← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء ويفقر من يشاء لما [¬١] له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أي: خبير بصير بمن يستحق الغني [¬٢] ومن يستحق الفقر [¬٣]، كما جاء في الحديث (١٥١): " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، [وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه] [¬٤] " وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا والفقر عقوبةً عياذًا بالله من هذا وهذا. انتهى بحمد الله المجلد الثامن ويلبي بمشيئة الله تعالى المجلد التاسع وأوله تفسير الآية (٣١) من سورة الإسراء

стр. 3922

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ هذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه تعالى ينهى عن قتل الأولاد كما أوصى بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات؟ بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وقال [¬١] في [سورة] [¬٢] الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِن إِمْلَاقٍ﴾ أي: من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ -أي: ذنبًا عظيمًا. وقرأ بعضهم: (كان خَطَأ كبيرًا) وهو بمعناه وفي الصحيحين (١٥٢) عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك". ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ يقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا، وعن مقاربته -وهو مخالطة أسبابه ودواعيه-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، أي: ذنبًا عظيمًا، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي وبئس طريقًا ومسلكًا. وقد قال الإمام أحمد (١٥٣): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريز]، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة قال: إن [¬٣] فتىً شابًّا أتى [] [¬٤] النبي ﷺ فقال:

стр. 3923

يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ مَة. فقال: "ادنُهْ". فدنا منه قريبًا فقا: "اجلس". فجلس، فقال: "أتحبه لأمك"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم"، قال: "اتحبه لابنتك؟ " قال: لا والله يا رسوا الله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لبناتهم"، قال: "أتحبه لأختك؟ "قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لأخواتهم"، قال: "أتحبه لعمتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لعماتهم"، قال: "أفتحبه لخالتك؟ " قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: "ولا الناس يحبونه لخالاتهم"، قال: فوضع يده عليه و [¬١] قال: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه". قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلي شيء. وقال ابن أبي الدنيا (١٥٤): حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له". ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ يقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي كما ثبت في الصحيحين (١٥٥) أن رسول الله صلي ايله عليه وسلم قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحمصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وفي السنن (١٥٦): " لزوال الدنيا أهون عند [¬٢] الله من قتل مسلم".

стр. 3924

وقوله: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه [¬١] مجانًا كما ثبتت السنة بذلك (١٥٧)، وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة، ولاية معاوية السلطة أنه سيملك، لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلومًا ﵁ وكان معاوية يطالب عليًّا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم لأنه [¬٢] أموي، وكان علي ﵁ يستمهله [¬٣] في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًّا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما تفاءل [¬٤] ابن عباس واستنبطه [¬٥] من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب، وقد روى ذلك الطبراني في معجمه (١٥٨) حيث قال: حدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي [¬٦] قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم حديثًا [¬٧] ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر [¬٨] هذا الرجل ما كان -يعني عثمان- قلت لعليّ: اعتزل، فلم كنت في جحر طُلبتَ حتى تُستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ومن كل مظلومًا فقد جعلنا لوليه

стр. 3925

سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن [¬١] عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك -وأنتم تاركون- كنتم كقرن [¬٢] من القرون هلك فيمن هلك. وقوله: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ قالوا: معناه: فلا يسرف الولى في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل. وقوله: ﴿إنه كان منصورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعًا، وغالبًا قدرًا. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] [¬٣]﴾، أي: لا تتصرفوا له إلا بالغبطة، [﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبًا كبيرًا﴾] [¬٤] ﴿ولا تأكلوها [¬٥] إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾. وقد جاء في صحيح مسلم (١٥٩) أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: "يا أبا ذر؛ إني أراك ضعيفًا، وإني لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم". وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إن العهد كان مسئولًا﴾ أي: عنه. وقوله: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم،

