← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي اللَّه يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، حتى يفرجه اللَّه بعونه ولطفه ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال. وقال الثوري (٢٥)، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال [¬١]: لو أكله السبع لخرق الفميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه. وروى هشيم (٢٦)، عن عبد الرحمن بن يحيى (٢٧)، عن حبان بن أبي جبلة قال: سُئل رسول اللَّه، ﷺ ، عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: "صبر لا شكوى فيه". وهذا مرسل. وقال عبد الرزاق (٢٨): قال الثوري عن بعض أصحابه: أنه قال: ثلاث من الصبر؛ أن لا تحذث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك. وذكر البخاري (٢٩) هاهنا حديث عائشة، ﵂، في الإفك، حتى ذكر قولها: واللَّه، لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.

стр. 3467

﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما جرى ليوسف ﵇ حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدًا وحيدًا، فمكث في البئر ثلاثة أيام بم فيما قاله أبو بكر بن عياش (٣٠). وقال محمد بن إسحاق (٣١): لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا [¬١] يصنع وما يصنع به، فساق اللَّه له سيارة فنزلوا قريبًا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم، وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف، ﵇، فيها، فأخرجه واستبشر به وقال: ﴿يَا بُشْرَى [¬٢] هَذَا غُلَامٌ﴾. وقرأ بعض القراء: ﴿يَا بُشْرَى [¬٣]﴾، فزعم السدي: أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه، مُعْلِمًا له أنه أصاب غلامًا، وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يُسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس (٣٢)، والله أعلم. وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإِضافة وهو يريدها [¬٤]، كما تقول العرب: يا نفس اصبري، ويا غلام أقبل، بحذف [¬٥] حرف الإِضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى (يا بشراي) واللَّه أعلم. وقوله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسره الواردون من بقية السيارة، وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء، مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير؛ هذا قول.

стр. 3468

وقال العوفي عن ابن عباس (٣٣) قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يباع، فباعه إخوته. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عليم [¬١] بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وفي هذا تعريض لرسوله محمد، ﷺ ، وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجحل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسَف الحكم، والعاقبة على إخوته. وقوله ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل؛ قاله مجاهد، وعكرمة. والبخس: هو النقص؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دُونٍ قليلِ، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا [¬٢]. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: ان الضمير في قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة. [والأول أقوى؛ لأن قوله ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة] [¬٣] استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿وَشَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته. وقيل: المراد بقوله: ﴿بَخْسٍ﴾ الحرام، وقيل: الظلم، وهذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد: أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد؛ لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص، أو الزيوف، أو كلاهما، أي: إنهم إخوته وقد

стр. 3469

باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان؛ ولهذا قال: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فعن ابن مسعود ﵁ (٣٤): باعوه بعشرين درهمًا. وكذا قال ابن عباس (٣٥)، ونوف البكالي، والسدي، وقتادة، وعطة العوفي، وزاد: اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهما. وقال الضحاك في قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ وذلك. أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند اللَّه . وقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم، ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلمًا. ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾ يخبر تعالى بألطافه بيوسف ﵇: أنه [¬١] قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح [¬٢]، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير، بها. [قال] [¬٣] العوفي، عن ابن عباس (٣٦): وكان اسمه قطفير.

стр. 3470

وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير [¬١] بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق. قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل [¬٢]. وقال غيره: اسمها زَليخا. وقال محمد بن إسحاق أيضًا (٣٧)، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن بُوَيْب [¬٣] بن عفقان بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم. وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال (٣٨): أفرس الناس ثلاثة؛ عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها عن برسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄. يقول تعالى: وكما أنقذنا ورسف من إخوته ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: بلاد مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب [¬٤] لما سواه. قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: فعال لما يشاء.

стр. 3471

وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه [وفعله] [¬١] لما يريده [¬٢]. وقوله: ﴿ولما بلغ﴾ أي: يوسف ﵇ ﴿أشده﴾ أي: استكمل عقله [¬٣]، وتم خلقه ﴿آتيناه حكمًا وعلمًا﴾ يعني: النبوة، أنه حباه بين أولئك الأقوام ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ أي: إنه كان محسنًا في عمله عاملًا بطاعة الله [¬٤] تعالى، وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده؛ فقال ابن عباس (٣٩) ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة [¬٥]، وعن ابن عباس (٤٠): بضع وثلاثون، وقال الضحاك: عشرون، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة، وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال سعيد بن جبير: [ثماني عشرة] [¬٦] سنة، وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشُدّ: الحلم، وقيل غير ذلك والله أعلم. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾ يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته [¬٧] عن نفسه، أي: حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًّا شديدًا، لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها ﴿وقالت هيت لك﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع و ﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ وكانوا يطلقون الرب على السيد والكبير، أي: إن بعلك ربي

стр. 3472

أحسن مثواي، أي: منزلي، وأحسن إلى؛ فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقد اختلف القراء في قراءة ﴿هيت لك﴾ فقرأه كثيرون: بفتح الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء [¬١]-، وقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها. وقال على بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس ﴿هيت لك﴾ تقول: هلم لك. وكذا قال زر بن حبيش، وعكرمة، والحسن، وقتادة. قال عمرو بن [عبيد] [¬٢]، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية أي: عليك. وقال السدي ﴿هيت لك﴾ أي: هلم لك، وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة غريبة تدعوه بها. وقال البخاري (٤١): وقال عكرمة: ﴿هيت لك﴾ أي: هلم لك بالحورانية. هكذا ذكره معلقًا، وقد أسنده الإِمام أبو جعفر بن جرير (٤٢): حدثني أحمد بن سهيل [¬٣] الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري، عن عكرمة مولي ابن عباس في قوله ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك؛ قال: هي بالحورانية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي [¬٤] هذه القراءة، يعني ﴿هيت لك﴾ ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال. وقال أبو عبيد [¬٥]: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران فذكر أنها لغتهم يعرفها.

стр. 3473

واستشهد الإِمام ابن جرير على هذه القراءة بقول [¬١]- الشاعر لعلي بن أبي طالب ﵁: أبْلغ أمير المؤمنيـ … ــــــــــــــــن أخا [¬٢] العراق إذا أتيتا أنَّ العراق وأهله … عُنُقٌ [¬٣] إليك فهيت هيتا يقول: فتعال واقترب. وقرأ ذلك آخرون: (هِئْتُ لك) [¬٤] بكسر الهاء، والهمزة، وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك، من قول القائل: هئت للأمر أهيء هيئةً، وممن روي عنه هذه القراءة، ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو وائل، وعكرمة، وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو، والكسائي ينكران هذه القراءة. وقرأ عبد الله بن إسحاق: (هَيتِ) بفتح الهاء وكسر التاء، وهي غريبة. وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة: (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد قول الشاعر: ليس قومي بالأبعدين إذا ما … قال داعٍ من العشيرة هَيْتُ قال عبد الرزاق (٤٣): أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال ابن مسعود: قد سمعت القَرَأَةَ فسمعتهم متقاربين: فاقرءوا كما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع [¬٥] والاختلاف، وإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم قرأ عبد الله ﴿هَيْتَ لك﴾ فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يقرءونها (هَيْتُ). فقال عبد الله: إني أقرؤها كما عُلِّمت أحبُّ إلى.

стр. 3474

وقال ابن جرير (٤٤): حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل قال: قال عبد الله ﴿هَيْتَ لك﴾ فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها ﴿هَيْتُ لَكَ﴾. فقال: دعوني، فإني أقرأ كما أقرئت أحبُّ إليّ. وقال أيضًا (٤٥): حدثني المثني؛ قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة [عن الأعمش] [¬١]، عن شقيق، عن ابن مسعود؛ قال: ﴿هَيْتَ لك﴾ بنصب الهاء والتاء وبلا همز. وقرأ [¬٢] آخرون: (هِيتُ لك) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء. قال أبو عبيدة معمر بن المثني: هيت لا تثني، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: هيت لكَ، وهيت لكِ، وهيت لكما، وهيت لكم، وهيت لهن. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ اختلفت [¬٣] أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام؛ وقد زوي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة من السلف في ذلك ما ذكره [¬٤] ابن جرير، وغيره والله أعلم. [وقال بعضهم] [¬٥]: المراد بهمه بها هَمٌّ خطرات وحديث النفس، حكاه البغوي (٤٦)

стр. 3475

عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي هاهنا حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ : "يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: هم بها لولا أن رأي برهان ربه، أي: فلم يهم بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية؛ ذكره [¬١] ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضًا؛ فعن ابن عباس (٤٧)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: رأي صورة أبيه يعقوب [﵇] عاضًّا على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي (٤٨)، عن ابن عباس: رأي [¬٢] خيال الملك - يعني: سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال أطفير [¬٣] سيده حين دنا من الباب. وقال ابن جرير (٤٩): حدثنا أبو كريب؛ قال: حدثنا وكيع، عن أبي مودود، قال: سمعت من محمد بن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب

стр. 3476

في حائط البيت: ﴿لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة [] [¬١]- وساء سبيلًا﴾. وكذا رواه أبو معشر المدني (٥٠) عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب (٥١): أخبرني نافع بن يزيد [¬٢]، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رأه [¬٣] يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله ﴿إن عليكم لحافظين﴾ الآية، وقوله: ﴿وما تكون في شأن﴾ الآية، وقوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾. قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾. وقال الأوزاعي: رأي آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. قال: وقوله: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. ﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ

стр. 3477

فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجي إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه [من ورائه] [¬١]، فقدته قدًّا فظيعًا يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا وهي في إثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إلا أن يسجن﴾ أي: يحبس ﴿أو عذاب أليم﴾ أي: يضرب ضربًا شديدًا موجعًا، فعند ذلك انتصر يوسف، ﵇، بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و ﴿قال﴾ بارًّا صادقًا: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل﴾ أي: من قدامه ﴿فصدقت﴾ أي: في قولها إنه [أرادها] [¬٢] [على] [¬٣] نفسها؛ لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه، دفعته في صدره فقدت قميصه، فيصح ما قالت ﴿وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ وذلك يكون كما وقع، لما هرب منها، وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه. وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف؛ فقال عبد الرزاق (٥٢): أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾

стр. 3478

قال: ذو لحية. وقال الثوري (٥٣)، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك. وكذا قال مجاهد وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: إنه كان رجلًا. وقال زيد بن أسلم، والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس (٥٤): كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق: أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد. وقال العوفي (٥٥): عن ابن عباس في قوله ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان صبيًّا في المهد. وكذا روي عن أبي هريرة (٥٦)، وهلال بن يساف، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم: انه كان صبيًّا في الدار، واختاره ابن جرير. وقد ورد فيه حديث مرفوع؛ فقال ابن جرير (٥٧): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد - هو ابن سلمة - أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير،

стр. 3479

عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، قال: "تكلم أربعة وهم صغار … "، فذكر فيهم شاهد يوسف. ورواه غيره (٥٨) عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد [بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس أنه قال: "تكلم أربعة وهم صغار؛ ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسي بن مريم". وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى ولم يكن إنسيًّا. وهذا قول غريب. وقوله ﴿فلما رأي قميصه قدّ من دبر﴾ أي: لما تحقق زوجها صدق يوسف، وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قال إنه من كيدكن﴾ أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إن كيدكن عظيم﴾. ثم قال آمرًا ليوسف ﵇ بكتمان ما وقع: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ أي: اضرب عن هذا الأمر صفحًا، أي: فلا تذكره لأحد ﴿واستغفري لذنبك﴾ يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلًا، أو أنه عذرها؛ لأنها رأت مالا صبر لها عنه، فقال لها:

стр. 3480

﴿استغفري لذنبك﴾ أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه، استغفري من [¬١] هذا الذى وقع منك ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع فى المدينة، وهي مصر، حتى تحدث [به الناس] [¬٢] ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ مثل نساء الكبراء والأمراء، ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير، ويعبن ذلك عليها ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها ﴿قد شغفها حبًّا﴾ أي: قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه. قال الضحاك (٥٩)، عن ابن عباس: الشغف الحب القاتل، والشعف دون ذلك، والشغاف حجاب القلب. ﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾ أي: في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه.

стр. 3481

﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ قال بعضهم: بقولهن، وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حُسْنُ ورسف فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿أرسلت إليهن﴾ أي [¬١]: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ﴿وأعدت لهن متكأ﴾. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته ﴿وقالت اخرج عليهن﴾ وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿فلما﴾ خرج و ﴿رأينه أكبرنه﴾ أي: أعْظمنَ شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشًا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها؛ قاله غير واحد. وعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله أعلم. وقد ذُكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجًا وآتت كل واحدة منهن سكينًا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلًا ومدبرًا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت [¬٢]: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألامُ أنا؟ ﴿فقلن حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾ ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا. لأنهن لم يرين في البشر شبهه [¬٣] ولا قريبًا منه، فإنه، ﵇، كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإِسراء (٦٠): أن رسول الله، ﷺ ، مر بيوسف، ﵇، في السماء الثالثة قال: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن". وقال حماد بن سلمة (٦١)، عن ثابت، عن أنس قال: قال، ﷺ : "أعطي يوسف وأمه شطر الحسن".

стр. 3482

وقال سفيان الثوري (٦٢)، [عن أبي إسحاق] [¬١]، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن. وقال أبو إسحاق أيضًا (٦٣): عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتن به. ورواه الحسن البصري مرسلًا عن النبي، ﷺ ، أنه قال (٦٤): " أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين". أو قال: "أعطي يوسف، وأمه الثلثين، والناس الثلث".

стр. 3483

وقال سفيان (٦٥)، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين؛ فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق. وقال الإِمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف، ﵇، كان على النصف من حسن آدم، ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه. فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿حاش لله﴾ قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله! ﴿ما هذا بشرًا﴾، وقرأ بعضهم ﴿ما هذا بِشِرًى﴾. أي: بمشتري بشراء [¬١]- ﴿إن هذا إلا ملك كريم* قالت فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق بأن [¬٢] يحب لجماله وكماله. ﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ أي: فامتنع، قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر [¬٣] أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين﴾ فعند ذلك استعاذ يوسف، ﵇، من شرهن وكيدهن، وقال: ﴿رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه﴾ أي: من الفاحشة ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها [¬٤] قدرة، ولا أملك لها ضرًّا، ولا نفعًا، إلا بحولك، وقوتك، أنت المستعان، وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي. ﴿أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ وذلك أن يوسف، ﵇، عصمه الله عصمة عظيمة وحماه، فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله، تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله

стр. 3484

ورجاء [¬١] ثوابه. ولهذا ثبت في الصحيحين (٦٦) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا [¬٢] عليه، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي: إلى مدة، وذلك بعد ما عرفوا براءته، وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم، والله أعلم، إنما سجنوه لما شاع الحديث؛ إيهامًا أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك، ولهذا لما طلبه [¬٣] الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة، فلما تقرّر ذلك خرج وهو نقي العرض، صلوات الله عليه وسلامه. وذكر السدي: أنهم إنما سجنوه؛ لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرئ عرضه فيفضحها. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ قال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب: بنوا، والآخر: مجلث.

стр. 3485

قال السدي: وكان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه. وكان يوسف، ﵇، قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير، والإِحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم، ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به، وأحباه حبًّا شديدًا، وقالا له (٦٧): والله، لقد أحببناك حبًّا زائدًا. فقال [¬١]: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليَّ من محبته ضرر؛ أحبتني عمتي، فدخل عليَّ الضرر بسببها؛ وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله، ما نستطع إلا ذلك، ثم إنهما رأيا منامًا، فرأي الساقي أنه يعصر خمرًا، يعني: [] [¬٢] عنبًا، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنبًا) ورواه ابن أبي حاتم (٦٨): عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد ابن وهب، عن ابن مسعود: أنه قرأها: (أعصر عنبًا). وقال الضحاك في قوله ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ يعني: عنبًا؛ قال: وأهل عمان يسمون العنب خمرًا. وقال عكرمة: [قال له: إني] [¬٣] رأيت - فيما يرى النائم - أني غرست حبلة من عنب، فنبتت فخرج فيها عناقيد فعصرتهنّ، ثم سقيتهن [¬٤] الملك. فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرًا. وقال الآخر وهو الخباز: ﴿إي أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله﴾ الآية.

стр. 3486

والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه: أنهما رأيا منامًا، وطلبا تعبيره. وقال ابن جرير (٦٩): حدثنا ابن وكيع وابن حميد؛ قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله [بن مسعود،]؛ قال: ما رأي صاحبا يوسف شيئًا إنما كانا تحالما ليجربا عليه. ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ يخبرهما يوسف، ﵇، أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم، فإنه [¬١] عارف بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه، ولهذا قال: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾. قال مجاهد: يقول ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ [في نومكما] [¬٢] ﴿إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما﴾ وكذا قال السدي، وقال ابن أبي حاتم ﵀ (٧٠): حدثنا على بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد شيخ له، [عن رشدين] [¬٣] عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف

стр. 3487

﵇ كان يعتاف (٧١) وهو كذلك؛ لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله﴾ قال: إذا جاء الطعام حلوًا، أو مرًّا اعتاف عند ذلك. ثم [¬١] قال ابن عباس: إنما عُلِّمَ فَعَلِمَ. وهذا أثر غريب. ثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا، ولا عقابًا في المعاد ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين [¬٢]، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا [¬٣] يكون حال من سلك طريق الهدي، واتبع طريق [¬٤] المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين، [فإن الله] [¬٥] يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد. ﴿ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ هذا التوحيد: وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله [¬٦] وحده لا شريك له ﴿من فضل الله علينا﴾ أي: أوحاه إلينا، وأمرنا به ﴿وعلى الناس﴾ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك ﴿ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون﴾ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم لإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بدّلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾. وقال ابن أبي حاتم (٧٢): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه كان يجعل الجد أبًا، ويقول: والله، لمن شاء لاعنّاه عند الحجر، ما ذكر الله جدا ولا جدة، قال الله تعالى - يعني [¬٧] إخبارًا عن يوسف -: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾. ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا

стр. 3488

تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ ثم إنّ يوسف، ﵇، أقبل على الفتيين بالمخاطبة، والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أأرباب متفرّقون خير أم الله الواحد القهار﴾ أي [¬١]: الذي وَليَ كل شيء بعز [¬٢] جلاله وعظمة سلطانه. ثم بيّن لهما أن التي يعبدونها، ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله؛ ولهذا قال: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ أي: حجة ولا برهان. ثم أخبرهم أنّ الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة: أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان، الذي يحبه ويرضاه ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾. وقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا؛ لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك؛ لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة. وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه قد وعدهما أوّلًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة، وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإِسلام، لما رأي في سجيتهما من قبول الخير والإِقبال عليه [¬٣] والإِنصات إليه؛ ولهذا لا فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾

стр. 3489

يقول لهما: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا﴾ وهو الذي رأي أنه يعصر خمرًا، ولكنه لم يعينه؛ لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا. ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، وقال الثوري (٧٣)، عن عمارة بن القعقاع عن [إبراهيم عن] [¬١] عبد الله؛ قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئًا. فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تسفتيان﴾. ورواه محمد بن فضيل (٧٤)، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، به. وكذا فسره مجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، وحاصله: أن من تحلم بباطل وفسره فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم، وقد ورد في الحديث الشريف [¬٢] الذي رواه الإِمام أحمد: عن معاوية بن حيدة (٧٥)، عن النبي، ﷺ ، قال: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت". وفي مسند أبي يعلي (٧٦): من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا: "الرؤيا لأول عابر". ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ لما ظن يوسف، ﵇، [نجاة أحدهما، وهو الساقي] [¬٣]، قال له يوسف خفية

стр. 3490

عن الآخر - والله أعلم - لئلا يشعره أنه المصلوب قال له -: ﴿اذكرني عند ربك﴾ يقول: اذكر قضيتي [¬١] عند ربك وهو الملك، فنسي ذلك الموصَى أن يذكر مولاه الملك [¬٢] بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان؛ لئلا يطلع نبي الله من السجن. هذا هو الصواب أن الضمير في قوله ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد، ويقال: إن الضمير عائد على يوسف، ﵇، رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضًا وعكرمة وغيرهم، وأسند ابن جرير هاهنا حديثًا فقال (٧٧): حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال النبي، ﷺ : "لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله".

стр. 3491

وهذا الحديث ضعيف جدًّا؛ لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخُوْزي أضعف منه أيضًا، وقد روي عن الحسن (٧٨) وقتادة (٧٩) مرسلًا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم. وأما البضع: فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعًا، ويوسف في السجن سبعًا، وعذاب بختنصر سبعًا. وقال الضحاك (٨٠)، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك: أربع عشرة سنة. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر اللَّه تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف، ﵇، من السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته، وتعجب من

стр. 3492

أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة [¬١] وكبار دولته وأمراءه، وقص [¬٢] عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه [بأن هذا] [¬٣] ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط اقتضت [¬٤] رؤياك هذه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: ولو [¬٥] كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر [ذلك] [¬٦] الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أمة، أي: مدة، وقرأ بعضهم: (بعد أَمَهٍ) أي: بعد نسيان، فقال [لهم أي] [¬٧]: للملك والذين جمعهم لذلك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل هذا المنام ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام: فبعثوه [¬٨] فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وذكر المنام الذي رآه اللك، فعند ذلك ذكر له يوسف، ﵇، تعبيرها، من غير تعنيف [لذلك الفتى] [¬٩] في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التى تستغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: مهما استغللتم [¬١٠] في هذه السبع السنين الخصب، فاخزنوه في سنبله؛ ليكون أبقى له وأبعد عن إصراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا لا تسرفوا فيه؛ لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات [¬١١]، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني [¬١٢] الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سنى [¬١٣] الخصب وهن السنبلات اليابسات. وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.

стр. 3493

ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي: بأنه [¬١] يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس، أي: يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا. قال على بن أبي طلحة (٨١)، عن ابن عباس: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون. ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأينقه [¬٢] فعرف فضل يوسف ﵇ وعلمه وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه فقال ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو [¬٣] قدره وصبره،

стр. 3494

صلوات اللَّه وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين (٨٢) من حديث الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" [وقال الإمام أحمد أيضًا] [¬١] (٨٣) حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فقال رسول اللَّه، ﷺ : "لو كنت أنا لأسرعتُ الإِجابة وما ابتغيتُ العذر" وقال عبد الرزاق (٨٤) أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار [عن عكرمة] [¬٢]؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ : "لقد عجبتُ من يوسف وصبره وكرمه واللَّه يغفر له - حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه - واللَّه يغفر له - حين أتاه الرسول، ولو كنتُ مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر". هذا حديث مرسل. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إخبارٌ عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز فقال مخاطبًا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره [] [¬٣] العزيز: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: شأنكن وخبركن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ

стр. 3495

نَفْسِهِ﴾ يعني يوم الضيافة ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: قالت النسوة جوابًا للملك: حاش لله! أن يكون يوسف متهما، واللَّه ما علمنا عليه من سوء. فعند ذلك ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول [¬١] [الآن تبين الحق] وظهر وبرز. ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم [] [¬٢] زوجي أني لم أخنه بالغيب [¬٣] في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودتُ هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته [لأنها أمارة] [¬٤] بالسوء إلا ما رحم ربي، أي: إلا من عصمه اللَّه تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي فى تفسيره وانتدب لنصره الإمام العلامة [¬٥] أبو العباس بن تيمية، ﵀، فأفرده بتصنيف على حدة. وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف، ﵇، من قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ [فى زوجته] [¬٦] ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعدم العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فى زوجته ﴿بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. قال [¬٧] ابن جرير (٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن

стр. 3496

عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة، فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآية، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ الآية قال [¬١]: فقال له جبري ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف، ﵇، عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) يقول تعالى إخبارًا عن الملك حين تحقق براءة يوسف، ﵇، ونزاهة عرضه مما نسب إليه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من أخصائي [¬٢] وأهل مشورتى ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي: خاطبه الملك وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خُلق وخَلْق وكمال، قال له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة، وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾ أي: خازن أمين ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصر بما يتولاه. وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بِسني [¬٣] الجدب. رواه ابن أبي حاتم (٨٦). وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما [في ذلك] [¬٤] من المصالح للناس، وإنما سأل [¬٥]

стр. 3497

أن يجعل [¬١] على خزائن الأرض: وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه [¬٢] من السنين التي أخبرهم بشأنها، ليتصرف [¬٣] لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له، ولهذا [¬٤] قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء. وقال ابن جرير: يتخذ منها منزلًا حيث شاء [¬٥] بعد الضيق والحبس والإسار ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وما أضعنا صبر يوسف عَلى أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه اللَّه السلامة والنصر والتأييد ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يخبر تعالى: أن ما ادخره اللَّه تعالى لنبيه يوسف، ﵇، في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله [¬٦] في حق سليمان، ﵇: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. والغرض: أن يوسف، ﵇، ولَّاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف، ﵇؛ قاله مجاهد. وقال محمد بن إسحاق (٨٧): لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال الملك: قد فعلتُ، فولاه فيما ذكروا عمل أطفير، وعزل [¬٧] أطفير عما كان عليه، يقول اللَّه : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: فذكر لي - والله أعلم -:

стр. 3498

أن أطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة أطفير راعيلَ، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيرًا كما ترى كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك اللَّه في حسنك وهيئتك [¬١] على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها، فولدت له رجلين؛ أفرائيم ابن يوسف وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇. وقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، والملوك عبيدًا بمعصيته. ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين: أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر، أن يوسف، ﵇، لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السبع سنين الخصبة، ثم تلتها [سنينُ الجدب] [¬٢]، وعم القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب، ﵇، وأولاده، وحينئذٍ احتاط يوسف، ﵇، للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وأهراء [¬٣] متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان، ﵇، لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفى الناس بما في أيديهم مدّة السبع سنين، وكان رحمة من اللَّه على أهل مصر.

стр. 3499

وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى [باعهم بأنفسهم وأولادهم] [¬١] بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم وردّ عليهم أموالهم كلها - اللَّه أعلم بصحة ذلك، وهو من الإِسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب. والغرض: أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس المام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب، ﵇، عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف ﵇، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما [دخلوا على يوسف] [¬٢] وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لا يعرفونه؛ لأنهم فارقوه وهو صغير حديث، وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم. فذكر السدي وغيره: أنه شرع يخاطبهم فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ اللَّه! قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي اللَّه. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني [¬٣] عشر، فذهب أصغرنا هلك في البرية، وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم. ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: وفّاهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم، قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم؛ لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ الآية، أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهودًا لتعلم صدقنا فيما قلناه. وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر؛ لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرًا، وهذا لحرصه على رجوعهم. ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ [¬٤]﴾ أي: لغلمانه [¬٥] ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: التي قدموا بها

стр. 3500

ليمتاروا عوضًا عنها ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها. قيل: خشي يوسف، ﵇، أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها، وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضًا عن الطعام. وقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجًا وتورعًا؛ لأنه يعلم [ذلك منهم]، واللَّه أعلم. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾ يخبر تعالى عنهم أنهم لما [¬١] رجعوا إلى أبيهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين، ﴿فأرسله معنا نكتل﴾ قرأ بعضهم بالياء [¬٢] أي: يكتل هو ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ولهذا قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [¬٣] وقرأ بعضهم: ﴿حَافِظًا﴾ [¬٤]، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من اللَّه أن ورده عليَّ، ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين. وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ

стр. 3501

كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾ يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: ماذا نريد ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا: إنّ بضاعتنا ردت الينا وقد أوفى لنا الكيل. ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ذلك أن يوسف، ﵇، كان يعطي كل رجل حمل بعير، وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى فى بعض اللغات بعيرًا كذا قال. ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: ان هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم، ما يعدل هذا [هذا] [¬١] ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه [¬٢] ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فقال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدًّا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم [¬٣] عنها فبعثه معهم. ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ يقول تعالى إخبارًا عن يعقوب، ﵇،: أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين

стр. 3502

إلى مصرَ أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس (٨٨) ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي [وغير واحد] [¬١]: إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه. وروى ابن أبي حاتم (٨٩): عن إبراهيم النخعي في الآية في قوله: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب. وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يردّ قضاء الله وقدره، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا يمانع ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾. قال قتادة والثوري: لذو [عمل بعلمه] [¬٢]. وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾ يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، فأدخلهم [¬٣] دار كرامته، ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه، وما جرى له وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرّمًا معظمًا. ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ

стр. 3503

إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ لما جهزهم وحمّل لهم أبعرتهم طعامًا، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية: وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب - قاله ابن زيد - كان يشرب فيه، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد. وقال شعبة (٩٠)، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال: كان من فضة يشربون فيه وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية. فرضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي، وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أي: صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة. ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ لما اتهمهم [¬١] أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهنم إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا

стр. 3504

لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا؛ لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة - أنَّا ما جئنا للفساد [¬١] في الأرض ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾. أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقالت [¬٢] لهم الفتيان: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارق إن كان فيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: أيُّ شيء يكون عقوبته إن وجدنا [فيكم] [¬٣] من أخذه؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا كانت شريعة إبراهيم ﵇: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف، ﵇، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي: فتشها قبله تورية ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد، الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة. وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزمره، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . وكذا روى عبد الرزاق (٩١): عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فتحدث [¬٤] بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله! فوق كل ذي علم عليم. فقال ابن عباس: بئس ما قلت! الله العليم وهو فوق كل عالم. وكذا روى سماك (٩٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس

стр. 3505

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة. وقال قتادة: وفوق كل ذي علمٍ عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بُدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود، وفي قراءه عبد الله: (وفوق كل عالم عليم). ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف، ﵇. قال سعيد بن جبير، عن قتادة: كان يوسف قد سرق صنمًا لجده أبي أمه فكسره. وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال (٩٣): كان أول ما دخل على يوسف من البلاء - فيما بلغني -: أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها [¬١] مِنْطَقَةُ [¬٢] إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان [¬٣] من اختبأها [¬٤] ممن وليها كان له سلمًا لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء [¬٥]، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، فكان منها [¬٦] وإليها فلم [¬٧] يُحب أحد شيئًا من الأشياء حبها إيّاه، حتى إذا [¬٨] ترعرع وبلغ سنوات، [وقعت] [¬٩] نفس يعقوب، ﵇، فأتاها فقال: يا أخية، سلمي إليَّ يوسف؛ فوالله، ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة.
следующие страницы →