التعزية، وإسناده ضعيف.
ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾، وبقول النبي ﷺ [يوم بدر] [¬١]: "اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" (١٠٠). وبأنه لم ينقل أنه [¬٢] جاء إلى رسول الله ﷺ ، [ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي ﷺ ] [¬٣] وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين؛ الجنّ [¬٤] والإِنس، وقد قال (١٠١): " لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي". وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض، إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.
قال الإِمام أحمد (١٠٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ [في الخضر - قال] [¬٥]: "إنما سمي خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز [¬٦] خضراء". ورواه أيضًا [عن] [¬٧] عبد الرزاق.
وقد ثبت أيضًا [¬٨] في صحيح البخاري (١٠٣) عن همام، عن أبي هريرة أن رسول الله
стр. 4097
ﷺ قال: "إنما سمي الخضر؛ لأنه [¬١] جلس على فروة فإذا هي تهتز [من خلفه] [¬٢] خضراء".
والمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس، وهو: الهشيم من النبات. قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه، ووضحه وأزال المشكل، قال: ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإِشكال قويًّا ثقيلًا فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهو أشق من ذلك، فقابل كلًّا بما يناسبه لفظًا ومعنى، والله أعلم.
فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وهذا يدلّ على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال (١٠٤):
حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟ فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد [¬٣]، فأخذه [¬٤] العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج [¬٥] به إلى ورم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب. إسناد ضعيف، الحسن [¬٦] متروك، وأبوه غير معروف.
стр. 4098
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾
يقول تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [يا محمد] [¬١] ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾، أي: عن خبره. وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ ، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض. وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح. فنزلت سورة الكهف.
وقد أورد ابن جرير (١٠٥) هاهنا والأموي في مغازيه حديثًا أسنده - وهو ضعيف - عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًّا من الروم، وأنه بنى الإِسكندرية، وأنه علا به ملك [¬٢] في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب. وفيه طول ونَكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي - مع جلالة قدره - ساقه بتمامه في كتابه "دلائل النبوة" وذلك غريب منه، وفيه من النكارة [¬٣] أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإِسكندر الثاني، ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم.
فأما الأول: فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل - عليه [¬٤] السلام - أول ما بيناه، وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر ﵇.
وأما الثاني: فهو إسكندر بن فيليب المقدوني اليوناني، وكان [¬٥] وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف [¬٦] المشهور، والله أعلم.
وهو الذي تؤرخ به [¬٧] من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاثمائة سنة. فأما الأول المذكور في القرآن: فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي
стр. 4099
وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بيناه إبراهيم ﵇ وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا [¬١] من أخباره في كتاب "البداية والنهاية". بما فيه كفاية، ولله الحمد.
قال وهب بن منبه: كان مَلكًا، وإنّما سمي ذا القرنين، لأن [¬٢] صفحتي رأسه كانتا من نحاس. قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري (١٠٦) عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين؟ فقال: كان عبدًا [ناصحًا لله] فَنَاصَحَه، دعا قومه إلى الله، فضربوه [¬٣] على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.
وكذا رواه شعبة (١٠٧) عن القاسم بن أبي بَزَّةَ عن أبي الطفيل سمع عليًّا يقول ذلك.
ويقال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع قرن [¬٤] الشمس ويغرب.
وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: أعطناه ملكًا عظيمًا، متمكنًا فيه له من جميع ما يؤتى الملوك؛ من التمكين، والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأم من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها.
وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا.
وقال قتادة أيضًا في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض، وأعلامها.
стр. 4100
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة. قال [¬١]: كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم.
وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!! فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى يقول [¬٢]: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾.
وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإِنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب. يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نفل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها [¬٣] من الإسرائيليات، التي غالبها مبدل مصحف، محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده [بذلك] [¬٤] على ما يجده في صحيفته، من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله في حق بُلقَيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق [¬٥] والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعادي وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.
وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي (١٠٨)، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حمار قال: كنت عند عليّ ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشارق والمغارب؟ فقال: سبحان الله، سخر له السحاب، وقدر له الأسباب، وبسط له اليد.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَال أَمَّا
стр. 4101
مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾
[قال ابن عباس: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني بالسبب: المنزل. و] [¬١] قال قال مجاهد: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.
وفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًا﴾ قال: طريقًا [¬٢] في [¬٣] الأرض.
وقال قتادة: أي أتبع منازل الأرض ومعالمها.
وقال الضحاك: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [أي: المنازل.
وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾] [¬٤] قال: علمًا. وهكذا قال عكرمة وعبيد بن صلى والسدي. وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم.
وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره نغرب في البحر المحيط، و [¬٥] هذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي [¬٦] لا تفارق الفلك الرابع الذي [¬٧] هي مثبتة فيه لا تفارقه.
والحمأة مشتقة على إحدى القراءتين [¬٨] من الحمأة، وهو: الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ أي: طين أملس. وقد تقدم بيانه.
وقال ابن جرير (١٠٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني نافع بن أبي نعيم،
стр. 4102
سمعت عبد الرحمن الأعرج، يقول: كان ابن عباس يقول: ﴿فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ ثم فسرها: ذات حمأة. قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب: تغيب في طينة سوداء. وكذا روى غير واحد عن ابن عباس. وبه قال مجاهد وغير واحد.
وقال أبو داود الطيالسي (١١٠): حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، أن النبي ﷺ أقرأه: ﴿حَمِئَةٍ﴾.
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة. وكذا قال الحسن البصري.
وقال [¬١] ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، فأيهما قرأ القارئ فهو مصيب.
قلت: ولا منافاة بين معنييهما، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، و ﴿حَمِئَةٍ﴾: في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.
وقال ابن جرير (١١١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض".
قلت: ورواه الإمام أحمد (١١٢) عن يزيد بن هارون. وفي صحة رفع هذا الحديث نظر،
стр. 4103
ولعلّه من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (١١٣): حدَّثنا حجّاج بن حمزة، حدَّثنا محمَّد -يعني: ابن بشر- حدَّثنا عمرو بن [¬١] ميمون، أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية) قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلَّا ﴿حَمِئَةٍ﴾ فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتَها. قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن. فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشَّمس تغرب في التوراة؟ [فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإنّي أجد الشَّمس تغرب في التوراة] [¬٢] في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب.
قال ابن حاضر: لو أني عندكما أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في ﴿حَمِئَةٍ﴾. قال ابن عباس: وإذًا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تُبَّع، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:
بلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمرٍ من حكيم مرشد
[فرأى مغيب] [¬٣] الشمس عِندَ غُرُوبها … في عين ذي خُلُب وَثأط حَرمَد
قال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: ما الثاط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا ابن عباس رجلًا -أو غلامًا- فقال: الخطيب ما يقول هذا الرجل.
وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ فقال كعب: والذي نفس كعب بيده، ما سمعت أحدًا [¬٤] يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء.
وقال أبو يعلى الموصلي (١١٤): حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدَّثنا هشام بن يوسف،
стр. 4104
قال: في تفسير ابن جريج ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع النَّاس وجوب الشَّمس حين تجب. [] [¬١].
وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: أمَّة من الأمم، ذكروا أنَّها كانت أمة عظيمة من بني آدم.
وقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم [¬٢]، وحكمه فيهم، وأظفره بهم، وخيره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه، فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾، أي: من [¬٣] استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ قال قتادة: بالقتل. وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس، ويضعهم فيها حتَّى يذوبوا. وقال وهب بن منبه: كان يسلط [¬٤] الطمة، فتدخل أفواههم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: شديدًا بليغًا، وجيعًا أليمًا، [وفيه] [¬٥] إثبات المعاد والجزاء.
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾، أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفًا.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا (