للمسلمين وعليك ما عليهم". قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله، ﷺ : "ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله ﷺ : "لا". فلما قفلا [¬١] من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. فقال له رسول الله، ﷺ : "يمنعك الله". فلما خرج أربد وعامر، [قال عامر: يا أربد] [¬٢]، أنا أشغل عنك محمدًا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدًا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب [فنعطيهم الدية] [¬٣]. قال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: [يا محمد] [¬٤] قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله، ﷺ ، فجلسا [¬٥] إلى الجدار، ووقف معه رسول الله، ﷺ ، يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على قائم [¬٦] السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله، ﷺ ، فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة -حرة واقم- نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي [¬٧] الله لعنكما الله. فقال عامر: مَنْ هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب [¬٨]. فخرجا حتى إذا كانا بالرقم، أرسل الله [¬٩] على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخُرَيمِ [¬١٠] أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية. يرغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعًا، فأنزل الله فيهما: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدًا ﷺ ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا هو ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
стр. 3572
قال [¬١] ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره.
وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وعن علي (٥٥) ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ، وقال مجاهد شديد القوّة.
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ إلا كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾
قال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد. رواه ابن جرير (٥٦).
وقال ابن عباس (٥٧) وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إله إلا الله.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ قال علي بن أبي طالب (٥٨): كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدًا فكيف يبلغ فاه؟.
وقال مجاهد: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا.
وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر:
стр. 3573
فإنِّي وإيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيكُمُ … كَقَابِضِ ماءٍ لَمْ تَسِقْهُ أَنَامِلُهْ
وقال الآخر:
فَأَصْبَحْتُ مِمَّا [¬١] كانَ بَينِي وَبَينَها … مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ الماءَ باليَدِ
ومعنى الكلام: أن هذا الذي يبسط يده إلى الماء؛ إمَّا قابضًا، وإما متناولًا له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل ابن فيه الذي جعله محلًّا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إِلهًا غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾.
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾
يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من الكافرين [¬٢] ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي: البُكُر ﴿وَالْآصَالِ﴾ وهو جمع أصيل: وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية.
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾
يقرَّر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك هم [¬٣] الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرا، أي: لا تحصل منفعة ولا تدفع مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له وهو على نور من ربه؟ ولهذا قال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي
стр. 3574
الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ﴾ أي: أجَعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلُوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (٥٩). وكما [¬١] أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا [¬٢] ﴿نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقال [¬٣]: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فإذا كان الجميع عبيدًا فَلِمَ يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان. بل بمجرَّد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: مطرًا [¬٤] ﴿فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل، وقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ
стр. 3575
ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني: وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، [أي: ليجعل] [¬١] حلية نحاس أو حديدٍ فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زيد منه كما يعلو ذلك زيد منه ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب لا يرجع منه [] [¬٢]، شيء، [ولا يبقى إلا الماء] [¬٣] وذلك [¬٤] الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وقال [¬٥] بعض السلف (٦٠): كنت إذا قرأت مثلًا من القرآن فلم فهمه بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
قال علي بن أبي طلحة (٦١)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله احتمدت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [وهو الشك] [¬٦] ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهي اليقين، وكما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
وقال العوفي (٦٢)، عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة [¬٧] ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس
стр. 3576
والحديد خبث فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاء [¬١] من عند الله فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل [¬٢] منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك [¬٣] يضمحل الباطل، فإذا [¬٤] كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ [¬٥] الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.
وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ضرب في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين، ناريًّا ومائيًّا وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين؛ أحدهما قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ [بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً] [¬٦]﴾ الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين (٦٣): فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب [¬٧] يحطم بعضها بعضًا.
ثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ] [¬٨]﴾ الآية، وفي الصحيحين (٦٤) عن أبي موسى الأشعري [﵁، أن] [¬٩] رسول الله، ﷺ ، قال: "إن مثل مما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان [¬١٠] منها طائفة طيبة [¬١١] قبلت الماء،
стр. 3577
فأنبتت [¬١] الكلأ والعشب الكير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس [فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا] [¬٢]، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني، ونفع به فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به".
فهذا مثل مائي، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد (٦٥):
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "مثلي ومثلكم [¬٣]: كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها [¬٤] جعل [¬٥] الفَراشُ وهذه الدوابُّ التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحْجزُهُنَّ وَيغلِبنَه [¬٦] فيتقحمن [¬٧] فيها -قال- فذلكم مثلي ومثلكم: أنا آخِذٌ بِحُجَزكُمْ عن النار هَلمَّ عن النار [هلم عن النار] [¬٨]، هلم، فتغلبوني فتقتحمون فيها". وأخرجاه في الصحيحين أيضًا، فهذا مثل ناري.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾
стр. 3578
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿الْحُسْنَى [¬١]﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿قَال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: لم يطيعوا الله ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يتقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير والجليل والحقير، "ومن نوقش الحساب عذب" (٦٦)، ولهذا قال: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾
يقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ولا لبس بن فيه ولا اختلاف فيه، بل هو كله [¬٢] حق يصدق بعضه بعضًا، لا يضاد شيء منه شيئًا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا في الإِخبار، وعدلًا في الطب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقال في هذه [¬٤] الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء.
стр. 3579
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل] [¬١] أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم.
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾
يقول تعالى مخبرًا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة: بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.
﴿الَّذِينَ [يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ] [¬٢] لَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وليسوا كالمنافقين الذين "إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان" (٦٧).
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام، والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: فيما يأتونَ وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن المحارم والمآثم ففطموا أنفسهم عنها لله ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: على الذين يجب عليهم الإِنفاق لهم، من زوجات [¬٣] وقرابات وأجانب، من فقراء ومحاويج ومساكين ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي: في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من
стр. 3580
الأحوال، في [¬١] آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرًا واحتمالًا وصفحًا وعفوًا، كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيم﴾ ولهذا قال مخبرًا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة: بأن لهم عقبى الدار، ثم فسر ذلك بقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدن: الإِقامة، أي: جنات إقامة يخلدون فيها.
وعن عبد الله بن عمرو (٦٨) أنه قال: إن في الجنة قصرًا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حِبَرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وقال الضحاك في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدي، [والناس حولهم بعد والجنات] [¬٢] حولها. رواهما ابن جرير.
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها؛ من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقرّ أعينهم بهم، حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى [من غير تنقيص للأعلى عن درجته] [¬٣] بل امتنانًا من الله وإحسانًا،، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [¬٤] بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٥]﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ها هنا ومن ها هنا للتهنئة بدخول [¬٦] الجنة، فعند
стр. 3581
دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإِنعام، والإِقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.
وقال الإِمام أحمد ﵀ (٦٩): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عُشانة المَعَافِري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء و [¬١] المهاجرون، الذين تُسَدّ بهم الثُّغور، وتتقى بهم المكارِهُ، ويموت أحدُهم وحاجتُه في صدره لا يستطيع لها قَضاءً، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فَحَيُّوهُمِ. فتقول الملائكة: نحن سُكَّانُ سمائِك وخِيَرَتُك من خلقك، أفتأمُرُنا أن نأتيَ هؤلاء فنُسَلِّمَ عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، وتُسَدُّ بهم الثُّغور وتتقى [¬٢] بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجتة في صدره لا يستطيع لها قضاء -قال- فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ".
ورواه أبو القاسم الطبراني (٧٠): عن أحمد بن رشدين [¬٣]، عن أحمد بن صالح، عن
стр. 3582
عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "أول ثلة [¬١] يدخلون الجنة فقراء المهاجرين، الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن [نسبح بحمدك] [¬٢] الليل والنهار، ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
وقال عبد الله بن المبارك: عن بقية بن الوليد، حدثنا أرطاة بن المنذر، قال: سمعت رجلًا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج، يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سِمَاطان من خَدَم، وعند طرف السماطين بابٌ مبوَّبٌ، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا، فيقول: أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، [فكذلك] [¬٣] حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف. رواه ابن جرير (٧١).
ورواه ابن أبي حاتم: من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي الحجاج [¬٤] يوسف الألهاني، قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه.
стр. 3583
وقد جاء في الحديث (٧٢) أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار". وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾
هذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الدار الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن ووصل، وهؤلاء: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما ثبت في الحديث (٧٣): " آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". [وفي رواية (٧٤): " و] [¬١]، إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
وقال أبو العالية في قوله [تعالى: ﴿وَ] [¬٢] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في [¬٣] المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال، إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه،
стр. 3584
وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث خصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا وإذا اؤتمنوا خانوا.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ (٢٦)﴾
يذكر تعالى: أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويُقَتّره على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا في الحياة الدنيا استدراجًا لهم وإمهالًا، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ (٧٥): حدثنا وكيع، ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد [¬١] أخي بني فهو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع". وأشار بالسبابة. رواه مسلم في صحيحه.
وفي الحديث الآخر (٧٦): أن رسول الله ﷺ مر بِجَدْي أَسَكٍّ ميت -والأسك: الصغير الأذنين- فقال: "والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه".
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
стр. 3585
وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾
يخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كقولهم [¬١]: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وإن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث (٧٧): إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبًا، وأن يجري لهم ينبوعًا، وأن يزيح الجبال من حول مكة فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمَّد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا فإني أعذبهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: "بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة". ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي [¬٢]: هو المضل والهادي، سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطًا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿قُلْ [¬٣] إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله، ورجع إليه [¬٤]، واستعان به وتضرع لديه.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا، ولهذا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك.
وقوله [¬٥]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال ابن أبي
стр. 3586
طلحة، عن ابن عباس: فرحٌ وقُرَّةُ عينٍ (٧٨). وقال عكرمة: نِعْمَ ما لهم.
وقال الضحاك: غبطةٌ لهم.
وقال إبراهيم النخعي: خيرٌ لهم.
وقال كعادة: هي كلمة عربية يقول الرجل: طولى لك، أي: أصبت خيرًا. وقال في رواية: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: حُسْنَى لهم.
﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي: مرجع.
وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها.
وقال سعيد بن جبير (٧٩)، عن ابن عباس ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض [الجنة بالحبشية] [¬١].
وقال سعيد بن مسجوح [¬٢]: طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي عن عكرمة ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ أي: الجنة. وبه قال مجاهد.
وقال العوفي (٨٠)، عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ وذلك حين أعجبته.
وقال ابن جرير (٨١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: (طوبى)، شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة.
وهكذا رُوِيَ عن أبي هريرة (٨٢)، وابن عباس، ومغيث بن سُمَيَّ، وأبي إسحاق السبيعي
стр. 3587
وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها.
وذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غَرَسها بيده من حبَّة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب (٨٣): حدثنا عمرو بن الحارث، أن دَرَّاجًا أبا السَّمْح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁[مرفوعًا: (طوبى): شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.
وقال الإِمام أحمد (٨٤): حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دَرَّاج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري] [¬١] عن رسول الله ﷺ : أن رجلًا قال: [يا رسول الله] [¬٢]، طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني [¬٣]. قال له وجل: وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.
وروى البخاري ومسلم جميعًا (٨٥)، عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي، عن وُهَيب، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائةَ عام لا يقطَعُهَا" قال: فَحَدّثت به النعمان بن أبي عياش الزّرَقَي، فقال: حدثني أبو سعيد الخُدْري، عن النبي، ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السريعَ مائةَ عامٍ ما يقطعُها".
стр. 3588
وفي صحيح البخاري (٨٦)، من حديث يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
وقال الإمام أحمد (٨٧): حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة [¬١]، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. اخرجاه في الصحيحين.
وقال أحمد أيضًا (٨٨): حدثنا محمَّد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ أنه قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين -أو: مائة سنة- هي شجرة الخلد".
وقال محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله هـ عنها قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، وذكر سِدْرةَ المنتهى، قال: "يسيرُ في ظل الفَنَن [¬٢] منها الراكبُ مائة سنة -أو: قال- يستظِل
стр. 3589
في الفتن منها مائة راكب، فيها فرايق الذهب، كأن ثمرها القِلالُ" (٨٩) رواه الترمذي.
وقال إسماعيل بن عياش (٩٠)، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه بسلم: "ما منكم من [¬١] أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، ففتح له أكمامها، يأخذ [¬٢] من أي ذلك يشاء، إن يشاء أبيض، وإن يشاء أصفر، وإن يشاء أصفر، وإن يشاء أسود، مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن".
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (٩١): حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: "تفتَّقي لعبدي عمّا شاء؛ فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة".
وقد روى ابن جرير (٩٢) عن وهب بن منبه ها هنا أثرًا غريبا عجيبًا، قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرة يقال لها: "طوبى"، يسير الراكب في ظلها بمائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها بُرود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحَلَها مسك،
стр. 3590
يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة؛ فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نُجُبًا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنًا [¬١]، ووبرها كخز المزعِزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، [فينيخونها ويقولون] [¬٢]: "إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه". قال: فيركبونها، فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفرايق، نجبًا من غير مَهَنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذُنُ راحلة منها أذنَ الأخرى، ولا [بَرْك راحلة] [¬٣] بركَ الأخرى] [¬٤]، حتى إن الشجرة لتتنحَّى عن طريقهم [¬٥]؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: "اللهم، أنت السلام ومنك [¬٦] السلام، وحق لك الجلال والإكرام". قال: فيقول تبارك تعالى: [عند ذلك] [¬٧]: "أنا السلام ومني السلام، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري". قال: فيقولون: "ربنا إنا [¬٨] لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قَدرك، فأذن لنا في السجود قُدامك". قال: فيقول الله: "إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار مُلْك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نَصَب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته". فيسألونه، حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: "رب، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا" فيقول الله تعالى: "لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، [وسأتحفك بمنزلتي] [¬٩]، لأنه ليس في عطائي نكد ولا تَصْريدٌ". قال: ثم يقول: "اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال". قال: فيعرضون عليهم حتى [تَقْصر بهم [¬١٠]] [¬١١] أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين [¬١٢] مُقرَّنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مُفرغة، في كل قبة منها فُرش من فُرش الجنة مُتظاهرة، في كل
стр. 3591
قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح طيبة [¬١] إلا قد [عبقتا به، ينفذ ضوء] [¬٢] وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما، كالسلك الأبيض في [¬٣] ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه [ويتعلقان به] [¬٤]، ويقولان له: "والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك". ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهى بكل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له.
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده (٩٣)، عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغُرف مبنية من الدر والمرجان، وأبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يَفُور من أبوابها وعراصها [¬٥] نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصارَ، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض [¬٦]، فهو مفروش [بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر، فهو مفروش] [¬٧] بالسندس الأخضر، وما كان فيها [¬٨] من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر [¬٩] منزه [¬١٠] بالزمرد الأخضر، والذهب الأحمر، والفضة البيضاء، قوائمها [¬١١] وأركانها من الجوهر، وشُرُفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غُرَف من المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قُرّبت لهم براذين منِ ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حَكَمة برْذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء، منظومة بالدر والياقوت، سُروجها سرُرُ موضونة، مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تَزفُّ بهم ببطن [¬١٢]
стр. 3592
رياض الجنة. فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قُعُودًا على منابر من نور، ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامَةَ ربهم. فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تَطَاولَ به عليهم وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان، جنتان [¬١] ذواتا أفنان، وجنتان مُدْهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تَبَيَّنوا [¬٢]، منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعدتكم حقًّا؟ قالوا: نَعَم، ورَبنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا، رضينا فارض عنا. قال: برضاي [¬٣] عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم [¬٤] ملائكتي، فهنيئًا هنيئًا لكم، ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾، ليس فيه تنغيص ولا تصريد. فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.
وهذا سياق غريب، وأثر عجيب ولبعضه شواهد، ففي الصحيحين (٩٤): أن الله تعالى يقول لذلك الرجل الذي يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة: "تمن"، فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: "تمن من كذا، وتَمَنّ من كذا" يذكره ثم يقول: "ذلك لك، وعشرة أمثاله".
وفي صحيح مسلم (٩٥)، عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ ، عن الله : "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص المخيَطُ إذا أدخل في البحر" … الحديث بطوله.
وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، لها [¬٥] شروع كلها تُرضع صِبيانَ أهل الجنة، وإن سَقَط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة، يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة. رواه ابن أبي حاتم (٩٦).
стр. 3593
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ (٣٠)﴾
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسل من قَبلك، فلك فيهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشدّ من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ [¬١] لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، أي: هذه الأمة [¬٢] التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن، لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون [¬٣] من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم" وقالوا: ما ندرى ما الرحمن الرحيم؟ قاله [¬٤] قتادة، والحديث في صحيح البخاري (٩٧)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وفي صحيح مسلم (٩٨) عن عبد الله بنِ عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن".
стр. 3594
﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوية والإلهية هو ربي لاإله إلا هو] [¬١]، ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي [¬٢]: في جميع أموري، ﴿وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾، أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾
يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال] [¬٣] عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو [¬٤] بطريق الأولى أن يكون كذلك، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس [¬٥] والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به جاحدون له، ﴿[بَلْ لِلَّهِ] [¬٦] الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، أي: مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله [¬٧] فلا هادي له، ومن يهد الله [فلا مضل له] [¬٨].
وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع [¬٩]، قال الإمام أحمد (٩٩):
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:
стр. 3595
قال رسول الله، ﷺ : "خفّفَت [¬١] على داود ﵇ القراءة، فكان [¬٢] يأمر بدابته [أن تُسرج] [¬٣]، فكان يقرأ القرآن من [¬٤] قبل أن تُسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه". انفرد بإخراجه البخاري.
والمراد بالقرآن هنا الزبور.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فإنه ليس ثَمّ حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، وثبت في الصحيح (١٠٠) أن رسول الله ﷺ قال: "ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًّا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضى عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
وقال ابن أبي حاتم (١٠١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان، عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ … الآية قالوا لمحمد ﷺ : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: نعم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ .
وكذا روى عن [¬٥] ابن عباس (١٠٢)، والشعبي، وقتادة، والثوري، وغير واحد في سبب
стр. 3596
نزول هذه الآية، فالله أعلم.
وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم، فُعل بقرآنكم.
وقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (١٠٣): لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل. رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضًا.
وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أفلم يعلم الذين آمنوا. وقرأ آخرون، (أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا).
[وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعًا] [¬١].
وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، أي: بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا [¬٢] يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
قال قتادة، عن الحسن: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، أي القارعة. وهذا هو الظاهر من السياق.
وقال أبو داود الطيالسي (١٠٤): حدثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: محمد ﷺ ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾، قال: فتح مكة.
وهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، في رواية.
стр. 3597
وقال العوفي (١٠٥)، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: عذاب من السماء ينزل عليهم- ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، يعني نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم.
وكذا قال مجاهد، وقتادة، وقال عكرمة في رواية عنه، عن ابن عباس: ﴿قَارِعَةٌ﴾، أي: نكبة.
كلهم قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾، يعني فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض [¬١] وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، ﴿فَلَا [¬٢] تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ﴾.
يقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: فلك فيهم أسوة، ﴿فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: أنظرتهم وأجلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذةً رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم؟، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ [¬٣] مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وفي الصحيحين (١٠٦): " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ
стр. 3598
تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)
يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ [بِمَا كَسَبَتْ] [¬١]﴾، أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا﴾، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ … أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تملك [¬٢] نفعًا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه، وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾، أي: عبدوها معه، من أصنام وأنداد وأوثان.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يُعرَفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: لا وجود له؛ لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمه، لأنه لا تخفى عليه خافية.
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ - قال مجاهد: بظن من القول.
وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول.
أي: إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾.
﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾، قال مجاهد: قولهم. أي: ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.
стр. 3599
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾، من قرأها بفتح الصاد، معناه أنهم لما زين لهم ما هم [¬١] فيه وأنه حق دَعوا إليه [¬٢] وصَدّوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها: ﴿وَصُدُّوا﴾، أي: بما زين لهم من صحة ما هم عليه صُدّوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ * مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار: فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: بأيدي المؤمنين قتلًا وأسرًا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾، أي: المدّخَر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾، أي: من هذا بكثير كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين (١٠٧): " إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة". وهو كما قال -صلوات الله وسلامه عليه- فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.
ولهذا قرن هذا بهذا، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: صفتها ونعتها، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجرونها تفجيرًا، أي: يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.
стр. 3600
وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، أي: فيها المطاعم [¬١] والفواكه والمشارب، لا انقطاع ولا فناء.
وفي الصحيحين (١٠٨)، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا [¬٢]: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تَكَعْكعت [¬٣] فقال: "إني رَأيت الجنة -أو: أريت الجنة - فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا".
وقال الحافظ أبو يعلى (١٠٩): حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسولُ الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر. فلما قضى الصلاة قال له أُبيُّ بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما رأيناك كنت تصنعه. فقال: إني عرضت عليَّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطْفًا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا يَنْقُصُونه".
وروى مسلم (١١٠) من حديث أبي الزبير، عن جابر، شاهدًا لبعضه.
стр. 3601
وعن عتبة بن عبدٍ السلمي: أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ "قال: نعم"، قال: فما عظَم العنقود؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر". رواه أحمد (١١١).
وقال الطبراني (١١٢): حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله، ﷺ : "إن الرجل إذا نزع ثمرة [¬١]، من الجنة عادت مكانها أخرى".
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ : "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يتمخطون [¬٢] ولا يتغوّطون ولا يبولون، طعامهم جُشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس"، رواه مسلم (١١٣).
стр. 3602
وروى الإمام أحمد والنسائي (١١٤)، من حديث الأعمش، عن ثمامة [¬١] بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: "نعم، والذي نفس محمد يده، [إن الرجل منهم] [¬٢] ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة". قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: "حاجة أحدهم رشح يفيض من جلودهم، كريح [¬٣] المسك، فيضمر بطنه".
وقال الحسن بن عرفة (١١٥): حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد [¬٤] الله ابن الحارث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي [¬٥] رسول الله صلى الله
стр. 3603
عليه وسلم: "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويًّا".
وجاء في بعض الأحاديث (١١٦): أنه إذا فُرغ منه عاد طائرًا [كما كان] [¬١] بإذن الله تعالى.
وقد قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.
وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
وقد تقدم في الصحيحين (١١٧) من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها"، ثم قرأ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.
وكثيرًا ما يقرن الله تعالى [¬٢] بين صفة الجنة وصفة النار، ليرغب في الجنة ويحذّر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر، قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.
وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: [عباد الله] [¬٣]، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من عبادتكم تُقُبلت منكم، أو أن شيئًا في خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ [¬٤] أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، والله لو عُجّل لكم الثواب في
стр. 3604
الدنيا لاستقللتم كلكم ما افتُرض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم، ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. رواه ابن أبي حاتم (١١٨).
﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيهِ أَدْعُو وَإِلَيهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهم قائمون بمقتضاه، ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾، أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقًّا وصدقًا مفعولًا لا محالة، وكائنًا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، أي: ومن الطوائف من يكذّب ببعض ما أنزل إليك.
وقال مجاهد: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾: اليهود والنصارى، من ينكر بعض ما جاءك من الحق. وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أي: إنما بعثت بعبادة الله وحده لا
стр. 3605
شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي، ﴿إِلَيهِ أَدْعُو﴾، أي: إلي سبيله أدعو الناس، ﴿وَإِلَيهِ مَآبِ﴾، أي: مرجعي ومصيري.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾، أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكمًا معربًا، شرّفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: آراءهم، ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي: من الله تعالى، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾. وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًّا كذلك بعثنا المرسلين قبلك بَشَرًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.
وفي الصحيحين (١١٩): أن رسول الله، ﷺ ، قال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل الدّسم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وقال الإمام أحمد (١٢٠): حدثنا يزيد، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ : "أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح،
стр. 3606
والسواك، والحناء [¬١] ".
وقد رواه أبو عيسى الترمذي (١٢١)، عن سفيان بن وكيع، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال [¬٢]، عن أبي أيوب … فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشِّمال [¬٣].
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: لم يكن يأتي قومَه بخارق إلا إذا أن له فيه، ليس ذاك إليه، بل إلى الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل مُدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضرربة عند الله ومقدار معين، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3607
وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري (١٢٢)، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت، وفي رواية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، [قال: كل شيء] [¬١]، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما.
وقال مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.
وقال منصور: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدِنا يقول: "اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم [¬٢] واجعله في السعداء". فقال: حَسنٌ. ثم لقيته [¬٣] بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، قال يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغيَّر.
وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إن كنت كتبتا أشقياء فامحه [¬٤] واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب". رواه ابن جرير (١٢٣).
стр. 3608
وقال ابن جرير أيضًا (١٢٤): حدثنا عمرو بن عليٍّ، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصْمة، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.
وقال حماد (١٢٥): عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعو ﵁: أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضًا.
ورواه شريك (١٢٦)، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيم، عن ابن مسعود بمثله.
وقال ابن جرير (١٢٧): حدثني [المثنى، حدثنا] [¬١] حجاج، حدثنا خصاف [¬٢]، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن التي يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية.
стр. 3609
ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد (١٢٨):
حدثنا وكيع، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".
ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به.
وثبت في الصحيح (١٢٩) أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي حديث آخر (١٣٠): " إن" [¬١] الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض".
стр. 3610
وقال ابن جرير (١٣١): حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أن لله [ ] [¬١] لوحًا محفوظًا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت -والدفتان لوحان- لله [كل يوم] [¬٢] ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
وقال الليث بن سعد: عن زيادة [¬٣] بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " [إن الله] [¬٤] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يَبْقَيْن من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت" وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير (١٣٢).
وقال الكلبي (١٣٣): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية