← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

نَعْفُ [¬١] عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ [¬٢] طَائِفَةً﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم، ولابد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [أي مجرمين] [¬٣] بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) يقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإِنفاق في سبيل اللَّه ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر اللَّه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عامدهم معامدة من نسيهم، كقوله تعالى: ﴿[وَقِيلَ الْيَوْمَ] [¬٤] نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن صريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة. وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)

стр. 3187

يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة، كما أصاب من قبلهم، وقد كانوا أشد منهم قوة، وأكر أموالًا وأولادًا، وقوله [¬١]: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم. وقوله [¬٢]: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطت مساعيهم، فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج، عن عمر [¬٣] بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة! ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهْنَا لهم، لا أعلم إلا أنه قال: "والذي نفسي بيده، لتتبعُنَّهم حى لو دخل الرجل منهم [¬٤] جحر ضَبٍّ لدخلتموه" (١٣٧). قال ابن جريج (١٣٨): وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زيد [¬٥] بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "والذي نفسي بيده، لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا: ومن هم يا رسول اللَّه؟ [] [¬٦] أهل الكتاب؟! قال: "فمه! ". وهكذا رواه أبو معشر (١٣٩)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ … فذكره. وزاد: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول اللَّه، كما صنعت فارس والروم؟ قال: "فهل الناس إلا هم؟! ".

стр. 3188

وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (١٤٠). ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾ يقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم، لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة، لما كذبوا صالحاً ﵇، وعقروا الناقة ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره اللَّه عليهم، وأيده بالمعجزات [¬١] الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم النمرود [¬٢] بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه اللَّه، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇، وكيف أصابتهم [¬٣] الرجفة والصيحة وعذاب يوم [¬٤] الظلة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ أي: الأمة المؤتفكة، وقيل: أم قراهم: وهي سدوم. والغرض أن اللَّه تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي اللَّه لوطًا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ

стр. 3189

الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال ﴿[وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ] [¬١] بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح (١٤١): " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعفعه بعضًا" وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضًا (١٤٢): " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يطيعون اللَّه ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر، أو [¬٢] ترك ما عنه زجر ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم اللَّه من اتصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزنر و [¬٣] من أطاعه [أعزه] [¬٤]، بأن العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾

стр. 3190

يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات، من الخيرات والنعيم القيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء فى الصحيحين (١٤٣): من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وبختان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن". وبه [قال:] [¬١] قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا في السماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا". أخرجاه (١٤٤). وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة (١٤٥) قال: قال رسول اللَّه، ﷺ "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل اللَّه، أو جلس [¬٢] في أرضه التي ولد فيها". قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نخبر الناس؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة، أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم [¬٣] اللَّه فاسألوه [¬٤] الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن". وعند الطبراني والترمذي وابن ماجة، من رواية زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، ﵁: سمعت رسول اللَّه، ﷺ ، يقول … فذكر مثله (١٤٦).

стр. 3191

وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله (١٤٧). وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون [¬١] الكوكب في السماء". أخرجاه في الصحيحين (١٤٨). ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له الوسيلة؛ لقربه من العرش، وهو مسكن رسول اللَّه، ﷺ ، من الجنة، كما قال الإِمام أحمد (١٤٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "إذا صليتم عليَّ فاسألوا [¬٢] اللَّه لي الوسيلة". قيل: يا رسول اللَّه؛ وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو". وفي صحيح مسلم (١٥٠)، من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع النبي، ﷺ ، يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، لم صلوا عليّ، فإنه من صلى على صلاة واحدة [¬٣] صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسية، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة". وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٥١): حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة". [] [¬٤]. وفي مسند الإِمام أحمد (١٥٢)، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي، عن أبي المُدِلَّة،

стр. 3192

عن أبي هريرة، ﵁، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها (*) المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وكرابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس [¬١]، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه". وروي عن ابن عمر مرفوعًا نحوه (١٥٣). وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها [¬٢] من بطونها [¬٣]، وبطونها [¬٤] من ظهورها [¬٥] ". فقام أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، لمن هي؟ فقال: "لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناسُ نيامٌ" (١٥٤). ثم قال: حديث غريب. ورواه الطبراني من حديث عبد اللَّه بن عمرو، وأبي مالك الأشعري، كل [¬٦] منهما عن النبي، ﷺ ، بنحوه (١٥٥)، وكل من الإِسنادين جيد حسن، وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري [¬٧]، فاللَّه أعلم. وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطَر [¬٨] لها، هي - ورب الكعبة - نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمن نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار

стр. 3193

سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية". قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها. قال: "قولوا: إن شاء اللَّه". فقال القوم: إن شاء اللَّه. رواه [¬١] ابن ماجه (١٥٦). وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ أي: رضا اللَّه عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك ﵀ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "إن اللَّه يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟!. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا". أخرجاه من حديث مالك (١٥٧). وقال أبو عبد اللَّه الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرخامي، حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال اللَّه : هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا، ما خير مما [¬٢] أعطيتنا؟! قال: رضواني أكبر". ورواه البزار (١٥٨) في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه "صفة الجنة": هذا عندي على شرط الصحيح، واللَّه أعلم. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ

стр. 3194

فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾ أمر تعالى رسوله، ﷺ ، بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة. وقد تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول اللَّه، ﷺ ، بأربعة أسياف: سيفٍ للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وسيفٍ لكفار أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وسيفٍ للمنافقين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وسيف للبغاة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. وهذا يقتضي أنهم يجاهَدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن مسعود في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، [فإن لم يستطع] [¬١] [فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه] [¬٢]، [فإن لم يستطع] [¬٣] فليكفهر في وجهه. وقال ابن عباس: أمره اللَّه تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم. وقال الضحاك: جَاهِد الكفار بالسيف، واغْلُظْ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم. وعن مقاتل والربيع مثله. وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم. وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا، بحسب الأحوال، والله أعلم. وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ [¬٤] قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. قال قتادة: نزلت في عبد اللَّه بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا

стр. 3195

الجهني على الأنصاري، فقال عبد اللَّه للأنصار: ألا تنحرون أخاكم؟ واللَّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي، ﷺ ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللَّه ما قاله، فأنزل اللَّه فيه هذه الآية (١٥٩). وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه [¬١] موسى بن عقبة، قال: فحدثني عبد اللَّه بن الفضل، أنه سمع أنس بن مالك، ﵁، يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إليَّ زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول اللَّه، ﷺ ، يقول: "اللهم، اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار". وشك ابن الفضل في "أبناء أبناء الأنصار" قال ابن الفضل: "فسأل أنسًا] [¬٢] بعضُ من كان عنده عن زيد برقم؟ فقال: هو الذي يقول له رسول اللَّه، ﷺ : "أوفى اللَّه له بأُذُنِه". وذلك [¬٣] حين سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول اللَّه، ﷺ ، يخطب: لئن كان هذا صادقًا فنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو واللَّه صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول اللَّه، ﷺ ، فجحده القائل، فأنزل اللَّه هذه الآية تصديقًا لزيد. يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية. رواه البخاري في صحيحه (١٦٠)، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عقبة، إلى قوله: هذا الذي أوفى اللَّه له بأُذُنِه. ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة. وقد رواه محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب … فذكر ما بعده، عن موسى، عن ابن شهاب. والمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، واللَّه أعلم. [حاشية] [¬٤] قال الأموي في مغازيه (١٦١): حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده؛ قال: لما قدم رسول اللَّه، ﷺ ،

стр. 3196

أخذني قومي، فقالوا: إنك امرؤ شاعر، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله، ﷺ ، ببعض العلة، ثم يكون ذنبًا تستغفر [¬١] الله منه … وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين، ونزل فيه القرآن منهم، ممن كان مع النبي، ﷺ : الجلاس بن سويد ابن الصامت، وكان على أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن، وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين، قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقًا فيما يقول لنحن شر من الحمير. فسمعها عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس، إنك لأحب الناس إلى، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم على أن يصله شيء يكرهه [¬٢]، ولقد قلت مقالة لئن [¬٣] ذكرتُها لتفضحنك [¬٤]، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليَّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله، ﷺ ، فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى أتى [¬٥] النبي، ﷺ ، فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد، ولقد كذب عليَّ، فأنزل الله فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله، ﷺ ، عليها، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع. هكذا جاء هذا مدرجًا في الحديث متصلًا به، وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه، لا من كلام كعب بن مالك. وقال عروة بن الزبير: نزلت [¬٦] هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا، فنحن أشر من حُمُرِنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعب: أما والله يا عدو الله، لأخبرن رسول الله، ﷺ ، بما قلتَ. فأتيت النبي، ﷺ ، وخفت أن ينزل في القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط بخطيئة [فقلت] [¬٧]: يا رسول الله، أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. قال: فدعا الجلاس، فقال [¬٨]: "يا جلاس، أقلت الذي قاله مصعب؟ " فحلف فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد ابن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عمير بن سعيد، فاً نكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني.

стр. 3197

وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (١٦٢): حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله، ﷺ ، جالسًا في ظل شجرة، فقال: "إنه سيأتيكم إنسان فينظر [¬١]، إليكم بعيني [¬٢] الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله، ﷺ فقال: "علام تشتمني أنت وأصحابك؟ ". فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية. وقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قيل: نزلت [¬٣] في الجلاس [بن سويد] [¬٤]، وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله، ﷺ ، وقيل: في عبد الله بن أبي، هَمَّ بقتل رسول الله، ﷺ . وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي، وإن لم يرض رسول الله، ﷺ . وقد ورد أن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك [¬٥] بالنبى، ﷺ ، وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا [¬٦] بضعة عشر رجلًا. قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. وذلك بيّنٌ فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" (١٦٣) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي [¬٧] البختري [¬٨]، عن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: كنت آخذًا [¬٩] بخطام ناقة رسول الله، ﷺ ، أقود به، وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله، ﷺ ، بهم [¬١٠] فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله، ﷺ : "هل عرفتم القوم؟ " قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلثمين،

стр. 3198

ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ " قلنا: لا. قال: "أرادوا أن يزحموا [¬١] رسول الله، ﷺ ، في العقبة فيلقوه منها". قلنا: يا رسول الله، أو لا [¬٢] تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهِم؟ قال: "لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم، حتى إذا [¬٣] أظهره الله [بهم، أقبل] [¬٤] عليهم يقتلهم. ثم قال اللهم ارمهم [¬٥]، بالدبيلة". قلنا: يا رسول الله؛ وما الدبيلة؟ قال: "شهاب من نار، يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك". وقال الإمام أحمد (١٦٤) ﵀، حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله، ﷺ ، من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله، ﷺ ، أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله، ﷺ ، يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا [¬٦] عمارًا وهو يسوق برسول الله، ﷺ ، فأقبل [¬٧] عمار، ﵁، يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله، ﷺ ، لحذيفة: "قد قد" حتى هبط رسول الله، ﷺ ، [فلما هبط] [¬٨] نزل ورجع عمار، فقال: "يا عمار، هل عرفت القوم؟ " فقال: لقد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: "هل تدرى ما أرادوا؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أرادوا أن ينفروا برسول الله، ﷺ ، راحلته [¬٩] فيطرحوه" قال: فسأل [¬١٠] عمار رجلاً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان [¬١١] أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا [¬١٢]. فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله، ﷺ ، منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله، ﷺ ، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله، صلى

стр. 3199

الله عليه وسلم، أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون، فأرادرا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله، ﷺ ، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين [¬١]، وأعلم رسول الله، ﷺ ، حذيفة وعمارًا بأسمائهم، وما كانوا هموا به من الفتك به - صلوات الله وسلامه عليه - وأمرهما أن يكتما [¬٢] عليهم (١٦٥). وكذا [¬٣] روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمى جماعة منهم، فالله أعلم (١٦٦). وكذا قد حكي في معجم الطبراني. قاله البيهقي. ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم (١٦٧): حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جُمَيع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين [¬٤] رجل من أهل العقبة [وبين حذيفة بعضُ ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟] [¬٥] قال: فقال [¬٦] له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: "إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد". فوجد قومًا قد سبقوه فلعنهم يومئذ. وما رواه مسلم أيضًا (١٦٨): من حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمارِ بن ياسر قال: أخبرني حذيفة، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "في أصحابي اثنا عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل [¬٧] في سم الحياط، ثمانية

стр. 3200

منهم تكفيكهم الدبيلة [¬١]: سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم". ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء، قد أطلعه [] [¬٢] عليهم رسول الله، ﷺ ، دون غيره، والله أعلم. وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روى عن عَلى بن عبد العزيز، عن الزبير بن بكار، أنه قال: هم معتب بن قشير [¬٣]، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل [¬٤] بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن زرارة [¬٥]، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بنى الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهروا [¬٦] الإسلام (١٦٩). وقوله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته [ويمن سِفارته] [¬٧]، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به، كما قال، ﷺ ، للأنصار: "ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله [¬٨] أمنّ. وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الآية [¬٩]. وكما قال ﵇: "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله". ثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي﴾ أي: بالقتل والهم والغم، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، ولا يحصل لهم خيرًا، ولا يدفع عنهم شرًّا.

стр. 3201

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ يقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه، لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقًا سكن في قلوبهم، إلى يوم يلقون الله يوم القيامة، عياذا بالله [من ذلك] [¬١]. وقد ذكر كثير من المفسرين، منهم ابن عباس والحسن البصري، أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري. وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري: أنه قال لرسول الله، ﷺ ، ادع الله أن يرزقني مالا. قال [¬٢]: فقال رسول الله، ﷺ : "ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي [¬٣] شكره، خير من كثير لا تطيقه". قال: ثم قال مرة أخرى، فقال: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضة لسارت". قال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوت الله فرزقني مالًا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله، ﷺ : "اللهم ارزق ثعبة مالاً". قال: فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها فنزل واديًا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهى تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان [¬٤] يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله، ﷺ : "ما فعل

стр. 3202

ثعلبة؟ " فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره، فقال: "ياويح ثعلبة! ياويح ثعلبة! ياويح ثعلبة! ". وأنزل الله جل ثناؤه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية. قال ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله، ﷺ ، رجلين على الصدقة: رجلاً من جهينة، ورجلاً من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: "مُرَّا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما". فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله، ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا. وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال [¬١]: بلى، فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لي، فأخذاها [¬٢] منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة [] [¬٣] فقال: أرونى كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأي، فانطلقا حتى أتيا النبي، ﷺ ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة! ". قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الآية [¬٤]. قال: وعند رسول الله، ﷺ ، رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة!! قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي، ﷺ ، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك". فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله، ﷺ : "هذا [¬٥]، عملك قد أمرتك فلم تطعني". فلما أبى [رسول الله، ﵌، أن يقبض] [¬٦] صدقته [¬٧] رجع إلى منزله، فقُبض رسول الله، ﵌، ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى أبا بكر، ﵁، حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله، ﷺ ، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها، فلما

стр. 3203

ولي عمر، ﵁، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال له [¬١]: لم يقبلها رسول الله، ﷺ ، ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟! فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان، ﵁، [أتاه فقال: اقبل صدقتي] [¬٢]. فقال: لم يقبلها رسول الله، ﷺ ، ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟! فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان (١٧). وقوله تعالى ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. [] [¬٣] أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم؛ بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، كما جاء في الصحيحين [¬٤] (١٧١) عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". وله شواهد كثيرة، والله أعلم. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يخبرهم [¬٥] تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم، وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، [فإنه] [¬٦] أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب، أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ

стр. 3204

﴿يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ وهذه أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم، ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسيرٍ قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. كما قال [¬١] البخاري (١٧٢): حدثنا عبيد الله بن سعيد [¬٢]، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، ﵁، قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل [¬٣] على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغنى عن صدقة هذا. فنزلت [¬٤]: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية. وقد [¬٥] رواه مسلم أيضًا في صحيحه من حديث شعبة، به. وقال الإمام أحمد (١٧٣): حدثنا يزيد ثنا [¬٦] الجريري [¬٧]، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي: أنه رأى رسول الله، ﷺ ، بالبقيع، وهو يقول: "من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة؟ ". قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابنَ آدم فعقدت [¬٨] على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلاً أشد منه سوادًا، [ولا أصغر] [¬٩] منه ولا أَدَمَّ [بعين منه]، ببعير ساقه، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها [¬١٠]، فقال: يا رسول الله،

стр. 3205

أصدقة؟ فقال [¬١]: "نعم". قال: دونك هذه الناقة. قال: فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه، فو الله، لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله، ﷺ ، فقال: "كذبت، بل هو خير منك ومنها". ثلاث مرات. ثم قال: "ويل لأصحاب المئين من الإبل" ثلاثًا، قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: " [إلا - من قال] [¬٢] بالمال هكذا وهَكذا". وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "قد أفلح المزهد المجهد" ثلاثًا. المزهد: في العيش، المجهد: في العبادة. وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب! إلى رسول الله، ﷺ ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله، ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان [¬٣] الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع (١٧٤). وقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يومًا، فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر، [بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر] [¬٤]، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر. فأمره رسول الله، ﷺ ، أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان [¬٥] بصاعك من شيء. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال [لرسول الله، ﷺ : هل بقي أحد من أهل الصدقات. فقال: له رسول الله ﷺ : "لم يبق أحد غيرك". فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن] [¬٦] عندي مائة أوقية من ذهب [¬٧] في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب ﵁ أمجنون أنت؟! قال: ليس بي جنون. قال: أفعلت [¬٨] ما فعلت؟! قال: نعم [¬٩]، مالي ثمانية آلاف: أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله، ﷺ : "بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت [¬١٠] ". ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعًا، فأنزل الله عذره [¬١١] وعذر صاحبه المسكين الذي

стр. 3206

جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية. وكذا روي عن مجاهد وغير [¬١] واحد. وقال ابن إسحاق: كان من [¬٢] المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف درهم، وعاصم بن عدي أخو [¬٣] بني العجلان: وذلك أن رسول الله، ﷺ ، رغب في الصدقة وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم [بن عدي] [¬٤] وتصدق [¬٥]، بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا [¬٦]: ما هذا إلا رياءٌ، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٧٥): حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر [¬٧] ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً". قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، عندى أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول ﷺ : "بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت". وبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله، أصبت صاعين من تمر؛ صاعًا أقرضه لربي، وصاعًا لعيالى. قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾. ثم رواه (١٧٦) عن أبي كامل، عن أى عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلًا،

стр. 3207

قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (١٧٧): حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه؛ قال: بت أجر الجرير (*) على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلى يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب به [¬١] إلى رسول الله، ﵌، فأتيته [¬٢] فأخبرته فقال: "انثره في الصدقة". قال: فسخر القوم وقالوا: لقد كان الله غنيًّا عن صدقة هذا المسكين! فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين. وكذا رواه الطبراني (١٧٨) من حديث زيد بن الحباب، به، وقال: اسم أبي [¬٣] عقيل: حباب (*) ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة. وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا [¬٤] من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم؛ انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ [لأن الجزاء من جنس العمل] [¬٥].

стр. 3208

﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾ يخبر تعالى نبيه، ﷺ ، بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا [¬١] للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو [¬٢] سبعين مرة [فإن الله لا يغفر] [¬٣] لهم. وقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها. وقيل: بل لها مفهوم، كما روى العوفي، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ ، قال لما نزلت هذه الآية: "أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله، لأستغفرن لهم [¬٤] أكثر من سبعين مرة؛ لعل الله أن يغفر لهم" .. فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ] إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١٧٩). وقال الشعبي: لما ثقل عبد الله بن أبي، انطلق ابنه إلى النبي، ﷺ ، فقال: ان أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه. فقال له [¬٥] النبي، ﷺ : "ما اسمك؟ ". قال: الحباب بن عبد الله. قال: "بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان [¬٦] " [قال] [¬٧] فانطق معه حتى شهده، وألبسه قميصه وهو عرق، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه [وهو منافق] [¬٨]؟ فقال: "إن الله قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين". وكذا روي عن عروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر [¬٩]، وقتادة بن دعامة، رواها [¬١٠] ابن جرير بأسانيده (١٨٠).

стр. 3209

﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ يقول تعالى ذامًّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله، ﷺ [بغزوة] [¬١] تبوك، وفرحوا بمقعدهم [¬٢] بعد خروجه ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أي: [بعضهم لبعض] [¬٣]: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحرّ، عند طيب الظلال والثمار؛ فلهذا قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله، ﷺ : ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها [بسبب مخالفتكم] [¬٤] ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرًّا من النار، كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: "نار بني آدم التي [يوقدون بها جزءًا من سبعين جزءًا] [¬٥] [من نار جهنم". فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: " [إنها] فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا"] [¬٦]. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (١٨١). وقال الإمام أحمد (١٨٢): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر [¬٧] مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله [¬٨] فيها منفعة لأحد". وهذا أيضًا إسناد [¬٩] صحيح.

стр. 3210

وقد روى الإِمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه (١٨٣) عن [¬١] عباس الدوري عن [¬٢] يحيى ابن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : "أوقد [] [¬٣]، على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء كالليل المظلم". ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى. كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعيد، عن عمه، عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعى - به. وروى أيضًا ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس، قال: تلا رسول الله، ﷺ : ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: "أوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتى احمرّت، وألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء كالليل المظلم [¬٤] لا يضيء لهبها" (١٨٤). وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٨٥) من حديث تمام بن نجيح - وقد اختلف فيه - عن الحسن، عن أنس مرفوعًا [¬٥]: "لو أن شرارة [¬٦] بالمشرق - أي: من نار جهنم - لوَجَدَ حرَّها مَن [¬٧] بالمغرب". وروى الحافظ أبو يعلى (١٨٦) عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير،

стр. 3211

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه". غريب. وقال الأعمش عن أبى إسحاق، عن النعمان بن بشير؛ قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم [¬١]، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحدًا من أهل النار أشدُّ عذابًا منه، وإنه أهونهم عذابًا". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش (١٨٧). وقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بُكَير [¬٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه" (١٨٨). وقال الإمام أحمد (١٨٩): حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عنَ النبي، ﷺ ، قال: "إن أدنى أهل النار عذابًا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه". وهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم. والأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة. وقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر؛ ليتقوا به من حر جهنم

стр. 3212

الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر: ...... … كَالمسْتَجيرِ مِنَ الرَّمضَاءِ بِالنَّارِ (١٩٠) وقال الآخر: عُمرُكَ بالحمْيةِ أَفنَيتَهُ … مَخَافَةَ [] [¬١] البَارِدِ وَالحَارِّ وَكَانَ أَوْلَى بِكَ أَنْ تَتَّقِي … مِنَ المعَاصِي حَذَرَ النَّارِ [ثم قال تعالى] [¬٢] ﷻ متوعدًا لهؤلاء [¬٣] المنافقين على [¬٤] صنيعهم هذا ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا [¬٥] فيها ما شاءوا، فإذا انقمت الدنيا وصاروا إلى الله ، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدًا. وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم، وعون العقيلي [¬٦]، وزيد بن أسلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١٩١): حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن حميد [¬٧]، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس بن مالك؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "يأيُّها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء [¬٨] فتقرح [¬٩] العيون، فلو أن سُفُنًا أرخيت [¬١٠] فيها لجرت". ورواه ابن ماجة من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، به.

стр. 3213

وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن العباس، حدثنا حماد الجزري، عن زيد بن رفيع - رفعه - قال: "إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانًا، ثم بكوا القيح زمانًا، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء، تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة، يا معشر الآباء والأمهات والأولاد، خرجنا من القبور عطاشًا، وكنا طول الموقف عطاشًا، ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فييأسون من كل خير". ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ يقول تعالى آمرًا لرسوله، ﵊: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردك الله من غزوتك هذه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيزًا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فإن جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن [] [¬١] ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كقوله في عمرة الحديبية: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي: الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة. وقال قتادة: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع النساء. قال ابن جرير (١٩٢): وهذا لا يستقيم؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو

стр. 3214

أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس ﵄. ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ أمر الله تعالى رسوله، ﷺ ، أن يبرأ من المنافقين، وألَّا يصلي [¬١] على أحد منهم إذا مات، وألَّا يقوم على قبره يستغفر [¬٢] له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، كما قال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: لما توفي عبد الله -[¬٣] ابن أبي - جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله، ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله، ﷺ ، ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، ﷺ : "إنما خيرنى الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وسأزيده على السبعين". قال: إنه منافق. قال: فصلى عليه [رسول الله، ﷺ ] [¬٤]، فأنزل الله آية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (١٩٣). ثم رواه البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله - وهو ابن عمر العمري - به. وقال: فصلى [¬٥] عليه وصلينا معه، وأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. الآية. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، به (١٩٤).

стр. 3215

وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضًا بنحو من هذا، فقال الإِمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب، ﵁، يقول: لما توفي [عبد الله بن أبي] [¬١]، [دُعِيَ رسول الله، ﷺ ، للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقفِ عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله] [¬٢]، [أَعَلَى عدو اللَّه عبد الله بن أبي] [¬٣] القائل يوم كذا: كذا وكذا - يعدد أيامه -؟ قال: ورسول الله، ﷺ ، يتبسم [¬٤]، حتى إذا أكثرت عليه قال: " أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لو أعلم أني إن [¬٥] زدت على السبعين غفر له لزدت". قال: ثم صلى عليه ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: [فعجبت من] [¬٦] جرأتى على رسول الله، ﷺ ، والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فما صلى رسول الله، ﷺ ، بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله، . وهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري، به (١٩٥)، وقال: حسن صحيح. ورواه البخاري (١٩٦)، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به، فذكر مثله وقال: "أخر عني يا عمر". فلما أكثرت عليه قال: "إني [¬٧] خيرت فاخترت، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر [¬٨] له لزدت عليها". لحال: فصلى عليه رسول الله، ﷺ ، ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. الآية.

стр. 3216

فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله، ﷺ ، ورسول الله، ﷺ ، أعلم. وقال الإِمام أحمد (١٩٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا عبد الملك، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: لما مات عبد الله بن أبي، أتى ابنه النبيَّ، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنك إن لم تأته لم نزل نعير بها [¬١]. فأتاه النبي، ﷺ ، فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: "أفلا قبل أن تدخلوه؟ " فأخرج من حفرته، وتفل عليه [من ريقه] [¬٢] من قرنه إلى قدمه، وألبسه قميصه. ورواه النَّسائي عن أبي داود الحراني، عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك - وهو ابن أبي سليمان - به. وقال البخاري (١٩٨): حدَّثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع [¬٣] جابر بن عبد الله، قال: أتى النبي، ﷺ ، عبدَ الله بن أبي بعد ما أدخل في [¬٤] قبره، فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. والله أعلم. وقد رواه أيضًا في غير موضع مع [¬٥] مسلم والنسائي من غير وجه عن سفيان بن عيينة به (١٩٩) .. وقال الإِمام أَبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (٢٠٠): حدَّثنا عمرو ابن علي، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا مجالد، حدَّثنا عامر، حدَّثنا جابر (ح). وحدثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسى، حدَّثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: لما [¬٦] مات رأس المنافقين - قال يحمس بن سعيد: بالمدينة -

стр. 3217

فأوصى أن يصلي عليه النبي، ﷺ ، فجاء ابنه إلى النبي، ﷺ ، فقال: إن أبي أوصى أن يكفن [في قميصك] [¬١]- وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء، قال يحيى في حديثه -: فصلى عليه وألبسه قميصه - فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي، ﷺ ، قميصه فأعطاه إياه، ومشى فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل، ﵇، لما ولى قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وهذا إسناد [¬٢] لا بأس به، وما قبله شاهد له. وقال الإِمام أَبو جعفر الطبري (٢٠١): " حدَّثنا أحمد بن إسحاق] [¬٣]، حدَّثنا أَبو أحمد، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن - يزيد الرقاشي، عن أَنس، أن رسول الله، ﷺ ، أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. ورواه الحافظ أَبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف (٢٠٢). وقال قَتَادة: أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله، ﷺ ، وهو مريض، فلما دخل عليه قال له النبي، ﷺ : " أهلكك حب يهود". قال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني. ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه [] [¬٤] يكفن فيه أبا [¬٥]، فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره، فأنزل الله ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. وقد ذكر بعض السلف أنَّه إنما ألبسه [¬٦] قميصه؛ لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طُلِب له قميصٌ، فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي؛ لأنه كان ضخمًا طويلًا، ففعل ذلك به رسول الله، ﷺ ، مكافأة له، فالله أعلم. ولهذا كان رسول الله، ﷺ ، بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره.

стр. 3218

كما قال الإِمام أحمد (٢٠٣): حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قَتَادةَ عن أبيه، قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا دعى [لجنازة] [¬١] سأل عنها، فإن أثنى عليها خيرًا [¬٢] قام فصلى عليها، وإن [أثنى عليها] [¬٣] غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها [¬٤] ". ولم يصل عليها. وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله، حتَّى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين [¬٥]، قد أخبره بهم رسول الله، ﷺ ، ولهذا كان يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من الصحابة. وقال أَبو عبيد في كتاب الغريب [¬٦] في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم: أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع. ولما نهى الله، ، عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل، كما ثبت في الصحاح (٢٠٤) وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتَّى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد". وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فقد قال أَبو داود: حدَّثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ - وهو أَبو سعيد البربري، مولى عثمان بن عفان عن عثمان، ﵁، قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا فرغ من دفن الرجل [¬٧] وقف عليه وقال: - "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل". انفرد بإخراجه أَبو داود (٢٠٥)، ﵀.

стр. 3219

﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة: ٨٥] [وقد] [¬١] تقدَّم [نظير تفسير] [¬٢] هذه الآية الكريمة (٢٠٦)، ولله الحمد والمنة [¬٣]. ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ [التوبة: ٨٦، ٨٧] يقول تعالى منكرًا وذامًّا للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطَّول [¬٤]، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أَمْنٌ كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: علت ألسنتهم بالكلام الحدِّ القوي فى الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر (٢٠٧): أَفيِ السَّلْمِ أعْيَارًا جَفَاءً وغِلْظَة … وَفي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النِّسَاءِ الْعَوَارِكِ وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: بسبب نكولهم عن الجهاد، والخروج مع الرسول في سبيل الله ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه

стр. 3220

مضرة لهم فيجتنبوه. ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ لما ذكر تعالى ذم المنافقين، بين ثناءه [¬١] على [¬٢] المؤمنين، وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أي: فى الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى. ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾ ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار فى ترك الجهاد، الذين جاءوا رسول الله، ﷺ ، يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك، عن ابن عبَّاس: إنه كان يقرأ ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر. وكذا روي [عن] [¬٣] ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء. قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار منهم [¬٤]: خُفَافُ [¬٥] بنُ إيماء بن رَحَضَة. وهذا القول هو الأظهر [¬٦] في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا. وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار

стр. 3221

جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله. وكذا قال الحسن وقَتَادة ومحمد بن إسحاق. والقول الأول أظهر - والله أعلم - لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾ ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها [¬١] عن القتال، فذكر منها: [ما هو لازم] [¬٢] للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنها [¬٣] ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج فى سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز [¬٤] للحرب، فليس على هؤلاء حرج اٍ ذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم [¬٥] يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال سفيان الثَّوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، ﵁، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران، أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة، ثم تفرغ [¬٦] للذي للدنيا. وقال الأوزاعي: خرج الناس للاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر، ألستم مقرين بالإِساءة؟ قالوا: اللهم، نعم. فقال:

стр. 3222

اللهم إنا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللهم، وقد أقررنا بالإساءة؛ فاغفر لنا وارحمنا واسقنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم، فسقوا. وقال قَتَادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني. وقال [¬١] ابن أبي حاتم (٢٠٨): حدَّثنا أَبى، حدَّثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدَّثنا ابن جابر، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله، ﷺ ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني اذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله، ﷺ ، ينظر ما ينزل عليه، اذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟! فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [¬٢] [إلى آخر] [¬٣] الآية. وقال العوفي، عن ابن عبَّاس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله، ﷺ ، أمر الناس أن ينبعثوا غاز - من معه، فجاءته عصابة من أصحابه - فيهم عبد الله بن مُغَفل [] [¬٤] المزني - فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: "والله، لا أجد ما أحملكم عليه". فتولوا [ولهم بكاء] [¬٥]، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملًا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله - أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْمَلُونَ﴾. وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال محمد بن كعب (٢٠٩): كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عوف، ومن بني واقف: [هرمي] بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر، ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد أَبو عبلة وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] [¬٦]؛ ومن بني

стр. 3223

سلمة: عمرو بن عَنَمة [¬١] وعبد الله بن عمرو المزني. وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إِن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعَلْبة [¬٢] بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهَرَميّ [¬٣] بن عبد الله أخو بني واقف، وعرْباض [¬٤] بن سارية الفزاري، فاستحملوا [¬٥] رسول الله، ﷺ ، وكانوا أهل حاجة، فقال: " ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا [¬٦] وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢١٠). وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمر بن الأودي، حدَّثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن، قال: قال رسول الله، ﷺ : "لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، ولا نلتم من عدو نيلًا، إلا وقد شركوكم في الأجر". ثم قرأ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. الآية. وأصل [هذا] [¬٧] الحديث فى الصحيحين (٢١١) من حديث أنس [¬٨]، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن بالمدينة أقوامًا مما قطعتم واديًا، ولا سرتم سيرًا إلَّا وهم معكم". قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: "نعم، حبسهم العذر". وقال الإِمام أحمد (٢١٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله، ﷺ : " لقد خلفتم بالمدينة رجالًا، ما قطعتم واديًا، ولا سلكتم طريقًا إلَّا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض".

стр. 3224

ورواه مسلم وابن ماجة من طرق، عن الأعمش، به. ثم ردّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود: هم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ [لَا تَعْتَذِرُوا] [¬١] لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس فى الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرِها وشرِّها، ويجزيكم عليها. ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم [¬٢] معتذرين ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تؤنبوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: خبثاءُ، نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم (﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم وإن [¬٣] رضوا عنهم بحلفهم [¬٤] لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة، لخروجها من جحرها للإِفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها. ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى

стр. 3225

رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ أخبر تعالى أن في الأعراب [كفارًا ومنافقين ومؤمنين] [¬١]، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أي: أحرى ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ كما قال الأعمَش، عن إبراهيم؛ قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم "نهاوند"، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابى: والله ما أدري اليمين يقمون أو الشمال. فقال زيد بن صوحان: صدق الله [] [¬٢] ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. وقال الإِمام أحمد (٢١٣): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وَهْب بن مُنَبِّه، عن ابن عبَّاس، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن". ورواه أَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث الثَّوري. ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي، لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٣] قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله، ﷺ ،
следующие страницы →