← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

يَتَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى [¬١]: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر [¬٢]، لا أصل له ولا ثبات وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان [¬٣]، [رواه شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك "أنها شجرة الحنظل] [¬٤] ". وقال أبو بكر البزار الحافظ (٢٦): حدثنا يحيى بن محمد بن [¬٥] السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس -أحسبه رفعه- قال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: "هي النخلة" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: "هي الشَّرْيان [¬٦] ". ثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غندر عن شعبة، عن معاوية عن أنس موقوفًا. وقال ابن أبي حاتم (٢٧): حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة- عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي، ﷺ ، قال: " ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي: الحنظلة". فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير (٢٨): من حديث حماد بن سلمة، به. ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال (٢٩): حَدَّثنا غسان، عن حماد، عن شعيب، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ ، أتي بقناع عليه بُسْر فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فقال: "هي النخلة" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ قال: "هي الحنظل [¬٧] " قال

стр. 3642

شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع. وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: استؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ قال البخاري (٣٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. ورواه مسلم أيضًا وبقية الجماعة كلهم: من حديث شعبة، به (٣١). وقال الإِمام أحمد (٣٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب؛ قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلْحَد، فجلس رسول الله، ﷺ ، وجلسنا حوله وكأنّ على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت [¬١] به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر! ". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء

стр. 3643

بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من [¬١] الله ورضوان قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملإ [¬٢] من الملائكة إلا قالوا: ما هذا [¬٣] الروح الطيب [¬٤]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا [¬٥] يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه [¬٦] من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. قال: فتعاد روحه [في جسده] [¬٧]، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها [¬٨] وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول [¬٩]: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء [¬١٠]، بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: [رب؛ أقم الساعة، رب؛ أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي] [¬١١]. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه [من السماء ملائكة] سود الوجوه، معهم المُسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت [حتى يجلس] [¬١٢] عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى

стр. 3644

سخط من الله وغضب. قال: فتفرق [¬١] في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج [¬٢] منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: [ما هذا الروح الخبيث] [¬٣]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي [كانوا يسمونه] [¬٤] بها في الدنيا، [حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا] [¬٥]، فيستفتح له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿لَا [¬٦] تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي [¬٧] فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه [¬٨] يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب؛ لا تقم الساعة". ورواه أبو داود: من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجه: من حديث المنهال بن عمرو، به. وقال [¬٩] الإِمام أحمد (٣٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب [¬١٠]،

стр. 3645

عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى جنازة … فذكر نحوه، وفيه: "حتى إذا خرج [¬١] روحه صلى عليه [¬٢] كل ملك بين السماء والأرض، [وكل ملك في السماء] [¬٣]، وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم [يدعون إلى الله] [¬٤] أن يعرج بروحه من قِبَلِهم". وفي آخره: "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضُرب بها جبل [¬٥] كان [¬٦] ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها [¬٧] كل شيء إلا الثقلين". قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد له [¬٨] [من فرش] [¬٩] النار. وقال سفيان الثوري (٣٤): عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: عذاب القبر. وقال المسعودي (٣٥)، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من [¬١٠] ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، ﷺ . وقرأ عبد الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وقال الإِمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده (٣٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن [¬١١] قتادة، حدثنا أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله،

стр. 3646

ﷺ : "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم [¬١]، قال: فيأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة". قال [نبي الله] [¬٢]، ﷺ : "فيراهما [¬٣] جميعا". قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم القيامة. رواه مسلم عن عبد بن حميد، به. وأخرجه النسائي: من حديث يونس بن محمد المؤدب، به (٣٧). وقال الإِمام أحمد (٣٨): حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر؟ فقال: سمعت [رسول الله] [¬٤]، ﷺ ، يقول: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره، وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ [فيقول المؤمن: أقول] [¬٥]: إنه رسول الله، ﷺ ، وعبده. فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من [¬٦] الجنة. فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما [¬٧] يقول الناس. فيقال

стр. 3647

له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار". قال جابر: فسمعت النبي، ﷺ ، يقول: "يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه". إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الإِمام أحمد (٣٩) حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: شهدنا مع رسول الله، ﷺ ، جنازة، فقال رسول الله، ﷺ : "يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق، فأقعده قال [¬١]: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا [عبده ورسوله] [¬٢]. فيقول له: صدقت. ثم يفتح له بابا إلى النار، فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك. فيفتح له بابا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن. ويفسح له في قبره. وإن كان كافرًا أو منافقًا فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت. ثم يفتح له بابا إلى الجنة، فيقول له [¬٣]: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله أبدلك به هذا. فيفتح له بابا إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق، [فيصيح صيحة] [¬٤] يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين" فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه

стр. 3648

ملك في يده مطراق إلا هَبِلَ [¬١] عند ذلك. فقال رسول الله، ﷺ : " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ". وهذا أيضًا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونًا، ولكن ضعفه بعضهم. وقال الإِمام أحمد (٤٠): حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال [¬٢]: "إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا [¬٣]: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقولون: مرحبًا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه [لا يفتح] لك أبواب السماء، فيرسل من السماء، ثم يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح" فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول - ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول. ورواه النسائي وابن ماجه: من طريق ابن أبي ذئب بنحوه. وفي صحيح مسلم (٤١): عن أبي هريرة، ﵁، قال: إذا [¬٤] خرجت روح العبد المؤمن، تلقاها ملكان يصعدان بها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت [¬٥] من قبل الأرض، صلى الله عليك

стр. 3649

وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ، فيقال [¬١]: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه. قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لَعْنًا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، قال [¬٢]: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فردَّ رسول الله، ﷺ ، رَيطَةً [¬٣] كانت عليه على أنفه هكذا. وقال ابن حبان في صحيحه (٤٢): حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخزم [¬٤]، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن قسامة [¬٥] بن زهير، عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "إن المؤمن إذا قُبِضَ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجى إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم لَيُناولُهُ بعضُهُم بعضًا يشمونه [¬٦]، حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما هذه [¬٧] الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض؟! ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان، فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى باب الأرض". وقد روى أيضًا (٤٣): من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، بنحوه قال: "فيسأل: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض، تقول [¬٨] خزنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتن من هذه، فتبلُغ بها إلى الأرض

стр. 3650

السفلى". قال قتادة: وحدثني رجل، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: أرواح المؤمنين تجمع بالجابيتين [¬١]، وأرواح الكفار تجمع بِبَرَهُوتَ سبخةٌ بحضرموت [] [¬٢]. وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي، ﵀ (٤٤): حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : "إذا قبر الميت -أو قال: أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له [¬٣]: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي [¬٤] لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. ويقال [¬٥] للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها [¬٦] معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال حماد بن سلمة (٤٥): عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: "ذاك إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ [ومن نبيك] [¬٧]؟ فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيى محمد، جاءنا بالبينات

стр. 3651

من عند الله فآمنت به وصدقت. فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تُبعث". وقال ابن جرير (٤٦): حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا: حدثنا يزيد، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: "والذي نفسي بيده] [¬١]، إن الميت ليسمع خفق نعالهم [¬٢] حين يولون عنه مدبرين، فإذا [¬٣] كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصيام عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من عند [¬٤] رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى [من] [¬٥] عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتي من [¬٦] عند رجليه فيقول [¬٧] فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال: اجلس، فيجلس قد مثلت [¬٨] له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك، فيقول: [دعني، دعني] [¬٩] حتى أصلي، فيقال له: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول: عم [¬١٠] تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، [وعلى ذلك] [¬١١] تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينوّر له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعبد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا [¬١٢]، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب: [وهي طير

стр. 3652

خُضْرٌ تُعلق] [¬١] بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه [¬٢] من التراب". وذلك قول الله [ ] [¬٣]: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. رواه ابن حبان: من طريق المعتمر بن سليمان، عن محمد بن عمرو، وذكر جواب الكافر وعذابه. وقال البزار (٤٧): حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - أحسبه رفعه - قال: "إن المؤمن ينزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فيود لو خرجت -يعني نفسه - والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يُصْعَدُ بِرُوحِهِ إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانًا في الأرض أعجبهم ذلك، وإذا قال إن فلانًا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا، وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل من ربك [¬٤]؟ فيقول: ربي الله، فيقول [¬٥] من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي، فيقول [¬٦]: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره، فيقول أو يقال: انظر إلى مجلسك، ثم يرى القبر فكَأنما كانت رَقدةً، وإذا كان عدو الله نزل به الموت، وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدًا، والله يبغض لقاءه. فإذا جلس في قبره -أو أجلس- يقال [¬٧] له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت، فيفتح له باب من [¬٨] جهنم، ثم يضرب ضربة يسمع [¬٩] كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش" قلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدّوَاب والحيات ثم يضيق عليه قبره. ثم قال: لا نعلم رواه إلا الوليد بن القاسم [¬١٠].