стр. 3926

﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ قرئ بضم القاف وكسرها كالقرطاس، وهو: الميزان. وقال مجاهد: هو: العدل بالرومية. وقوله: ﴿المسقيم﴾ أي: الذي [¬١] لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب. ﴿ذلك خير﴾، أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: ﴿وأحسن تأويلًا﴾ أي: مالًا ومنقلبًا في آخرتكم قال سعيد عن قتادة: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ أي: خير ثوابًا وعاقبة. [وأخبِرنا أن] [¬٢] ابن عباس كان يقول (١٦٠): يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا المكيال وهذا الميزان، قال: وذكر لنا أن نبي [¬٣] الله ﷺ كان يقول: "لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله به [¬٤] في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك". ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يقوله: لا تقل. وقال العوفي عنه: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم، وقال محمد بن الحنفية: يعني: شهادة الزور. وقال قتادة: لا تقل رأيت. ولم تر، وسمعت. ولم تسمع، وعلمت. ولم تعلم؛ فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله. ومضمون ما ذكروه أن الله تعالق نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ وفي الحديث: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (١٦١).

стр. 3927

وفي سنن أبي داود (١٦٢): " بئس مطية الرجل: زعموا" وفي الحديث الآخر (١٦٣): " إن أفرى الفرى أن يرى عينيه ما لم تريا" وفي الصحيح (١٦٤): " من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد. وقوله: ﴿كل أولئك﴾، أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كان عنه مسئولًا﴾، أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها، ويصح استعمال: "أولئك" مكان: "تلك" كما قال الشاعر: ذم المنازل بعد منزلة اللوى … والعيش بعد أولئك الأيام

стр. 3928

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ يقول [¬١] تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: متبخترا متمايلًا مشي الجبارين، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن [¬٢] تقطع الأرض بمشيتك، قاله ابن جرير، واستشهد عليه يقول رؤبة بن العجّاج: *وقائم الأعماق خاوى [¬٣] المخترق* وقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾ أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك؛ بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح (١٦٥): " بينا رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما- إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث (١٦٦): " من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير [¬٤]، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب و [¬٥] الخنزير".

стр. 3929

وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب "الخمول والتواضع" (١٦٧): حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مرّ عليه ابن الأهيم -يريد المنصور- وعليه جباب خز، قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشى ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثانٍ عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أيّ حُمَيق [] [¬١] ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة، ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها! والله إن [¬٢] يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج [¬٣] تلجلج المجنون؛ في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر [¬٤] إليّ وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾. ورأى البخترى [¬٥] العابد رجلًا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا! أن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها الرجل بعدُ .. ورأى ابن عمر (١٦٨) رجلًا يخطر في مشيته فقال: إن للشياطين إخوانا. وقال خالد بن معدان: إياكم والخَطْر، فإن الرجل [] [¬٦] يده من سائر جسده رواهما ابن أبي الدنيا (١٦٩) وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن

стр. 3930

زيد، عن يحيى، عن سعيد، عن يُحَنس [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مشت أمتي المطيطاء [¬٢] وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض". وقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أما من قرأ: ﴿سيئة﴾، أي: فاحشة، فمعناه عنده: كل هذا الذي نهينا عنه من قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ إلى هاهنا، فهو سيئة مؤاخذ عليها، ﴿مكروها﴾: عند الله لا يحبه ولا يرضاه. وأما من قرأ: ﴿سيئه﴾ على الإضافة، فمعناه عنده: كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إلى ها هنا، فسيئه، أي: فقبيحه [¬٣]، مكروه عند الله، هكذا وجه ذلك ابن جرير ﵀. ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي

стр. 3931

جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ يقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة مما أوحينا [¬١] إليك يا محمد لتأمر به الناس. ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾، أي: تلومك نفسك والخلق، ﴿مَدْحُورًا﴾، [أي: مبعدًا من كل خير] [¬٢]، قال ابن عباس وقتادة: مطرودًا. والمراد من هذا [¬٣] الخطاب الأمة بواسطة الرسول ﷺ ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم. ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ يقول تعالى رادًّا على المشركين الكاذبين الزاعمين -عليهم لعائن الله- أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات [¬٤] الثلاث [] [¬٥] خطأ عظيمًا، فقال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، أي: خصصكم بالذكور، ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾؛ أي: واختار لنفسه -على زعمكم- البنات؟! ثم شدد الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾، أي: في زعمكم أن لله ولدًا، ثم جعلُكم [¬٦] ولده الإناث التي تأنفون أنا يكن لكم، وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذا قسمة ضيزى، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلا نُفُورًا (٤١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا للناس [¬٧] فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [¬٨]، أي [¬٩]:

стр. 3932

صرفنا [¬١] فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج، والبينات والمواعظ، فينزجروا [¬٢] عما هم فيه من الشرك والطم والإفك ﴿وما يزيدهم﴾، أي: الظالمين منهم، ﴿إلا نفورًا﴾، أي: عن الحق وبعدًا منه. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين، الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما تقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه- لكان أولئك المعبودون [¬٣] يعبدونه، ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه؛ فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه. ثم نزه نفسه الكريمة وقدسها فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾، أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿علوًّا كبيرًا﴾، أي: تعاليًا كبيرًا، بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ يقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهنّ، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه، وتجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته: ففي كلِّ شيء لَهُ آية … تدل على أنه واحد كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾.

стр. 3933

وقال أبو القاسم الطبراني (١٧٠): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون -مؤذن مسجد الرملة- جدثنا عروة بن رُوَيم، عن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات السبع، فلما رجع قال: "سمعت تسبيحًا في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة، مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العليّ الأعليّ، ". وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أي: [لا تفقهون] [¬١] تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم، وهذا عام في الحيوانات [¬٢] والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري (١٧١) عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وفي حديث أبي ذر (١٧٢): أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات، فسُمع لهن تسبيحُ كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ أجمعين [¬٣]- وهو حديث مشهور في المسانيد. وقال الإمام أحمد (١٧٣): حدثنا حسنى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا [¬٤] زبان، عن سهل بن معاذ بن [¬٥] أنس، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ :

стр. 3934

أنه على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: "اركبوها [¬١] سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله تعالى منه". وفي سنن النسائي (١٧٤)، عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: "نقيقها تسبيح". وقال قتادة عن عبد الله بن بابي، عن عبد الله بن عمرو (١٧٥): أن الرجل إذا قال لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص، التي لا يقبل الله من أحد عملًا حتى يقولها، وإذا قال:

стр. 3935

الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبدٌ قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما لن السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدعُ اللهُ أحدًا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم. وقال الإِمام أحمد (١٧٦): حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصّقْعَبَ [¬١] بن زهير يحدث [¬٢]، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي [¬٣] عليه جبة من طيالسة، مكفوفة بديباج-[أو: مزورة بديباج-] [¬٤] فقال: "إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل رأس ابن رأس، فقام إليه النبي ﷺ مغضبًا، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه، فقال: "لا أرى عليك ثُياب من لا يعقل"، ثُم رجع رسول الله ﷺ فجلس فقال: "إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: إني قاص عليكما [¬٥] الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله [¬٦] والكبر، وآمركما بلا إليه إلا الله، فإن السموات والأرض وما بينهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة، فوضعت لا إله إلا الله عليهما [لفصلتهما] [¬٧] أو: لقصمتهما-

стр. 3936

وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء" ورواه الإمام أحمد أيضًا، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن الصّقْعَبِ بن زهير به، أطول من هذا تفرّد به. وقال ابن جرير (١٧٧): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحًا ﵇ قال لابنه: يا بني، آمرك أن تقول: سبحان الله؛ فإنها صلاة الحلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ". إسناده فيه ضعف فإن الربذى ضعيف [¬١] عند الأكثرين. وقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، قال: الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح. الأسطوانة: السارية. وقال بعض السلف: إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح. ويشهد لهذا القول آية السجدة في أول الحج. وقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح. يعنون: من حيوان أو نبات. وقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح [¬٢] يسبح؛ من شجر أو شيء فيه.

стр. 3937

وقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه الروح. وقال ابن جرير (١٧٨): حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب قال: حدثنا جرير [¬١]-أبو الخطاب- قال: كنا مع يزيد الرقاشي، ومعه الحسن في طعام، فقوموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعيد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة. قلت: الخوان هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن ﵀ ذهب إلى أنه لما كان حيًّا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فإن لا يستَتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة"، ثم أخذ جريدة رطبة قشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". أخرجاه في الصحيحين (١٧٩). قال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال: "ما لم ييبسا"؛ لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبا انقطع تسبيحهما، والله أعلم. وقوله: ﴿إنه كان حليمًا غفورًا﴾ أي: إنّه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه [¬٢] أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين (١٨٠): " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾، وقال تعالى: ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة لم أخذتها وإليّ

стр. 3938

المصير﴾، [وقال: ﴿وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾ الآيتين] [¬١]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله، وتاب إليه تاب عليه، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾. وقال ها هنا: ﴿إنه كان حليمًا غفورًا﴾، كما قال في آخر فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾. ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : وإذا قرأت [] [¬٢] يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابًا مستورًا. قال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول [¬٣] شيء. وقوله: ﴿حجابًا مستورًا﴾ أي بمعنى: ساتر، كميمون ومشئوم بمعنى: يامن وشائم [¬٤]، لأنه من يمنهم وشأمهم. وقيل: مستورًا عن الأبصار فلا تراه [¬٥]، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ﵀. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (١٨١): حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم،

стр. 3939

حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهْر وهي تقرل: مُذمّما [أتينا -أو: أبينا] [¬١]، قال أبو موسى: الشك مني- ودينه قلينا، وأمره عصينا. ورسول الله [ ﷺ ] جالس وأبو بكر إلى جنبه -أو قال: معه- قال [¬٢]: فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك. فقال: "إنها لن تراني"، وقرأ قرآنا اعتصم به منها [¬٣]: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾. قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني. فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدهم [¬٤]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: جمع كنان، الذي يغشي القلب، ﴿أن يفقهوه﴾، أي: لئلا يفهموا القرآن، ﴿وفي آذانهم وقرًا﴾، وهو الثقل الذي يمنعهم [¬٥] من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾، أي: إذا وحدت الله في تلاوتك وقلت: لا إله إلا الله، ﴿ولوا﴾، أي: أدبروا راجعين ﴿على أدبارهم نفورًا﴾، ونفور: جمع نافر، كقعود: جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.

стр. 3940

قال قتادة [في قوله] [¬١]: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ إن المسلمين لما قالوا: لا إليه إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم، وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها [¬٢] وينصرها ويُفْلجها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من [خاصم بها فلج] [¬٣]، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيزة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، وبسير الدهر في فئام [¬٤] من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها. قول آخر في الآية: روى [¬٥] ابن جرير (١٨٢): حدثني الحسين بن محمد الذارع، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: هم الشياطن وهذا غربب جدًّا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان، أو ذكر الله، انصرفوا. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ يخبر تعالى نبيه محمدًا [ ﷺ ] [¬٦] بما تناجى به رؤساء كفار قريش حين جاءوا يستمعون قراءته [¬٧] ﷺ سرًّا من قومهم، بما قالوا من أنه رجل مسحور، من السحر علي المشهور، أو: من السحر، وهو: الرئة، أي: إن تتبعون -إن اتبعتم محمدًا-[(إلا بشرًا﴾] [¬٨] يأكل، كما قال الشاعر:

стр. 3941

فإن تسألينا فيما نحن؟ فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحر وقال الراجز: * ونسحر [¬١] بالطعام والشراب * أي: نُغَذّى [¬٢]. وقد صوب [¬٣] هذا القول ابن جرير. وفيه نظر؛ لأنهم [] [¬٤] أرادوا هاهنا أنه مسحور له رئيّ يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصًا قال محمد بن إسحاق في السيرة (١٨٣): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، أنه حُدِّث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي -حليف ابن [¬٥] زهرة-، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسًا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يسعتمعون له [¬٦] حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رأكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا [حتى إذا جمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا] [¬٧] فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.

