← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

قوة إلا بالله" وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به. وبه قال ابن وهب (٦٣): أخبرني أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلي محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا فسلم أحدهما علي الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال [له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال] [¬١]: ما فأثبتُ أجعلها. قال: فراجعه مرتين، أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت [¬٢]. قال سالم: أجل فَأثبتُ [¬٣]، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: "عرج بي إلي السماء، فرأيت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل، مَنْ هذا معك؟ فقال: محمد. فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لاحول ولا قوة إلا بالله".

стр. 4062

وقال الإِمام أحمد (٦٤): حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [¬١] قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلي السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: "أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فَمنْ صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منه، ومَنْ لم يصدقهم بكذبهم، ولم بمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هنّ الباقيات الصالحات". وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن [¬٢] أبي سلام، عن [¬٣] مولى [لرسول الله ﷺ أن] [¬٤] رسول الله ﷺ قال: "بخ بخ! لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده". وقال: "بخ بخ! لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة [¬٥] والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب". وقال الإِمام أحمد (٦٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁[في سفر] [¬٦] فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة [¬٧] نعبث بها. فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمها [¬٨] وأزمها [¬٩] غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت

стр. 4063

رسول الله ﷺ يقول: "إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عباددك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب".

стр. 4064

ثم رواه أيضًا (٦٥) والنسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه. وقال الطبراني (٦٦): حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمّي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبيَّ ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلى من السراة غُدوة، فأتيت منًى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: "هن الباقيات الصالحات". وبهذا الإِسناد (٦٧): " من قام من الليل فتوضأ وضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، كفرت ذنوبه إلا الدماء؛ فإنها لا تبطل".

стр. 4065

وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، قال: هي ذكر الله؛ قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: هن الكلام الطيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها (٦٨). واختاره ابن جرير ﵀. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يذكر [¬١] تعالى أنه تذهب الجبال،

стр. 4066

وتتساوى [¬١] المهاد، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: [﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية. قال مجاهد وقتادة] [¬٢]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ لا خمَر (*) فيها ولا غَيابة (**). و [¬٣] قال قتادة: لا بناءَ ولا شَجَر. وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: وجمعناهم؛ الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. وقوله [¬٤]: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين بدي الله صفًّا واحدًا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ ويحتمل أنهم [¬٥] يقومون صفوفًا صفوفًا كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾. وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم [¬٦] على رءوس الأشهاد، ولهذا قال مخاطبًا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن. وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا﴾، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾، أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا عملًا وإن صغر إلا أحصاها، أي: ضبطها وحفظها.

стр. 4067

وروى الطبراني (٦٩) بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ ، من غزوة حنين، نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ : "اجمعوا، مَنْ وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به". فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ : "أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه". وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، أي: من خير أو [¬١] شر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تظهر المخبآت والضمائر. قال الإِمام أحمد (٧٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: ["لكل غادر لواء يوم القيامة] [¬٢] [يعرف به" أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ] [¬٣]: ["يرفع لكل غادو لواء يوم القيامة] [¬٤] عند اسْتِه بقدر غَدْرَته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان". وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعها، ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يغفر ويصفح، ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، [ثم ينجي أصحاب المعاصي] [¬٥]، ويخلد فيها الكافرون [¬٦]، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا

стр. 4068

يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. والآيات في هذا كثيرة. وقال الإِمام أحمد (٧١): حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي [¬١]، فسرت عليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك [¬٢] أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت [¬٣] رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلًا بُهْمًا". قلت [¬٤]: وما "بهمًا؟ " قال: ليس معهم شيء "ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد [¬٥] من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلًا بهمًا؟ قال: "بالحسنات والسيئات". وعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة". رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد (٧٢)، وله شواهد من وجوه أخر، قد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وعند قوله تعالى: ﴿إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

стр. 4069

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ يقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبلس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا من اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، بألطاف رزقه غذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس، وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾، أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾. وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم (٧٣) عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم لأفعال الملائكة، وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة. ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن، أي: علِما [¬١] أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر. رواه ابن جرير (٧٤) بإسناد صحيح. وقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم [¬٢]