стр. 3653

وقال الإمام أحمد ﵀ (٤٨): حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء -يعني بنت الصديق ﵂ تحدث عن النبي، ﷺ ، قالت: قال: "إذا دخل الإنسان [قبره، فإن كان] [¬١] مؤمنًا أحَفَّ به عمله، الصلاةُ والصيامُ، قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فَتَرُدُّهُ، ومن نحو الصيام فيرده، قال: فيناديه: اجلس، قال: فيجلس، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل، يعني النبي، ﷺ ؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أنا أشهد أنه رسول الله، قال: [يقول] [¬٢] وما يدريك؟ أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: يقول: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجرًا أو كافرًا جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده، فأجلسه [فيقول له] [¬٣]: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد، قال: يقول: والله ما أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، قال: فيقول له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، قال: وتسلط [¬٤] عليه دابة في قبره معها [¬٥] سوط، ثمرته [¬٦] جمرة مثل عرق [¬٧] البعير، تضربه ما شاء الله صماء [¬٨] لا تسمع صوته فترحمه". وقال العوفي عن ابن عباس، ﵄، في هذه الآية قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته، ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربى الله. [فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد، ﷺ ] [¬٩]. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فيوسع له في قبره مد

стр. 3654

بصره، وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم، والبسط: هو الضرب. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث إليك؟ [لم يهتد] [¬١] ولم يرجع إليهم [¬٢] شيئًا ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي [¬٣]، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له ذلك مرات، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك في [¬٤] النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك [من الجنة إذ] [¬٥] ثبت، [وإذا مات الكافر أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت] [¬٦]، [ثم يفتح له باب] [¬٧] [إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك لو ثبت] [¬٨]، [ثم يفتح له باب] [¬٩] إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال لا إله إلا الله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر. وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر، وكذا روي عن غير واحد من السلف. وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه "نوادر الأصول" (٤٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن سعيد بن

стр. 3655

المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ ، ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال: "إني رأيت البارحة عجبًا؛ رأيت رجلًا من أمتي [جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد عنه، ورأيت أن رجلًا من أمتي] [¬١] قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي قد [¬٢] احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ررأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا كلما ورد حوضًا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلًا من أمتي والنبيون قعود حلقًا حلقًا كلما دنا لحلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلًا من [¬٣] أمتي من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو [¬٤] متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته [¬٥] صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، فكلموه، ورأيت رجلًا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترًا على وجهه وظلًا على رأسه، ورأيت رجلًا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه [¬٦]، [ورأيت رجلًا من أمتي] [¬٧] [قد خف ميزانه فجاءته أفراطه [¬٨] فثقلوا ميزانه] [¬٩]، [ورأيت رجلًا من أمتي] [¬١٠] قائمًا على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا [¬١١] على الصراط [يُرعَدُ كما ترعد السعفة فجاء حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي على

стр. 3656

الصراط] [¬١] يزحف أحيانًا ويحبو أحيانًا فجاءته صلاته عليَّ فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب [¬٢] الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة". قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم، ذكر فيه أعمالًا خاصة تنجي من أهوال خاصة. أورده هكذا في كتابه التذكرة. وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثًا غريبًا مطولًا فقال (٥٠): حدثنا أبو عبد الله [¬٣] أحمد بن إبراهيم النكرى، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي - وكان من خيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم وسلام بن أبي مطيع - حدثنا بكر بن خُنَيس [¬٤]، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن النبي، ﷺ ، قال: "يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أُحِبُّ، ائتني به فلأريحنه [¬٥]. فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر [¬٦] الريحان، أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر [¬٧]، [فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحف به الملائكة، ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر] [¬٨] من تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلَّل [¬٩] عند ذلك بطرف [¬١٠] الجنة، مرة [¬١١] بأزواجها [¬١٢]، ومرة [¬١٣]

стр. 3657

بكسواتها، ومرة بثمارها، كما يعلل الصبي أهله إذا بكى. قال: وإن أزواجه [ليبتهشن [¬١] عند ذلك] [¬٢] ابتهاشًا [¬٣]. قال: وتنزو [¬٤] الروح - قال البرساني: تريد أن تخرج من العَجل إلى ما تحب [¬٥]- قال: ويقول ملك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. قال: وَلمَلَكُ الموت أشد به لطفًا من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه، فهو يلتمس بلطفه تحببًا لديه رضاء للرب عنه، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال: وقال الله : ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾، وقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قال: روح من جهة الموت، [] [¬٦] وريحان يتلقى به، [] [¬٧] وجنة نعيم تقابله [¬٨]. قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قالت [¬٩] الروح للجسد: جزاك الله عني خيرًا، فقد كنت سريعًا بي [¬١٠] إلى طاعة الله، بطيئًا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت. قال ويقول الجسد للروح مثل ذلك. قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله، وينزل منه رزقه أربعين ليلة. قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه [¬١١] بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من بين [¬١٢] باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده - قال: ويقول لجنوده: الويل لكم! كيف خَلَصَ هذا العبد منكم؟! فيقولون: إن هذا كان عبدًا معصومًا. قال: فإذا صعد ملك الموت بروحه، يستقبله جبريل في سبعين ألفًا من الملائكة، كلّ

стр. 3658

يأتية ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه - قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خَر الروح ساجدًا - قال: يقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. قال: فإذا وضع في قبره، جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر، قال: فيبعث الله، ، عُنُقًا من العذاب، قال: فيأتيه [¬١] عن يمينه، قال: فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائبًا [¬٢] عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، قال: فيأتيه [¬٣] عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك - قال: ثم يأتيه من عند رأسه، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من عند رجليه، فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك. فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغًا، إلا وجدَ ولي الله قد أخذ جنة [¬٤]- قال: فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج، قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان. قال: ويبعث الله [¬٥] ملكين أبصارهما [¬٦] كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف [¬٧]، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن [¬٨] في أشعارهما، بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: "منكر ونكير"، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يُقلوها [¬٩]- قال: فيقولان له: اجلس. قال: فيجلس فيستوي جالسًا. قال: وتقع [¬١٠] أكفانه في حقَويه [¬١١]، قال: فيقولان له: من ربك وما دينك؟ ومن نبيك؟. قال: قالوا: يا رسول الله؛ ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من الملكين ما تصف؟. قال: فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. قال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة،

стр. 3659

ونبيي محمد خاتم النبيين. قال: فيقولان له [¬١]: صدقت. قال: فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعًا، وعن يمينه أربعين ذراعًا، وعن شماله أربعين ذراعًا، ومن خلفه أربعين ذراعًا، ومن [¬٢] عند رأسه أربعين ذراعًا، ومن عند رجليه أربعين ذراعًا، قال: فيوسعان له مائتي ذراع-. قال البرساني: وأحسبه قال أربعون ذراعا تحاط [¬٣] به. قال: ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلي الجنة. قال: فيقولان له: وليَّ الله هذا منزلك إذ أطعت الله -فقال رسول الله:- والذي نفس محمد بيده، إنه يصل إلى قلبه عد ذلك فرحة ولا ترتد أبدًا، لم يقال له: انظر الي [¬٤] تحتك. قال: فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار. قال: فيقولان: "وليَّ الله [هذا منزلك لو عصيت] [¬٥]، نجوت آخر ما عليك" قال: فقال رسول الله، ﷺ : "إنه ليصل [¬٦] إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد [¬٧] أبدًا" قال: فقالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله . وبالإِسناد المتقدم إلي النبي، ﷺ ، قال: "ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلي عدوي فأتني به، فإني قد بسطت له رزقي، ويسرت له نعمتي، فأبي إلا معصيتي، فأتني به لأنتقم منه. قال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له [اثنتا عشرة] [¬٨] عينًا، ومعه سفود من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من نار، لينها لين السياط وهي نار تأجج. قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب أصل كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر، قال: ثم يلويه ليًّا شديدًا. لال: فينزع روحه من أطفار قدمه. قال: فيلقيها في [¬٩] عقبيه [¬١٠]. فيسكر [¬١١] [عدو الله عند ذلك] [¬١٢]

стр. 3660

[سكرة فيرفه ملك الموت عنه. قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط] [¬١]. [قال: ثم] [¬٢]: ينثره [ملك الموت] [¬٣]، نثرة [¬٤]، [فينزغ روحه من عقبيه فيلقيها] [¬٥]، في ركبتيه [قال: فيسكر] [¬٦]، عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه. قال: وتضرب [¬٧] الملائكة وجهه ودبره [بتلك السياط] [¬٨]. قال: [فيشده ملك الموت شدة] [¬٩] فينزغ روحة من ركبتيه فيلقيها في حقويه [فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه قال] [¬١٠]: فتضرب [¬١١] [الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط قال] [¬١٢] كذلك إلى صدوه، ثم كذلك إلى حلقه. قال: ثم كبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه. قال: ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلي سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم. قال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني شرًّا، فقد كنت سريعًا بي إلي معصية الله، بطيئًا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت. قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق [¬١٣] جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من ولد آدم النار. قال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، حتى تدخل اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى. قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهمًا كأعناق الإبل، يأخذون [¬١٤] بأرنبته [¬١٥] وإبهامي قدميه فتقرضه حتى يلتقين في وسطه. قال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف،

стр. 3661

وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها؛ قال: فيقولان له: اجلس، [قال] [¬١]: فيستوي جالسًا، قال: وتقع أكفانه في حقويه، قال [¬٢] فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له [¬٣]: لا دريت ولا تليت، [قال] [¬٤]، فيضربانه ضربة يتطاير شررها [¬٥] في قبره ثم يعودان. قال: فيقولان: انظر فوقك، فينظر فإذا باب مفتوح [من الجنة] [¬٦]، فيقولان: [عدو الله هذا] [¬٧] منزلك لو أطعت الله". قال رسول الله، ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا تردد أبدًا" قال: "ويقولان له: انظر تحتك، فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلي النار، فيقولان: عدو الله، هذا منزلك إذ عصيت الله". فقال رسول الله، ﷺ : "والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلي قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدًا". قال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون بابا إلي النار، يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها. هذا حديث غريب جدًّا، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم. ولهذا قال أبو داود (٥١): حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا هشام -هو ابن يوسف- عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان، ﵁،

стр. 3662

قال: كان النبي، ﷺ ، إذا فرغ من دفن الرجل [¬١] وقف عليه فقال [¬٢]: "استغفروا لأخيكم وسَلَوا له التثبيت [¬٣] فإنه الآن يسأل". انفرد به أبو داود. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: ﴿ولو تري إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم﴾ الآية حديثًا [¬٤] مطولًا جدًّا: من [طريق غريب] [¬٥]، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا وفيه غرائب أيضًا. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ قال البخاري (٥٢): قوله: ﴿ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ ألم تعلم [¬٦]، كقوله: ﴿ألم تر كيف﴾، ﴿ألم تر إلي الذين خرجوا﴾. البوار: الهلاك، بار يبور بورًا، و ﴿قومًا بورًا﴾: هالكين. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس: ﴿ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: وهم كفار أهل مكة. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا، ﷺ ، رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار. وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول. وقال ابن أبي حاتم (٥٣):

стр. 3663

حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة [¬١]، عن أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل عليًّا عن ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم [¬٢] كفار قريش يوم بدر. حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام -هو الصيرفي- عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، مَن ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: منافقو قريش. وقال ابن أبي حاتم (٥٤): حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، قال: قرأت علي معقل، عن ابن أبي حسين، قال: قام علي بن أبي طالب، ﵁، فقال [¬٣]: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحدًا أعلم به مني -وإن [¬٤] كان من وراء البحار- لأتيته. فقام عبد الله بن الكواء فقال: مَنِ [¬٥] ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومي دار البوار﴾ فقال [¬٦]: مشركو قريش، أتتهم نعمة الله، الإِيمان فبدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار. وقال السدي في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ الآية: ذكر مسلم المستوفي [¬٧] عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش؛ بنو أمية و [¬٨] بنو المغيرة، فأما بينو المغيرة فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بينو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد، وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أحد، وأما دار البوار فهي جهنم.

стр. 3664

وقال ابن أبي حاتم ﵀ (٥٥): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث بن [¬١] منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مُرٍّ قال: سمعت عليًّا قرأ هذه الآية ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم الأفجران من قريش؛ بنو أمية وبنو المغيرة؛ فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما بينو أمية فمتعوا إلى حين. ورواه أبو إسحاق: عن عمرو [ذي مُرٍّ] [¬٢]، عن علي نحوه، وروي من غير وجه عنه. وقال سفيان الثوري (٥٦): عن علي بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: هم [¬٣] الأفجران من قريش؛ بنو المغيرة وبنو أمية؛ فأما بينو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بينو أمية [¬٤] فمتعوا إلي حين. وكذا رواه حمزة [¬٥] الزيات (٥٧)، عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿[ألم تر إلى] [¬٦] الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم [¬٧] الأفجران في قريش أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله [¬٨] يوم بدر، وأما أعمامك فأملي الله لهم إلي حين. وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر، وكذا رواه مالك في تفسيره: عن نافع، عن ابن عمر. وقوله: ﴿وجعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه،

стр. 3665

ودعوا الناس إلي ذلك. ثم قال تعالى متهددًا لهم، ومتوعدهم علي لسان نبيه، ﷺ : ﴿قل تمعتوا فإن مصيركم إلى النار﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾: مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: ﴿نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقال تعالى: ﴿متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾. ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾ يقول تعالى آمرًا لعباد [¬١] بطاعته، والقيام بحقه، والإحسان إلي خلقه، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة علي القرابات، والإِحسان إلي الأجانب. والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها. وأمر تعالى بالإِنفاق مما رزق في السر، أي: في الخفية، والعلانية: وهي الجهر، وليبادروا إلي ذلك لخلاص [¬٢] أنفسهم ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ وهو يوم القيامة [وهو يوم] [¬٣]، ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ أي: لا [¬٤] يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا﴾. وقوله: ﴿ولا خلال﴾ قال ابن جرير: يقول ليس هناك مخالَّة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالَّته [¬٥]، بل هناك [¬٦] العدل والقسط، والخلال [¬٧]: مصدر من قول القائل: خاللت فلانًا فأنا أخاله مخالة وخلالًا؛ ومنه قول امرئ القيس: صرفتُ الهوي عَنْهُنَّ من خَشْيَةِ الرَّدَى … وَلَسْتُ بِمَقْلِيّ الخِلالِ ولا قالي [¬٨] وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالون بها في الدنيا، فينظر

стр. 3666

الرجل [¬١]- من يخالل وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله [فإنها ستنقطع] [¬٢]. قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية، ولو افتدي بملء الأرض ذهبًا لو وجده؛ ولا ينفعه [¬٣] صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ يعدد تعالى نعمه على خلقه: بأن خلق لهم السموات سقفًا محفوظًا، والأرض فراشًا ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرجنا [¬٤] به أزواجًا من نبات شتى﴾ ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن [¬٥] جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر بحملها؛ ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر؛ لجلب ما هنا [¬٦] إلي هناك، وما هناك إلي هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلي قطر رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير ذلك من أنواع المنافع. ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ أي: يسيران لا يقرَّان ليلًا ولا نهارًا ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارصان، فتارة

стр. 3667

يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿[يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ] [¬١] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾. وقوله: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما [¬٢] تسألونه بحالكم وقالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه. وقرأ بعضُهم: (وآتاكم من كل ما سألتموه). وقوله ﴿وإن تعدوا [¬٣] نعمة الله لا تحصوها﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد في تعداد النعم، فضلًا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب ﵀: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين. وفي صحيح البخاري (٥٨) أن رسول الله، ﷺ ، كان يقول: "اللهم، لك الحمد غير مكفيٍ ولا مُودع ولا مستغني [¬٤]، عنه ربنا". وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (٥٩): حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس، عن النبي، ﷺ ، انه قال: "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه -أحسبه قال: في دووان النعم-: خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح كله [¬٥]، لم تنحي وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقي الذنوب

стр. 3668

والنعم والعمل الصالح، [فتستوعب] [¬١] عمله الصالح كله، فإذا أراد الله أن يرحمه [¬٢]، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت [] [¬٣] عن سيئاتك -أحسبه قال-: ووهبت لك نعمي". غريب وسنده [¬٤] ضعيف. وقد روي في الأثر (٦٠): أن داود ﵇ قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليَّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود. أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم. وقال الإمام [¬٥] الشافعي ﵀: [الحمد لله] [¬٦] الذي لا تؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة توجب عليه شكره بها. وقال القائل في ذلك: لو كل [¬٧] جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حَسَن لكان ما زاد شكري إذ شكرت به … إليك أبلغ في الإِحسان والمنن [¬٨] ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ يذكر تعالى في هذا المقام محتجًّا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة إنما وضعت أول ما وضعت علي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت [] [¬٩] بسببه آهلة عامرة تبرَّأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا

стр. 3669

وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه كأنه [¬١] دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾. كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولًا. وقال [¬٢]: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته. ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه بريء [¬٣] ممن عبدها، وردّ أمرهم إلى الله؛ إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، يقول [¬٤] عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] وليس [في هذا] [¬٥] أكثر من الردّ إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك. قال عبد الله بن وهب (٦١): حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله، ﷺ ، تلا قول إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول [¬٦]، عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، [فرفع يديه وقال] [¬٧]: "اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي". وبكى، فقال الله: [يا جبريل، اذهب] إلى محمَّد -وربك أعلم- واسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله، ﷺ ، ما قال، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمَّد فقل له [¬٨]: إنا سنرضيك في أمّتك ولا نسوؤك.

стр. 3670

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧] وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول، الذي دعا به عندما [¬١] ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيدًا ورغبة إلى الله ؛ ولهذا قال: ﴿عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي: إنما جعلته محرمًا ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده. ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فاختص به المسلمون. وقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل لهم ثمارًا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته: أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات مما حولها، استجابة [لخليله إبراهيم] [¬٢]، ﵊. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾

стр. 3671

قال ابن جرير (٦٢): يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي: أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء. ثم حمد ربه على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: إنه ليستجيب [¬١] لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد. ثم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أي: محافظًا عليها مقيمًا لحدودها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أي: فيما سألتك فيه كله. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قرأ بعضهم: (ولوالدي) [على الإفراد] [¬٢]، وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كلهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمَّد ﴿غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا [¬٣] تحسبه [¬٤] إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم، ويعده عدًّا، [] [¬٥]: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: من شدة الأهوال يوم القيامة. ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم، ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ … ﴾ الآية، [وقال تعالى:

стр. 3672

﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ] [¬١] لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾، [إلى قوله] [¬٢] ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾. وقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رءوسهم. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: [بل] [¬٣] أبصارهم طائرة شاخصة، يديمون [¬٤] النظر لا يطرفون لحظة؛ لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذا بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية [ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف، ولهذا قال قتادة وجماعة، إن أمكنة أفئدتهم خالية] [¬٥]؛ لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف، وقال بعضهم: "هواء" خراب لا تعي شيئًا. و [¬٦] لشدة ما [أخبر الله تعالى به] [¬٧] عنهم، [] [¬٨] قال تعالى [لرسوله، ﷺ ] [¬٩]: [﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾] [¬١٠]. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾

стр. 3673

يقول تعالى مخبرًا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقال تعالى مخبرًا عنهم في حال [¬٢] محشرهم، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. وقال [¬٣] تعالى رادًّا عليهم في قولهم هذا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه [¬٤] الحال [¬٥]: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك [¬٦]. قال مجاهد وغيره: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة. [كما أخبر عنهم تعالى] [¬٧]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا﴾. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ [¬٨] النُّذُرُ﴾. وقد روى شعبة (٦٣)، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، أن عليها، ﵁، قال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ [¬٩] الْجِبَالُ﴾ قال: أخذ ذاك الذي حاج

стр. 3674

إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا [واستعلجا [¬١] وشبا] [¬٢]، قال: فأوثق رِجْل كل واحد [¬٣] منهما بوتد إلى تابوت وجوعهما، وقعد هو وَرَجُلٌ آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم، قال: فطارا وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى. قال: أرى [¬٤] كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: [فقال: صوب] [¬٥] العصا فصوبها فهبطا. قال فهو قول الله [¬٦] ﴿وَإِنْ كَادَ [¬٧] مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. قال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله ﴿وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ﴾. قلت: وكذا [¬٨] روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب، ﵄، أنهما قرآ ﴿وإن كاد﴾ كما قرأ علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أذنان [¬٩]، عن علي … فذكر نحوه، وكذا روي عن عكرمة: أن سياق [¬١٠] هذه القصة لنمروذ [¬١١] ملك كنعان: أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح، فعجزا وضعفا وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر. وذكر مجاهد هذه القصة عن بُخْتَنَصَّر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها نودي: أيها الطاغية أين تريد؟ فَفَرقَ، ثم سمع الصوت فوقه [فصوب الرماح] [¬١٢]، فصوبت النسور ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. ونقل ابن جريج، عن مجاهد أنه قرأها: (لَتزولُ منه الجبال) بفتح اللام الأولى وضم الثانية. وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير:

стр. 3675

بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم [من كفرهم بالله. وشركهم به] [¬١] ما ضر ذلك شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم. قلت: ويشبه هذا إذا [¬٢] [قوله] [¬٣] تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾. والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾، وهكذا قال الضحاك وقتادة. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ يقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: عن نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ثم أخبر تعالى [¬٤] أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب [¬٥]، وذو انتقام ممن كفر به وجحده ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض [غير الأرض] [¬٦]، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين (٦٤) من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله، ﷺ : "يحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاءَ عفراءَ كَقُرْصَةِ النقيِّ، ليس فيها معلم لأحدٍ". وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا محمَّد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن

стр. 3676

مسروق، عن عائشة؛ أنها قالت: أنا أول الناس سأل النبي، ﷺ ، عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "على الصراط". رواه مسلم - منفردًا به دون البخاري - والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هندٍ، به، وقال الترمذي: حسن صحيح [] [¬١]. ورواه أحمد أيضًا (٦٦): عن عفان، عن وهيب، عن [داود، عن الشعبي] [¬٢]، عنها ولم يذكر مسروقًا، وقال قتادة (٦٧): عن حسان بن بلال المزني، عن عائشة، ﵂: أنها سألت رسول الله، ﷺ ، عن [قول الله] [¬٣]: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال: قالت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: "لقد سألتني [¬٤] عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك إذ الناس على [جسر جهنم] [¬٥] ". وروى الإمام أحمد (٦٨) من حديث حبيب بني أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله، ﷺ ، عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: "هم على متن جهنم".

стр. 3677

وقال ابن جرير (٦٩): حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، قال: سمعت الحسن؛ قال: قالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذ؟ قال: "إن هذا الشَّيءَ ما سألني عنه أحد" قال: "على الصراط يا عائشة". ورواه أحمد (٧٠): عن عفان، عن القاسم بن الفضل، عن الحسن، به. وقال الإِمام مسلم بن الحجاج في صحيحه (٧١): حدثني الحسن بن علي الحُلَّوَانِيُّ، حدثني أبو تَوْبَة [¬١] الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد -يعني أخاه- أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرَّحَبِيُّ، أن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ ، حدثه قال: كنت قائمًا عند رسول الله، ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمَّد؛ فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقولُ: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهلهُ. فقال رسول الله، ﷺ : "إن اسمي محمَّد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله، ﷺ : "أينفعك شي إن حدثتك" قيال: أسمع بأذني. فَنَكتَ رسول الله، ﷺ ، بعود معه، فقال: "سَلْ". فقال اليهودي: أين يكون [¬٢] الناس حين [¬٣] تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله، ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر". قال: فمن أول الناس إِجَازَةً؟ قال: "فقراء المهاجرين". فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخُلُون الجنة؟ قال: "زيادةُ كَبِد الحُوتِ [¬٤] ". قال: فما غِذَاؤُهُمْ في إِثْرِهَا؟ قال: "يُنْحَر لهم ثَوْرُ الجنة الذي كان يأكُلُ من أطرافها". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها [¬٥] تسمى سلسبيلًا". قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان.

стр. 3678

قال: "أينفعك [¬١] إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: "ماء الرجل أبيضُ، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجلد منيَّ المرأة أَذْكَرا [¬٢] بإذن الله تعالى، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله". قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله، ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي عِلْمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به". قال [¬٣] أبو جعفر بن جرير الطبري (٧٢)، حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري: أتى النبيَّ، ﷺ حبْرٌ من اليهود، فقال: ارأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: "أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه". ورواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به. وقال شعبة (٧٣): أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون - وربما قال: قال [¬٤] عبد الله، وربما لم يقل - فقلت له: عن عبد الله؟ فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا. قال: أراه قال: قيامًا حتى يلجمهم العرق. وروي من وجه آخر (٧٤): عن شعبة، عن [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن

стр. 3679

ميمون، عن ابن مسعود، بنحوه. وكذا رواه عاصم (٧٥)، عن زر، عن ابن مسعود، به. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون لم يخبر به (٧٦). أورد ذلك كله ابن جرير. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار (٧٧): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب [¬١]، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه، عن النبي، ﷺ ، في قول اللَّه : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: "أرض بيضاء لم يسفك [¬٢] عليها دم، أو [¬٣] لم يعمل عليها خطيئة". ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس [¬٤] بالقوي. ثم قال ابن جرير (٧٨): حدثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة، عن زيد قال: أرسل رسول اللَّه، ﷺ ، إلى اليهود فقال: "هل تدرون لم أرْسَلْتُ إليهم؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإني أرسلتُ إليهم أسألهم عن قول اللَّه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة". فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي. وهكذا روي عن علي واين عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير: أنها [¬٥] تبدل يوم القيامة بأرض من فضة. وعن علي ﵁ أنه قال: تصير الأرض فضة، والسماوات ذهبًا.

стр. 3680

وقال الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: تصير السماوات جنانًا. وقال أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم. وكذا روى وكيع، عن [عمر] [¬١] بن بشير الهمداني، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل الأرض [¬٢] خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد اللَّه -هو [¬٣] ابن مسعود-: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها، ويلجم الناس العرق، أو [¬٤] يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب. وقال الأعمش أيضًا، عن المنهال بن عمرو [¬٥] عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد اللَّه بيده، إن الرجل ليفيض عرقًا حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ [¬٦] أنفه وما مسه الحساب. [فقالوا: من ذاك] [¬٧] يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى [¬٨] الناس ويلقون. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن كعب في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تصير السمارات جنانًا، ويصير مكان البحر نارًا، وتبدل الأرض غيرها. وفي [¬٩] الحديث الذي رواه أبو داود (٧٩): " لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارًا، أو تحت النار بحرًا".
следующие страницы →