كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾
يقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: ماذا نريد ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا: إنّ بضاعتنا ردت الينا وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ذلك أن يوسف، ﵇، كان يعطي كل رجل حمل بعير، وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى فى بعض اللغات بعيرًا كذا قال.
﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: ان هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم، ما يعدل هذا [هذا] [¬١] ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه [¬٢] ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فقال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
قال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدًّا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم [¬٣] عنها فبعثه معهم.
﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
يقول تعالى إخبارًا عن يعقوب، ﵇،: أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين
стр. 3502
إلى مصرَ أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس (٨٨) ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي [وغير واحد] [¬١]: إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه.
وروى ابن أبي حاتم (٨٩): عن إبراهيم النخعي في الآية في قوله: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب.
وقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يردّ قضاء الله وقدره، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا يمانع ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
قال قتادة والثوري: لذو [عمل بعلمه] [¬٢].
وقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾
يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، فأدخلهم [¬٣] دار كرامته، ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه، وما جرى له وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرّمًا معظمًا.
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ
стр. 3503
إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾
لما جهزهم وحمّل لهم أبعرتهم طعامًا، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية: وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب - قاله ابن زيد - كان يشرب فيه، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد.
وقال شعبة (٩٠)، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال: كان من فضة يشربون فيه وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية. فرضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي، وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أي: صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة.
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾
لما اتهمهم [¬١] أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهنم إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا
стр. 3504
لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا؛ لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة - أنَّا ما جئنا للفساد [¬١] في الأرض ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
أي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقالت [¬٢] لهم الفتيان: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارق إن كان فيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: أيُّ شيء يكون عقوبته إن وجدنا [فيكم] [¬٣] من أخذه؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.
وهكذا كانت شريعة إبراهيم ﵇: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف، ﵇، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي: فتشها قبله تورية ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد، الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزمره، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية.
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله . وكذا روى عبد الرزاق (٩١): عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فتحدث [¬٤] بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله! فوق كل ذي علم عليم. فقال ابن عباس: بئس ما قلت! الله العليم وهو فوق كل عالم. وكذا روى سماك (٩٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس
стр. 3505
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة.
وقال قتادة: وفوق كل ذي علمٍ عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بُدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود، وفي قراءه عبد الله: (وفوق كل عالم عليم).
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾
وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف، ﵇.
قال سعيد بن جبير، عن قتادة: كان يوسف قد سرق صنمًا لجده أبي أمه فكسره.
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال (٩٣): كان أول ما دخل على يوسف من البلاء - فيما بلغني -: أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها [¬١] مِنْطَقَةُ [¬٢] إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان [¬٣] من اختبأها [¬٤] ممن وليها كان له سلمًا لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء [¬٥]، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، فكان منها [¬٦] وإليها فلم [¬٧] يُحب أحد شيئًا من الأشياء حبها إيّاه، حتى إذا [¬٨] ترعرع وبلغ سنوات، [وقعت] [¬٩] نفس يعقوب، ﵇، فأتاها فقال: يا أخية، سلمي إليَّ يوسف؛ فوالله، ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة.
стр. 3506
قالت: فوالله ما أنا بتاركته. ثم قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعل ذلك يسليني عنه. أو كما قالت، فلما خرج من عندها يعقوب، عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق، ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ والتمست [¬١]، ثم قالت: كشفوا أهل البيت، فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه [¬٢] لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه بعقوب حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ يعني الكلمة التي بعدها، وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم، وهذا من باب الإِضمار قبل الذكر، وهو كثير كقول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر … وحسن فعل [¬٣] كما يُجزى سنمَّار [¬٤]
وله شواهد كثيرة من [¬٥] القرآن والحديث واللغة؛ في منثورها وأخبارها وأشعارها، قال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾
لما تعين أخذ بنيامين، وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم - شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يعنون: وهو يحبه حبًّا شديدًا، ويتسلى به عن ولده الذى فقده ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: بدله يكون عندك عوضا عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من [¬٦] العادلين المنصفين القابلين للخير ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: كما قدتم واعترفتم ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئًا بسقيم.
стр. 3507
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾
يخبر تعالى عن إخوة يوسف: أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين، الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه وعاهدره على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿خَلَصُوا﴾ أي: انفردوا عن الناس ﴿نَجِيًّا﴾ [¬١] يتناجون فيما بينهم.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه فى البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتردنه إليه، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن أفارق هذه البلدة ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع إليه راضيًا عني ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخى ﴿وَهُوَ خَيْرُ [¬٢] الْحَاكِمِينَ﴾.
ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذرًا لهم [¬٣] عنده، ويتنصلوا إليه ويبرءوا مما وقع بقولهم [] [¬٤]: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ما نعلم [¬٥] أن ابنك يسرق [¬٦].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يسرق له شيئًا، إنما سألنا: ما جزاء السارق؟ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قيل: المراد مصر، فاله قتادة، وقيل: غيرها ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: التى رافقناها [¬٧] عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا
стр. 3508
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته.
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾
قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
قال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتهمهم، وظن [¬١] أنها كفعلتهم بيوسف، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
[وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتبًا على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصح قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾] [¬٢].
ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وأخا [¬٣] بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [¬٤]﴾ أي: العليم بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وقضائه وقدره.
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول [¬٥] ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين.
قال عبد الرزاق (٩٤): أنا الثوري، عن سفيان العصفري [¬٦]، عن سعيد بن جبير أنه قال:
стр. 3509
لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. قاله قتادة وغيره.
وقال الضحاك: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كميد حزين.
وقال ابن أبي حاتم (٩٥): حدثنا أبي [ثنا أبو سلمة] [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس: أن النبي، ﷺ ، قال: "إن داود، ﵇، قال: يا رب، إن بني إسرائل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني لهم رابعًا، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود، إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك" وهذا مرسل [¬٢] وفيه نكارة؛ فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن على بن زيد [¬٣] بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم.
وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس، ﵀، حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما والله أعلم، فإن [بني إسرائيل] [¬٤] ينقلون أن بعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة، يتلطف له في رد ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف، في حديث طويل لا يصح والله أعلم، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفارق تذكر يوسف ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: ضعيف الجسم ضعيف القوّة ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يقولون: إن استمرّ بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف.
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو
стр. 3510
بَثِّي وَحُزْنِي﴾ أي: همي وما أنا فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجو منه كل خير.
وعن ابن عباس (٩٦): ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سوف أسجد له.
وقال ابن أبي حاتم (٩٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية [¬١]، عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان ليعقوب النبي، ﵇، أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك وقوّس ظهرك؟ قال: أمَّا [¬٢] الذي أذهب بصري فالبكاء [¬٣] على يوسف، وأما الذي قوّس [¬٤] ظهري فالحزن على بنيامين. فأتاه جبريل، ﵇، فقال: [يا يعقوب] [¬٥]، إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. فقال جبريل، ﵇، الله أعلم بما تشكو".
стр. 3511
وهذا حديث غريب فيه نكارة.
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن يعقوب ﵇: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين.
والتحسس يكون في الخير، والتجسس يستعمل [¬١] في الشر.
ونهضهم وبشرهم، وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، أي: لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه و [يقصدون له] [¬٢]، فإنه لا يقطع الرجاء ويقطع الإِياس من روح [¬٣] الله إلا القوم الكافرون.
وقوله ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر ودخلوا على يوسف ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد.
وقال ابن عباس (٩٨): الرديء الذي لا ينفق مثل خَلَقِ [¬٤] الغِرَارة [¬٥] والحبل والشيء.
وفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان. وكذا قال قتادة والسدي.
وقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول. وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء. وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر
стр. 3512
والصنوبر.
وأصل الإِزجاء: الدفع لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي:
لِيَبْكِ عَلَى مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ … وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيلِ أَرْمَلَا
وقال أعشى بني ثعلبة:
الواهبُ المِئةِ الهِجانِ وعَبْدِها … عُوذا تُزَجِّي خَلْفَهَا أطْفَالَها
وقوله إخبارًا عنهم ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود (٩٩): فأوقر [¬١] ركابنا وتصدق علينا.
وقال [¬٢] ابن جريج: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ برد أخينا إلينا.
وقال سعيد بن جبير والسدي: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة وتجوز [¬٣] فيها.
وسئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي، ﷺ ؟ فقال: ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟
رواه ابن جرير (١٠٠): عن الحارث، عن القاسم عنه.
وقال ابن جرير (١٠١) حدثني الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت مجاهدًا وسئل هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليَّ؟ قال [¬٤]: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ
стр. 3513
وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
يقول تعالى مخبرًا [¬١] عن يوسف ﵇: أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق، وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو [¬٢] فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة، ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال [¬٣]: إنه رفع التاج عن جبهته وكان فيها شامة، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ يعني: كيف فرّقوا يينه وبين أخيه [¬٤] ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ أي: إنما حملكم [¬٥] على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف (١٠٢): كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية [¬٦].
والظاهر - والله أعلم -: أنّ يوسف، ﵇، إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرّتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرّج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فعند ذلك قالوا. ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾.
وقرأ أبي بن كعب: (أو أنت [¬٧] يوسف)، وقرأ ابن محيصن: ﴿إنك [لأنت] [¬٨] يوسف﴾ والقراءة المشهورة هي الأولى؛ لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يتردّدون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ
стр. 3514
وَهَذَا أَخِي﴾.
وقوله [¬١]: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الآية [¬٢]، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخُلق، والسعة والملك والتصرف، والنبوّة أيضًا على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقرّوا له بأنهم أساءوا إليه وأخطئوا في حقه.
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم [¬٣]، ولا أعيد عليكم [¬٤] ذنبكم فى حقى بعد اليوم.
ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
قال السدي: اعتذروا إلى يوسف، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم.
وقال ابن إسحاق والثوري: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾
يقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بجميع بني يعقوب.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعني يعقوب، ﵇، لمن بقي عنده من بنيه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر.
قال عبد الرزاق (١٠٣): أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال:
стр. 3515
سمعت ابن عباس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.
وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به، وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخًا، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة.
وقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير: تسفهون.
وقال مجاهد أيضًا والحسن: تهرِّمون.
وقولهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال ابن عباس (١٠٤): لفي خطئك القديم.
وقال قتادة: أي من حب يوسف لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة، لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله ﷺ . وكذا قال السدي وغيره.
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾
قال ابن عباس (١٠٥) والضحاك: ﴿الْبَشِيرُ﴾ البريد.
وقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب.
стр. 3516
قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب، فأراد أن يغسل ذاك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرًا.
وقال لبنيه عند ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم أن الله سيرده إليَّ، وقلت لكم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أي: من تاب إليه تاب عليه.
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. وقال ابن جرير (١٠٦): حدثنى أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر، عن محارب بن دثار قال: كان [عمٌّ لي] يأتى المسجد فسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي. قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.
وقد ورد في حديث [¬١] أن ذلك كان ليلة جمعة [¬٢]، كما قال ابن جرير أيضًا (١٠٧): حدثنى المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله، ﷺ : ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: "حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي
стр. 3517
يعقوب لبنيه".
وهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه [¬١] نظر، والله أعلم.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
يخبر تعالى عن ورود يعقوب، ﵇، على يوسف، ﵇، وقدومه ببلاد [¬٢] مصر لما كان يوسف قد تقدم [إلى إخوته] [¬٣] اأن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين ديار [¬٤] مصر، فلما أخبر يوسف، ﵇، باقترابهم خرج لتلقيهم [¬٥]، وأمر الملك [¬٦] أمراءه وأكابر الناس بالخروج [مع يوسف] [¬٧] لتلقي نبي الله يعقوب، ﵇، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه وهو الأشبه.
وقد أشكل قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ على كثير من المفسرين؛
стр. 3518
فقال بعضهم: هذا [¬١] من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام: وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش.
وقد رد [¬٢] ابن جرير هذا وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي: أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
وفي هذا نظر أيضًا؛ لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وفي الحديث: "من آوى محدثا" (١٠٨)، وما المانع أن يكون قال لهم بعد ما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر، وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط؟ ويقال - والله أعلم -: إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التى دعا بها رسول الله، ﷺ ، على أهل مكة حين قال (١٠٩): " اللهم [¬٣]، أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم، فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه ﵇.
وقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديمًا.
وقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان.
قال ابن جريرـ: ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها.
وهذا الذي نصره هو المتصور الذى يدل عليه السياق.
стр. 3519
وقوله: ﴿وَرَفَعَ [¬١] أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس (١١٠) ومجاهد وغير واحد: يعني السرير. أي: أجلسهما معه على سريره.
﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه [¬٢] وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلًا ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه [من قبل] [¬٣] ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية.
وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم: إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى، ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب .
هذا مضمون قول قتادة وغيره.
وفي الحديث (١١١): أن معاذًا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله، ﷺ ، فقال: "ما هذا يا معاذ؟ " فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله. فقال: "لو كنت آمرًا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة [¬٤] أن تسجد لزوجها؛ [من عظم] [¬٥] حقه عليها".
وفي حديث آخر (١١٢): أن سلمان لقي النبي، ﷺ ، في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد [¬٦] بالإِسلام. فسجد للنبي، ﷺ ، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت".
والغرض: أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا، فعندها قال يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: هذا ما آل إليه الأمر،
стр. 3520
فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به [¬١] من خير وشر.
وقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: صحيحة صدقًا، يذكر نعم الله عليه ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية.
قال ابن جريج [¬٢] وغيره: كانوا من أهل بادية وماشية. وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام. قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حِشمَى، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح [¬٣] عباده ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده.
قال أبو عثمان النهدي (١١٣)، عن سلمان: كان [¬٤] بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة.
قال عبد الله بن شداد: [وإليها ينتهي] [¬٥] أقصى الرؤيا. رواه ابن جرير (١١٤).
وقال أيضًا (١١٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام، عن الحسن؛ قال: [كان منذ] فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض يومئذٍ عبد أحب إلى الله من
стр. 3521
يعقوب.
وقال هشيم (١١٦)، عن يونس، عن الحسن، ثلاث وثمانون سنة.
وقال مبارك بن فضالة (١١٧)، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة [¬١]، فمات وله عشرون ومائة سنة، وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة.
وقال محمد بن إسحاق: ذُكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانى عشرة سنة.
قال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب، ﵇، بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه.
وقال أبو إسحاق السبيعي (١١٨)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانًا وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفًا.
وقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون من [¬٢] بين رجل وامرأة. فالله أعلم.
وقال موسى بن عبيدة (١١٩)، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانًا صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها [¬٣] وهم ستمائة ألف ونيف.
стр. 3522
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾
هذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه لما تمت [النعمة] [¬١] عليه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَن الله [به عليه] من النبوة والملك، سأل ربه كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلمًا حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوته [¬٢] من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف، ﵇، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين (١٢٠): عن عائشة، ﵂: أن رسول الله، ﷺ ، جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: "اللهم في الرفيق الأعلى [اللهم في الرفيق الأعلى! اللهم في الرفيق الأعلى!] [¬٣] ".
ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزًا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام! ويقول الداعي: اللهم أحينا [¬٤] مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين!
ويحتمل أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغًا في ملتهم، كما قال قتادة قوله (١٢١): ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، لما جمع الله شمله وأقر عينه، وهو يومئذٍ مغموس
стр. 3523
في نبت الدنيا وملكها وغضارتها، واشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف، ﵇.
وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس: أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحًا أول من قال: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا﴾.
ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا.
قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ (١٢٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : "لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولابد متمنيًا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي".
[وأخرجاه في الصحيحين، وعندهما (١٢٣): " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إمّا محسنًا فيزداد، وإمّا مسيئًا فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي] [¬١] ".
وقال الإمام أحمد (١٢٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني على بن
стр. 3524
يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله، ﷺ ، فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبى وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مِت! فقال النبي، ﷺ : " يا سعد، أعندي تتمنى الموت؟ " فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: "يا سعد، إن كنت خلقت للجنة، [فما طال من] [¬١] عمرك، و [¬٢] حسن من [¬٣] عملك، فهو خير لك".
وقال الإمام أحمد (١٢٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس - هو سليم ابن جبير - عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إن مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره [¬٤] إلا خيرًا". تفرد [¬٥] به أحمد.
وهذا فيما إذا كان الضر خاصًّا به، وأما إذا كان فتنة في الدين، فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارًا عن السحرة، لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾، وقالت مريم لما جاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا﴾ لما تَعلَم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة؛ لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت وولدت وقد قالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ فجعل الله لها من ذلك الحال فرجًا ومخرجًا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3525
وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه (١٢٦): " وإذا أردت بقوم فتنة فتوفَّني إليك غير مفتون".
وقال الإمام أحمد (١٢٧): حدثنا أبو سلمة، أنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد: أن النبي، ﷺ ، قال: "اثنتان يكرههما ابن آدم؛ يكره الموت، والموت خير للمؤمن [من الفتنة] [¬١]، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب".
فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال على بن أبي طالب، ﵁، في آخر خلافته، لما رأى أن [¬٢] الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة، فقال (١٢٨): اللهم خذنى إليك فقد سئمتهم وسئموني.
وقال البخاري ﵀ لما وقعت له تلك المحن، وجرى له مع أمير خراسان [ما جرى] [¬٣]، قال: اللهم توفني إليك.
وفي الحديث (١٢٩): " إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول يا ليتني مكانك! " لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل، والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون.
قال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا استغفر لهم [¬٤]
стр. 3526
أبوهم، فتاب الله [¬١] عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنوبهم.
(ذكر من قال ذلك)
حدثنا القاسم (١٣٠)، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: ان الله ﵎ لما جمع ليعقوب شمله [وأقر عينه] [¬٢]، خلا ولده نجيًّا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قال: فيغركم عفوهما عنكم فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعدًا، قالوا: يا أبانا، إنا أتيناك [في أمر] [¬٣] لم نأتك في [¬٤] مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط، حتى حركوه، والأنبياء ﵈ أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بني؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى. قالوا: أفلستما قد عفوتما لنا [¬٥]؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني [عنا] [¬٦] شيئًا إن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا [¬٧]، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عما صنعنا [¬٨] قرّت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. قال: فدعا وأمّن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة. قال صالح المري: يخيفهم. قال: حتى إذا كان على رأس العشرين، نزل جبريل، ﵇، على يعقوب فقال: إن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، و [أنه] [¬٩] قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة.
هذا الأثر موقوف عن أنس، ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدًّا.
стр. 3527
وذكر السدي: أن يعقوب، ﵇، لما حضره الموت أوصى إلى يوسف لأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام فدفن عندهما، عليهم [¬١] السلام.
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾
يُقَرُ تعالى لمحمد، ﷺ ، لما قص عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام -: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿نوحيه إليك﴾ ونعلمك به يا محمد؛ لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك ﴿وما كنت لديهم﴾ حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم ﴿إذ أجمعوا أمرهم﴾ أي: على إلقائه في الجب ﴿وهم يمكرون﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحيًا إليك، وإنزالًا عليك، [كما قال تعالى] [¬٢]: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ الآية [إلى أن قال] [¬٣]: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ الآية، وقال: ﴿وما كنت ثاويًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا﴾ الآية.
وقال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.
[يقرر تعالى أنه] [¬٤] رسوله، وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق، مما فيه عبرة للناس، ونجاة لهم في دينهم ودنياهم ومع هذا ما آمن أكثر الناس؛ ولهذا قال: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، وقال: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، [كقوله: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ [¬٥] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿وما تسألهم عليه من أجر﴾ أي: وما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرشد من أجر [¬٦]، أي من جعالة ولا أجرة [على ذلك، بل تفعله ابتغاء
стр. 3528
وجه الله ونصحًا لخلقه] [¬١].
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: يتذكرون به ويهتدون، وينجون به في الدنيا والآخرة.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾
يخبر تعالى عن غفلة [¬٢] أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوانات ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات، في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد [¬٣] بالدوام والبقاء والصمدية، ذي الأسماء والصفات.
وقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال ابن عباس (١٣١): من إيمانهم أنهم [¬٤] إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم يشركون [¬٥] به.
وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وهكذا [¬٦] في الصحيحين (١٣٢): أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك
стр. 3529
لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وفى [صحيح مسلم] (١٣٣) [¬١]: أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، يقول [¬٢] رسول الله، ﷺ : "قد قد". أي: حسب، حسب، لا تزيدوا على هذا.
وقال الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهذا هو الشرك الأعظم الذي [¬٣] يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين (١٣٤) عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك".
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال: ذلك المنافق يعمل، إذا عمل، رياء الناس وهو مشرك بعمله ذلك، يعني قوله تعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ [وَثمّ شرك] [¬٤] خفي، لا يشعر به غالبًا فاعله، كما روى حماد ابن سلمة (١٣٥)، عن عاصم بن أبي النجود، عن عروة قال: دخل حذيفة [¬٥] على مريض، فرأى في عضده سيرًا فقطعه - أو انتزعه - ثم قال: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.
وفي الحديث: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". رواه الترمذي (١٣٦) وحسنه من رواية ابن عمر.
стр. 3530
وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره: عن ابن مسعود ﵁ قال (١٣٧): قال رسول الله ﵌: "إن الرقى والتمائم والتِّوَلَةَ شرك" [¬١].
وفي لفظ لهما (١٣٨): " الطيرة [¬٢] شرك"، وما منا إلا [¬٣]، ولكن الله يذهبه بالتوكل. ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال (١٣٩): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى [بن] الجزار، عن ابن أخي زينب، [عن زينب] [¬٤] امرأة عبد الله بن مسعود؛ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، وعندي عجوز
стр. 3531
ترقيني في الحُمرة [¬١]. فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال [¬٢]: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط [¬٣] رقيَ لي فيه. قالت [¬٤] فأخذه فقطه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله، صلى الله - عليه وسلم، يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان؛ كان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي، ﷺ : "أذهب البأس، رب الناس، اشف أنت الشافي [¬٥] لا شفاء إلَّا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا".
وفي حديث آخر رواه الإِمام أحمد (١٤٠) عن وكيع، ثنا ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلنا [¬٦] على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئًا؟ فقال: أتعلق شيئًا وقد قال رسول الله، ﷺ : "من تعلق
стр. 3532
شيئًا وُكِلَ إليه". ورواه النَّسائي (١٤١) عن أبي هريرة.
وفي مسند الإِمام أحمد (١٤٢): [عن] [¬١] عقبة بن عامر قال: قال رسول الله، ﷺ : "من علق تميمة فقد أشرك". وفي رواية (١٤٣): " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له".
وعني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "قال [¬٢] الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركه وشركه" رواه مسلم (١٤٤).
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ينادي مناد: من كان أشرك في عمل
стр. 3533
عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك". رواه الإِمام أحمد (١٤٥).
وقال الإِمام أحمد (١٤٦): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ليث، عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو، عن محمود بن لبيد: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ".
وقد رواه إسماعيل بن جعفر (١٤٧)، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، به.
стр. 3534
وقال الإِمام أحمد (١٤٨): حدَّثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمنَ الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، ﷺ : "من ردَّته الطيرة عن [¬١] حاجةٍ فقد أشرك". قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: "أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلَّا خيرك، ولا طير إلَّا طيرك، ولا إله غيرُك".
وقال الإِمام أحمد (١٤٩): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عَن أبي على - رجل من بني كاهل - قال [¬٢]: خطنا أَبو موسى الأشعري فقال: يا [¬٣] أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حَزْن وقيس بن المضارب فقالا: والله، لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونًا لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله، ﷺ ، ذات يوم فقال: "يا [¬٤] أي الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل". فقال له من شاء [¬٥] الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: "اللهم، إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".
وقد روي من وجه آخر، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق، كما رواه الحافظ أَبو يعلى الموصلي (١٥٠): من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي
стр. 3535
محمد، عن معقل بن يسار قال: شهدت النبي، ﷺ أو قال: حدّثني أبو بكر الصديق، عن رسول الله، ﷺ ، أنَّه - قال: "الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل". فقال أَبو بكر: وهل الشرك إلَّا من دعا مع الله إلهًا آخر؟ فقال رسول الله، ﷺ : "الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل". ثم قال: "ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم".
وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي (١٥١): عن شيبان بن فروخ [¬١]، عن يحيى بن كثير، عن الثَّوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: رسول الله، ﷺ : "الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا" قال: فقال أَبو بكر: يا رسول الله، فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: "ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكبيره وصغيره وكبيره؟ " قال: بلى يا رسول الله. قال: "قل: اللهم، إني أعوذ أن أشرك بكَ وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم".
قال الدارقطني: يحيى [بن كثير] [¬٢] هذا يقال له: أبو النضر، متروك الحديث.
وقد روى الإِمام أحمد وأَبو داود والترمذى - وصححه - والنَّسائي (١٥٢): من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أَبو بكر الصديق:
стр. 3536
يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي. قال: "قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شئ ومليكه، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه".
وزاد الإِمام أحمد في رواية له (١٥٣): من حديث ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي بكر الصديق قال: أمرني رسول الله، ﷺ ، أن أقول … فذكر هذا [¬١] الدعاء وزاد في آخره: "وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم".
وقوله: " ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله [¬٢] أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، و [قال تعالى] [¬٣]: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾
يقول تعالى [لعبده ورسوله] [¬٤]، ﷺ ، إلى الثقلين؛ الجن والإِنس، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه [¬٥] ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة
стр. 3537
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان؛ شرعي وعقلي.
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد، أو صاحبة [أو وزير] [¬١] أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه، وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا [¬٢] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾
يخبر تعالى أنَّه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى لم يوح ابن امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.
وزعم بعضهم: أن سارة امرأة الخليل، وأمّ موسى، ومريم [بنت عمران] [¬٣] أمِّ عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، وبأن الملك جاء ابن مريم وبشرها بعيسى، ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَةَرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.
وهذا القدر حاصل لهنّ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوّتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام [¬٤] معه في أن هذا هل
стр. 3538
يكفي في الانتظام في سلك النبوّة بمجرّده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أَبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري؛ عنهم أنَّه ليس في النساء نبية وإنَّما فيهنّ صدِّيقات، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهنّ مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فوصفها في أشرف مقاماتها بالصدّيقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإِعظام، فهي صدِّيقة بنص القرآن.
وقال الضحاك (١٥٤)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عبَّاس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم [] [¬١] أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا وهذا هو المعهود المعروف: أن أهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.
وقال قَتَادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلم وأحلم من أهل [¬٢] العمود. وفي الحديث الآخر (١٥٥): أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله، ﷺ ، ناقة، فلم يزل يعطه ويزيده حتَّى رضى، فقال رسول الله، ﷺ : "لقد هممت أن لا أتهب هبة إلَّا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي".
стр. 3539
وقال الإِمام أحمد (١٥٦): حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمَش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال الأعمَش: هو ابن [¬١] عمر - عن النبي ﷺ أنَّه قال: " [] [¬٢] المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي [لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم] ".
وقوله: [﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافر - من أمثالها] [¬٣] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [¬٤]﴾ أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضًا [¬٥] وهي خير لهم من الدنيا بكثير، [كما قال تعالى] [¬٦]: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
стр. 3540
وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما تقول [¬١]: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وعام الأول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس قال الشاعر:
أَتْمدح فَقْعَسًا وتَذُمُّ عَبْسا … ألا لله أُمُّكَ مِنْ هَجِيِن
ولو أَقْوَتْ [¬٢] عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ … عرفت الله عِرْفَانَ اليَقيِن
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾
يخبر [¬٣] تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى [¬٤] في أحوج الأوقات إلى ذلك، [كما في قوله] [¬٥] تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان، إحداهما: بالتشديد ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ [¬٦]، وكذلك كانت عائشة ﵂ تقرؤها قال البخاري (١٥٧): حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزُّبَير، عن عائشة: أنَّها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ﴾ قال: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: ﴿كُذِبُوا﴾ فقلت: قد [¬٧] استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم [¬٨] فما هو بالظن؟ قالت [¬٩] أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ [قَدْ] كُذِبُوا﴾ فقالت [¬١٠]: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
حدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب [¬١١]، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرنى عروة: فقلت: لعلها