعضًا" وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضًا (١٤٢): " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".
وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يطيعون اللَّه ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر، أو [¬٢] ترك ما عنه زجر ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم اللَّه من اتصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزنر و [¬٣] من أطاعه [أعزه] [¬٤]، بأن العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾
стр. 3190
يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات، من الخيرات والنعيم القيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء فى الصحيحين (١٤٣): من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وبختان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
وبه [قال:] [¬١] قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا في السماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا". أخرجاه (١٤٤).
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة (١٤٥) قال: قال رسول اللَّه، ﷺ "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل اللَّه، أو جلس [¬٢] في أرضه التي ولد فيها". قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نخبر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة، أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم [¬٣] اللَّه فاسألوه [¬٤] الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن".
وعند الطبراني والترمذي وابن ماجة، من رواية زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، ﵁: سمعت رسول اللَّه، ﷺ ، يقول … فذكر مثله (١٤٦).