والسواك، والحناء [¬١] ".
وقد رواه أبو عيسى الترمذي (١٢١)، عن سفيان بن وكيع، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال [¬٢]، عن أبي أيوب … فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشِّمال [¬٣].
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: لم يكن يأتي قومَه بخارق إلا إذا أن له فيه، ليس ذاك إليه، بل إلى الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل مُدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضرربة عند الله ومقدار معين، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3607
وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري (١٢٢)، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت، وفي رواية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، [قال: كل شيء] [¬١]، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما.
وقال مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.
وقال منصور: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدِنا يقول: "اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم [¬٢] واجعله في السعداء". فقال: حَسنٌ. ثم لقيته [¬٣] بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، قال يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغيَّر.
وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: "اللهم إن كنت كتبتا أشقياء فامحه [¬٤] واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب". رواه ابن جرير (١٢٣).
стр. 3608
وقال ابن جرير أيضًا (١٢٤): حدثنا عمرو بن عليٍّ، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصْمة، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.
وقال حماد (١٢٥): عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعو ﵁: أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضًا.
ورواه شريك (١٢٦)، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيم، عن ابن مسعود بمثله.
وقال ابن جرير (١٢٧): حدثني [المثنى، حدثنا] [¬١] حجاج، حدثنا خصاف [¬٢]، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن التي يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية.
стр. 3609
ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد (١٢٨):
حدثنا وكيع، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر".
ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به.
وثبت في الصحيح (١٢٩) أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي حديث آخر (١٣٠): " إن" [¬١] الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض".
стр. 3610
وقال ابن جرير (١٣١): حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أن لله [ ] [¬١] لوحًا محفوظًا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت -والدفتان لوحان- لله [كل يوم] [¬٢] ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
وقال الليث بن سعد: عن زيادة [¬٣] بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " [إن الله] [¬٤] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يَبْقَيْن من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت" وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير (١٣٢).
وقال الكلبي (١٣٣): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية
стр. 3611
فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عليه [¬١] عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويثبت مما كان فيه الثواب وعليه العقاب.
وقال عكرمة (١٣٤)، عن ابن عباس: الكتاب كتابان؛ فكتاب يمحو الله منه ما بشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
وقال العوفي (١٣٥)، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لعصية الله، فيموت علي ضلاله فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير، حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت.
وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (١٣٦): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ [¬٢]، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب.
وقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية.
وقال ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: قالت كفار قريش حين أنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما نرى محمدًا يملك [من شيء ولقد] [¬٣] فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفًا ووعيدًا لهم: إنا إن
стр. 3612
شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ما نشاء ونثبت ما نشاء، من أرزاق الناس ومصائبهم وما نعطيهم وما نقسم لهم.
وقال الحسن البصري: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: من جاء أجله فذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلي أجله.
وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ﵀.
وقوله ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الحلال والحرام.
وقال [¬١] قتادة: أي جملة الكتاب وأصله.
وقال الضحاك: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين.
وقال سنيد بن داود (١٣٧): حدثني معتمر، عن أبيه، عن سيّار [¬٢]، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، [ثم قال] [¬٣] لعلمه كن كتابًا فكان كتابًا.
[قال] ابن (١٣٨) جريج: قال ابن عباس: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الذكر.
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾
стр. 3613
يقول تعالى لرسوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد بعض الذي نعد [¬١] أعداءك من الخزي [¬٢] والنكال في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: قبل ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله وقد بلغت [¬٣] ما أمرت به ﴿وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ أي: حسابهم وجزاؤهم، [كقوله تعالى] [¬٤]: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ (٢٢) إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ﴾.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال ابن عباس (١٣٩): أو لم يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض.
وقال في رواية (١٤٠): أو لم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمرانُ في ناحية.
وقال مجاهد وعكرمة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: خرابها.
وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين.
وقال العوفي (١٤١)، عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها.
وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض.
وقال الشعبي: لو كانت الأرض تُنْقَص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تُنْقَصُ الأنفُس والثمرات. وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانًا تقعد فيه ولكن هو الموت.
وقال ابن عباس في رواية (١٤٢): خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها. وكذا
стр. 3614
قال مجاهد أيضًا: هو موت العلماء.
وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز، أبي القاسم المصري الواعظ، سكن أصبهان: حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي [¬١] بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة، قال أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه.
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف
والقول الأول أولى وهو ظهور الإِسلام على الشرك قرية بعد قرية، [كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وهذا اختيار ابن جرير] [¬٢].
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾
يقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين، كقوله [¬٣]: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾، [وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ [مَكْرِهِمْ أَنَّا] [¬٥] دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ الآيتين [¬٦].
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: أنه تعالى عالم بجميع السرئر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله (وسيعلم الكافر) والقراءة الأخرى ﴿الْكُفَّارُ﴾ ﴿لِمَنْ عُقْبَى
стр. 3615
الدَّارِ﴾ لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل؟ كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾
يقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي: ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾ أي: حسبي الله وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان.
وقول: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد.
وهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي (١٤٣)، عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى.
وقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري.
وقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى.
ركان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بي سلام، ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها (ومن عندِه عُلِمَ الكتاب) ويقول: من عند الله.
وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري. وقد روى ابن جرير (١٤٤)؛ من حديث هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ ، قرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات.
قلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده (١٤٥): من طريق هارون بن موسى [¬١] هذا،
стр. 3616
عن سليمان بن أرقم وهو ضعيف، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك ولا يثبت والله أعلم.
والصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل [¬١] علماء أهل الكتاب، الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. وأمثال ذلك مما فيه من الإِخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم بعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة. قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "دلائل النبوة" (١٤٦) وهو كتاب جليل:
حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده [¬٢] عبد الله بن سلام: [أنه قال لأحبار] [¬٣] اليهود: إني أردت أن أجدِّدَ [¬٤] بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدًا [¬٥]، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 3617
وهو بمكة فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله ﷺ ، بمنى والناس حوله فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله، ﷺ ، قال: "أنت عبد الله بن سلام؟ " قال: قلت: نعم. قال: "ادن" قال: فدنوت منه قال: "أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟ " فقلت له: انعت ربنا. قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله، ﷺ ، فقال له ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله، ﷺ ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأنا فوق نخلة لي أجُدُّها، فألقيت نفسي، فقالت أمي: لله [¬١] أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان لك [¬٢] أنّ تلقي نفسك من رأس [¬٣] النخلة. فقلت: والله لأنا أسر بقدوم رسول الله ﷺ من موسى بن عمران إذ بعث.
وهذا حديث [¬٤] غريب جدًّا.
[آخر تفسير سورة الرعد ولله الحمد] [¬٥]
* * *
стр. 3618
[تفسير] سورة إبراهيم ﵇ -
[وهي مكية]
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾
قد تقدم الكلام علي الحروف المقطعة في أوائل السور.
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم. ﴿لِتُخْرِجَ [¬١] النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب، لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه ﴿الْحَمِيدِ﴾ أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره. وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأه بعضهم مستأنفًا مرفوعًا [¬٢]، وقرأه آخرون على الإِتباع صفة للجلالة [¬٣]؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك
стр. 3619
يا محمد وكذبوك. ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهي اتباع الرسل ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويحبون أن يكون [¬١] سبيل الله عوجًا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل، وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم - والحالة هذه - صلاح.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
هذا من لطفه تعالى بخلقه أنَّه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال [¬٢] الإِمام أحمد (١) [¬٣]: حدَّثنا وكيع، عن عمر بن ذر، قال قال مجاهد عن أبي ذر قال: قال رسول الله، ﷺ : "لم يبعث الله، ، نبيًّا إلَّا بلغة قومه".
وقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل تعالى [¬٤] من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ [¬٥]﴾ الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. وقد كانت هذه سنته في خلقه، أنَّه ما بعث نبيًّا فَي أمة إلَّا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته [¬٦] إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله، ﷺ ، بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين (٢) عن جابر، قال: قال رسول الله، ﵌: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [¬٧] وبعثت إلى الناس عامة". وله
стр. 3620
شواهد من وجوه كثيرة (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب، لتخرج الناس كلهم تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى في بني إسرائيل بآياتنا.
قال مجاهد: وهي التسع الآيات.
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي: أمرناه قائلين له ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: ادعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة [¬١] الإِيمان.
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المنَّ والسلوى، إلى غير ذلك من النعم؛ قال ذلك مجاهد وقَتَادة وغير واحد.
وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل في [مسند أبيه] [¬٢] حيث قال (٤): حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدَّثنا محمد بن أبان الجعفي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عبَّاس، عن أبي بن كعب، عن النبي، ﷺ ، في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: "بنعم الله ﵎".
