← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

الآية الأخرى: ﴿قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وقال أيضًا: ﴿أَرَأَيتَكَ﴾، يقول للرب جرأة وكفرًا، والرب يحلم وينظر، ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لأستولين على ذريته إلَّا قليلًا. وقال مجاهد: لأحتوين. وقال ابن زيد: لأضلنهم. وكلها متقاربة [¬١]، والمعنى أنَّه يقول: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي، لمن أنظرتني لأضلن ذريته إلَّا قليلًا منهم!. ﴿قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ لما سأل إبليس النَّظِرة قال الله له: ﴿اذْهَبْ﴾ أي: [¬٢] فقد أنظرتك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، ثم أوعده، ومن تبعه من ذرية آدم جهنم، فقال [¬٣]: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾، أي: على أعمالكم، ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. قال مجاهد: وافرًا، وقال قتادة: موفرًا عليكم، لا ينقص لكم منه. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قيل: هو الغناء، قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك. وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل داع دعا إلى معصية الله . وقاله قَتَادة، واختاره ابن جرير. وقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، يقول: واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورجلتهم [¬٤]، فإن "الرجل" جمع "راجل"، كما أن "الركب" جمع

стр. 3957

"راكب"، "والصحب" جمع "صاحب" ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه. وهذا أمر قدريّ كقوله [¬١] تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسرقهم إليها سرقًا، وقال ابن عبَّاس، ومجاهد في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل راكب وماشٍ في [معصية الله] [¬٢]. وقال قَتَادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونهم. وتقول العرب: أجلب فلان على فلان: إذا صاح عليه، ومنه: "نهى في المسابقة عن الجلب، والجنب" (٢١٠)، ومنه اشتقاق "الجلبة" وهي ارتفاع الأصوات. وقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، قال ابن عبَّاس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى. وقال عطاء: هو الرِّبَا. وقال الحسن: جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام، وكذا قال قَتَادة. وقال العوفي عن ابن عبَّاس ﵄: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة.

стр. 3958

قال [¬١] ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله. وقوله: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾، قال العوفي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والضحاك: يعني أولاد الزنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم. وقال قَتَادة: عن الحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد، مجّسوا وهودوا ونصروا [¬٢] وصبغوا غير صبغة الإِسلام، وجزءوا من أموالهم جزءًا للشياطين، وكذا قال قَتَادة سواء. وقال أَبو صالح عن ابن عبَّاس: هو تسميتهم أولادهم: "عبد الحارث [¬٣] " وعبد شمس"، و"عبد فلان". وقال [¬٤] ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته [¬٥] ما يكرهه الله، أو "إدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير [¬٦] ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به [¬٧] أوفيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَن وُلد ذلك الولدُ له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، معنى الشَّرِكة فيه بمعنى دون معنى؛ فكل ما عُصِي الله فيه أو به وأطيع الشيطان فيه أو به، فهو مشاركة. وهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم (٢١١) عن عياض بن حمار [¬٨] أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله : إني خلقت عبادي خفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وفي الصحيحين (٢١٢) أن رسول الله ﷺ قال [¬٩]: "لو أن أحدهم إذا

стр. 3959

أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا". وقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا﴾، كما أخبر تعالى عن [¬١] إبليس أنَّه يقول إذا حصحص [¬٢] الحق يوم يقضى بالحق: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ … الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾: إخبار بتأيده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا ومؤيدًا وناصرًا. قال الإِمام أحمد (٢١٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المؤمن ليُنْضِي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر". ينضي: أي: يأخذ بناصيته ويقهره. ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾ يخبر تعالى عن لله بخلقه في تسخيره لعباده الفلكَ في البحر، وتسهيله لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، أي: إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم. ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ

стр. 3960

وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾. يخبر ﵎ [أنَّه إذا مسَّ الناس] [¬١] ضرٌّ دعوه منيببن إليه مخلصين له الدين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًّا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربًا فركب في البحر ليدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في يديه، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا!! فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه" (٢١٤). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾، أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له. ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها [¬٢] إلَّا من عصم الله. ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ يقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم [¬٣] إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه:؟. ﴿أَنْ نَخْسِفَ [¬٤] بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ [¬٥] عَلَيكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو: المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد وغير واحد، كما قال تعالى: ﴿[إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا] [¬٦] إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ و [¬٧]، قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ

стр. 3961

سِجِّيلٍ [¬١]﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِيرِ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾، أي: ناصرًا، يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾. يقول ﵎: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أيها المعرضون عنا، بعد ما اعترفوا بتوحيدنا في البحر وخرجوا إلى البر، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحر مرة ثانية، ﴿فَيُرْسِلَ [¬٢] ﴿عَلَيكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ أي: يقصف [¬٣] الصواري ويغرق [¬٤] الراكب. قال ابن عبَّاس وغيره: القاصف: ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها. وقولى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾، أي: بسبط كفركم وإعراضكم عن الله تعالى. وقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا﴾ قال ابن عبَّاس: نصيرًا. وقال مجاهد: نصيرًا ثائرًا. أي: يأخذ بثأركم [¬٥] بعدكم. وقال قَتَادة: و [¬٦] لا نخاف أحدا يتبعنا بشيء من ذلك. ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم صلى أحسن الهيئات وأكملها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾، أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه ويأكل بيديه -وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه- وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا [¬٧]، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية.

стр. 3962

﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾، أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضًا على السفن الكبار والصغار. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، أي: من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة [¬١] من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي: من سائر الحيوانات وأصناف [¬٢] المخلوقات. وقد استُدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة. قال عبد الرزاق (٢١٥): أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: يا ربنا، إنك أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي [لا أجعل] [¬٣] صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان. وهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روى من وجه آخر متصلًا. وقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني (٢١٦): حدَّثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدَّثنا حجاج بن محمد، حدثنا [¬٤] أَبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا

стр. 3963

نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان". وقد روى ابن عساكر (٢١٧) من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رُويم اللخمي، حدثني أَنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: "إن الملائكة قالوا: ربنا، خلقتنا وخلقت بني آدم، فجعلتهم يأكلون الطَّعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله : لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن، فكان". وقال الطبراني (٢١٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عمر [¬١]، بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم". قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟ قال: "ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر". وهذا حديث غريب جدًّا. ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ

стр. 3964

أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ يخبر ﵎ عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم. وقد اختلفوا في ذلك؛ فقال مجاهد وقتادة: أي: بنبيهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي ﷺ . وقال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع. واختاره ابن جرير، وروي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: بكتبهم. فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بكتاب أعمالهم. وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك، وهذا القول هو الأرجح، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. [ويحتمل أن المراد بإمامهم: أي: كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإِيمان أئتموا بالأنبياء ﵈ وأهل الكفر أئتموا بأئمتهم، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وفي الصحيحين (٢١٩): " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت … " الحديث] [¬١]. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا لا ينافي [¬٢] أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهدًا [عليها] [¬٣] بأعمالها، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، وقوله [¬٥]، تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى

стр. 3965

هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ولكن المراد ها هنا بالإِمام هو: كتاب الأعمال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾، أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته، كقوله [¬١]: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ إلى قوله [¬٢]: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. وقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة. وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا [¬٣] في هذا فقال (٢٢٠): حدثنا محمد بن يعمر، ومحمد بن عثمان بن كرامة؛ قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في [قوله تعالى] [¬٤]: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قال: "يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه، ويبيّض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه [من بعيد] [¬٥] فيقولون: اللهم؛ ائتنا [¬٦] بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا! فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسود وجهه، ويمدّ له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من هذا - أو: من شر هذا - اللهم؛ لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللهم أخزه. فيقول: أبعدكم الله! فإن لكل رجل منكم مثل هذا" ثم قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾، أي: في الحياة الدنيا ﴿أَعْمَى﴾، أي [¬٧]: عن حجج الله وآياته وبيناته، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾،

стр. 3966

أي: كذلك يكون، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: وأضل منهم كما كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا (٧٥)﴾ يخبر تعالى عن تأييد رسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه؛ بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْويلًا (٧٧)﴾ قيل: نزلت في اليهود، إذ [¬١] أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة. وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك. وقيل: إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر. قال البيهقي (٢٢١) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن ويونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم؛ أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم؛ إن كنت

стр. 3967

صادقًا أنك نبي فالحق بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْويلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث. وفي هذا الإِسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي ﷺ لم يغز تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم. ولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن مَعْدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام". قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. والله أعلم. وقيل: نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجره لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا، وكذلك وقع، فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهوهم - بعد ما اشتد أذاهم له - إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم، وسلطه عليهم، وأظفره بهم، فقتل أشرافهم، وسبى سراتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا [¬١] برسلنا وآذوهم: يخرج [¬٢] الرسول من بين أظهوهم، ويأتيهم العذاب. ولولا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾

стр. 3968

يقول تبارك وتعالن لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، قيل: لغروبها. قاله ابن مسعود (٢٢٢)، ومجاهد، وابن زيد. وقال [¬١] هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس (٢٢٣)، دلوكها: زوالها. ورواه نافع، عن ابن عمر (٢٢٤). ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر (٢٢٥)، وقاله أبو بَرْزَة الأسلمي (٢٢٦)، وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود، ومجاهد. وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة. واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه (٢٢٧) عن ابن حميد، عن الحكم بن بَشير [¬٢]، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، [عن رجل] [¬٣]، عن جابر بن عبد الله؛ قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه

стр. 3969

وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ ، فقال: "اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس" ثم [¬١] رواه (٢٢٨) عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر، عن رسول الله ﷺ ، نحوه. فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة، فمن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ﴾ - وهو [¬٢]: ظلامه، وقيل: غروب الشمس - أُخِذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، يعني: صلاة الفجر. وقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترًا من أفعاله وأقواله، بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل [¬٣] أهل الإسلام اليوم، مما [¬٤] تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه [¬٥]، ولله الحمد. ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ـ، قال الأعمش (٢٢٩): عن إبراهيم، عن ابن مسعود - وعن أبي صالح (٢٣٠)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وقال البخاري (٢٣١): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا [¬٦] عبد الرزاق، أخبرنا معمر،

стр. 3970

عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "فضل صلاة الجميع [¬١] على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر". ويقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. وقال الإِمام أحمد (٢٣٢): حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: "تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار". ورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ في الصحيحين (٢٣٣)، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم [ربهم] (*) - وهو أعلم بكم (*) -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". وقال عبد الله بن مسعود (٢٣٤): يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. وكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية. وأما الحديث الذي رواه ابن جرير (٢٣٥) ها هنا - من حديث الليث بن سعد، عن زيادة،

стр. 3971

عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عُبَيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ ، فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرْني أغفرْ له، من يَسألْني أعطه، من يدعني فأستجب [¬١] له حتى يطلع [¬٢] الفجر". فلذلك يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فيشهده الله، وملائكة الليل، وملائكة النهار. فإنه تفرد به زيادة وله بهذا حديث في سنن أبي داود (٢٣٦). وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم (٢٣٧)، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: "صلاة الليل". ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد نوم. قاله [¬٣] علقمة، والأسود، وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب. وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه - عن ابن عباس، وعائشة، وغير واحد من الصحابة ﵃ -كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة. وقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء ويحمل على ما بعد النوم. واختلف في معنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة. رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي ﵀ واختاره ابن جرير. وقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما تكفر عنه صلواتُه النوافلُ الذنوبَ التي عليه، قاله مجاهد، وهو في المسند (٢٣٨) عن أبي أمامة الباهلي، ﵁. وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، أي: افعل هذا الذي أمرتك به،

стр. 3972

لنقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا [¬١]، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم ﵎. قال [¬٢] ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن [¬٤] أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة (٢٣٩)، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا قيامًا [¬٥] لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك [¬٦] إلا إليك، تباركت

стр. 3973

وتعاليت، سبحانك رب البيت. فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله . ثم رواه عن بندار عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به. وكذا رواه عبد الرزاق (٢٤٠) عن معمر، والثوري عن أبي إسحاق به. وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة. وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقاله الحسن البصري. وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض [يوم القيامة] [¬١]، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. قلت: لرسول الله، ﷺ تسليمًا، تشريفاتٌ لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبًا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما يسأل الناس آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكل يقول: لست لها. حتى يأتوا إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها أنا لها"، كما سنذكر ذلك مفصلًا في هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أرل الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم (٢٤١). وفي حديث الصور: أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم، وهو

стр. 3974

صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة [في العصاة] [¬١] شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله، ولا يساويه في ذلك، وقد بسطت ذك مستقصى في آخر كتاب السيرة في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة. ولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وبالله المستعان. قال البخاري (٢٤٢): حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص [¬٢]، عن آدم بن عليّ، سمعت ابن عمر يقول [¬٣]: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فذلك قوم يبعثه الله مقامًا محمودًا. ورواه حمزة بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ (٢٤٣). قال ابن جرير (٢٤٤): حدثني محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بين الليث، حدثني الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر، يقول: [سمعت عبد الله بن عمر؛ يقول] [¬٤]: قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس لتدنو حتى يبلغ [¬٥] العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استعاثوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد [ ﷺ فيشفع] [¬٦]، بين الخلق، فيمشي حتى يأخد بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا [يحمده أهل الجمع كلهم] [¬٧] ".

стр. 3975

[وهكذا رواه البخاري في الزكاة عن يحيى بن بكير و [¬١] عبد الله بن صالح - كلاهما عن الليث بن سعد به. وزاد: فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم] [¬٢]. قال البخاري (٢٤٥): وحدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته- حلت له شفاعتي يوم القيامة". انفرد به دون مسلم. (حديث أبيّ): وقال الإِمام أحمد (٢٤٦): حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر". وأخرجه الترمذي من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل به، وقد قدمنا في حديث أبيّ بن كعب (٢٤٧) في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال رسول الله ﷺ في آخره: "فقلت: اللهم؛ اغفر لأمتي، اللهم؛ اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم ﵇".

стр. 3976

(حديث أنس بن مالك) قال الإِمام أحمد (٢٤٨): [حدثنا يحيى بن سعيد] [¬١]، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربَّه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحًا؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، ويذكر [¬٢] [خطيئة سؤاله] [¬٣] [ربه ما ليس له به علم] [¬٤] فيستحيي [¬٥] [ربَّه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتونه فيقول: لست هناكم] [¬٦]، ولكن ائتوا موسى: عبدًا كلمه الله وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا: [عبدًا غفر الله له] [¬٧] ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني". قال الحسن هذا الحرف [¬٨]: "فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين"، قال أنس: "حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له -أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني"، قال: "ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت -أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما يشاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع،

стр. 3977

فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الرابعة فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن"، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير مما يزن ذرة" أخرجاه من حديث سعيد به وهكذا رواه الإِمام [¬١] أحمد (٢٤٩)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، بطوله. وقال الإِمام أحمد (٢٥٠): حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: "إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ - فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمَّد يسألون" -أو قال: "يجتمعون إليك" - "ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأم إلى حيث يشاء الله، لغمّ ما هم فيه؛ فالخلق ملجمون بالعرق- فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة [¬٢]، وأما الكافر فيغشاه الموت- فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله ﷺ ، فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق مَلَك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى الله إلى جبريل: أن اذهب إلى محمَّد، وقل له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فشفعت في أمتي: أن أخرجْ من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا. فما زلت أتردد إلى ربي ، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت؛ حتى أعطاني الله من ذلك أن قال: يا محمَّد، أدخل من أمتك مِن خَلْق الله من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك". (حديث بريدة ﵁: قال الإِمام أحمد بن حنبل (٢٥١): حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه دخل على معاوية فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم-

стр. 3978

وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر- فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة". قال: أفترجوها [¬١] أنت يا معاوية ولا يرجوها عليّ ﵁؟! (حديث ابن مسعود ﵁ قال الإمام أحمد (٢٥٢): حدثنا عارم بن الفضل، [] [¬٢] حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عليّ بن الحكم البناني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: إن أمنا كانت تكرم الزوج، وتعطف على الولد -قال: وذكر الضيف- غير أنها كانت وأدت في الجاهلية، فقال: "أمكما في النار". قال: فأدبرا والسوء يُرى في وجوههما، فأمر بهما فردا، فرجعا والسرور [¬٣] يرى في وجوههما رجاء أن يكون [¬٤] قد حدث شيء [¬٥]، فقال: "أمي مع أمكما". فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمه شيئًا، ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار -ولم أر رجلًا قط أكثر سؤالًا منه- يا رسول الله، هل وعدك ربك فيها أوفيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه فقال: "ما سألته [¬٦] ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة". فقال الأنصاري: يا رسول الله، وما ذاك المقام المحمود؟ قال: "ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غُزلًا [¬٧]، فيكون أول من يكسى: إبراهيم ﵇ فيقول: اكسوا خليلي، فيؤتى بريطتين [¬٨] بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها،

стр. 3979

فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد. فيغبطني فيه الأولون والآخرون، ويفتح نهر [¬١] من الكوثر إلى الحوض" فقال المنافقون: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رَضراض فقال رسول الله ﷺ : "حاله المسك ورضراضه التُوم (**) "فقال [¬٢] المنافق: لم أسمع كاليوم؛ فإنه قلما [جرى ماء على حال أو رضراض (*) إلا كان له نبته؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله، هل له نبت؟ قال: "نعم، قضبان الذهب". قال المنافق: لم أسمع كاليوم؛ فإنه قلما] [¬٣] ينبت [¬٤] قضيب إلا أورق وإلا كان له ثمر قال الأنصاري: يا رسول الله، هل له ثمرة؟ قال: "نعم، ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من يشرب منه شربًا [¬٥] لا يظمأ بعده. ومن حرمه لم يروى [¬٦] بعده". وقال أبو داود الطيالسي (٢٥٣): حدثنا يحيى بن سَلَمة بن كُهَيل، عن أبيه، عن أبي الزّعْراء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله، ثم يقوم عيسى أو موسى- قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال: ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه ومسلم رابعًا، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. (حديث كعب بن مالك ﵁: قال الإِمام أحمد (٢٥٤): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمَّد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن [¬٧]

стр. 3980

عبد الله بن [كعب بن مالك] [¬١]، عن كعب بن مالك؛ قال [¬٢]: إن رسول الله ﷺ ؛ قال: "يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء [¬٣]، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود". (حديث أبي الدرداء ﵁: قال الإِمام أحمد (٢٥٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما [¬٤] بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك". فقال رجل: يا رسول الله؛ كيف تعرف أمتك من [¬٥] بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: "هم غرّ محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من [¬٦] بين أيديهم ذريتهم". (حديث أبي هريرة ﵁: قال الإِمام أحمد ﵀ (٢٥٦): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حيان، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة؛ قال:

стр. 3981

أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فَرُفع إليه الذراع -وكانت تعجبه-[فَنَهش منها نَهْشةً] [¬١]، ثم قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمعهم الداعي وينفُذُهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الهمِّ [¬٢] والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض [¬٣] الناس لبعض: [ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعض الناس لبعض] [¬٤]: أبوكم آدم فيأتون آدم [¬٥] فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُه، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح؛ أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، سماك [¬٦] الله عبدًا شكورًا، فاشفع [¬٧] لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله؛ ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم؛ أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، [اشفع لنا إلى ربك] [¬٨] ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته. نفسي! نفسي [¬٩]! نفسي! [اذهوا إلى غيرى] [¬١٠]، اذهبوا إلى موسى.