стр. 3942

فلما أصبع الأخنس بن شريق، أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني بها أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا و [¬١] الذي حلفت به، قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: بها أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا [¬٢] سمعت؟! قال [¬٣]: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطنا، حتى إذا تجاثينا [¬٤] علن الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا (٥٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، أي: ترابًا، قاله مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: غبارًا. ﴿أءِنا لمبعوثون﴾، أي: يوم القيامة، ﴿خلقًا جديدًا﴾، أي بعدما بلينا وصرنا عدمًا [¬٥] لا يذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وهكذا أمر رسوله هاهنا أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، إذ [¬٦] هما أشد امتناعًا من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي

стр. 3943

صُدُورِكُمْ﴾. قال ابن إسحاق (١٨٤): عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت. وروى عطية عن ابن عمر (١٨٥) أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم، وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والضحاك. ومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو صريح موتًا -الذي هو ضد الحياة- لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده. وقد ذكر ابن جرير حديث (١٨٦): " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، موقف بين الجنة والنار، لم يقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. ثم يقال: يا أهل النار. أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت". وقال مجاهد: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: السماء، والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم. وقد وقع في التفسير المروى عن الإمام مالك عن الزهريّ في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال: النبي ﷺ ، قال مالك: ويقولون: هو الموت. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾، [أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا] [¬١] ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: الذي خلقكم ولم تكونوا

стр. 3944

شيئًا مذكورًا، ثم صريح بشرًا تنتشرون؛ فإنَّه قادر على إعادتكم، ولو صرتم إلى أي حال، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يحرّكونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تفهمه العرب من لغاتها؛ لأنَّ [¬١] "الإِنغاض" هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم -وهو ولد النعامة-: "نغضًا"؛ لأنَّه إذا مشى عَجَّل في مِشْيَتِهِ وحرك رأسه، ويقال: "نَغَضَت سِنّه" إذا تحوكت وارتفعت من منبتها؛ قال الراجز: * ونغضت من هرم أسنانها * وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. وقوله [¬٢]: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾، أي: احذروا ذلك فإنَّه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة؛ فكل ما هو آت آت. وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: الرب تعالى، ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنَّه لا يخالف ولا يمانع؛ بل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، أي: إنَّما هو أمر واحد بانتهار، فإذا النَّاس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾] [¬٣] أي: تقومون [¬٤] كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، وكذا قال ابن جريج. وقال قتادة: بمعرفته وطاعته. وقال بعضهم: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، أي: وله الحمد في كل حال.

стр. 3945

وقد جاء في الحديث (١٨٧): " ليس على أهل لا إله إلَّا الله وحشة في قبورهم، وكأني بأهل لا إله إلَّا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم يقولون: لا إله إلَّا الله"، وفي رواية يقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وسيأتي في سورة فاطر. وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾، أي: يوم تقومون من قبوركم، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدار الدُّنيا ﴿إلا قَلِيلًا﴾ و [¬١] كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قَال [¬٢] كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْزَغُ بَينَهُمْ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ يأمر [تبارك و] [¬٣] تعالى عبده [¬٤] ورسوله ﷺ ، أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنَّه إذا لم يفعلوا ذلك نزغ الشَّيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإن الشَّيطان عدو لآدم [وذريته من حين امتنع من السُّجود لأدم] [¬٥]، فعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشَّيطان ينزغ في يده؛ أي: فربما أصابه بها.

стр. 3946

وقال الإمام أحمد (١٨٨): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري أحدكم لعل الشَّيطان أن ينزع في يده؛ فيقع في حفرة من نار" أخرجاه من حديث عبد الرَّزاق، وقال الإمام أحمد (١٨٩): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد، أنبأنا عليّ بن زيد، عن الحسن قال: حدثني رجل من بني سليط قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ وهو في أزْفَلَةٍ [¬١] من النَّاس، فسمعته يقول: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا-[قال حماد: وقال بيده إلى صدره- وما توادّ رجلان في الله فتفرق بينهما إلَّا محدث يحدثه أحدهما] [¬٢] والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر". ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ

стр. 3947

عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾. يقول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها النَّاس، من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾، بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنَّما أرسلناك نذيرًا ما [¬١] فمن أطاعك دخل الجنَّة ومن عصاك دخل النَّار وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وهذا لا ينافي ما في الصحيحين (١٩٠) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، [فإذا دلَّ الدليل] [¬٢] على شيء وجب أتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًّا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وفي الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، ولا خلاف أن محمدًا [ ﷺ ] [¬٣] أفصلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق. وقوله: ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه [¬٤] على فضله وشرفه. قال البُخاريّ (١٩١): حدَّثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا (٥) عبد الرَّزاق، أخبرنا (**) معمر،

стр. 3948

عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "خُفّف على داود القرآن [¬١] فكان يأمر بدابته [¬٢] لتُسْرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ": يعني: القرآن ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْويلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم، فإنهم ﴿لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾، أي: بالكلية، ﴿وَلَا تَحْويلًا﴾ أي: يحولوه [¬٣] إلى غيركم والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر. قال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْويلًا﴾، قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرًا، وهم الذين يدعون، يعني: الملائكة والمسيح وعزيزًا وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: روى البُخاريّ (١٩٢) من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله- في قوله [¬٤]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - قال: ناس من الجن كانوا يُعبَدون فأسلموا وفي رواية (١٩٣) قال [¬٥]: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك

стр. 3949

هؤلاء بدينهم، وقال قتادة (١٩٤): عن معبد بن عبد الله الرِّمّاني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: نزلت في نفر بن العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم [¬١] الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود (١٩٥): كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم: الجن فذكره و [¬٢] قال السدي (١٩٦): عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، قال: عيسى، وأمه، وعزير. وقال مغيرة عن إبراهيم كان ابن عباس (١٩٧) يقول في هذه الآية: هم عيسى، وعزير، والشمس، والقمر. وقال مجاهد: عيسى، والعزير [¬٣]، والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله [¬٤]: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا لا يعبر [¬٥] به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير قال: والوسيلة: هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.

стр. 3950

وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلَّا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، أي: ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه. ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ هذا إخبار من الله بأنه قد حتم وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنَّه ما من قرية إلَّا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنَّما، لكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقال تعالى: [﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا] [¬١] فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا (٥٩)﴾ قال سنيد (٢٠٠): عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بين جبير، قال: قال المشركون: يا محمَّد، إنك تزعم أنَّه كان قبلك أنبياء؛ فمنهم من سُخّرت له الرِّيح، ومنهم من كان يحيى الموتى، فإن سَرّك أن نؤمن بك ونصدقك فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا. فأوحى الله إليه: أن [¬٢] قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني [¬٣] بقومك استأنيت بهم. قال: "يارب، استأن بهم". وكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما.

стр. 3951

قال الإمام أحمد (٢٠١): حدَّثنا عثمان بن محمَّد، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: أن شئت أن نستأني بهم، لأنّ شئت أن نؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان [¬١] قبلهم من الأمم. قال: "لا، بل استأن بهم". وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. ورواه النَّسائيّ [من حديث] [¬٢] جرير، به. وقال الإمام أحمد (٢٠٢): حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادع لنا ربك أن [¬٣] يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: "وتفعلون؟ " قالوا: نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: أن ربك يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: أن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب [¬٤] التوبة والرحمة. فقال: "بل باب التوبة والرحمة". وقال الحافظ أبو بعلى في مسنده (٢٠٣): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدَّثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن

стр. 3952

إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزُّبير بن العوام قالت: سمعت الزُّبير يقول: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس (*): "يا آل عبد مناف؛ إنِّي نذير". فجاءته قريش فحذرهم، وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الرِّيح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سُرِّي عنه قال: "والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنَّه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنَّه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين". ونزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، [حتَّى قرأ] [¬١] ثلاث آيات، ونزلت ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ … الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾، أي: نبعث الآيات ونأتى بها على ما سأل قومك منك؛ فإنَّه سهل علينا يسير لدينا، إلَّا أنَّه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم، وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا [¬٢] كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾، وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية -ناقة تخرج من صخرة عيَّنوها- فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج له منها ناقة على ما سألوا، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله [عقروا الناقة] [¬٣] فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي: دالة على وحدانية من خلقها، وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بها ومنعوها [¬٤] شربها وقتلوها، فأبادهم الله

стр. 3953

عن آخرهم وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا﴾، قال قتادة: إن الله تعالى يخوف النَّاس بما شاء [¬١] من آياته، لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون؛ ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁ فقال: بها أيها النَّاس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه"، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم [¬٢]! والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه (٢٠٤): " إن الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز رجل يرسلهما يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره"، ثم قال: يا أمة محمَّد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ يقول تعالى لرسوله ﷺ محرضًا له على إبلاغ رسالته، ومخبرًا له بأنه قد عصمه من النَّاس؛ فإنَّه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته. قال مجاهد وعروة بن الزُّبير والحسن وقتادة وغيرهم، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾، أي: عصمتك [¬٣] منهم. وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال البُخاريّ (٢٠٥): حدَّثنا

стр. 3954

علي بن عبد الله، حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: شجرة الزقوم. وكذا رواه أحمد (٢٠٦)، وعبد الرزاق (٢٠٧) [¬١]، وغيرهما عن سفيان بن عيينة به، وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس (٢٠٨). وهكذا فسر ذلك بليلة الإِسراء: مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقَتَادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وقد تقدمت أحاديث الإِسراء في أول السورة مستقصاة، ولله الحمد والمنة. وقد [¬٢] تقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق، لأنه [¬٣] لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا [¬٤] ويقينًا لآخرين؛ ولهذا قال: ﴿إلا فِتْنَةً﴾، أي: اختبازا وامتحانًا. وأما الشجرة الملعونة فهي: شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ : أنَّه رأى الجنَّة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتَّى قال أَبو جهل لعنه الله: [] [¬٥] هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، فجعل [¬٦] يأكل هذا بهذا، ويقول: تَزَقّموا، فلا نعلم

стр. 3955

الزقوم غير هذا. حكى ذلك ابن عبَّاس، ومسروق، وأَبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد (*)، وكل من قال إنها ليلة الإِسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم. وقد [¬١] قيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنو أمية، وهو غريب ضعيف. قال ابن جرير - (٢٠٩): حُدثت عن محمد بن [الحسن] [¬٢] بن زبالة، حدَّثنا عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل بن سعد [¬٣]، حدثني أبي، عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتَّى مات، قال: وأنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية. وهذا السند ضعيف جدًّا؛ فإن "محمد بن الحسن بن زبالة" متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإِسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة [¬٤] الزقوم، قال: لإجماع الحجة من [¬٥] أهل التأويل على ذلك، أي؛ في الرؤيا والشجرة. وقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾، أي: الكفار، بالوعيد والعذاب والنكال، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، أي: تماديًا فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم. ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ قَال أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢)﴾ يذكر تعالى عداوة إبليس - لعنه الله - لآدم، ﵇، وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلَّا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخارًا عليه، واحتقارًا له، ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كما قال في

стр. 3956

الآية الأخرى: ﴿قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وقال أيضًا: ﴿أَرَأَيتَكَ﴾، يقول للرب جرأة وكفرًا، والرب يحلم وينظر، ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لأستولين على ذريته إلَّا قليلًا. وقال مجاهد: لأحتوين. وقال ابن زيد: لأضلنهم. وكلها متقاربة [¬١]، والمعنى أنَّه يقول: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي، لمن أنظرتني لأضلن ذريته إلَّا قليلًا منهم!. ﴿قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ لما سأل إبليس النَّظِرة قال الله له: ﴿اذْهَبْ﴾ أي: [¬٢] فقد أنظرتك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، ثم أوعده، ومن تبعه من ذرية آدم جهنم، فقال [¬٣]: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾، أي: على أعمالكم، ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. قال مجاهد: وافرًا، وقال قتادة: موفرًا عليكم، لا ينقص لكم منه. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قيل: هو الغناء، قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل داع دعا إلى معصية الله . وقاله قَتَادة، واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، يقول: واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورجلتهم [¬٤]، فإن "الرجل" جمع "راجل"، كما أن "الركب" جمع

стр. 3957

"راكب"، "والصحب" جمع "صاحب" ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه. وهذا أمر قدريّ كقوله [¬١] تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسرقهم إليها سرقًا، وقال ابن عبَّاس، ومجاهد في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل راكب وماشٍ في [معصية الله] [¬٢]. وقال قَتَادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونهم. وتقول العرب: أجلب فلان على فلان: إذا صاح عليه، ومنه: "نهى في المسابقة عن الجلب، والجنب" (٢١٠)، ومنه اشتقاق "الجلبة" وهي ارتفاع الأصوات. وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، قال ابن عبَّاس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى. وقال عطاء: هو الرِّبَا. وقال الحسن: جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام، وكذا قال قَتَادة. وقال العوفي عن ابن عبَّاس ﵄: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة.

стр. 3958

قال [¬١] ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله. وقوله: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾، قال العوفي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والضحاك: يعني أولاد الزنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم. وقال قَتَادة: عن الحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد، مجّسوا وهودوا ونصروا [¬٢] وصبغوا غير صبغة الإِسلام، وجزءوا من أموالهم جزءًا للشياطين، وكذا قال قَتَادة سواء. وقال أَبو صالح عن ابن عبَّاس: هو تسميتهم أولادهم: "عبد الحارث [¬٣] " وعبد شمس"، و"عبد فلان". وقال [¬٤] ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته [¬٥] ما يكرهه الله، أو "إدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير [¬٦] ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به [¬٧] أوفيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَن وُلد ذلك الولدُ له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، معنى الشَّرِكة فيه بمعنى دون معنى؛ فكل ما عُصِي الله فيه أو به وأطيع الشيطان فيه أو به، فهو مشاركة. وهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم (٢١١) عن عياض بن حمار [¬٨] أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله : إني خلقت عبادي خفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وفي الصحيحين (٢١٢) أن رسول الله ﷺ قال [¬٩]: "لو أن أحدهم إذا

стр. 3959

أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا". وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا﴾، كما أخبر تعالى عن [¬١] إبليس أنَّه يقول إذا حصحص [¬٢] الحق يوم يقضى بالحق: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ … الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾: إخبار بتأيده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا ومؤيدًا وناصرًا. قال الإِمام أحمد (٢١٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المؤمن ليُنْضِي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر". ينضي: أي: يأخذ بناصيته ويقهره. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾ يخبر تعالى عن لله بخلقه في تسخيره لعباده الفلكَ في البحر، وتسهيله لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، أي: إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ

стр. 3960

وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. يخبر ﵎ [أنَّه إذا مسَّ الناس] [¬١] ضرٌّ دعوه منيببن إليه مخلصين له الدين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًّا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربًا فركب في البحر ليدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في يديه، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا!! فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه" (٢١٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾، أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها [¬٢] إلَّا من عصم الله. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ يقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم [¬٣] إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه:؟. ﴿أَنْ نَخْسِفَ [¬٤] بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ [¬٥] عَلَيكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو: المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد وغير واحد، كما قال تعالى: ﴿[إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا] [¬٦] إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ و [¬٧]، قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ
следующие страницы →