стр. 3621
ورواه ابن جرير (٥)] [¬١] وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان، به. ورواه عبد الله ابنه (٦) [¬٢] أيضًا موقوفًا وهو أشبه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن [¬٣] فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين - لعبرةً لكل صبار، أي: في الضراء، ﴿شَكُورٍ [¬٤]﴾ أي: في السراء، كما قال قَتَادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.
[وكذا جاء، في الصحيح] [¬٥] (٧) عن رسول الله، ﷺ ، أنَّه قال: "إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له".
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)
يقول تعالى مخبرًا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم، ونعمه عليهم إذ أنجاهم
стр. 3622
من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإِذلال، حين كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم ويتركون إناثهم، فأنقذ الله بني إسرائيل من ذلك، وهذه نعمة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها.
وقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿بَلَاءٌ﴾ أي: اختبار عطم، ويحتمل أن يكون المراد هذا، وهذا - والله أعلم - كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، [كما قال] [¬١]: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وقوو، [¬٢]: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن شكرتم [نعم الله] [¬٣] لأزيدنكم منها ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها.
وقد جاء في الحديث (٨): " إن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه".
وفي المسند أن رسول الله، ﷺ ، مر به سائل، فأعطاه تمرة فتسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها فقبلها، وقال: تمرة من رسول الله، ﷺ ، فأمر له بأربعين درهمًا، أو كما قال [¬٤] الإِمام أحمد (٩):
حدَّثنا أسود، حدَّثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أَنس قال: أتى النبي، صلى
стр. 3623
الله عليه وسلم، سائل، فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وَحَّشَ [¬١] [¬٢] بها. قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله" تمرة من رسول الله، ﷺ . فقال للجارية: "اذهبي [¬٣] إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهمًا التي عندها". تفرد به الإِمام أحمد.
وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان [¬٤]، وقال ابن معين: صالح. وقال أَبو زرعة: لا بأس به. وقال أَبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب [¬٥] في حديثه. وعن أحمد أيضًا أنَّه قال: روي عنه أحاديث منكرة. وقال أَبو داود: ليس بذلك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به، ممن يكتب حديثه.
[وقوله تعالى] [¬٦]: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره؛ [كما قال تعالى] [¬٧]: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. [وقال تعالى] [¬٨]: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
وفي صحيح مسلم (١٠): عن أبي ذر، عن رسول الله، ﷺ ، فيما يَرْوي عن ربه أنَّه قال: "يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ [¬٩] منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم [كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم] [¬١٠] قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلَّا كما ينقص المخِيَطُ إذا أُدخِلَ في [¬١١] البحر". فسبحانه وتعالى الغني الحميد!
стр. 3624
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ (٩)﴾
قال ابن جرير (١١): هذا من تمام قيل موسى لقومه. يعني: وتذكاره إياهم بأيام الله،
بانتقامه من الأمم المكذبة للرسل.
وفيما قال ابن جرير نظر، والظاهر أنَّه خبر [¬١] مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصِّهِ عليهم ذلك، فلا شك [¬٢] أن تكون [¬٣] هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم. وبالجملة، فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل، مما لا يحصي عددهم [¬٤] إلا الله ﴿جَاءَتْهُمْ [¬٥] رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات.
وقال [أبإ إسحاق] (١٢) [¬٦]، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنَّه قال في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ﴾: كذب النسابون.
وقال [¬٧] عروة بن الزُّبَير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بعد معدّ بن عبدنان.
стр. 3625
وقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اختلف المفسررن في معناه، فقيل [¬١]: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل، يأمرونهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله .
وقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبًا لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل.
وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقَتَادة: معناه [¬٢] أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم.
قال ابن جرير (١٣): وتوجيهه أن "في"ها هنا [¬٣] بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب: أدخلك الله بالجنة، يعنون في الجنَّة، وقال الشاعر:
وأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ … وَلَكِنَّني عن سِنْبِسٍ لستُ أَرْغَبُ
يريد: أرغب بها.
قلت: ويؤيد [¬٤] قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ﴾ فكأن هذا [-والله أعلم-] [¬٥] تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾.
وقال سفيان الثَّوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال: عضوا عليها عضًّا [¬٦].
وقال شعبة، عن أَبي إسحاق عن [هبيرة بن يريم] [¬٧]، عن عبد الله أنَّه قال ذلك أيضًا.
وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ووجهه ابن جرير مختارًا له بقوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عبَّاس: لما سمعوا كلام الله عجبوا، ررجعوا بأيديهم إلى أفواههم.
стр. 3626
﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ﴾ يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به [¬١]، فإن عندنا فيه شكًّا قويًّا.
﴿قَالتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾
يخبر الله تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت [¬٢] الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وهذا يحتمل شيئين؛ أحدهما: أفي وجوده شك؟! فإن الفِطَرَ شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر [¬٣] السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى [النظر في الدليل] [¬٤] الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث [¬٥] والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لهما [¬٦] من صانع وهو الله لا إله إلَّا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه.
والمعنى الثاني: في قولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلَّا هو وحده لا شريك له؛ فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم، أو تقربهم من الله زلفى.
стр. 3627
وقالت لهم رسلهم: [﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ] [¬١] لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [أي: في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٢] وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾] الآية، فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة، بعد تقدير تسليمهم للمقام الأول، وحاصل ما قالوه: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نر منكم معجزة ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: خارق نقترحه عليكم.
﴿قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالرسالة والنبوة ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ على وفق ما سألتم ﴿إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في جميع أمورهم.
ثم قالت الرسل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: وما يمنعنا من التوكل عليه وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيتُمُونَا﴾ أي: من الكلام السيئ والأفعال السخيفة ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.
﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾
يخبر تعالى عما توعدت به الأم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا [¬٣] أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، وكما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ
стр. 3628
مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
وكان [¬١] من صنعه تعالى أنَّه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانا، وجندًا يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتَّى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم آناف [¬٢] أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض، حتَّى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، في أيسر زمان، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا] [¬٣] وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي وعدي [¬٤] هذا [¬٥] لمن خاف مقامه بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] [¬٦]﴾، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.
وقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: استنصرت الرسل ربها على قومها، قاله ابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها؛ كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ
стр. 3629
إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ويحتمل أن يكون هذا مرادًا وهذا مرادًا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله، ﷺ ، وانتصر [¬١]، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية، والله أعلم.
﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: متجبر في نفسه، [] [¬٢] معاند للحق، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾.
وفي الحديث (١٤): " إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد … " الحديث. خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.
وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى أمام، كقوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾ وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك) أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي [¬٣] له بالمرصاد، يسكنها مخلدًا ورم المعاد، ويعرض عليها غدوًّا وعشيًّا إلى [¬٤] يوم التناد.
﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: في النار، ليس له شراب إلا من حميم أو [¬٥] غساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: ﴿هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج﴾.
قال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم.
وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده. وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم.
стр. 3630
وفي حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد [¬١] بن السكن؛ قالت: قلت: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار" (١٥). وفي رواية: "عُصارة أهل النار" (١٦).
وقال الإمام أحمد (١٧): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر [¬٢] عن أبي أمامة، ﵁، عن النبي، ﷺ ، في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال [¬٣]: "يقرب إليه فيتكرهه [¬٤]، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره". يقول الله تعالى: ﴿وسقوا ماء حميمًا قطع أمعاءهم﴾، ويقول: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾.
وهكذا رواه ابن جرير (١٨): من حديث عبد الله بن المبارك، به. ورواه هو وابن أبي حاتم: من حديث بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، به.
وقوله: ﴿يتجرعه﴾ أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهرًا وقسرًا [¬٥]، لا يضعه في فيه [¬٦] حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾.
стр. 3631
﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يردده [¬١] لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته [¬٢] أو برده الذي لا يستطاع.
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه.
قال ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق، وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.
وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي: من جسده، حتى من أطراف شعره.
وقال ابن جرير: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أمامه [وخلفه. وفي رواية: و] [¬٣] عن يمينه وشماله، ومن فوقهم [¬٤] ومن تحت أرجلهم [¬٥]، ومن سائر أعضاء جسده.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا [يأتيه الموت] [¬٦] منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾.