стр. 3982

فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى؛ أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد [¬١] قتلت نفسًا لم أومر بقتلها. نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى؛ أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه -قال: هكذا هو- وكلمت الناس في المهد صبيًّا [¬٢]، فاشفع لنا إلى [¬٣] ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن [¬٤] يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنبًا- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمَّد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمَّد؛ أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد [¬٥] غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا- لربي ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمَّد؛ ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب [¬٦]، أمتي أمتي. يا رب، أمتي أمتي! يا رب، أمتي أمتي. فيقال: يا محمَّد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال [¬٧]: والذي نفس محمَّد بيده [لما بين المصراعين] [¬٨] من مصاريع الجنة لكما [¬٩] بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبُصْرى. أخرجاه في الصحيحين. وقال مسلم ﵀ (٢٥٧) -: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هقْلُ بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ، حدثني أبو هريرة؛ قال: قال

стр. 3983

رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق [¬١] عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع". وقال ابن جرير (٢٥٨): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن داود بن يزيد الزّعافري [¬٢]، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ - سئل عنها - فقال: "هي الشفاعة". رواه الإمام أحمد عن وكيع و [¬٣] محمَّد بن عبيد، عن داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قال: "هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه". وقال عبد الرزاق (٢٥٩): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عليّ بن الحسين؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه"، قال النبي ﷺ : "فأكون أول من يدعى [¬٤]، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول أي [¬٥]: رب؛ هذا أخبرني أنك أرسلته إليّ. فيقول الله [¬٦]﵎: صدق. ثم أشفع فأقول: "يا رب؛ عبادك عبدوك في أطراف الأرض". قال: فهو المقام المحمود. هذا حديث مرسل.

стр. 3984

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ قال الإمام أحمد (٢٦٠): حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظَبيان، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال [¬١]: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. وقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله : ﴿[وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي] [¬٢] مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.

стр. 3985

و [¬١]، قال قتادة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، يعني: [المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني] [¬٢]: مكة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، [يعني: الموت] [¬٣]، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، يعني: الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير. وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾، قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له [¬٤]، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له. وقال قتادة فيها: أن نبي الله صلى الله عليه ومسلم علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله لكن أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم. و [¬٥] قال مجاهد: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: حجة بينة. واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة -وهو الأرجح- لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال [¬٦] تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ﴾ وفي الحديث: "إن الله [ليزع] [¬٧] بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع. وقوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: تهديد ووعيد لكفار قريش؛ بأنه [¬٨] قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية [¬٩] فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه

стр. 3986

الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، وَزَهَق باطلُهم، أي: اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات [¬١]، له مع الحق ولا بقاء، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾. وقال البخاري (٢٦١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُب [¬٢]، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾. وكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق، عن سفيان بن عيينة، به. وكذا رواه الحافظ أبو يعلى (٢٦٢): حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله، فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت لوجهها، وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾

стр. 3987

يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمَّد ﷺ -وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد- أنه ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: مذهب ما في القلوب من أمراض؛ من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل -القرآن يشفي من ذلك كله- وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه؛ فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا [¬١] وتكذيبًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ والآيات في ذلك كثيرة. [قال قتادة في قوله] [¬٢]: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. إنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين. ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾ يخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو؛ إلا من عَصَمَ الله تعالى، في حالتي سرائه وضرائه؛ لأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه. قال مجاهد: بعد عنَّا. قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾. وبأنه إذا مسه الشر -وهو المصائب والحوادث والنوائب- ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾. أي: قنط أن يعودَ يحصلُ له بعد ذلك خير، كقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ

стр. 3988

نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، قال ابن عباس: على [¬١] ناحيته. وقال مجاهد: على [¬٢] حدثه وطبيعته. وقال قتادة: على نيته. وقال ابن زيد: دينه. وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية -والله أعلم- تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي: منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى [¬٣] عليه خافية. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا (٨٥)﴾ قال الإمام أحمد (٢٦٣): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث في المدينة، وهو متوكئ [¬٤] [على عسيب] [¬٥]، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح فقالوا: يا محمَّد! ما الروح؟ فما زال متوكئًا على العسيب، قال: فظنت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا (٨٥)﴾ فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه.

стр. 3989

وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به، ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية (٢٦٤): عن عبد الله بن مسعود؛ قال: بينا أنا أمشي [¬١] مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ [¬٢] على عسيب إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح فقال [¬٣]: ما رابكم إليه. وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي … ﴾. وهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادى الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما أنزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية، وقد يجاب عن هذا بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عكما سألوه [¬٤] بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ومما يدل على نزول هذه الآية] [¬٥] بمكة ما [¬٦] قال الإمام أحمد (٢٦٥): حدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ [¬٧] رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا قال: وأنزل الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ yyy

стр. 3990

كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾. وقد روى ابن جرير (٢٦٦)، عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. [فقالوا: يزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلًا] [¬١]، وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. قال: فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، قال: ما أوتيتم من علم [¬٢] فنجاكم الله به من النار فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل. وقال محمَّد بن إسحاق (٢٦٧)، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾، [فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود، فقالوا [¬٣]: يا محمَّد، ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [¬٤] أفَعَنَيتنَا أم عنيت قومك؟ فقال: "كُلًّا قد عنيت". قالوا: إنك تتلو أنَّا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم". وأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا على أقوال: أحدها: أن المراد أرواح بني آدم. قال العوفي (٢٦٨): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآية: وذلك أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : أخبرنا عن الروح، وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله، ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئًا، فأتاه جبريل فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾، فأخبرهم النبي ﷺ بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ فقال: جاءني به جبريل من عند الله. فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدو لنا. فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا

стр. 3991

لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: المراد بالروح ها هنا جبريل. قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل: المراد به ها هنا [¬١] مَلَك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح: ملك. وقال الطبراني (٢٦٩): حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق أبو هبيرة، حدثنا بشر بن بكر [¬٣]، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنتَ". وهذا حديث غريب، بل منكر. وقال أبو جعفر بن جرير (٢٧٠) ﵀: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو هزان (*) يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، قال [¬٤]: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون [¬٥] ألف لغة، يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا [¬٦] يطير مع الملائكة

стр. 3992

إلى يوم القيامة. وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم. وقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة. قال السهيلي: وقيل: المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم. [وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبنى آدم] [¬١]. وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلَّا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. [والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى] [¬٢] وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخَضْر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة -أي: شرب منه بمنقاره- فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. وقال السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت. وقيل: أجابهم. وعوّل السهيلي على أن المراد بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. أي: من شرعه، أي: فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما يُنَال من جهة الشرع. وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم. ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس، بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة، أو أمارة بالسوء. قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يُكسَب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا؛ فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إمّا مُصْطارًا أو

стр. 3993

خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح نفس [¬١] إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه. وهذا معنى حسن، والله أعلم. قلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتبًا، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده في كتاب سمعناه في الروح. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينَا وَكِيلًا (٨٦) إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٨٩)﴾ يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم ﷺ فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قال ابن مسعود (٢٧١) ﵁: يطرق الناس ريح [¬٢] حمراء -يعني: في آخر الزمان- من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ … ﴾ الآية.

стр. 3994

ثم نبه تعالى علي شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه تعالى لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا علي أن يأتوا بمثل ما أنزله علي رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟! وقد روى محمد بن إسحاق (٢٧٢)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد [بن جبير] [¬١]-أو عكرمة- عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به [¬٢]. فأنزل الله هذه الآية. وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم. وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطاه، ومع هذا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾، أي: جحودًا للحق [¬٣] وردًّا للصواب. ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ

стр. 3995

مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال ابن جرير (٢٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البَختَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السّهْميين اجتمعوا -أو من اجتمع منهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلي محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعذرُوا فيه [¬١]. فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بَداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رشدهم، ويعز عليه عَنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد؛ إنا قد بعثنا إليك لنُعذَر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل علي قومه ما أخلت علي قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جعت بهذا الحديث تطب [] [¬٢] مالًا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رَئيًّا تراه قد غلب [¬٣] عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن: الرّئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم ولا الشرفَ فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله [¬٤] بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخوة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر [¬٥] الله، حتى يحكم الله [¬٦]، بيني وبينكم. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه
следующие страницы →