← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبّرناهم [¬١] على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا [¬٢] من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمعًا [¬٣] في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها [¬٤]، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه. فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا [¬٥] أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم بتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، وكان [¬٦] أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلى إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، [وجاء الآخر] [¬٧]، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإِيمان. كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٧) تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الأرواح جنودٌ مجندة؛ فما [¬٨] تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" أخرجه مسلم في صحيحه (١٨) من حديث سهيل [¬٩] عن [أبيه عن] [¬١٠] أبي هريرة عن النبي ﷺ .

стр. 4027

والناس يقولون: الجنسية علة الضم. والفرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما [¬١] أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر [¬٢] كل واحد منكم ما بأمره. فقال آخر: أما أنا فإني والله [¬٣] رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده [¬٤] ولا يشرك به شيء [¬٥] هو الله [¬٦] الذي خلق كل شيء السموات والأرض وما بينهما. فقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين بديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ -ولن لنفي التأييد- أي [¬٧]: لا يقع منا هذا أيدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا. ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا. ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: هلّا [¬٨] أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟! ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك فيقال: إنّ ملكهم لما دَعَوه إلى الإِيمان بالله أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجّلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يراجعون [¬٩] دينهم الذي كانوا عليه. وكان هذا من لطف الله بهم؛ فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة. وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس: أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث (١٩) " يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شَعَف [¬١٠] الجبال

стр. 4028

ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن"، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن [¬١] الناس، ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع. فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، أي: وإذا [¬٢] فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها [¬٣] من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا ترتفقون [¬٤] به. فعند ذلك خرجوا هُرَّابًا [¬٥] إلى الكهف فآووا أليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال: أنه لم يظفر بهم، وعمّى الله عليهم خبرهم، كما فعل بنبيه محمد [¬٦] ﷺ وصاحبه الصديق حين لجأا إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطّلب فلم يهتدوا إليه مع [¬٧] أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصّديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا!! فقال: "يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " (٢٠)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف. وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا [¬٨] على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم. فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم، فَفُعِل ذلك. وفي هذا [¬٩] نظر، والله أعلم؛ فإن الله تعالى قد [¬١٠] أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًّا،

стр. 4029

كما قال تعالى. ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ هذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ عنه [¬١]، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: بتقلص [¬٢] الفيء يمنة، كما قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة ﴿تَزَاوَرُ﴾، أي: تميل. وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تَقَلّص شعاعها بارتفاعها حتى لا، يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان؛ ولهذا [¬٣] قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بَيِّنٌ لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشممس والقمر والكواكب، وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينًا ولا شمالًا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تتركهم. وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا؛ فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو [¬٤] قريب من أيلة. و [¬٥] قال ابن إسحاق: هو عند نِينَوَى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو

стр. 4030

كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ (٢١): " ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به"، فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: تميل، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: في متسع منه داخلًا بحيث لا تمسهم؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم؛ قاله ابن عباس. ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم تعالى إلى هذا النار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: هو الذي أرشد هزلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى [¬١]، ومن

стр. 4031

أضله فلا هادي له. ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾ ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه - وطبق هذه وهو راقد -كما قال الشاعر: ينامُ بإحْدى مُقْلَتَيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظانُ نائمُ وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين. قال: ابن عباس: لو لم يقلبوا [¬١] لأكلتهم الأرض. وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة [¬٢]: الوصيد: الفناء. وقال ابن عباس: بالباب. وقيل: بالصعيد، وهو التراب. والصحيح أنه بالفناء - وهو الباب - ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة مغلقة. ويقال: و"صيد"، و"أصيد". ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب. قال ابن جريج: يحرس [¬٣] عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث [¬٤] يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب - كما ورد في الصحيح - "ولا صورة" (٢٢).

стр. 4032

"ولا جُنُب" (٢٣)، ولا كافر، كما ورد به [¬١] في الحديث الحسن. وشملت كلبَهم بركتُهُم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال [¬٢]. وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه. وقيل: كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين فصحبه [¬٣] كلبه، فالله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي (٢٤)، حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري ﵀ يقول: كان اسم

стр. 4033

كبش إبراهيم: "جرير"، واسم هدهد سليمان: "عنقز"، واسم كلب أصحاب الكهف: "قطمير"، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: "بهموت"، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصبهان. وقد تقدم عن شعيب [الجبئي] [¬١] أنه سماه حمران. واختلفوا في [¬٢] لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها؛ بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب. وقوله تعالى: ﴿لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، أي: إنه تعالى ألقى عليهم المهابة، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا [¬٣] تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة. ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَينَهُمْ قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ يقول تعالى: وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، أي: كم رقدتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، كأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، أي: اللَّه أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فاللَّه أعلم.

стр. 4034

ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾، أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من [¬١] منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد. ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، أي: أطيب طعامًا، كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ ومنه الزكاة التي تُطَيّب المال وتطهره. وقيل: أكثر طعامًا، ومنه: زكا الزرع، إذا كثر، قال الشاعر: قبائلنا سَبْعٌ وأنتم ثلاثةٌ … وللسَّبْعُ أزْكى من ثلاث وأطيبُ والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وَلْيَتَخَفّ [¬٢]: كل ما يقدر عليه، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾، أي: يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾، أي: إن علموا بمكانكم، ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، يعنون أصحاب دقيانوس، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن واتَوهم على العودة [¬٣] في الدين فلا فلاح لهم [¬٤] في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: أطلعنا عليهم الناس، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا﴾. ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة.

стр. 4035

وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد. فبعث اللَّه أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك. وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها [¬١]، وكان الناس قد تبدلوا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها كما قال الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم … وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئًا من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحدًا من أهلها: لا [¬٢] خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنونًا [¬٣]، أو مسَّا [¬٤]، أو أنا حالم، ويقول: واللَّه ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة، ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي. ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأل أن يبيعه بها طعامًا، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضَرْبها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا قد وجد كنزًا. فسألوه عن أمره، ومن أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز، ومن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه المدينة، وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس. فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى وليّ أمرهم، فسأله عن شأنه وعن أمره، حتى أخبرهم بأمره - وهو متحير في حاله وما هو فيه - فلما أعلمهم كذلك قاموا معه إلى الكهف - مُتَوَلًى البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى اللَّه عليهم خبره، ويقال: بل دخلوا عليهم، ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلمًا فيما قيل واسمه تيدوسيس [¬٥]، ففرحوا به وآنسوه [¬٦] الكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم اللَّه ، فاللَّه أعلم. قال قتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظامًا، فقال قائل: هذه عظام أصحاب [¬٧] الكهف. فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم

стр. 4036

من أكثر من ثلاثمائة سنة. رواه ابن جرير (٢٥). وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم [¬١] أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾، أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل اللَّه ظهوهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم، ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: سُدُّوا عليهم باب كهفهم وذَرُوهم [¬٢]، على حالهم، ﴿قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾. حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم. والثاني: أهل الشرك منهم، فاللَّه أعلم. والظاهر أن الذين [¬٣] قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال (٢٦): " لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" بحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها. ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾

стр. 4037

يقول تعالى مخبرًا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي: قولًا [¬١] بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد، ثم [¬٢] حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، دل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر. وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى اللَّه تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وفقنا. وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى اللَّه كانوا سبعة. وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى اللَّه ويقول: عدتهم سبعة (٢٧). [وقال ابن جرير (٢٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس] [¬٣]: [﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة] [¬٤]، فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس و [¬٥] أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن [عبد اللَّه] [¬٦]، بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة [سنه وَضَح] [¬٧] الورِق. قال ابن عباس (٢٩): فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة اللَّه يبكون [¬٨] ويستغيثون

стр. 4038

باللَّه، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا [¬١] وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ومجسيميلنينا [¬٢]، وتمليخا، ومرطوس [¬٣]، وكشطونس، وبيرونس [¬٤]، وديموس [¬٥]، ويطونس [¬٦]، قالوش [¬٧]، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل هذ! من كلام ابن إسحاق أو [¬٨] من بينه وبينه؛ فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته واللَّه أعلم؛ فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلاما يقولونه [¬٩] من تلقاء أنفسهم ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي [¬١٠]: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك اللَّه يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، فهو المقدَّم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال. ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ هذا إرشاد من الله لرسوله [¬١١]- صلوات اللَّه وسلامه عليه - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى شيئة اللَّه علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما ثبت في الصحيحين (٣٠) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال:

стр. 4039

"قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة" - وفي رواية: "تسعين امرأة"، وفي رواية: "مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقيل له:- وفي رواية: فقال له [¬١] الملك:- قل: إن شاء اللَّه. فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث، وكان دركًا لحاجته" وفي رواية: "ولقاتلوا لي سبيل اللَّه فرسانًا أجمعين [¬٢] " وقد تقدم (٣١) في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: "غدًا أجيبكم" فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة فأغنى عن إعادت. وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، قيل: معناه: وإذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية، والحسن البصري. وقال هشيم (٣٢): عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة. وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ في ذلك. قيل للأعمش: سمعته من [¬٣] مجاهد؟ قال: حدثني به ليث بن أبي سليم ترى [¬٤] ذهب كسائي هذا. ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به. ومعنى قول ابن عباس: أنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي [أن يقول في حلفه] [¬٥] أو كلامه: إن شاء اللَّه، وذكر ولو لعد سنة، فالسُّنَّة له أن يقول ذلك ليكون آتيًا بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث. قاله ابن جرير ﵀ ونص على ذلك، لا

стр. 4040

أن يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا [¬١] للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه واللَّه أعلم. وقال عكرمة: [﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: [إذا] [¬٢] غضبت. وهذا تفسير باللازم. وقد قال الطبراني (٣٣): حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] [¬٣] وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه. وقال الطبراني (٣٤): حدثنا محمد بن الحارث الجبيلي [¬٤]، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: [﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه. وروى الطبراني أيضًا عن ابن عباس في قوله] [¬٥]: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت، وقال [¬٦]: هي خاصة برسول اللَّه ﷺ ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: تفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين.

стр. 4041

ويحتمل [¬١] في الآية وجه آخر وهو أن يكون اللَّه تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر اللَّه؛ [لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ فَذِكْرُ اللَّه تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فَذِكْرُ اللَّه] [¬٢] تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل اللَّه تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [في ذلك] [¬٣]، وقيل غير ذلك في تفسيره واللَّه أعلم. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ هذا خبر من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم اللَّه إلى أن بعثهم، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة وتسع سنين بالهلالية [¬٤]، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة [¬٥] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾. وقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: إذا [¬٦] سئلت عن لبثهم، وليس عندك علم [¬٧] في ذلك و [¬٨] توقيف من اللَّه تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو، أو من أطلعه اللَّه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه: عليه غير واحد من علماء التفسير؛ كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا قول أهل

стр. 4042

الكتاب، وقد رده اللَّه تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾، قال: وفي قراءة عبد اللَّه: (وقالوا ولبثوا) يعني أنه قاله الناس وهكذا قال -كما قال قتادة- مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدي أهل الكتاب: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان اللَّه قد حكى قولهم لما قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ وظاهر الآية: إنما هو من إخبار اللَّه لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [أي: إنه لبصير بهم سميع لهم. قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه] [¬١]! وتأويل الكلام: ما أبصر اللَّه لكل موجود وأسمعه لكل مسموع! لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روى عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾، يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير [¬٢]، ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس. ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز، وإبلاغه إلى الناس ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: غير [¬٣] مغير لها ولا محرف ولا مُوُوّل. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [عن مجاهد: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، قال:

стр. 4043

ملجأ. وعن قتادة: وليًّا ولا مولىً] [¬١]. قال ابن جرير: يقول [¬٢] و [¬٣] إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، أي [¬٤] فإنه لا ملجأ لك من الله. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة. وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اجلس [¬٥] مع الذين يذكرون الله، ويهللونه ويحمدونه، ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًّا، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم [¬٦] بضعفاء أصحابه؛ كبلال وعمار وصهيب وخباب [¬٧] وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس [على حدة] [¬٨]، فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] [¬٩]. قال مسلم في صحيحه (٣٥): حدثنا أبو [¬١٠] بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد -[هو] [¬١١] ابن أبي وقاص- قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.

стр. 4044

وقال الإمام أحمد (٣٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا الجعد يحدث، عن أبي أمامة، قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ : "قص، فلأن أقْعُد غدوة إلى أن تشرق الشمسُ أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربعَ رقابٍ". وقال الإِمام أحمد (٣٧) أيضًا: حدثنا هاشم [¬١]، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت كردوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة- يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: "لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب". قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصًّا. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده (٣٨): حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن [¬٢] أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر [إلى غروب الشمس] [¬٣] أحب إليَّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفًا، وهاهنا من يقول: أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٩): حدثنا أحمد [¬٤] بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن عليّ بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم -وهو الكوفي

стр. 4045

- أن رسول الله ﷺ مر برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ : "هذا المجلس" [¬١] الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم". هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلًا. وحدثنا [¬٢] يحيى بن المعلى، عن منصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر [¬٣] عن أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله ﷺ و [¬٤] رجل يقرأ سورة الحِجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله ﷺ : "هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم". وقال الإمام أحمد (٤٠): حدثنا محمد بن بكر، ثنا ميمون المَرَئي [¬٥]، ثنا ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا [¬٦] لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات" تفرد به أحمد ﵀. وقال الطبراني (٤١): ثنا إسماعيل بن الحسن، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على

стр. 4046

رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا [يذكرون الله تعالى] [¬١]؛ منهم ثائر الرأس، [وجاف الجلد] [¬٢]، [وذو الثوب الواحد] [¬٣]، فلما رآهم جلس معهم وقال: "الحمد لله الذي جعل [¬٤] في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم". عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه [¬٥] فَمِن سادات الصحابة ﵃. وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم [¬٦] إلى غيرهم يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن [¬٧] مطيعًا له، ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وقل﴾ يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿للظالمين﴾، وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي: سورها.

стр. 4047

قال الإمام أحمد (٤٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة" وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره: من حديث دراج أبي السمح به [وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، قال: حائط من نار] [¬١]. وقال ابن جرير (٤٣): حدثني الحسين بن نصر، والعباس بن محمد، قالا: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، [حدثني محمد بن حُيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية] [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ : "البحر هو جهنم". قال: فقيل له: [كيف ذلك؟] [¬٣] فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، ثم قال: والله لا أدخلها أبدًا -أو: ما دمت حيًّا [¬٤]- لا [¬٥] تصيبني [¬٦] منها قطرة.

стр. 4048

وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، قال ابن عباس (٤٤): المهل: ماء غليظ مثل دردي [¬١] الزيت [¬٢]. وقال مجاهد: هو كالدم والقيح. وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره. وقال آخرون: هو كل شيء أذيب. وقال قتادة (٤٥): أذاب ابن مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما [¬٣] انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل. وقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء وأهلها سود.

стр. 4049

وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر؛ فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٤٦) بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "ماء كالمهل -قال- كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه". وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه: من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به. ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قِبَل حفظه. هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم: عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك، وبقية بن الوليد (٤٧): عن صفوان بن عمرو، عن عبد [¬١] الله

стр. 4050

ابن بُسر [¬١]، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد، يتجرعه﴾، قال: "يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب [¬٢] قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾. وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا [¬٣] منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن [مارًّا مر] [¬٤] بهم يعرفهم [¬٥] لعرف [¬٦] جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود" ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات القبيحة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾، أي: بئس هذا شرابًا [¬٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ وقال تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ أي: حارة، كما قال تعالى: ﴿وبين حميم آن﴾. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: وساءت النار] [¬٨] منزلًا، ومقيلًا، ومجتمعًا، وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إنها ساءت مستقرًّا ومقامًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر [¬٩] السعداء: الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة. ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿وهذه

стр. 4051

الأنهار تجري من تحتي﴾ الآية. ﴿يحلون﴾ أي: من الحلية ﴿فيها من أساور من ذهب﴾، وقال في المكان الآخر: ﴿ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) وفصله هاهنا فقال: ﴿وبلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق﴾، فالسندس: ثياب [¬١] رفاع [¬٢] رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق: فغليظ الديباج وفيه بريق. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: الاتكاء، قيل: الاضطجاع، وقيل [¬٣]: التربع في الجلوس، وهو أشبه بالمراد [¬٤] هاهنا، ومنه الحديث الصحيح (٤٨): " أما أنا فلا آكل متكئًا" فيه القولان. والأرائك: جمع أريكة: وهي السرير تحت الحَجَلة، والحَجَلة: كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناه [¬٥]، والله أعلم. قال عبد الرزاق (٤٩): أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، قال: هي الحجال. قال معمر: وقال غيره: السرر في الحجال. وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [¬٦] وهكذ [¬٧] قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾ ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.

стр. 4052

﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَينَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَينِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ يقول تعالى بعد ذكر [¬١] المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء، والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم [¬٢]، فضرب لهم مثلًا برجلين؛ جعل الله ﴿لأحدهما جنتين﴾، أي: بستانين من أعناب محفوفتين بالنخل، المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل [¬٣] من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾، أي: أخرجت ثمرها ﴿ولم تظلم منه شيئًا﴾، [أي: ولم تنقص منه شيئًا] [¬٤]، ﴿وفجرنا خلالهما نهرًا﴾، أي: والأنهار تخترق فيهما هاهنا وهاهنا. ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال. روي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: (وكان له ثُمْر) بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب. وقرأ آخرون ﴿ثمَر﴾ بفتح الثاء والميم ﴿فقال﴾، أي: صاحب هاتين الجنتين [¬٥] ﴿لصاحبه وهو يحاوره﴾، أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: ﴿أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا﴾ أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا. قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر.

стр. 4053

وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، أي: بكفره، وتمرده، وتكبره، وتجبره، وإنكاره المعاد ﴿قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترار منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، أي: كائنة، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلي الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا لأني مُحْظًى [¬١] عند ربي، ولولا كرامتي [¬٢] عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: في الدار الآخرة، تألَّى علي الله وكان سبب نزولها في العاص بن وائل (٥٠)، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان. ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظًا له، وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستندًا إلي بين شيء من المخلوقات؛ لأنه

стр. 4054

بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلي خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن [¬١] أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا]﴾ [¬٢]: [و هذا تحضيض] [¬٣] وحث علي ذلك، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، فحمد [¬٤] الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله، أو ماله، أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (٥١). حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ : "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله" فيرى فيه آفة دون الموت". وكان يتأول هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾. قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس: لا يصح حديثه. وقال الإِمام أحمد (٥٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج؛ حدثني شعبة -

стр. 4055

عن عاصم بن عبيد الله، [عن عبيد] [¬١] مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا قوة إلا بالله" تفرد به أحمد. وقد ثبت في الصحيح (٥٣) عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ ﷺ قال له: "ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله". وقال الإمام أحمد: (٥٤) حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج [¬٢]، عن عمرو بن ميمون، قال: قال أبو هريرة: قال لي نبي الله ﷺ : "يا أبا هريرة، [ألا] [¬٣] أدلك علي كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ " قال: قلت: نعم، فداك أبي وأمي! قال: "أن تقول: لا قوة إلا بالله"- قال أبو بَلْج [¬٤]: وأحسب انه قال: "فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم". قال: فقلت لعمرو- قال أبو بَلْج [¬٥]: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فقال: لا، إنها في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾. وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾، أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيهَا﴾، أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ

стр. 4056

السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري: أي: عذابًا من السماء. والظاهر: أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، أي: بلقعًا ترابًا أملس، لا يثبت فيه قدم. وقال ابن عباس: كالجُرُز الذي لا ينبت شيئًا. وقوله [¬١]: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾، أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد التابع [¬٢] الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها [¬٣]، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: جار وسائح، وقال هاهنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر: تظل جياده نوحًا عليه … تقلده أعنتها صفوفًا بمعنى: نائحات عليه. ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره علي القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما [¬٤] خوفه به المؤمن، من إرسال الحسبان علي جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، قال [¬٥] قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا علي الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾، أي: عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز، ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء هاهنا؛ فمنهم من يقف علي قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾، أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [ومنهم من يقف

стр. 4057

على: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾] [¬١]. ثم اختلفوا في قراءة ﴿الْوَلَايَةُ﴾، فمنهم من فتح الواو، فيكون المعنى: هنالك الموالاة [¬٢] لله، أي: هنالك كل أحد من مؤمن أو كافر يرجع إلي الله، وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ومنهم من كسر الواو من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أي: هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من [¬٣] رفع ﴿الْحَقِّ﴾ علي أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله ، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا﴾، أي: جزاء ﴿وَخَيرٌ عُقْبًا﴾، أي: الأعمال التي تكون لله ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، أي: ما فيها من الحب فشب وحسن، وعلاه الزهو [¬٤] والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابسًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾، أي: هو قادر علي هذه الحال وهذه الحال، وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما [قال تعالى] [¬٥] في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ

стр. 4058

السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وفي [¬١] الحديث الصحيح (٥٥): " الدنيا حلوة خضرة". وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الأقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم [¬٢]، والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلوات الخمس. وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عن الباقيات الصالحات: ما هي؟ فقال: هن [¬٣] لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [] [¬٤]. رواه الإمام أحمد (٥٦): حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان ﵁ يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه انه سيكون فيه مدّ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى [¬٥]، صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلي

стр. 4059

المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلي العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات". قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تفرد به. وروى مالك (٥٧): عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب، قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال محمد بن عجلان (٥٨): عن عمارة، قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات؟ فقلت: الصلاة والصيام. قال: لم تصب. فقلت: الزكاة والحج. فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال ابن جريج (٥٩): [عن مجاهد] [¬١] أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم [¬٢]، عن نافع بن سرجس أنه أخبره: أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات؟ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك] [¬٣].

стр. 4060

وقال عبد الرزاق (٦٠): أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله؛ هن الباقيات الصالحات. قال ابن جرير (٦١): وجدت في كتابي: عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر: مِنَ الباقيات الصالحات". قال (٦٢): وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الملة". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا

стр. 4061

قوة إلا بالله" وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به. وبه قال ابن وهب (٦٣): أخبرني أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلي محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا فسلم أحدهما علي الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال [له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال] [¬١]: ما فأثبتُ أجعلها. قال: فراجعه مرتين، أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت [¬٢]. قال سالم: أجل فَأثبتُ [¬٣]، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: "عرج بي إلي السماء، فرأيت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل، مَنْ هذا معك؟ فقال: محمد. فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لاحول ولا قوة إلا بالله".

стр. 4062

وقال الإِمام أحمد (٦٤): حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [¬١] قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلي السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: "أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فَمنْ صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منه، ومَنْ لم يصدقهم بكذبهم، ولم بمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هنّ الباقيات الصالحات". وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن [¬٢] أبي سلام، عن [¬٣] مولى [لرسول الله ﷺ أن] [¬٤] رسول الله ﷺ قال: "بخ بخ! لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده". وقال: "بخ بخ! لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة [¬٥] والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب". وقال الإِمام أحمد (٦٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁[في سفر] [¬٦] فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة [¬٧] نعبث بها. فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمها [¬٨] وأزمها [¬٩] غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت

стр. 4063

رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عباددك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب".

стр. 4064

ثم رواه أيضًا (٦٥) والنسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه. وقال الطبراني (٦٦): حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمّي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبيَّ ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلى من السراة غُدوة، فأتيت منًى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: "هن الباقيات الصالحات". وبهذا الإِسناد (٦٧): " من قام من الليل فتوضأ وضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، كفرت ذنوبه إلا الدماء؛ فإنها لا تبطل".

стр. 4065

وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، قال: هي ذكر الله؛ قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: هن الكلام الطيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها (٦٨). واختاره ابن جرير ﵀. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يذكر [¬١] تعالى أنه تذهب الجبال،
следующие страницы →