стр. 4070

الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير [¬١] هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال الضحاك أيضًا عن ابن عباس: كان إبليس من أشراف [¬٢] الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان [السماء] [¬٣] الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله: أنه رأى أن له كذلك شرفًا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لايعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حيث أمره بالسجود لآدم ﴿فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. قال ابن عباس: وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، أي: من خزان الجنان [¬٤]، "كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وبصري، وكوفي. وقال ابن جريج، عن ابن عباس نحو ذلك. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هو من خزان الجنة] [¬٥]، وكان يدبر أمر السماء الدنيا. رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به. وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه [¬٦] عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: حنًّا [¬٧]. وقال ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، وشريك بن أبي نمر -أحدهما أو كلاهما- عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه، فمسخه شيطانًا رجيمًا، لعنه الله ممسوخًا. قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصبة فارجه. وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة.

стр. 4071

وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه؛ لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون [¬١] عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء، والسادة الأتقياء، والأبرار النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولبن، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه [¬٢]، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل. وقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق: هو الخروج، يقال [¬٣]: فسقت الرطبة، إذا خرجت من أكمامها، وفسفت الفأرة من جُحْرها، إذا خرجت منه للعيث [¬٤] والفساد. ثم قال تعالى مقرعًا وموبخًا من اتبعه وأطاعه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ﴾ أي: بدلًا عني؛ ولهذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾. وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها، ومصير كل من الفريقين؛ السعداء والأشقياء في سورة يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ يقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم [خلقي للسماوات] [¬٥] والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين؛ يقول تعالى:

стр. 4072

أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ … ﴾. الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعوانًا. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد، تقريعًا لهم وتوبيخًا: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾، كما قال: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ [دُونِ اللَّهِ] [¬١] آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهادًا. وقال قتادة: ذكر لنا أن عمرًا [¬٢] البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق، فرق به يوم القيامة بن أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال قتادة ﴿مَوْبِقًا﴾: واديًا في جهنم. وقال ابن جرير (٧٥): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن

стр. 4073

رهم [¬١]، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾، قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الحسن البصري: ﴿موبقًا﴾: عداوة. والظاهر من السياق هاهنا: أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، إلا أن الله تعالى أخبر أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه، يفرق بينهم ولكنها في الآخرة، فلا خلاص لواحد من الفريقين إلى الآخر، كل بينهما مهلك، وهول عظيم وأمر كبير. وأمّا إن جعل الضمير في قوله: ﴿بينهما﴾ عائدًا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه، يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ وقال: ﴿يومئذ يصدَّعُون﴾. وقال تعالى: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾. وقوله: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾، أي: أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها، تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون [¬٢] ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز. وقوله [¬٣]: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ أي: وليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها. قال ابن جرير (٧٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن [الكافر يرى] [¬٤] جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة".

стр. 4074

وقال الإمام أحمد (٧٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "ينصب للكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة". ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها كي لا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان، وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة، والمعارضة للحق يالباطل، إلا من هدى الله، وبصره لطريق النجاة. قال الإمام أحمد (٧٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره: أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: "ألا تصليان؟ " فقلت: بها رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته وهو مول [¬١] يضرب فخذه يقول [¬٢]:

стр. 4075

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾. أخرجاه في الصحيحين. ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر، مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين﴾ وآخرون قالوا: ﴿ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين﴾، وقالت قريش: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم﴾، ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين﴾ إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك] [¬١]. ثم [¬٢] قال: ﴿إلا أن تأتيهم سنة الأولين﴾، من غشيانهم بالعذاب، وأخذهم عن آخرهم، ﴿أو يأتيهم العذاب قبلا﴾ أي: يرونه عيانًا مواجهة ومقابلة [¬٣]. ثم قال تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين﴾، أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن لهم، ومنذرين من كذبهم وخالفهم. ثم أخبر عن الكفار بأنهم: يجادلون ﴿بالباطل ليدحضوا به﴾، أي: ليضعفوا به ﴿الحق﴾ الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم ﴿واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوًا﴾، أي: اتخذوا الحجج والبراهين، وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هزوًا﴾، أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب.