ومعنى كلام ابن عباس، ﵄ [¬٧]: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى [¬٨] وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ
стр. 3632
لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم [¬١]، عياذًا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله جزاءً وفاقًا ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار: الذين عبدوا [مع الله] [¬٢] غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: مثل [أعمال الذين كفروا] [¬٣] يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم [] [¬٤] على شيء، فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة ﴿في يوم عاصف﴾ أي: ذي ريح شديدة [¬٥] عاصفة قوية، [فلا يقدرون] [¬٦] على [شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على] [¬٧] جمع هذا الرماد في هذا اليوم، [كما قال تعالى] [¬٨]: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال [¬٩] تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ
стр. 3633
صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله [¬١] في هذه الآية: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحاري، وقفار وبحار، وأشجار ونبات وحيوان، على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألونها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: بعظيم ولا ممتنع، بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره، [أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم؛ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [¬٢] * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [أَيُّهَا النَّاسُ] [¬٣] وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.
стр. 3634
﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَال الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَينَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾
يقول تعالى [¬١]: ﴿وبرزوا﴾ أي: برزت الخلائق كلها؛ برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي: اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس [¬٢] فيه شيء يستر أحدًا.
﴿فقال الضعفاء﴾ وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿للذين استكبروا﴾ عن عبادة الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل فقالوا [¬٣] لهم: ﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾ أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: [تعالوا فإنما] [¬٤] أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرًا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.
قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾، وقال
حقا وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم؛ كما قال الله [¬١] تعالى: ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا﴾.
ثم قال: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ أي: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به ﴿إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فلا تلوموني﴾ اليوم ﴿ولوموا أنفسكم﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم السنن الباطل ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ أي: بنافعكم فمنقذكم [¬٢] ومخلصكم مما أنتم فيه ﴿وما أنتم بمصرخي﴾ أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾.
قال قتادة: أي: بسبب ما أشركتمون من قبل.
وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن [¬٣] أكون شريكًا لله .
وهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.
وقوله: ﴿إن الظالمين﴾ أي: في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل ﴿لهم عذاب أليم﴾.
والظاهر من سياق الآية: أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم -وهذا لفظه- وابن جرير (١٩): من رواية عبد الرحمن بن زياد، حدثني دخين [¬٤] الحجري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله،
стр. 3637
ﷺ ، أنه قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم- وذكر نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى- فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورًا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا؛ فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا؛ فإنك أنت أضللتنا، فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم [يعظم نحيبهم] ويقول الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان في عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم".
وهذا سياق ابن أبي حاتم. ورواه ابن المبارك، عن رشدين [¬١] بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن دخين [¬٢]، عن عقبة به مرفوعًا.
وقال محمد بن كعب القرظي ﵀: لما قال أهل النار: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ قال لهم إبليس: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا: ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾.
وقال عامر الشعبي: يقوم خطبان [¬٣] يوم القيامة على رءوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ - إلى قوله- ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ قال: ويقوم إبليس، لعنه الله، فيقول: ﴿ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ الآية.
ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطبهم إبليس، عطف بحال [¬٤] السعداء [وأنهم يدخلون يوم القيامة] [¬٥] جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا ﴿خالدين فيها﴾ ماكثين أبدًا لا يحولون ولا يزولون
стр. 3638
﴿بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام﴾، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم﴾، وقال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾، وقال تعالى: ﴿ويلقون فيها تحية وسلاما﴾، وقال تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مثلًا كلمة طيبة﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كشجرة طيبة﴾ وهو المؤمن ﴿أصلها ثابت﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن ﴿وفروعها في السماء﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
وهكذا [¬١] قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد: إن ذلك عبارة عن المؤمن وقوله الطيب وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء.
وهكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة.
وشعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس: هي النخلة.
وحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحَبْحَاب، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، أتي بقناع [¬٢] بُشر فقرأ ﴿مثلًا [¬٣]، كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: "هي النخلة" (٢٠).
стр. 3639
وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفًا (٢١)؛ وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال البخاري (٢٢): حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر؛ قال: كنا عند رسول الله، ﷺ ، فقال: "أخبروني بشجرة تشبه -أو- كالرجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها [لا صيفًا ولا شتاء، و] [¬١] تؤتي أكلها كل [حين بإذن ربها] [¬٢] ". قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله، ﷺ : "هي النخلة". فلما قمنا قلت لعمر [¬٣]: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تكلم [¬٤]؟ [قلت: لم] [¬٥] أركم تتكلمون [¬٦]، فكرهت أن أتكلم، أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
وقال أحمد (٢٣): حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله، ﷺ ، إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند رسول الله، ﷺ ، فأتي بجُمَّار فقال: "إن من الشجر شجرة مَثَلُها كمثل الرجل المسلم". فأردتُ أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فسكت [¬٧]، فقال رسول الله، ﷺ : "هي النخلة" أخرجاه.
стр. 3640
وقال مالك وعبد العزيز (٢٤): عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ ، يومًا لأصحابه: "إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن". قال: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، [فاستحييت حتى قال رسول الله، ﷺ : "هي النخلة"] [¬١] أخرجاه أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم (٢٥): حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان -يعني ابن يزيد [¬٢] العطار- حدثنا قتادة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور [¬٣] بالأجور. فقال: "أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها على بعض أكان [¬٤] يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ " قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: "تقول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء".
وعن ابن عباس ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قيل [¬٥]: غدوة وعشيًّا [¬٦]، وقيل: كل شهر، وقيل: [كل سنة شهرين] [¬٧]، وقيل: كل ستة أشهر، وقيل: كل سبعة أشهر، وقيل: كل سنة.
والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت؛ من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار، في كل وقت وحين.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي: كاملًا حسنًا كثيرًا طيبًا ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
стр. 3641
يَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى [¬١]: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر [¬٢]، لا أصل له ولا ثبات وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان [¬٣]، [رواه شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك "أنها شجرة الحنظل] [¬٤] ".
وقال أبو بكر البزار الحافظ (٢٦): حدثنا يحيى بن محمد بن [¬٥] السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس -أحسبه رفعه- قال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: "هي النخلة" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: "هي الشَّرْيان [¬٦] ".
ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غندر عن شعبة، عن معاوية عن أنس موقوفًا.
وقال ابن أبي حاتم (٢٧): حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة- عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي، ﷺ ، قال: " ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي: الحنظلة". فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع.
ورواه ابن جرير (٢٨): من حديث حماد بن سلمة، به. ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال (٢٩):
حَدَّثنا غسان، عن حماد، عن شعيب، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، أتي بقناع عليه بُسْر فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فقال: "هي النخلة" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ قال: "هي الحنظل [¬٧] " قال
стр. 3642
شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع.
وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: استؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾
قال البخاري (٣٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
ورواه مسلم أيضًا وبقية الجماعة كلهم: من حديث شعبة، به (٣١).
وقال الإِمام أحمد (٣٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب؛ قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلْحَد، فجلس رسول الله، ﷺ ، وجلسنا حوله وكأنّ على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت [¬١] به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر! ". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء
стр. 3643
بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من [¬١] الله ورضوان قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملإ [¬٢] من الملائكة إلا قالوا: ما هذا [¬٣] الروح الطيب [¬٤]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا [¬٥] يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه [¬٦] من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.
قال: فتعاد روحه [في جسده] [¬٧]، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها [¬٨] وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول [¬٩]: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء [¬١٠]، بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: [رب؛ أقم الساعة، رب؛ أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي] [¬١١].
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه [من السماء ملائكة] سود الوجوه، معهم المُسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت [حتى يجلس] [¬١٢] عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى
стр. 3644
سخط من الله وغضب. قال: فتفرق [¬١] في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج [¬٢] منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: [ما هذا الروح الخبيث] [¬٣]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي [كانوا يسمونه] [¬٤] بها في الدنيا، [حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا] [¬٥]، فيستفتح له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿لَا [¬٦] تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي [¬٧] فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه [¬٨] يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب؛ لا تقم الساعة".
ورواه أبو داود: من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجه: من حديث المنهال بن عمرو، به.
وقال [¬٩] الإِمام أحمد (٣٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب [¬١٠]،
стр. 3645
عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى جنازة … فذكر نحوه، وفيه: "حتى إذا خرج [¬١] روحه صلى عليه [¬٢] كل ملك بين السماء والأرض، [وكل ملك في السماء] [¬٣]، وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم [يدعون إلى الله] [¬٤] أن يعرج بروحه من قِبَلِهم".
وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضُرب بها جبل [¬٥] كان [¬٦] ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها [¬٧] كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد له [¬٨] [من فرش] [¬٩] النار.
وقال سفيان الثوري (٣٤): عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: عذاب القبر.
وقال المسعودي (٣٥)، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من [¬١٠] ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، ﷺ . وقرأ عبد الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
وقال الإِمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده (٣٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن [¬١١] قتادة، حدثنا أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله،