← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: المراد بالروح ها هنا جبريل. قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه. وقيل: المراد به ها هنا [¬١] مَلَك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح: ملك. وقال الطبراني (٢٦٩): حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق أبو هبيرة، حدثنا بشر بن بكر [¬٣]، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنتَ". وهذا حديث غريب، بل منكر. وقال أبو جعفر بن جرير (٢٧٠) ﵀: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو هزان (*) يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، قال [¬٤]: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون [¬٥] ألف لغة، يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا [¬٦] يطير مع الملائكة

стр. 3992

إلى يوم القيامة. وهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم. وقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة. قال السهيلي: وقيل: المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم. [وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبنى آدم] [¬١]. وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلَّا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. [والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى] [¬٢] وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخَضْر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة -أي: شرب منه بمنقاره- فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. وقال السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت. وقيل: أجابهم. وعوّل السهيلي على أن المراد بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. أي: من شرعه، أي: فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما يُنَال من جهة الشرع. وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم. ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس، بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة، أو أمارة بالسوء. قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يُكسَب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا؛ فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إمّا مُصْطارًا أو

стр. 3993

خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح نفس [¬١] إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه. وهذا معنى حسن، والله أعلم. قلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتبًا، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده في كتاب سمعناه في الروح. ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينَا وَكِيلًا (٨٦) إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٨٩)﴾ يذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم ﷺ فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. قال ابن مسعود (٢٧١) ﵁: يطرق الناس ريح [¬٢] حمراء -يعني: في آخر الزمان- من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ … ﴾ الآية.

стр. 3994

ثم نبه تعالى علي شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه تعالى لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا علي أن يأتوا بمثل ما أنزله علي رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟! وقد روى محمد بن إسحاق (٢٧٢)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد [بن جبير] [¬١]-أو عكرمة- عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به [¬٢]. فأنزل الله هذه الآية. وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم. وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطاه، ومع هذا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾، أي: جحودًا للحق [¬٣] وردًّا للصواب. ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ

стр. 3995

مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾. قال ابن جرير (٢٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البَختَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السّهْميين اجتمعوا -أو من اجتمع منهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلي محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعذرُوا فيه [¬١]. فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بَداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رشدهم، ويعز عليه عَنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد؛ إنا قد بعثنا إليك لنُعذَر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل علي قومه ما أخلت علي قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جعت بهذا الحديث تطب [] [¬٢] مالًا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رَئيًّا تراه قد غلب [¬٣] عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن: الرّئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ : "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم ولا الشرفَ فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله [¬٤] بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخوة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر [¬٥] الله، حتى يحكم الله [¬٦]، بيني وبينكم. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 3996

وسلم تسليمًا. فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا، ولا أقل مالًا، ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك له فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضَيّقت علينا، ولْيبسط لنا بلادنا، ولْيفَجَر [¬١] فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا مَن مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم [¬٢]: قصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم [¬٣] عما تقول حق هو أم [¬٤] باطل، فإن صنعت ما سألناك وصدّقوك صدقناك، وعرفنا به [¬٥]، منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول!. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما بهذا بعثت! إنما جعكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم [¬٦]، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخر، وإن تردّوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول [¬٧]، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا نذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به لهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك أن شاء فعل ذلك [¬٨]، فإنّا لن نؤمن لك ألا أن تفعل. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك". فقالوا: يا محمد، أما [¬٩] علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك [ما تراجعنا [¬١٠] به، ويخبرك ما هو صانع

стр. 3997

في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ ، عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم -وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب- فقال: يا محمد، عرض عليك [¬١] قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك [¬٢] أبدًا حتى تتخذ إلي السماء سلمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة [¬٣]، معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقيل، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. وهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء. وهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو [¬٤] علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم [¬٥] أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا، فقيل للرسول: إن شئت أعطناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب [¬٦] التوبة والرحمة. فقال: "بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة". كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام (٢٧٤) أيضًا عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا (٥٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا

стр. 3998

الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينًا [¬١] معينًا في أرض الحجاز ها هنا وههنا، وهذا [¬٢] سهل يسير علي الله تعالى لو شاء [¬٣] لفعله، ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. وقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾، أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه [¬٤] السماء وتَهِي، وتُدْلي أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفًا، [أي: قطعًا، كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ … ﴾ الآية. وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا] [¬٥] مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة، أنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبيّ الرحمة ونبيّ التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن [¬٦] يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا، وكذلك وقع؛ فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، حتى عبد الله بن أبي [¬٧] أمية الذي تبع النبي ﷺ وقال له ما قال، أسلم إسلامًا تامًّا، وأناب إلى الله . [وقوله تعالى] [¬٨]: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: (أو يكون لك بيت من ذهب) ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾، أي: تصعد في سلم ونحن ننظر إليك، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾، قال مجاهد: أي: مكتوب فيه إلي كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، تصبح موضوعة عند رأسه. وقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته؛ بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلي ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلي الله .

стр. 3999

قال الإمام أحمد بن حنبل (٢٧٥): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "عرض عليَّ [¬١] ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لايا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا -أو نحو ذلك- فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". ورواه الترمذي في "الزهد" عن سويد [¬٢] بن نصر، عن ابن المبارك، به. وقال: هذا حديث حسن، وعليّ بن يزيد يضعف في الحديث. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي [¬٣]: أكثرهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال فرعون وملؤه [¬٤]: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَينِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾، وكذلك قالت [¬٥] الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ والآيات في هذا كثيرة. ثم قال تعالى منبهًا على لطفه ورحمته كعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر [] [¬٦] رسولًا

стр. 4000

من الملائكة، لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، [¬١]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾، أي: كما أنتم فيها، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرًا بعثنا فيكم رسولًا [¬٢] منكم لطفًا ورحمة. ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾. يقول تعالى مرشدًا نبيه ﷺ إلي الحجة علي قومه في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد عليّ وعليكم، عالم بما جئتكم به [¬٣]؛ فلو كنت كاذبًا لانتقم [¬٤] مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: عليم بهم، بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: يهدونهم، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [¬٥] وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾. وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد (٢٧٦): حدثنا ابن

стр. 4001

نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله؛ كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: "الذي أمشاهم علي أرجلهم قادر علي [¬١] أن يمشيم علي وجوههم". وأخرجاه في الصحيحين (٢٧٧). وقال الإمام أحمد أيضًا (٢٧٨): [حدثنا يزيد] [¬٢]، حدثنا الوليد بن جُمَيع القرشي عن أبيه حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار [¬٣]، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون علي ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة علي وجوههم وتحشرهم إلي النار". فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: "يلقي الله الآفة [¬٤] علي الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها". وقوله: ﴿عُمْيًا﴾، أي: لا يبصرون. ﴿وَبُكْمًا﴾، يعني [¬٥]: لا ينطقون. ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون. وهذا لا [¬٦] يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًّا عن الحق، فجوزوا في محشرهم لذلك [¬٧] أحوج ما يحتاجون إليه، ﴿مَأْوَاهُمْ﴾، أي: منقلبهم [¬٨] ومصيرهم، ﴿جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾، قال ابن عباس: سكنت. وقال مجاهد: طفئت، ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، أي: لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما

стр. 4002

قال: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلا كُفُورًا (٩٩)﴾. يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به -من البعث علي العمي والبكم والصمم- جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي: بأدلتنا وحُججِنا، واستبعدوا وقوع البعث، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، أي [¬١]: بالية نخرة، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، أي: بعد ما صرنا إلي ما صرنا إليه من البلي والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟! فاحتج تعالى عليهم ونبههم علي قدرته علي ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته علي إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾. وقال ها هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى ويعيدهم كما بدأهم. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا، ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. وقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ [أي: بعد قيام الحجة عليهم] [¬٢] ﴿إلا كُفُورًا﴾، إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم. ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾

стр. 4003

يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق. قال ابن عباس وقتادة: أي. الفقر. أي: خشية أن تذهبوها مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلا منوعًا. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾، أي: لو أن لهم نصيبًا من ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار نقير، والله تعالى بصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله [¬١] وهداه؛ فإن [¬٢] البخل [¬٣] والجزع والهلع [صفة له] [¬٤] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا (٢١) إلا الْمُصَلِّينَ﴾ ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين (٢٧٩): " يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه". ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَال لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات [¬٥]، وهي الدلائل القاطعة علي صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلي فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين [¬٦]، والبحر،

стр. 4004

والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطسمة والحجر. وقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل [¬١]، والضفادع، والدم. وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصا ما يأفكون، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها كفروا بها، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وما نجعت فيهم، وكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا مثل [¬٢] ما سألوا وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى آخرها؛ لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء اللَّه، كما قال فرعون لموسى- وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ قيل: بمعنى ساحر. واللَّه تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة ها هنا، وهي المعنية في قوله تعالى: [﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾] [¬٣] فذكر هاتين الآيتين: العصا، واليد، وبين الآيات [¬٤]، الباقيات [¬٥] في "سورة الأعراف" وفصّلها. وقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار [¬٦] منه، ومنها تظليلهم الغمام، وإنزال المنَّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ها هنا [¬٧] التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد [¬٨] (٢٨٠):

стр. 4005

حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فقال: لا تقل له نبي؛ فإنه لو سمعك لصارت له أربع [¬١] أعين، فسألاه، فقال النبي ﷺ : "لا تشركوا باللَّه شيئًا [¬٢]، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة"، أو قال: "لا تفروا من الزحف" - شعبة الشاك - "وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت". فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي و [¬٣] [قال: "فما يمنعكما أن تتبعاني؟ ". قالا: لأن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي] [¬٤] إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود. فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به [¬٥]، وقال الترمذي: حسن صحيح. وهو حديث مشكل، "وعبد اللَّه بن سلمة" في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، واللَّه أعلم.

стр. 4006

ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، أي: حججًا وأدلة على صدق مما جئتك به، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا. قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: ملعونًا. وقال أيضًا هو والضحاك: ﴿مَثْبُورًا﴾، أي: مغلوبًا. والهالك -كما قال مجاهد- يشمل هذا كله. قال عبد اللَّه بن الزِّبعْرَى: إذْ أجارِي الشيطان في سَنن الغَيِّ … وَمَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ [يعني: هالك] [¬١] وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: ﴿عَلِمْتَ﴾، وروي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون [¬٢]، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ [¬٣] عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي مما تقدم ذكره [¬٤] من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، اقي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله. وليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث؛ فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟! وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد اللَّه بن سلمة؛ فإن له بعض ما ينكر، واللَّه أعلم. ولعل ذينك [¬٥] اليهودين إنما سألا عن [¬٦] [العشر الكلمات] [¬٧] فاشتبه على الراوي [بالتسع الآيات] [¬٨] فحصل وهْم في ذلك، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي: يخليهم [¬٩] منها [¬١٠]، ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾، وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن هذه السورة مكية [¬١١] نزلت قبل

стр. 4007

الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْويلًا﴾ ولهذا أورث اللَّه رسوله مكة فدخلها عنْوَة، على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث اللَّه القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم [¬١]، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٩]، وقال ها هنا: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء: ١٠٤]، أي: جميعكم أنتم وعدوكم. قال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والضحّاك: ﴿لَفِيفًا﴾ أي: جميعًا. ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد: أنه بالحق نزل، أي: متضمنًا للحق كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: متضمنًا [¬٢] علم اللَّه الذي أراد أن يطلعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: وصل إليك -يا محمد- محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زيد فيه ولا نقص منه؛ بل وصل إليك بالحق؛ فإنه نزل به شديد القوى، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، أي: يا محمد، ﴿إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ مبشرًا [¬٣] لمن أطاعك من المؤمنين، و [¬٤] نذيرًا لمن عصاك من الكافرين. وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، أما قراءة من قرأ بالتخفيف، فمعناه: فصلناه [¬٥] من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة -من السماء الدنيا-، ثم نزل مُفرًقًا منجمًا على الوقائع إلى رسول اللَّه ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس (٢٨١) أيضًا [¬٦].

стр. 4008

و [¬١] [عن ابن عباس] [¬٢] (٢٨٢) أيضًا أنه قرأ ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد أي: أنزلنا [¬٣] آية آية، مبينًا مفسرًا؛ ولهذا قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾، أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم، ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾، أي: مَهَل، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء. ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما [¬٤] جئتهم به من هذا القرآن العظيم: ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾، أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله اللَّه وَنوّه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المتزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي: من صالي [¬٥] أهل الكتاب الذين يُمسكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرّفوه، ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، جمع ذقن، وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا﴾، أي: للَّه ، شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه الكتاب؛ ولهذا يقولون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾، أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء [المتقدمين عن بعثة محمد ﷺ ؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [¬٦]﴾. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾، أي: خضوعًا للَّه وإيمانًا

стр. 4009

وتصديقًا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله [¬١] خشوعًا، أي: إيمانًا وتسليمًا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ﴾: عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود، كما قال الشاعر: إلى الملك القَرْم وابن الهمام … ولَيثِ الكَتيبَة في المْزَدَحم ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة للَّه المانعين من تسميته بالرحمن: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: لا فرق بين دعائكم له باسم اللَّه أو باسم [¬٢] الرحمن؛ فإنه ذو [¬٣] الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢] ألى أن قال [¬٤]: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقد روى مكحول (٢٨٣) أن رجلًا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: "يا رحمن، رحيم" فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو اثنين. فأُنزل اللَّه هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس (٢٨٤)، رواهما ابن جرير. وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ. . .. ﴾ الآية. قال الإمام أحمد (٢٨٥):

стр. 4010

حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية و [رسول اللَّه ﷺ ] [¬١] متوار بمكة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال اللَّه تعالى [لنبيه ﷺ ]: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ [وَلَا تُخَافِتْ بِهَا] [¬٢]﴾، أي: بقراتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به. وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس وزاد: فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، يفعل أيّ ذلك شاء. وقال محمد بن إسحاق (٢٨٦): حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع [¬٣] من رسول اللَّه ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع. فإن خفض صوته ﷺ لم يستمع [¬٤] الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرقرا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم [¬٥] لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة. وقال شعبة عن [أشعت بن] [¬٦] سليم، عن الأسود بن هلال، عن عبد اللَّه بن

стр. 4011

مسعود (٢٨٧): لم يُخافتْ بها مَنْ أسمع أذنيه. قال [¬١] ابن جرير (٢٨٨): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفّض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل [¬٢]: أحسنت. فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قيل لأبي بكر: ارفع [¬٣] شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا. وقال أشعث بن سوار (٢٨٩) عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء. وكذا روى الثوري ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة [﵂] (٢٩٠) [¬٤]: نزلت في الدعاء. وكذلك [¬٥] قال مجاهد وسعيد بن جبير، وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير وقال الثوري: عن ابن [¬٦] عياش العامري، عن عبد اللَّه بن شداد قال (٢٩١): كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي ﷺ قالوا: اللهم ارزقنا [¬٧] إبلًا وولدًا.

стр. 4012

قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. قول آخر: قال ابن جرير (٢٩٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا أبو [¬١] حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: نزلت هذه الآية في التشهد: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. وبه قال حفص عن أشعث بن سوار [¬٢] عن محمد بن سيرين مثله (٢٩٣). قول آخر: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال [¬٣]: لا تصلَّ مراءاة للناس [¬٤] ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري عن منصور، عن الحسن البصري: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: لا تحسن [¬٥] علانيتها وتسيء سريرتها. وكذا رواه عن [¬٦] عن الرزاق، عن معمر، عن الحسن، به. وهشيم عن عوف، عنه به. وسعيد عن قتادة، عنه كذلك. قول آخر: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح [¬٧] هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك، الذي سن له جبريل من الصلاة. وقول: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، بل هو اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا

стр. 4013

أحد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير؛ بل هو تعالى خالق الأشياء وحده، لا شريك له، ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: لم يخالف أحدًا ولا ينبغي [¬١] نصر أحد. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظّمه وأجلَّه عمّا يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا. قال ابن جرير (٢٩٤): حدثني، يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَقُلِ [¬٢] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ اللَّه ولدَّا، وقال العرب: لبَّيك لبيك [¬٣] لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء اللَّه لذل، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. وقال أيضًا (٢٩٥): حدثنا بشر، [حدثنا يزيد] [¬٤] حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم أهله هذه الآية [¬٥]: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغير من أهله والكبير. قلت: وقد جاء في حديث أن رسول اللَّه ﷺ سماها آية العز (٢٩٦)،

стр. 4014

وفي بعض الآثار: أنَّها ما قرئت في بيت في لهلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم. وقال الحافظ أَبو يعلى (٢٩٧): حدَّثنا بشر بن سيحان [¬١] البصري، حدَّثنا حرب بن ميمون، حدَّثنا موسى بن عبيدة الرّبَذي، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله ﷺ ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: "أي فلان، ما بلغ بك ما أرى؟ " قال: السقم والضر يا رسول الله. قال: "ألا أعلمك كلمات لذهب عنك السقم والضر؟ " قال: لا، قال [¬٢]: ما يسرني بها أن شهدت معك بدرًا أو [¬٣] أحدًا. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: "وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟ ". قال: فقال أَبو هريرة: يا رسول الله، إياي فعلمني. قال: "فقل يا أبا هريرة: توكلت على الحي الذي لا يموت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. قال: فأتى على رسول الله ﷺ وقد حسنت حالي، قال: فقال لي: "مهيم؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ لم [¬٤] أزل أقول الكلمات التي علمتني. إسناده ضعيف وفي متنه نكارة. آخر تفسير سورة سبحان [¬٥] * * *

стр. 4015

تفسير سورة الكهف وهي مكية ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال. قال [¬١] الإِمام أحمد (١): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة، أو: سحابة، قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو: "تنزلت للقرآن" أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة له. وهذا الرجل الذي كان يتلو هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة [¬٢] البقرة. وقال الإِمام أحمد (٢): حدَّثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال". رواه مسلم [وأَبو داود، والنَّسائي، والتِّرمِذي] [¬٣] من حديث قتادة به، و [¬٤] لفظ التِّرمِذي: "من حفظ الثلاث الآيات من أول الكهف" و [¬٥] قال: حسن صحيح. طريق أخرى: قال أحمد: حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شعبة، عن قَتَادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث، عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال:

стр. 4016

"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال" (٣) ورواه مسلم أيضًا، والنَّسائي، من حديث قَتَادة به، وفي لفظ للنسائي: "من قرأ عشر آيات من الكهف"، فذكره. حديث آخر: وقد رواه النَّسائي (٤) في "اليوم والليلة" عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال" فيحتمل أن سالمًا صممعه من ثوبان ومن أبي الدرداء. وقال الإِمام أحمد (٥): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زبان [¬١] بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين الأرض إلى السماء". انفرد به أحمد ولم يخرجوه. وروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه بإسناد له غريب، عن خالد بن سعيد بن [¬٢] أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف في [¬٣] يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء [¬٤] له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين". وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.

стр. 4017

وهكذا روى الإِمام سعيد بن منصور في سننه: عن هُشَيم بن بشير، عن أبي هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن. عباد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. هكذا وقع موقوفًا وكذا رواه الثَّوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري. وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (٦) عن أبي بكر محمد بن المؤمل: حدَّثنا الفضيل [¬١] بن محمد الشعراني، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا هُشَيم، حدَّثنا أَبو هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين"، ثم [¬٢] قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وهكذا رواه الحافظ أَبو بكر البيهقي (٧) في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده: أن النبي ﷺ قال: "من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت [¬٣] له نورًا يوم القيامة". وفي "المختارة" (٨) للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن [مصعب بن] [¬٤] منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي مرفوعًا: "عن قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال

стр. 4018

عصم منه". ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا (٥)﴾ قد تقدم في أول التفسير أنَّه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحًا بينًا جليًّا، نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا. ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: لمن خالفه وكذبه [¬١] ولم يؤمن به، ينذره ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾: عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم كالعمل الصالح، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة عند الله جميلة، ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: في ثوابهم عند الله - وهو الجنَّة - خالدين فيه، ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا لا زوال له ولا انقضاء [¬٢]: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾، أي: أسلافهم [¬٣]. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره: كَبُرَتْ كلمتُهم هذه كلمةً.

стр. 4019

وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلًا. قاله [¬١] بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة (كبرت كلمةٌ) كما يقال: عَظُمَ [¬٢] قولك وعظم [¬٣] شأنك. والمعنى على قراءة الجمهور أظهر؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإِفكهم، ولهذا قال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لَهُم عليها إلَّا كذبهم وإفتراؤهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾. وقد ذكر محمد بن إسحاق (٩) سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيط، إلى أحبار يهود [¬٤] بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله [¬٥]؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتَّى قدما المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالت لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل مُتقَوَّل؛ فَرَوْا (*) فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؛ فإنه [¬٦] قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم لذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم. فأقبل النضر وعقبة حتَّى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم، وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها - فجاءوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا - فسألوه عما أمروهم به - فقال لهم رسول الله ﷺ : "أخبركم غدًا بما سألتم عنه" - ولم يستثن - فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا

стр. 4020

يحدث الله إليه في ذلك وحسًا، ولا يأتيه جبريل ﵇، حتَّى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليرم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه؟! وحتى أحزنَ رسولَ الله ﷺ مكثُ الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من عند الله بسورة أصحاب الكهف؛ فيها [¬١] معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ يقول تعالى مسليًا رسوله [¬٢] صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، يعني: القرآن. ﴿أَسَفًا﴾، يقول: لا تهلك نفسك أسفًا. قال قَتَادة: قاتل نفسك غضبًا وحزنًا عليهم. وقال مجاهد: جزعًا. والمعنى [متقارب، أي] [¬٣]: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا [¬٤] تذهب نفسك عليهم حسرات. ثم أخبر تعالى أنَّه جعل الدنيا دارًا فانية مُزَيَّنة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال قَتَادة (١٠): عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنَّه

стр. 4021

قال: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء". ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخوالها فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، [أي: وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكًا ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾، لا يُنْبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [¬١]﴾، يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: صعيدًا جرزًا: بلقعًا. وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات. وقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإِلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى. ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) هذا إخبار [من الله تعالى] [¬٢] عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، يعمي: يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، أي: ليس أمرهُم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يقول: قد

стр. 4022

كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم. [وأما الكهف: فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما الرقيم] [¬١]: فقال [¬٢] العوفي: عن ابن عبَّاس: هو واد قريب من أيلة. وكذا [قال عطية العوفي وقَتَادة، وقال الضحاك]: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي. وقال مجاهد: الرقيم: كان بنيانهم. ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم. وقال عبد الرزاق (١١): أخبرنا الثَّوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، قال [¬٣]: يزعم كعب أنَّها القرية. وقال ابن جريج عن ابن عبَّاس: الرقيم: الحبل الذي فيه الكهف. وقال ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٤]، عن ابن عبَّاس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس. وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجنائي: أن [¬٥] اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران. وقال عبد الرزاق (١٢): أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: [كل] [¬٦] القرآن أعلمه، إلا: حنانًا [¬٧]، والأواه، والرقيم.

стр. 4023

وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة قول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟ وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب. وقال سعيد بن جبير: الرقيم [¬١]: لوح من [¬٢] حجارة، كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم: الكتاب، ثم قرأ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم: فعيل بمعنى [¬٣] مرقوم، كما، يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح: جريح. والله أعلم. وقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجئوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا - سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: وقدر لنا من أمرنا هذا رشدًا، أي: اجعل عاقبتنا رشدًا [¬٤]، كما جاء في الحديث (١٣): " وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا"، وفي المسند (١٤) من حديث بُسْر [¬٥] بن أبي أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".

стр. 4024

وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها شيئًا يأكلونه، كما سيأتي بيانه وتفصيله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ﴾، أي [¬١]: المختلفين فيهم، ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، قيل: عددًا. وقيل: غاية؛ فإن الأمد الغاية كقوله [¬٢]: * سبق الجواد إذا استولى على الأمد * ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

стр. 4025

(١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾ من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية - وهم الشباب - وهم أقبلُ للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عَتَوا وعَسَوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا. قال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القِرَطَة (*) يعني: الحِلَق - فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو. ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة - كالبخاري (١٥) وغيره، ممن ذهب إلى زيادة الإِيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من [¬١] الآيات الدالة على ذلك. وقد ذُكِر: أنهم كانوا على دين عيسى ابن مريم ﵇، والله أعلم. والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية؛ فإنهم [¬٢] لو كانوا على دين النصرانية؛ لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم (١٦) عن ابن عباس أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.

стр. 4026

وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبّرناهم [¬١] على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا [¬٢] من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمعًا [¬٣] في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها [¬٤]، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه. فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا [¬٥] أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم بتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، وكان [¬٦] أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلى إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، [وجاء الآخر] [¬٧]، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإِيمان. كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٧) تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنودٌ مجندة؛ فما [¬٨] تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" أخرجه مسلم في صحيحه (١٨) من حديث سهيل [¬٩] عن [أبيه عن] [¬١٠] أبي هريرة عن النبي ﷺ .

стр. 4027

والناس يقولون: الجنسية علة الضم. والفرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما [¬١] أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر [¬٢] كل واحد منكم ما بأمره. فقال آخر: أما أنا فإني والله [¬٣] رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده [¬٤] ولا يشرك به شيء [¬٥] هو الله [¬٦] الذي خلق كل شيء السموات والأرض وما بينهما. فقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين بديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ -ولن لنفي التأييد- أي [¬٧]: لا يقع منا هذا أيدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا. ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا. ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: هلّا [¬٨] أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟! ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك فيقال: إنّ ملكهم لما دَعَوه إلى الإِيمان بالله أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجّلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يراجعون [¬٩] دينهم الذي كانوا عليه. وكان هذا من لطف الله بهم؛ فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة. وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس: أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث (١٩) " يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شَعَف [¬١٠] الجبال

стр. 4028

ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن"، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن [¬١] الناس، ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع. فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، أي: وإذا [¬٢] فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها [¬٣] من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا ترتفقون [¬٤] به. فعند ذلك خرجوا هُرَّابًا [¬٥] إلى الكهف فآووا أليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال: أنه لم يظفر بهم، وعمّى الله عليهم خبرهم، كما فعل بنبيه محمد [¬٦] ﷺ وصاحبه الصديق حين لجأا إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطّلب فلم يهتدوا إليه مع [¬٧] أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصّديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا!! فقال: "يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " (٢٠)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف. وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا [¬٨] على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم. فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم، فَفُعِل ذلك. وفي هذا [¬٩] نظر، والله أعلم؛ فإن الله تعالى قد [¬١٠] أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًّا،

стр. 4029

كما قال تعالى. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ هذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ عنه [¬١]، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: بتقلص [¬٢] الفيء يمنة، كما قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة ﴿تَزَاوَرُ﴾، أي: تميل. وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تَقَلّص شعاعها بارتفاعها حتى لا، يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان؛ ولهذا [¬٣] قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بَيِّنٌ لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشممس والقمر والكواكب، وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينًا ولا شمالًا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تتركهم. وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا؛ فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو [¬٤] قريب من أيلة. و [¬٥] قال ابن إسحاق: هو عند نِينَوَى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو

стр. 4030

كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ (٢١): " ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به"، فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: تميل، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: في متسع منه داخلًا بحيث لا تمسهم؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم؛ قاله ابن عباس. ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم تعالى إلى هذا النار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: هو الذي أرشد هزلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى [¬١]، ومن
следующие страницы →