стр. 4076

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾ يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها، أي: تناساها وأعرض عنها، ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالًا ﴿ونسي مما قدمت يداه﴾، أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة ﴿إنا جعلنا على قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء ﴿أكنة﴾، أي: أغطية وغشاوة ﴿أن يفقهوه﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، ﴿وفي آذانهم وقرًا﴾، أي: صممًا معنويا عن الرشاد ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا﴾. وقوله: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، أي: و [¬١] ربك -يا محمد- غفور ذو رحمة واسعة، ﴿لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب﴾، كما قال: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ وقال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ والآيات في هذا كثيرة. ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل. وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي. جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، اي: وكذاك أنتم أبها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.

стр. 4077

﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَال ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ سبب قول موسى لفتاه -وهو يوشع بن نون- هذا الكلام أنه ذُكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط [¬١] به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: ﴿لا أبرح﴾، [أي: لا أزال سائرًا] [¬٢] ﴿حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ أي: [لا أزال سائرًا حتى أبلغ] [¬٣] هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق: فما برحوا حتى تهادت نساؤهم … ببطحاء ذي قار عياب [¬٤] اللطائم قال قتادة وغير واحد: وهما بكر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما [¬٥] يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة. يعني في أقصى بلاد المغرب. فالله أعلم. وقوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾ أي: ولو أني أسير حقبًا من الزمان. قال ابن جرير (٧٩) ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس: سنة. ثم روي عن عبد الله عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفًا. وقال عليَّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾،

стр. 4078

قال دهرًا. وقال قتادة، وابن زيد مثل ذلك. وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇ وسقط الحوت في البحر، وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السرب في الأرض. قال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر. وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون [¬١] صخره. وقال محمد بن إسحاق (٨٠): عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: "ما انجاب ماء منذ كان الناس غيره، ثبت مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى وجع إليه موسى فرأى مسلكه فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ". وقال قتادة: سرب [¬٢] من الجر [¬٣] حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك، فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا جعل ماء جامدًا. وقوله: ﴿فلما جاوزا﴾، أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه. ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من المالح في أحد القولين. فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه مرحلة ﴿قال﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ أي: الذي جاوزا فيه المكان ﴿نصبًا﴾، يعني: تعبًا ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: [وما أنسانيه] [¬٤] [أن أذكره] [¬٥] [إلا الشيطان] [¬٦]؛ ولهذا

стр. 4079

قال: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: هذا هو [¬١] الذي نطلب ﴿فارتدا﴾، أي: رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي: طريقهما ﴿قصصًا﴾، أي: يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما. ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وهذا هو الخضر ﵇ كما دلت عليه الأحاددث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بذلك. قال البخاري (٨١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بين دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: أن نوفًا البكالي [¬٢] يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل؟! قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله، ﷺ قول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال [¬٣]: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يارب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمَّ. فأخذ حوتًا فجعله بمكيل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون -عليهما [¬٤] السلام- حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا

стр. 4080

عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما [حتى انتهيا إلى الصخرة] [¬١]، فإذا رجل مسجًّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فإن [¬٢] اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه، فعَرَفوا الخضر فحملوه [¬٣] بغير نول، فلما ركبا في السفينة، لم يَفْجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا لغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ " - قال: وقال رسول الله ﷺ : "كانت [¬٤]، الأولى من موسى نسيانًا". قال: "وجاء عصفور فنزل على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة [¬٥]، فقال له الحضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا أ بصر [¬٦] الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: "وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل [¬٧]. فقال الخضر بيده ﴿فأقامه﴾ فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "وددنا أن موسى كان صبر؛ حتى يقص الله علينا من خبرهما". قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا)، وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين).

стр. 4081

ثم رواه البخاري (٨٢) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة … فذكر نحوه وفيه: "فخرج موسى، ومعه فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عدها"، قال: "فوضع موسى رأسه فنام"، قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: "وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها فيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء دلك العين". قال: "فتحرك، وانسل من [] [¬١] المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ بهال موسى لفتاه: ﴿آتنا غداءنا﴾ ". كذا قال، وساق الحديث: "ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الحضر لموسى: ما علمي، وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره. وذكر تمامه بنحوه. وقال البخاري (٨٣) أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: أنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس -جعلني الله فداك- بالكوفة رجل قاص يقال له: نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل؟ أما عمرو فقال لي: قال: كذب عدو الله! وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "موسى رسول الله ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولَّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض [أحد] [¬٢]، أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم [إلى الله] [¬٣]، قيل: بلى. قال: أي [¬٤]، رب، وأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي [¬٥] رب، اجعل لي [¬٦] علمًا أعلم [ذلك به] [¬٧] ". [قال لي عمرو قال] [¬٨]: حيث يفارقك الحوت. وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كبيرًا. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون- ليست عن [¬٩] سعيد بن

стр. 4082

جبير- قال: فبينا هو في ظلِّ صخرة، في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى [] [¬١] دخل [¬٢] البحر، فأمسك الله عنه جرْيَةَ الماء، [حتى كأن أثره] [¬٣] في [¬٤] حجر. [قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر] [¬٥] وحلق بين إبهاميه والتي تليانهما [¬٦]. قال: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا﴾ قال [¬٧]: وقد قطع الله عنك [¬٨] النصب -ليست هذه عن سعيد- أخبر فرجعا فوجدا خضرًا. قال: قال عثمان بن أبي سلمان: "على طنفسة خضراء على كبد البحر". قال سعيد بن جبير: "مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه"."فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. بهال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: يكفيك التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك! يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر، [فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر] [¬٩]. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا [معابر صغارًا] [¬١٠]، تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر -عرفوه- فقالوا: عبد الله الصالح"- قال: فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم- "لا نحمله بأجر. فخرقها ورتد فيها رتدًا، قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ "، قال مجاهد: منكرًا" ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولن نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا﴾ حتى [] [¬١١] لقيا غلامًا فقتله" قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالحنث؟ وابن عباس قرأها: (زكية زاكية مُسلمَة) كقولك: غلامًا زكيًّا. فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه. قال سعيد [¬١٢] بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال يعلى: حسبت أن سعيدًا ما قال: فمسحه بيده فاستقام ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال

стр. 4083

سعيد: أجرًا نأكله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وكان أمامهم، فرأها ابن عباس: (أمامهم ملك) يزعمون عن غير سعيد أنه: هُدَد [¬١] بن بُدَد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون- حيسو [¬٢]. ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ﴾ وكان [¬٣] هو كافرًا ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ كقوله: ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما [¬٤] به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر. وزعم غير سعيد بن جبير: أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية. وقال عبد الرزاق (٨٤): أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خطب موسى ﵇ بني إسرائيل، فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فأمر أن يلقى هذا الرجل، فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق (٨٥): عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة [¬٥]، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس، وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس؛ إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب: أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا. قال سعيد: فقال ابن عباس: أنَوْفُ يقول هذا [يا سعيد] [¬٦]؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوفًا يقول ذلك. قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم. قال: كذب نوف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب، عن رسول الله ﷺ : أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه. فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى

стр. 4084

ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ [¬١] سبيله في البحر سربًا، فانطلقا فلما جاوزا مُنْقَلَبه [¬٢]، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال الفتى -وذكر-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة، حين [¬٣] انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالِم، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا ﴿قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد عُلِّمَ ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، أي: إنما تعرف [ظاهر ما] [¬٤] ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيت ما يخالفني. ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾ [وإن أنكرته] [¬٥] ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [] [¬٦] فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما [شيء] [¬٧] من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فمها وَلَجّتْ بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها المنقار [¬٨] حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يوقعها، فقال له موسى - ورأى [¬٩] أمرًا فظع به: - ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: مما [¬١٠] تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه، فأخذه بيده وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى [¬١١] أمرًا فظيعًا لا صبر عليه: صبي صغير قتله لا ذنب له ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، [أي: صغيرة] [¬١٢] ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ

стр. 4085

صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعْذَرتَ [¬١] في شأني. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف، وما ليس له عليه صبر، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في [¬٢] عمله. ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ و [¬٣] في قراءة أبيّ بن كعب: (كل سفينة صالحة) وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت حين رأى العيب الذي صنعت بها ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: ما فعلته عن نفسي ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ وكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا. وقال العوفي (٨٦): عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه مصر [¬٤] فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله: أن ذكرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله [¬٥] من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرءون التوراة. فلم يترك نعمة أنعمها عليهم إلا [¬٦] وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ [قال: لا] [¬٧] فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵉ فقال: إن

стр. 4086

الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى، إن على شط البحر رجلًا هو أعلم منك [¬١]. قال ابن عباس: هو الخضر. فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا فخذه، فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فَثَمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله، ونصب فيه سأل فتاه -عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب ذلك موسى [¬٢]، فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة [¬٣]، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلم عليه، فقال الخضر: وعليكِ السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟ ومن أنت؟ قال: أنا موسى. فقال الخضر: أَصَاحِب بني إسرائيل؟ [قال: نعم] [¬٤] فرحب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قوله: لا تطلق ذلك. قال موسى [¬٥]: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال: فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه. فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾. وقال الزهريّ (٨٧): عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تَمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن [¬٦] الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا موسى - ﵇ في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فأرجع فإنك ستلقاه. فكان [¬٧]

стр. 4087

موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضرًا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه. ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ يخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ - لذلك الرجل [¬١] العالم وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سؤال بتلطف لا على وجه الإِلزام والأجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم. وقىل: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، أي: أصحبك وأُرافقك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، أي: مما علمك الله [¬٢] شيئًا أسترشد به في أمري؛ من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قَال﴾ الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: أنت لا تقدر أن [¬٣] تصاحبني؛ لما ترى من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك ﴿قَال﴾ له موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾، أي: على ما أرى من أمورك ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، أي: ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر ﵇ ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾، أي: ابتداء ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني. قال ابن جرير (٨٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن

стр. 4088

ابن عباس، قال: سأل موسى ربه فقال: [رب؛ أي] [¬١] عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي رب؛ أي [¬٢] عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدًى، أو ترده عن ردًى. قال: أي رب؛ فهل في أرضك [¬٣] أحد أعلم مني؟ قال: نعم. قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت. قال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر، حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض [¬٤] مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل مما رزأ! قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى قد حدث نفسه أن ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر. وذكر تمام الحديث في خرق [¬٥] السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ قوله تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه وهو الخضر: أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألّا يسألة عن شيء أنكره، حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا

стр. 4089

الخضر فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة- تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها، ثم رفعها، فلم يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وهذه اللام لام العاقبة، لا لام التعليل، كما قال الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرًا. وقال قتادة: عجبًا. فعندها قال له الخضر مذكرًا بما تقدم من الشرط: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يعني: وهذا الصنيع فعلتُه قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها؛ لأنك لم تحط بها خبرًا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت ﴿قَال﴾ أي: موسى ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي [¬١]: لا تضيق عليّ وتشدد، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كانت الأولى من موسى نسيانًا" (٨٩). ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ يقول تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ أي [¬٢]: بعد ذلك ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾. وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله، فروي أنه احتز [¬٣] رأسه، وقيل: رضخه بحجر. [وفي رواية] [¬٤]: اقتطفه بيده فالله أعلم. فلما شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي: صغيرة لم تعمل الحنث، ولا حملت إثمًا بعد فقتلته؟! ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ﴾، أي: بغير مستند لقتله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾ أي: [ظاهر النكارة] [¬٥]

