← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾ يقول تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذب كافرهم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة. قال سفيان الثوري (٩١)، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم [¬١] غير منقوص. ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به ومن كافر به، ذلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمَّد أسوة، [فلا يغيظنك] [¬٢] تكذيبهم لك، ولا يهيدنك ذلك ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب [¬٣] إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم. ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة: أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فإنه قد قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ثم أخبر أن الكافرين في شك مما جاءهم به الرسول قوي فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. ثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرّا فشر، فقال: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

стр. 3432

أي: عليم [بأعمالهم جميعًا؛ جليلها] [¬١] وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءات كثيرة، يرجع [¬٢] معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾ يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء. وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُدْهِنُوا. وقال العوفى، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. وقال ابن جرير، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا. وهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ليس لكم من دونه من ولي [ينقذكم] [¬٣] ولا ناصر يخلصكم من عذابه. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قال: يعني الصبح والمغرب.

стр. 3433

وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر. وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمَّد بن [كعب] [¬١] القرظي والضحاك في رواية عنه. [وقوله] [¬٢] ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء. وقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني: المغرب والعشاء، قال رسول الله، ﷺ : "هما زُلْفَتَا الليل المغرب والعشاء" (٩٢). وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء. وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان؛ صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمّة وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضًا في قول، والله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول: أن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (٩٣): عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر -

стр. 3434

وصدق أبو بكر -: أنه سمع رسول الله، ﷺ ، يقول: "ما من مسلم يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له". وفي الصحيحين (٩٤) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضّأ لهم كوضوء رسول الله، ﷺ ، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله، ﷺ ، يتوضأ، وقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه". وروى الإِمام أحمد وأبو جعفر بن جرير (٩٥) من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء - أظنه سيكون فيه قدر مد - فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهنّ الحسنات يذهبن السيئات". وفي الصحيح (٩٦): عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال:

стр. 3435

" أرأيتم لو أن بباب أحدكم [نهرًا غمرًا [¬١]] [¬٢] يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء [¬٣]؟ "قالوا: لا، يا رسول الله. قال: "كذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الذنوب والخطايا". وقال مسلم في صحيحه (٩٧): حدثنا أبو الطاهر، وهارون بن سعيد، قالا: حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما [¬٤] بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر". وقال الإِمام أحمد (٩٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عَياش، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، أن أبا رهم السمعي كان يحدث، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه، أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة". وقال أبو جعفر بن جرير (٩٩): حدثنا محمَّد بن عوف، حدثنا محمَّد بن إسماعيل،

стр. 3436

حدثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ :، جعلت الصلوات كفارات ما [¬١] بيهن، فإن الله قال ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وقال البخاري (١٠٠): حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي، ﷺ ، فأخبره، فأنزل الله. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: "يا رسول الله، الي هذا]؟ قال: "لجميع أمتي كلهم". هكذا رواه في كتاب الصلاة، وأخرجه في التفسير: عن مسدد، عن يزيد بن زريع بنحوه، ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إلا أبا داود: من طرق، عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل [¬٢]، به. ورواه [¬٣] الإِمام أحمد ومسلم [وأبو داود] [¬٤] والترمذي والنسائي وابن جرير - وهذا لفظه (١٠١) -: من طرق، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدّث، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: "جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله،

стр. 3437

ﷺ ، شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله بصره، [ثم قال] [¬١]: " ردوه على". فردوه عليه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذ - وفي رواية عمر: - يا رسول الله، أله وحده أم [¬٢] للناس كافة؟ فقال: "بل للناس كافة". وقال الإِمام أحمد (١٠٢): حدثنا محمَّد بن عبيد، ثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمَّد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الديت [¬٣] إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه". قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال "غُشْمُهُ وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه يبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، [إن الله لا] [¬٤] يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث". وقال ابن جرير (١٠٣): حدثنا أبو السائب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم

стр. 3438

قال: كان [¬١] فلان بن معتب رجلًا من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دخلت على امرأة فنلت [¬٢] منها ما ينال الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها [¬٣]. فلم يدر رسول الله ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فدعاه رسول الله فقرأها عليه. وعن ابن عباس (١٠٤): أنه عمرو بن غزية الأنصاري التَّمار، وقال مقاتل: هو أبو [¬٤] نفيل عامر بن قيس الأنصاري، وذكر الخطيب البغدادي: أنه أبو اليسر كعب بن عمرو. وقال الإِمام أحمد (١٠٥): حدثنا يونس وعفان، قالا: حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن علي بن زيد - قال عفان: أنبأنا على بن زيد - عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى عمر قال [¬٥]: امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدَّوْلَجَ (٥)، فأصبت منها ما دون الجماع. فقال: ويحك، لعلها مغيبة [¬٦] في سبيل الله؟ قال: أجل. قال: فأت أبا بكر فسله [¬٧]. قال: فأتاه فسأله فقال: لعلها، مغيبة [¬٨] في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر. ثم أتى النبي، ﷺ ، فقال له مثل ذلك، قال: "فلعلها مغيبة في سبيل الله؟ " ونزل القرآن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله، ألي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب - يعني عمر - صدره بيده [وقال: لا] [¬٩] ولا نُعمَة عَينْ، بل للناس عامة. فقال رسول الله، ﷺ : "صدق عمر! ".

стр. 3439

وروى الإِمام أبو جعفر بن جرير (١٠٦): من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب [¬١]، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: أن في البيت تمرًا أطيب وأجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت عمر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدًا، فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدًا، قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي، ﷺ ، فأخبرته فقال: "أخلفت رجلًا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ " حتى ظننت إني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول الله ساعة. فنزل جبريل، فقال أين [¬٢] أبو اليسر" فجئت، فقرأ على [رسول الله] [¬٣]: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال إنسان: يا رسول الله، ألهُ خاصة أم للناس عامة؟ قال: "للناس عامة". وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (١٠٧): حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا يوسف ابن موسى، ثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ ابن جبير: أنه كان قاعدا عند النبي، ﷺ ، فجاءه [¬٤] رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي، ﷺ : "توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل [¬٥] ". قال: [¬٦] فأنزل الله هذه الآية، يعني

стр. 3440

قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: "بل للمسلمين عامة". ورواه ابن جرير [من طرق] [¬١]: عن عبد الملك بن عمير، به. وقال عبد الرزاق (١٠٨): أخبرنا محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: أن رجلًا من أصحاب النبي، ﷺ ، ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله، فاستأذنه لحاجة فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي، ﷺ ، بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادما حتى أتى النبي، ﷺ ، فأخبره بما صنع، فقال له: "استغفر ربك وصل أربع ركعات". قال: وتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾. وقال ابن جرير (١٠٩): حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية [¬٢]، ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي [¬٣]، عن سليم [¬٤] بن

стр. 3441

عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن رجلًا أتى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أقم في حد الله - مرة أو اثنتين [¬١]- فأعرض عنه رسول الله، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي، ﷺ ، من الصلاة قال: "أين هذا الرجل القائل: أقم في حد الله؟ " قال: أنا ذا. قال: "هل أتممت الوضوء وصليت معنا آنفًا؟ ". قال: نعم. قال: "فإنك من خطيئتك كما [¬٢] ولدتك أمك، فلا [¬٣] تعد". وأنزل الله على رسول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وقال الإمام أحمد (١١٠): حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا على بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: يا [أبا عثمان] [¬٤]، ألا تسألني لم أفعل هذا؟ فقلت [¬٥]: و [¬٦] لم تفعله؟ فقال: هكذا فعل بي رسول الله، ﷺ ، وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسًا فهزه حتى تحاتّ ورقه فقال: "يا سلمان، ألا تسألني لم أفعلُ هذا؟ " قلتُ: ولم تفعله؟ فقال: "إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحات [¬٧] خطاياه كما تحات [¬٨] هذا الورق". وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. وقال الإِمام أحمد (١١١): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حبيب بن [¬٩] أبي ثابت، عن

стр. 3442

ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ ﵁: أن رسول الله، ﷺ ، قال له: "يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وقال الإمام أحمد (١١٢): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عنَ أبي ذر: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وقال أحمد (١١٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال:، إذا عملت سيئة فأتبعها [حسنة تمحها] [¬١] ". قال: قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: "هي أفضل الحسنات".

стр. 3443

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١١٤): حدثنا هذيل بن إبراهيم الجُمَّاني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهريّ من ولد سعد بن أبي وقاص، عن الزهريّ. عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ : "ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار، إلا طمست ما في صحيفته من السيئات حتى يسكن إلى مثلها من الحسنات". عثمان بن عبد الرحمن - يقال له الوقاصي - فيه ضعف. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١١٥): حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخزم، قالا: حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما تركت من حاجة ولا داجة. فقال رسول الله، ﷺ : " [أليس] (*) تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قال: بلى. قال: "فإن هذا يأتي على ذلك". تفرد به من هذا الوجه مستور. ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾

стр. 3444

يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرًا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غِيرَه (*) وفجأة نِقَمِهِ، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وفي الحديث (١١٦): " إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب". ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها [¬١]، ولم يأت قرية مُصْلِحَة بأسُه وعذابُه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو [¬٢] كفران، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. وقوله [¬٣]: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: ولا يزال الخلف بين

стр. 3445

الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم [¬١] ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. وقال عكرمة: مختلفين في الهدى. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يُسَخِّر [¬٢] بعضهم بعضًا. والمشهور الصحيح الأول. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي الأمِيّ خاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ونصروه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد [¬٣] بعضها بعضًا (١١٧): " إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا [¬٤]، على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق [أمتي] [¬٥] على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة". قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". رواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وقال عطاء: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعنى اليهود والنصارى والمجوس ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني الحنيفية. وقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم. وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم. وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١١٨): خلقهم فريقين، كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وقيل: للرحمة خلقهم. قال ابن وهب (١١٩): أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس: أن

стр. 3446

رجلين اختصما إليه [¬١] فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما فأكثرتما [¬٢]. فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت! فقال: أليس الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة. كما قال الحكم بن أبان (١٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: الناس مختلفون [¬٣] على أديان شتى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فمن رحم ربك غير مختلف. قيل [¬٤] له: فلذلك [¬٥] خلقهم. قال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه. وكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش. وقال ابن وهب: سألت مالكًا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: فريق في الجنة وفريق في السعير. وقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيدة والفراء. وعن مالك فيما رويناه [¬٦] عنه من التفسير ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: للرحمة. وقال قوم: للاختلاف. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره، لعلمه التام وحكمته النافذة - أن ممن [¬٧] خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لابد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين؛ الجن والإِنس، وله الحجة البالغة والحكمة التامة، وفي الصحيحين (١٢١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله،

стр. 3447

ﷺ : "اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضَعَفَةُ الناس وسقطهم. وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا يسكن فضل الجنة، وأما النار فلا تزال تقول هل من مزيد؟ حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول: قط قط وعزتك". وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) يقول تعالى: و [¬١] كل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك يا محمد، أي: قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة. وقوله ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن - في رواية عنه - وقتادة: في هذه الدنيا. والصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف نَجَّاهُم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يَتَوَقّر بها المؤمنون. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله: أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم ومنهجكم ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ أي: على

стр. 3448

طريقتنا ومنهجنا ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾. وقد أنجز الله لرسوله وعده، ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ يخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب، وسيوفّي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه. وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد، بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين وقال ابن جرير (١٢٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود. [آخر تفسير سورة هود ولله الحمد] [¬١] * * *

стр. 3449

انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد السابع ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثامن وأوله تفسير سورة يوسف * * *

стр. 3450

تفسير سورة يوسف ﵇ [وهي مكية] [¬١] روى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم - ويقال: سليم - المدائني، وهو متروك، عن هارون بن كثير - وقد نص على جهالته أبو حاتم (١) - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله، ﷺ : "علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها أو علّمها أهله أو ما ملكت يمينه، هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه من القوة أن لا يحسد مسلمًا" (٢). وهذا من هذا الوجه لا يصح؛ لضعف إسناده بالكلية، وقد ساق له الحافظ ابن عساكر متابعًا، من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير به، ومن طريق شبابة، عن [مخلد بن عبد الواحد البصري] [¬٢]، عن علي بن زيد بن [¬٣] جدعان، وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي، ﷺ ، فذكر نحوه، وهو منكر من سائر طرقه. وروى البيهقي في الدلائل (٣): أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله، ﷺ ، يتلو هذه السورة أسلموا؛ لموافقتها ما عندهم. وهو من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

стр. 3451

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أوّل سورة البقرة. وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب: وهو القرآن المبين، أي: الواضح الجلي، الذي يفصح عن الأشياء المبهمة، ويفسرها ويبينها. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وذلك لأن [¬١] لغة العرب أفصح اللغات وأبينها، وأوسعها، واً كثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن. وقد ورد في سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن جرير (٤): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حَكّام الرازي، عن أيوب، عن عمرو - هو ابن قيس الملائي - عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلًا. وقال أيضًا (٥): حدثنا محمَّد ابن [سعيد العطار] [¬٢]، حدثنا عمرو بن محمَّد، [أنبأنا خلاد] [¬٣] الصفار، عن عمرو

стр. 3452

بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه [¬١] قال: أنزل على النبي، ﷺ ، القرآن، قال: فتلا [¬٢] عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فأنزل الله عز جل: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية، ثم تلاه [¬٣] عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا؟ فأنزل الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية، وذكر الحديث. ورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه، عن عمرو بن محمَّد القرشي العنقزيّ به. وروى ابن جرير (٦) بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله، ﷺ ، ملة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا. فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص - فأنزل الله : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا [¬٤] الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا [¬٥] القصص، فدلهم على أحسن القصص. ومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه [¬٦] كافٍ عن كل ما سواه من الكتب - ما رواه [¬٧] الإِمام أحمد (٧):

стр. 3453

حدثنا سُرَيْج [¬١] بن النعمان، نا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي، ﷺ ، بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي، ﷺ ، قال [¬٢]: فغضب، وقال: "أمتهوكون [¬٣] فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا لما [¬٤] وسعه إلا أن يتبعني". وقال الإِمام أحمد (٨): حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله، ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله، ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد رسولا. قال: فسُرِّيَ عن النبي، ﷺ ، وقال: "والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركموني لضللتم [¬٥]، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين".

стр. 3454

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (٩): حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا على ابن مُسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس، فجلس. فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى قوله ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تَقرأه، ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال له: اجلس. فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أنا، فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله، ﷺ : "ما هذا في يدك يا عمر؟ ". قال: قلت: يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا. فغضب رسول الله، ﷺ ، حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، ﷺ ؟ السلاح السلاح. فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله، ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا [¬١]، ولا يغرنكم المتهوكون". قال عمر: فقمت

стр. 3455

فقلت: رضيت بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبك رسولًا. ثم نزل رسول الله، ﷺ . وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرًا: من حديث عبد الرحمن بن إسحاق [به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق] [¬١] هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخَه، قال البخاري: [لا يصح] [¬٢] حديثه. قلت: وقد رُوي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيليّ (١٠): أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبرَاهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا [¬٣] عبد الله بن سالم الأشعري، عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر، أن جبير بن نفير حدثهم: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر، ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود تلاصفتين [¬٤]، فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين ويقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتابين، وانا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودنا أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئًا. فقالا: لا. قال: سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي، ﷺ ، حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديًا يقول قولًا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي ما [¬٥] تقول؟ قال: نعم. فأتيت بأديم، فأخذ يملي عليَّ حتى كتبت في الأكرع، فلما رجعت قلت: يا نبي [¬٦] الله … وأخبرته، قال: "ائتني به". فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون أتيت [¬٧] رسول الله، ﷺ ، ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: "اجلس اقرأ علي". فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجهه؛ فإذا هو

стр. 3456

يتلون، فتحيرت من الفرق [¬١] فما استطعت أن [¬٢] أجيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي دفعه [¬٣]، ثم جعل يتبعه رسمًا رسمًا، فيمحوه بريقه، وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا [¬٤] وتهوكوا". حتى محا آخره حرفًا حرفًا، قال عمر ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكالاً لهذه الأمّة. قالا: والله ما نكتب منه شيئًا أبدًا. فخرجا بصفنيهما [¬٥] فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها. وكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت الأنصاري، عن عمر بن الخطاب بنحوه، وروى أبو داود في المراسيل (١١): من حديث أبي قلابة، عن عمر نحوه والله أعلم. ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ يقول تعالى: اذكر لقومك يا محمَّد في قصصك عليهم من [¬٦] قصة يوسف؛ إذ قال لأبيه، وأبوه هو يعقوب [بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام] [¬٧]، كما قال الإِمام أحمد (١٢): ثنا عبد الصمد، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم". انفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمَّد، عن عبد الصمد، به (١٣).

стр. 3457

وقال البخاري أيضًا (١٤): ثنا محمَّد، أنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سئل رسول الله، ﷺ : أي الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فأكرم الناس: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ " قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فقهوا". ثم قال: تابعه أبو [¬١] أسامة عن عبيد الله. وقال ابن عباس (١٥): رؤيا الأنبياء وحي. وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أنّ الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه [¬٢]، والشمس والقمر عبارة عن [أبيه وأمه]. روي هذا عن ابن عباس (١٦)، والضحاك، وقتادة، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم،

стр. 3458

وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره، وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾. وقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبًا، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير (١٧): حدثني على بن سعيد الكندي، ثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن جابر] [¬١] قال: أتى النبي، ﷺ ، رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي، ﷺ ، ساعة فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله، ﷺ ، إليه فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ " فقال: نعم. قال: "جربان [¬٢]، والطارق، والذيّال، وذو الكنفات [¬٣]، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق [¬٤]، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور". فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها. ورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في

стр. 3459

تفسيره، أمّا أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه (١٨) عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله، ﷺ : "لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد" قال: "والشمس أبوه، والقمر أمّه". تفود به الحكم بن ظهير الفزاري، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني ساقط، وهو صاحب حديث حُسْنِ يوسف. قَ ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قول [¬١] يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرّون له ساجدين إجلالًا واحترامًا وإكرامًا، فخشي يعقوب ﵇ أن يحدّث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدوه [¬٢] على ذلك، فيبغوا [¬٣] له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: يحتالوا لك حيدة ودونك فيها؛ ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال (١٩): " إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدّث به، وإذا رأى ما يكره فليتحوّل إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلاًثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدّث بها أحدًا، فإنها لن تضره". وفي الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد، وبعض أهل السنن (٢٠): من رواية

стр. 3460

معاوية بن حَيْدَةَ القشيري أنه قال: قال رسول الله، ﷺ : "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عُبرت وقعت". ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث (٢١):، استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود". ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يختارك ويصطفيك لنبوّته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بإرسالك والإيحاء إليك. ولهذا قال: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الخليل ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ولده، وهو الذبيح في قول، وليس

стр. 3461

بالرجيح ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته كما قال في الآية الأخرى. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ يقول تعالى: لقد كان فى قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي: عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يستخبر عنه ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ أي: حلفوا فيما يطون: والفه، ليوسف وأخوه - يعنون بنيِامين، وكان شقيقه لأمه - ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة فكيف أحَبَّ ذينك الاثنين أكثر من الجماعة ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا. واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم [¬١] أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بنى إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالًا؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم اعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم، اما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض عن الأراضى تستريحوا منه، وتختلوا [¬٢] أنتم بأبيكم وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحين، فأضمروا التربة قبل الذنب ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة،

стр. 3462

ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل. وقال السدي: الذيما قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي: لا تصلوا فى عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله؛ لأن اللَّه تعالى كان يريد منه أمرًا لابد من إمضائه، إتمامه: من الإِيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين [¬١] له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم اللَّه عنه بمقالة روبيل فيه، وإشارته عليهم بأن يلقوه فى غيابة الجب وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة من المسافرت، فتستريحوا منه بهذا، ولا حاجة إلى قتله. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: إذ كنتم عازمين على ما تقولون. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند اللَّه، مع حق الوالد على ولده؛ ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه، على كبر سنه، ورقة [¬٢] عظمه، مع مكانه من اللَّه فيمن أحبه طفلاً صغيرًا، وبين ابنه [¬٣] على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر اللَّه لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرًا عظيمًا. رواه ابن أبي حاتم (٢٢) من طريق سلمة بن الفضل عنه. ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ لما تواطئوا على أخذه وطرحه فى البئر كما أشار به عليهم أخوهم روبيل، جاءوا أباهم يعقوب، ﵇، فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ وهذه توطئة وسلف ودعوى وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد حب أبيه له ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ أي: ابعثه معنا ﴿غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [¬٤] وقرأ بعضهم بالياء

стр. 3463

﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [¬١]. قال ابن عباس (٢٣): يسعى وينشط. وكذا قال قتادة، والضحاك [¬٢]، والسدي، وغيرهم. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ يقولون: ونحن نحفظه، ونحوطه من أجلك. ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: يشق عليَّ مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذاسك لفرط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة، والكمال في الخَلق والخُلق، صلوات اللَّه وسلامه عليه. وقوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم، فيأتيه ذئب، فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له [¬٣] عنها في الساعة الراهنة ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة، إنا إذًا لهالكون عاجزون. ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ يقول تعالى: فلما ذهبت به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه فى

стр. 3464

أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له، إكرامًا له، وبسطًا، وشرحًا لصدره، وإدخالًا للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب [¬١]﵇ لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له. [وذكر السدي و] [¬٢] غيره: أنه [¬٣] لم يكن بين إكرامهم له، وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل [¬٤] إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تثبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، [فسقط في الماء] [¬٥] فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها: الراغوفة فقام فوقها. وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذاكرًا لطفه ورحمته وعائدته، وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف فى ذلك الحال الضيق؛ تطيبًا لقلبه وتثبيتًا له: إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك اللَّه عليهم ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع. وقوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال [مجاهد و] [¬٦] قتادة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء اللَّه إليه. وقال ابن عباس: ستنبئنهم [¬٧] بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك. كما قال ابن جرير (٢٤): حدثني الحارث، ثنا عبد العزيز، ثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف [على يوسف] [¬٨] فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصوامع فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه

стр. 3465

ليخبرني هذا الجام [¬١] أنه كان لكم أخ عن أبيكم يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب. قال: ثم نقره فطن، قال: فأتيتم أباكم، فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب. قال: فقال بعضهم لبعض إن هذا الجام ليخبره بخبركم. قال ابن عباس [﵄] فلا [¬٢] نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب: أنهم [¬٣] رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نترامى ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: ثيابنا وأمتعتنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه. وقولهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؛ لأنك خشيت أن يأكله الذئب فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا. ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سَخْلَة [¬٤] فيما ذكره مجاهد، والسدي وغير واحد - فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه

стр. 3466

الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي اللَّه يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، حتى يفرجه اللَّه بعونه ولطفه ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال الثوري (٢٥)، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال [¬١]: لو أكله السبع لخرق الفميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه. وروى هشيم (٢٦)، عن عبد الرحمن بن يحيى (٢٧)، عن حبان بن أبي جبلة قال: سُئل رسول اللَّه، ﷺ ، عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: "صبر لا شكوى فيه". وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق (٢٨): قال الثوري عن بعض أصحابه: أنه قال: ثلاث من الصبر؛ أن لا تحذث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك. وذكر البخاري (٢٩) هاهنا حديث عائشة، ﵂، في الإفك، حتى ذكر قولها: واللَّه، لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.

стр. 3467

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما جرى ليوسف ﵇ حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدًا وحيدًا، فمكث في البئر ثلاثة أيام بم فيما قاله أبو بكر بن عياش (٣٠). وقال محمد بن إسحاق (٣١): لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا [¬١] يصنع وما يصنع به، فساق اللَّه له سيارة فنزلوا قريبًا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم، وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف، ﵇، فيها، فأخرجه واستبشر به وقال: ﴿يَا بُشْرَى [¬٢] هَذَا غُلَامٌ﴾. وقرأ بعض القراء: ﴿يَا بُشْرَى [¬٣]﴾، فزعم السدي: أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه، مُعْلِمًا له أنه أصاب غلامًا، وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يُسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس (٣٢)، والله أعلم. وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإِضافة وهو يريدها [¬٤]، كما تقول العرب: يا نفس اصبري، ويا غلام أقبل، بحذف [¬٥] حرف الإِضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى (يا بشراي) واللَّه أعلم. وقوله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسره الواردون من بقية السيارة، وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء، مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير؛ هذا قول.

стр. 3468

وقال العوفي عن ابن عباس (٣٣) قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يباع، فباعه إخوته. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عليم [¬١] بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي هذا تعريض لرسوله محمد، ﷺ ، وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجحل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسَف الحكم، والعاقبة على إخوته. وقوله ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل؛ قاله مجاهد، وعكرمة. والبخس: هو النقص؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دُونٍ قليلِ، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا [¬٢]. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: ان الضمير في قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. [والأول أقوى؛ لأن قوله ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة] [¬٣] استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿وَشَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله: ﴿بَخْسٍ﴾ الحرام، وقيل: الظلم، وهذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد: أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد؛ لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص، أو الزيوف، أو كلاهما، أي: إنهم إخوته وقد

стр. 3469

باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان؛ ولهذا قال: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فعن ابن مسعود ﵁ (٣٤): باعوه بعشرين درهمًا. وكذا قال ابن عباس (٣٥)، ونوف البكالي، والسدي، وقتادة، وعطة العوفي، وزاد: اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهما. وقال الضحاك في قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ وذلك. أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند اللَّه . وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم، ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلمًا. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ يخبر تعالى بألطافه بيوسف ﵇: أنه [¬١] قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح [¬٢]، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير، بها. [قال] [¬٣] العوفي، عن ابن عباس (٣٦): وكان اسمه قطفير.

стр. 3470

وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير [¬١] بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق. قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل [¬٢]. وقال غيره: اسمها زَليخا. وقال محمد بن إسحاق أيضًا (٣٧)، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن بُوَيْب [¬٣] بن عفقان بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم. وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال (٣٨): أفرس الناس ثلاثة؛ عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها عن برسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄. يقول تعالى: وكما أنقذنا ورسف من إخوته ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: بلاد مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب [¬٤] لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: فعال لما يشاء.
следующие страницы →