← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي. قال: "قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شئ ومليكه، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه". وزاد الإِمام أحمد في رواية له (١٥٣): من حديث ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي بكر الصديق قال: أمرني رسول الله، ﷺ ، أن أقول … فذكر هذا [¬١] الدعاء وزاد في آخره: "وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم". وقوله: " ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله [¬٢] أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، و [قال تعالى] [¬٣]: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ يقول تعالى [لعبده ورسوله] [¬٤]، ﷺ ، إلى الثقلين؛ الجن والإِنس، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه [¬٥] ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة

стр. 3537

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان؛ شرعي وعقلي. وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد، أو صاحبة [أو وزير] [¬١] أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه، وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا [¬٢] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ يخبر تعالى أنَّه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى لم يوح ابن امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع. وزعم بعضهم: أن سارة امرأة الخليل، وأمّ موسى، ومريم [بنت عمران] [¬٣] أمِّ عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، وبأن الملك جاء ابن مريم وبشرها بعيسى، ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَةَرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وهذا القدر حاصل لهنّ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوّتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام [¬٤] معه في أن هذا هل

стр. 3538

يكفي في الانتظام في سلك النبوّة بمجرّده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أَبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري؛ عنهم أنَّه ليس في النساء نبية وإنَّما فيهنّ صدِّيقات، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهنّ مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فوصفها في أشرف مقاماتها بالصدّيقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإِعظام، فهي صدِّيقة بنص القرآن. وقال الضحاك (١٥٤)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عبَّاس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم [] [¬١] أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا وهذا هو المعهود المعروف: أن أهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. وقال قَتَادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلم وأحلم من أهل [¬٢] العمود. وفي الحديث الآخر (١٥٥): أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله، ﷺ ، ناقة، فلم يزل يعطه ويزيده حتَّى رضى، فقال رسول الله، ﷺ : "لقد هممت أن لا أتهب هبة إلَّا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي".

стр. 3539

وقال الإِمام أحمد (١٥٦): حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمَش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال الأعمَش: هو ابن [¬١] عمر - عن النبي ﷺ أنَّه قال: " [] [¬٢] المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي [لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم] ". وقوله: [﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافر - من أمثالها] [¬٣] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [¬٤]﴾ أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضًا [¬٥] وهي خير لهم من الدنيا بكثير، [كما قال تعالى] [¬٦]: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

стр. 3540

وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما تقول [¬١]: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وعام الأول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس قال الشاعر: أَتْمدح فَقْعَسًا وتَذُمُّ عَبْسا … ألا لله أُمُّكَ مِنْ هَجِيِن ولو أَقْوَتْ [¬٢] عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ … عرفت الله عِرْفَانَ اليَقيِن ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ يخبر [¬٣] تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى [¬٤] في أحوج الأوقات إلى ذلك، [كما في قوله] [¬٥] تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان، إحداهما: بالتشديد ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ [¬٦]، وكذلك كانت عائشة ﵂ تقرؤها قال البخاري (١٥٧): حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزُّبَير، عن عائشة: أنَّها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ﴾ قال: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: ﴿كُذِبُوا﴾ فقلت: قد [¬٧] استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم [¬٨] فما هو بالظن؟ قالت [¬٩] أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ [قَدْ] كُذِبُوا﴾ فقالت [¬١٠]: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. حدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب [¬١١]، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرنى عروة: فقلت: لعلها

стр. 3541

﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة؟ قالت: معاذ الله! انتهى ما ذكره. وقال ابن جريج (١٥٨): أخبرني ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة. قال عبد الله - هو ابن أبي مليكة -: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا! [ثم تلا] [¬١]: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة: أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا، ﷺ ، من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مثقلة، للتكذيب. وقال ابن أبي حاتم (١٥٩): أنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة - أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظى يقول [¬٢] هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فقال القاسم: أخبره عنى: أنى سمعت عائشة زوج النبى، ﷺ ، تقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ تقول: كذبتهم أتباعهم. إسناد صحيح أيضًا. والقراءة الثانية: بالتخفيف [¬٣] واختلفوا في تفسيرها؛ فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري (١٦٠)، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قرأ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.

стр. 3542

وهذا عن ابن مسعود وابن عباس، ﵄، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس: فروى الأعمش (١٦١)، عن مسلم عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلى ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله. وقال ابن جرير (١٦٢): حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثني إبراهيم بن أبي حرة [¬١] الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال [¬٢]: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد [¬٣] كَذبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلًا يُدعَى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلًا. ثم روى ابن جرير (١٦٣) أيضًا من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني وهكذا رُوي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك. وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف، حتى أن مجاهدًا قرأها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بفتح الذال. رواه ابن جرير (١٦٤)، إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذِبوا - مخففة - فيما وعدوا به من النصر.

стр. 3543

وأما ابن مسعود؛ فقال ابن جرير (١٦٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد ابن فضيل، عن جحش [¬١] بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم [¬٢] قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول فى هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم [¬٣]، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد [¬٤] كذبوا [مخففة] [¬٥]. فهاتان روايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير وَوَجَّه المشهور عن الجمهور، وزيَّف القول [¬٦] الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم. ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ يقول تعالى: لفد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا [¬٧] المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿لَعِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي العقول ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة؛ المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب ﵎ بالأسماء [¬٨] والصفات [¬٩]، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة [¬١٠] إلى السداد، ويبتغون به الرحمة

стр. 3544

من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم [¬١] المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضةُ وجوهُهم الناضرة، ويرجع المسوّدة وجوههم بالصفقة الخاسرة. آخر تفسير سورة يوسف، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان، [وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل] [¬٢].

стр. 3545

تفسير سورة الرعد وهي مكية ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾ أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن كل سورة تبتدئ بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن، وتبيان [أن نزوله] [¬١] من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب وهو القرآن، وقيل: التوراة والإِنجيل، قاله: مجاهد وقتادة، وفيه نظر، بل هو بعيد ثم عطف على ذلك عطف صفات، فقال [¬٢]: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ خبر تقدم مبتدؤه وهو قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة، أو عاطفة صفة على صفة، كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر: إلى الملَكِ القَرْمِ [¬٣] وابْنِ الهُمَامِ … وَلَيثَ الكَتِيبَةِ في المُزدَحَمْ وقوله [¬٤]: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم، لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق. ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه [¬٥] الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدًا لا تنال [ولا يدرك] [¬٦] مداها،

стр. 3546

فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها؛ من الماء والهواء، من جميع نواحيها وجهاتها وَأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض عن كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها [فى نفسها مسيرة] [¬١] خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من البعد مسيرة خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية. وفى الحديث (١): " ما السموات السبع وما فيهنّ وما بينهنّ في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد [¬٢] كتلك الحلقة في تلك الفلاة". وفي رواية (٢): " والعرش لا يقدر قدره إلا اللَّه ". وجاء عن بعض السلف (٣): أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ روي عن ابن عباس (٤) ومجاهد والحسن وقتادة [وغير واحد] [¬٣] أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى. وقال إياس بن معاوية: السماء مقبَّبة [¬٤] على الأرض مثل القبة. يعني: بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها وهذا هو الأكمل فى القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: الذي آمن شعره وكفر قلبه كما ورد فى الحديث (٥)، ويروى لزيد بن عمرو بن

стр. 3547

نفيل (٦) ﵁:. وأنتَ الذي مِنْ فَضْلِ منٍّ وَرَحْمَةٍ … بَعَثْتَ إلى مُوسَى رَسُولًا مُناديا فقلت له يا اذهَبْ وهارونَ فادعُوَا … إلى اللهِ فرعونَ الذي كانَ طاغيا وقُولَا لَهُ هَلْ أَنْتَ سَوَّيت هَذه … [بلا وتدٍ حتى اطْمَأنَّتْ كَمَا هِيا] [¬١] [وقولا له آأنت رفَّعت هذه] [¬٢] … بلا عمد أرفِقْ [¬٣] إذا بك بانيا وقولا له هل أنت سويت وسْطها … منيرًا إذا ما جنَّك الليل هاديا [وقولا له من يُرْسِلُ الشمس غُدْوةً … فيصبح ما مَسَّت من الأرض ضَاحيا] [¬٤] وقُولا له من يُنْبِتُ الحبَّ في الثَّرَى … فيصْبِح منه البَقْلُ يَهْتَزُّ رابيا ويُخْرِجُ منه حبَّه فى رُءوسِهِ … ففىِ ذاكَ آياتٌ لِمن كانَ وَاعِيَا وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم تفسيره [¬٥] في سورة الأعراف، وأنه يمرر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطل ولا تمثيل، تعالى الله علوًّا كبيرا. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ] [¬٦]﴾. وقيل: المراد إلى مستقرهما؛ وهو تحت العرش مما يلي بطن [¬٧] الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش؛ لأنه [على الصحيح] [¬٨] الذي تقوم عليه الأدلة: قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك؛ لأن [¬٩] له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور [هذا في

стр. 3548

الفلك] [¬١] المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة ولله الحمد والمنة. وذكر الشمس والقمر؛ لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة، التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ مع أنه قد صرح بذلك [¬٢] بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على [¬٣] أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، وقيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون؛ ليسقي [¬٤] ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال، واليوم والروائح ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل شكل صنفان. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: جعل كلًّا منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضًا في الزمان كما يتصرف [¬٥] أيضًا [¬٦] في المكان والسكان.

стр. 3549

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في آلاء الله وحكمته ودلائله. وقوله: ﴿وَفِي [¬١] الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أي: أراض [¬٢] يجاور بعضها بعضًا، مع [¬٣] أن هذه طيبة [¬٤] تنبت ما ينتفع به الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئًا. هكذا روي عن ابن عباس (٧) ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك [وغيرهم]. وكذا يدخل [¬٥] في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء وهذه بيضاء، وهذه صفراء وهذه سوداء، وهذه محجرة وهذه سهلة وهذه مرملة، وهذه سميكة وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها [¬٦] وهذه بصفتها [¬٧] الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ يحتمل أن تكون [¬٨] عاطفة على جنات فيكون [¬٩] ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ مرفوعين [¬١٠]، ويحتمل أن يكون معطوفًا على أعناب فيكون مجرورًا، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة. وقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هي الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرحل صنو أبيه كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لعمر: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" (٨). وقال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁: الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات (٩). وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك

стр. 3550

وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقوله ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال الأعمش، عن أبى صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال: "الدقل والفارسي والحلو والحامض" (١٠). رواه الترمذي وقال: حسن غريب. أي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها [¬١]، فهذا في غاية الحلاوة، وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة وذا عفص، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر وهذا أحمر وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق، وكذلك الزهورات مع أنها [¬٢] كلها تستمد من طبيعة واحدة [¬٣] وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ

стр. 3551

هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بأمر المعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه، ودلالاته في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم هم بعد هذا كذبون خبره في أنه سيعيد العالمين خلفا جديدًا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقد علم كل عالم وعاقل: أن خلق السموات والارض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة سهلة عليه، كما قال تعالى: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [¬١]﴾. ثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: يسحبون بها في النار] [¬٢] ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها أبدًا لا يحولون عنها ولا يزولون. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ يقول تعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعقوبة، كما أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآيتين. وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ الآية، أي: عقابنا وحسابنا، كما قال مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية، فكانوا [من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم] يطلبون [] [¬٣] أن

стр. 3552

يأتيهم بعذاب الله. قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أي: قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية، وجعلناهم مثلة [¬١] عبرة وعظة [لمن اتعظ] بهم. ثم أخبر تعالى: أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ [بِمَا كَسَبُوا] [¬٢] مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾. وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: [أنه تعالى] ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب؛ ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف. وقال ابن أبي حاتم (١١): حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﵌ "لولا عفو اللّه وتجاوزه ما هنأ [أحدًا العيش] [¬٣]، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحدٍ". وروى الحافظ ابن عساكر (١٢) في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي [¬٤]: أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله ﷺ واقفٌ بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ قال: ثم انتبهت.

стр. 3553

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ قول تعالى إخبارًا عن المشركين: أنهم يقولون كفرًا وعنادًا لولا يأتينا بآية [من ربه] [¬١] كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيل عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا [قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية] [¬٢]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها [¬٣]، و ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال على بن أبي طلحة (١٣)، عن ابن عباس: أي ولكل قوم داع. وقال [¬٤] العوفي (١٤)، عن ابن عباس في تفسيرها: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر وأنا هادي كل قوم. و [¬٥] كذا قال مجاهد [¬٦] وسعيد بن جبير والضحاك [وغير واحد] [¬٧]. وعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي: نبي. كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو صالح ويحيى بن رافع: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي: قائد، وقال أبو العالية: الهادي: القائد، والقائد: الإِمام، والإِمام: العمل. وعن عكرمة وأبي الضحى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قالا: هو محمد ﷺ . وقال مالك: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ مَن يدعوهم إلى الله .

стр. 3554

وقال أبو جعفر بن جرير (١٥): حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم، بياع [¬١] الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: وضع رسول الله ﵌ يده على صدره، وقال: "أنا المنذر ولكل قوم هاد" وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ. فقال: "أنت الهادي يا على، بك يهتدي المهتدون من بعدي". وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. وقال ابن أبي حاتم (١٦): حدثنا على بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطب بن زياد، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو على بن أبي طالب ﵁. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وعن أبي جعفر محمد بن على نحو ذلك. ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ

стр. 3555

عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ يخببر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفي عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أى: ما حملت من ذكر أو [¬١] أثنى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ أي: خلقكم طورًا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾، وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (١٧): قال رسول الله ﵌: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكٌ [¬٢] فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وعمره وعمله وشقي أو سعيد" وفي الحديث الآخر (١٨): " فيقول الملك: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أي رب، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله ويكتب الملك".

стр. 3556

وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال البخاري (١٩): حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها [¬١] إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا اللَّه ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم قى تقوم الساعة إلا الله". وقال العوفي (٢٠)، عن ابن عباس: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني السِّقْط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى. وقال الضحاك (٢١): عن ابن عباس في قوله: ﴿أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما نقصت عن تسعة وما زاد عليها. وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج (٢٢): عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك [¬٢] ظل مغزل. وقال مجاهد: ﴿أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما ترى من الدم في حملها،

стр. 3557

وما تزداد على تسعة أشهر. وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك. وقال مجاهد أيضًا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة مثل أيام الحيض. وقاله [¬١] عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد. وقال مجاهد أيضًا: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ إراقة المرأة حتى يخسَّ [¬٢] الولد ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم. وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وفع إلى الأرض استهل، واستهلاله استنكار [¬٣] لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يحزن ولا يطب ولا يغتم، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فقال مكحول: يا ويلك! غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلتَ: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: ﴿اللَّهُ [¬٤] يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ الآية. وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلاً معلومًا. وفى الحديث الصحيح (٢٣): أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنًا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره [¬٥]، فبعث إليها يقول: "إن لله ما أخد وله [¬٦] ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب". الحديث بتمامه. وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب

стр. 3558

عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء ﴿الْمُتَعَالِ﴾ أي: على كل شيء ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعا وكرهًا. ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، و [¬١] سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، نإنه يسمعه لا يخفي عليه شئ، كقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وقالت عائشة ﵂ (٢٤): سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد [¬٢] جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وأنا [¬٣] في جنب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي: مختف في قعر بيته في ظلام الليل ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما [¬٤] في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ [يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ] [¬٥]﴾، وقوله [¬٦] تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما

стр. 3559

يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال، من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلاً حافظان وكاتبان كما جاء في الصحيح (٢٥): " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم [¬١] كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتياهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". وفي الحديث الآخر (٢٦): " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم [¬٢] وأكرموهم". وقال على بن أبي طلحة (٢٧)، عن ابن عباس [في قوله] [¬٣]: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ والمعقبات [] [¬٤] من أمر [¬٥] الله وهي الملائكة. وقال عكرمة (٢٨)، عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه

стр. 3560

من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خَلَّوا عنه. وقال مجاهد: ما من عبد إلا له [¬١] ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإِنس والهوامّ، فما منها [¬٢] شيء يأتيه يريده إلا قال له الملك: وراءك، إلا شيء [¬٣] [أذن الله فيه] [¬٤] فيصيبه. وقال الثوري (٢٩)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في قوله] [¬٥]: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس. وقال العوفي (٣٠)، عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني ولي الشيطان يكون عليه الحرس. وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب من بين يديه ومن خلفه. وقال الضحاك في الآية: هو السلطان المحترس [¬٦] من أمر [¬٧] الله وهم [¬٨] أهل الشرك. والظاهر والله أعلم أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبيد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم. وقد روى الإِمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديثًا غريبًا جدًّا فقال (٣١): حدثني المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا على بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: "ملك عن [¬٩] يمينك [] [¬١٠] على حسناتك، وهو آمر [¬١١] على الذي على الشمال، فإذا [¬١٢] عملت حسنة كتبت عشرًا، وإذا [¬١٣] عملت سيئة قال الذي على

стр. 3561

الشمال للذي على اليمين: أكتب؟ قال: لا؛ لعله يستغفر الله ويتوب، فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثًا قال: نعم اكتب [¬١] أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا، يقول اللّه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] [¬٢]﴾، وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ﷺ ؛ وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على [كل آدمي] [¬٣]، ينزلون [¬٤] ملائكة الليل على ملائكة النهار؛ لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكًا على [كل آدمي] [¬٥]، وإبليس بالنهار وولده بالليل". وقال الإِمام أحمد ﵀ (٣٢): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني [¬٦] منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، ولكن أعانني الله عليه فلا يأمرني إلا بخير". انفرد بإخراجه مسلم. وقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [قيل: المراد حفظهم له من أمر الله] [¬٧]، رواه على بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم وقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: وفي بعض القراءات يحفظونه

стр. 3562

بأمر الله. وقال كعب الأحبار: لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن لرأى على [¬١] كل شيء من ذلك شياطين [¬٢]، لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخُطِّفتم. وقال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك موكَّل [¬٣] يذود عنه حتى يسلمه للذي قُدِّر له. وقال أبو مجلز: جاء رجل من مُرادٍ إلى على، ﵁، وهو يصلي، فقال: احترس؛ فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك؛ فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاء القدرُ خلَّيا بينه وبينه، إن الأجل جُنَّةٌ حصينةٌ. وقال بعضهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: "هي من قدر الله" (٣٣). وقال ابن أبي حاتم (٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن

стр. 3563

أشعث، عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس مِن أهل قرية ولا أهل بيت، يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحوَّل الله لهم [¬١] مما يحبون إلى ما يكرهون. ثم قال: إن مصداق [¬٢] ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وقد ورد هذا في حديث مرفوع؛ فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه "صفة العرش" (٣٥): حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليمامي الأنصاري، عن عمير بنِ [عبد الملك] [¬٣] قال: خطبنا على بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا سَكتُّ عن رسول الله، ﷺ ، ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه قال: "قال الرب: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي" [وهذا غريب وفي إسناده من لا أعرفه] [¬٤]. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾ يخبر تعالى: أنه هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعًا من خلل السحاب. وروى ابن جرير (٣٦): أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق

стр. 3564

الماء. وقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله. ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: والسحاب الثقال الذي فيه الماء. قال [¬١]: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. وقال الإِمام أحمد (٣٧): حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي، قال: كنت جالسًا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر [شيخ من بني غفار] [¬٢]، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع [¬٣] له [¬٤] فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له [¬٥] حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ . فقال له الشيخ: سمعت النبي ﷺ ، يقول: "إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك".

стр. 3565

والمراد والله أعلم: أن نطقها الرعد وضحكها البرق. وقال موسى بن عبيدة (٣٨)، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق ومنطقة الرعد. وقال ابن أبي حاتم (٣٩): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد اللَّه الرازي، عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع (*) بذنبه فذاك البرق. وقال الإِمام أحمد (٤٠): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مَطَرٍ، عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا سمع الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك". ورواه الترمذي، والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في مستدركه: من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر، ولم يسم [¬١] به.

стр. 3566

وقال أبو جعفر بن جرير (٤١): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفع الحديث أنه كان إذا سمع الرعد قال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده". وروي عن علي (٤٢) ﵁ أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سَبَّحتَ له. وكذا روي عن ابن عباس (٤٣) وطاوس والأسود بن يزيد: أنهم كانوا يقولون كذلك. وقال الأوزاعي (٤٤): كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده لم تصبه [¬١] صاعقة. وعن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض. رواه مالك في موطئه [¬٢] والبخاري في كتاب الأدب (٤٥).

стр. 3567

وقال الإِمام أحمد (٤٦): حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا محمد بن واسع، عن شُتَيْر [¬١] بن نهار، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "قال ربكم : لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار،، ولما أسمعتهم صوت الرعد". وقال الطبراني (٤٧): حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري [¬٢]، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ : "إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله؛ فإنه لا يصيب ذاكرًا". وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر [¬٣] في آخر الزمان، كما قال الإِمام أحمد (٤٨): حدثنا محمد بن

стр. 3568

مصعب، حدثنا عمارة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: "تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم [¬١] الغداة فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان". وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (٤٩): حدثنا إسحاق -[ابن أبي إسرائيل] [¬٢]- حدثنا على بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، بعث رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: "اذهب فادعه لي". قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ . فقال له: مَنْ رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال فرجع إلى رسول الله، ﷺ ، فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا. فقال لي: "ارجع إليه الثانية" - أراه - فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك. فقال [¬٣]: "ارجع إليه فادعه". فرجع إليه الثالثة، قال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله : ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية. ورواه ابن جرير من حديث على بن أبي سارة به. ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس فذكر

стр. 3569

نحوه. وقال (٥٠): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو [¬١] عمران الجوني، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه: أن النبي ﷺ بعث إلى جبار يدعوه، فقال: أرأيتم [¬٢] ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل الله [¬٣] عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية. وقال أبو بكر بن عياش (٥١)، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك [من أي شيء هو] [¬٤]، من نحاس هو، أم [¬٥] من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية. وقال قتادة (٥٢): ذكر لنا أن رجلًا أنكر القرآن وكذب النبي ﷺ ، فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية. وذكروا (٥٣) في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد [¬٦] بن ربيعة لما قدما على رسول الله، ﷺ ، المدينة، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله ﷺ ، فقال له عامر بن الطفيل لعنه الله: أما والله لأملأنها عليك

стр. 3570

خيلًا جردًا ورجالًا مردًا. فقال له رسول الله ﷺ : "يأبى الله عليك ذلك وأبناء [¬١] قيلة" يعني: الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله ﷺ ، فجعل أحدهما يخاطبه والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى [¬٢] منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان [¬٣] الناس لحربه عليه الصلاة [¬٤] والسلام، فأرسل الله [¬٥] على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون، فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر، غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية. حتى ماتا لعنهما الله. وأنزل الله في مثل ذلك: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾. وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه: أَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الحُتُوفَ وَلَا … أَرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأَسَدِ فَجَّعنِي الرَّعدُ [¬٦] والصّواعِقُ بالـ … ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجُدِ وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (٥٤): حدثنا مَسْعَدةُ بن سعد [¬٧] العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن [جُزَيِّ بن خالد] [¬٨] بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : "لك [¬٩] ما

стр. 3571

للمسلمين وعليك ما عليهم". قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله، ﷺ : "ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله ﷺ : "لا". فلما قفلا [¬١] من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. فقال له رسول الله، ﷺ : "يمنعك الله". فلما خرج أربد وعامر، [قال عامر: يا أربد] [¬٢]، أنا أشغل عنك محمدًا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدًا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب [فنعطيهم الدية] [¬٣]. قال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: [يا محمد] [¬٤] قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله، ﷺ ، فجلسا [¬٥] إلى الجدار، ووقف معه رسول الله، ﷺ ، يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على قائم [¬٦] السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله، ﷺ ، فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة -حرة واقم- نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي [¬٧] الله لعنكما الله. فقال عامر: مَنْ هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب [¬٨]. فخرجا حتى إذا كانا بالرقم، أرسل الله [¬٩] على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخُرَيمِ [¬١٠] أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية. يرغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعًا، فأنزل الله فيهما: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدًا ﷺ ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا هو ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

стр. 3572

قال [¬١] ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره. وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وعن علي (٥٥) ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ، وقال مجاهد شديد القوّة. ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ إلا كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾ قال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد. رواه ابن جرير (٥٦). وقال ابن عباس (٥٧) وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إله إلا الله. ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ قال علي بن أبي طالب (٥٨): كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدًا فكيف يبلغ فاه؟. وقال مجاهد: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا. وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر:

стр. 3573

فإنِّي وإيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيكُمُ … كَقَابِضِ ماءٍ لَمْ تَسِقْهُ أَنَامِلُهْ وقال الآخر: فَأَصْبَحْتُ مِمَّا [¬١] كانَ بَينِي وَبَينَها … مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ الماءَ باليَدِ ومعنى الكلام: أن هذا الذي يبسط يده إلى الماء؛ إمَّا قابضًا، وإما متناولًا له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل ابن فيه الذي جعله محلًّا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إِلهًا غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من الكافرين [¬٢] ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي: البُكُر ﴿وَالْآصَالِ﴾ وهو جمع أصيل: وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية. ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ يقرَّر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك هم [¬٣] الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرا، أي: لا تحصل منفعة ولا تدفع مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له وهو على نور من ربه؟ ولهذا قال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي

стр. 3574

الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ﴾ أي: أجَعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلُوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (٥٩). وكما [¬١] أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا [¬٢] ﴿نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقال [¬٣]: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فإذا كان الجميع عبيدًا فَلِمَ يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان. بل بمجرَّد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: مطرًا [¬٤] ﴿فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل، وقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ

стр. 3575

ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني: وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، [أي: ليجعل] [¬١] حلية نحاس أو حديدٍ فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زيد منه كما يعلو ذلك زيد منه ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب لا يرجع منه [] [¬٢]، شيء، [ولا يبقى إلا الماء] [¬٣] وذلك [¬٤] الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾. وقال [¬٥] بعض السلف (٦٠): كنت إذا قرأت مثلًا من القرآن فلم فهمه بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾. قال علي بن أبي طلحة (٦١)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله احتمدت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [وهو الشك] [¬٦] ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهي اليقين، وكما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. وقال العوفي (٦٢)، عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة [¬٧] ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس
следующие страницы →