стр. 4090

﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول [¬١]، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا﴾، أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعذرت إليَّ مرة بعد مرة. قال ابن جرير (٩٠): حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمَّد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيِّ بن كعب، قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، [فقال ذات يوم] [¬٢]: "رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ ". مثقلة [¬٣]. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا (٧٧) قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا عنهما: إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ و [¬٤] روى ابن جرير عن ابن سيرين: أنها الأيَّلة [¬٥]. وفي الحديث (٩١): " حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا [¬٦] أي: بخلاء" ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإِرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإِرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط. وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾، أي: فردّه [¬٧] إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه ردّه

стр. 4091

[بيده، ودعمه] [¬١] حتى ردّ ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألّا تعمل لهم مجانًا، ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾، [أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك] [¬٢] ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ﴾ أي بتفسير ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇ وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على باطنه، فقال: إن [¬٣] السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ [لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة، أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾] [¬٤] لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها من المساكين، الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام. [وقد] روى ابن جريج (٩٢) [¬٥] عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي: أن اسم ذلك الملك هُدد بن بدد. وقد تقدم أيضًا في رواه البخاري (٩٣)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص [بن إسحاق وهو] [¬٦] من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه: جَيسُور. وفي الحديث: عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ قال [¬٧]: "الغلام الذي قتله الحضر طبع يوم

стр. 4092

طبع كافرًا". رواه ابن جرير (٩٤): من [¬١] حديث أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس به، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر. قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، [فليرض امرؤٌ] [¬٢] بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. وصحَّ في الحديث (٩٥): " لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلَّا كان خيرًا له. وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ [وقوله تعالى]: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه. قاله ابن جريج. وقال قتادة: أبو بوالديه. وقد تقدم أنهما بدلا جارية. وقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم. قاله ابن جريج. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٨٢)﴾ في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولًا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ يعني: مكة والطائف.

стр. 4093

ومعنى الآية: أن هذا الجدار إنما أصلحه؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة، وقتادة، وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀. وقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم. وكذا قال سعيد بن جبير. قال مجاهد: صحف فيها علم. وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور (٩٦): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش [¬١] بن عباس القتباني [¬٢]، عن ابن [¬٣] حجيرة، عن أبي ذر ﵁[رفعه] قال: إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه: لوح من ذهب مصمت [متكوب فيه] [¬٤]: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب؟! وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟! وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله. بشر بن المنذر هذا، مال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم. وقد روي في هذا آثار عن السلف. فقال ابن جرير في تفسيره (٩٧): حدثني يعقوب،

стр. 4094

حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة [¬١]، عن نعيم العنبري - وكان من جلساء الحسن - قال: سمعت الحسن -يعني البصري - يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: لوح [من ذهب] [¬٢] مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟! وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله. وحدثني (٩٨) يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عمر [¬٣] مولى غفرة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، قال [¬٤]: كان لوحًا من ذهب مصمت مكتوبًا [¬٥] فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب [¬٦] لمن عرف الموت [¬٧] ثم ضحك!! عجب [¬٨] لمن أيقن بالقدر ثم نصب!! عجب [¬٩] لمن أيقن بالموت ثم أمن!! أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وحدثني (٩٩) أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا هنادة بنت مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي، يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب! وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل! وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح! وقد قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا. وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح، لا ينافي قول عكرمة إنه [¬١٠] كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم [¬١١]: وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.

стр. 4095

وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه [¬١] دليل على أن الرجل الصالح [¬٢] يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم [¬٣] في الدنيا، والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن، ووردت به السنة. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحًا. وتقدم أنه كان الأب السابع. وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، هاهنا أسند الإِرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فالله أعلم. وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي [¬٤]: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب إلسفينة، ووالدي الغلام، وولدى الرجل الصالح ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي [¬٥]: لكني أمرت به، ووُقِّفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇ مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمً﴾. وقال آخرون: كان رسولًا. وقيل: بل كان ملكًا. نقله الماوردى في تفسيره. وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًّا، بل كان وليًّا، فالله أعلم. وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر: يَلْيا [¬٦] بن ملكان بن فالغ بن غاير بن شالخ ابن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇. قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك. ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة - قولين، ومال [¬٧] هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا [¬٨] عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث [¬٩]

стр. 4096

التعزية، وإسناده ضعيف. ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾، وبقول النبي ﷺ [يوم بدر] [¬١]: "اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (١٠٠). وبأنه لم ينقل أنه [¬٢] جاء إلى رسول الله ﷺ ، [ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي ﷺ ] [¬٣] وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين؛ الجنّ [¬٤] والإِنس، وقد قال (١٠١): " لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي". وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض، إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل. قال الإِمام أحمد (١٠٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ [في الخضر - قال] [¬٥]: "إنما سمي خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز [¬٦] خضراء". ورواه أيضًا [عن] [¬٧] عبد الرزاق. وقد ثبت أيضًا [¬٨] في صحيح البخاري (١٠٣) عن همام، عن أبي هريرة أن رسول الله

стр. 4097

ﷺ قال: "إنما سمي الخضر؛ لأنه [¬١] جلس على فروة فإذا هي تهتز [من خلفه] [¬٢] خضراء". والمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس، وهو: الهشيم من النبات. قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض. وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه، ووضحه وأزال المشكل، قال: ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإِشكال قويًّا ثقيلًا فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهو أشق من ذلك، فقابل كلًّا بما يناسبه لفظًا ومعنى، والله أعلم. فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وهذا يدلّ على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال (١٠٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟ فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد [¬٣]، فأخذه [¬٤] العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج [¬٥] به إلى ورم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب. إسناد ضعيف، الحسن [¬٦] متروك، وأبوه غير معروف.

стр. 4098

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [يا محمد] [¬١] ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾، أي: عن خبره. وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ ، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض. وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح. فنزلت سورة الكهف. وقد أورد ابن جرير (١٠٥) هاهنا والأموي في مغازيه حديثًا أسنده - وهو ضعيف - عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًّا من الروم، وأنه بنى الإِسكندرية، وأنه علا به ملك [¬٢] في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب. وفيه طول ونَكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي - مع جلالة قدره - ساقه بتمامه في كتابه "دلائل النبوة" وذلك غريب منه، وفيه من النكارة [¬٣] أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإِسكندر الثاني، ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم. فأما الأول: فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل - عليه [¬٤] السلام - أول ما بيناه، وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر ﵇. وأما الثاني: فهو إسكندر بن فيليب المقدوني اليوناني، وكان [¬٥] وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف [¬٦] المشهور، والله أعلم. وهو الذي تؤرخ به [¬٧] من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاثمائة سنة. فأما الأول المذكور في القرآن: فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي

стр. 4099

وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بيناه إبراهيم ﵇ وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا [¬١] من أخباره في كتاب "البداية والنهاية". بما فيه كفاية، ولله الحمد. قال وهب بن منبه: كان مَلكًا، وإنّما سمي ذا القرنين، لأن [¬٢] صفحتي رأسه كانتا من نحاس. قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري (١٠٦) عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين؟ فقال: كان عبدًا [ناصحًا لله] فَنَاصَحَه، دعا قومه إلى الله، فضربوه [¬٣] على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين. وكذا رواه شعبة (١٠٧) عن القاسم بن أبي بَزَّةَ عن أبي الطفيل سمع عليًّا يقول ذلك. ويقال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع قرن [¬٤] الشمس ويغرب. وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: أعطناه ملكًا عظيمًا، متمكنًا فيه له من جميع ما يؤتى الملوك؛ من التمكين، والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأم من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها. وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا. وقال قتادة أيضًا في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض، وأعلامها.

стр. 4100

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة. قال [¬١]: كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم. وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!! فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى يقول [¬٢]: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾. وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإِنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب. يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نفل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها [¬٣] من الإسرائيليات، التي غالبها مبدل مصحف، محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده [بذلك] [¬٤] على ما يجده في صحيفته، من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله في حق بُلقَيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق [¬٥] والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعادي وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم. وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي (١٠٨)، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حمار قال: كنت عند عليّ ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشارق والمغارب؟ فقال: سبحان الله، سخر له السحاب، وقدر له الأسباب، وبسط له اليد. ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَال أَمَّا
следующие страницы →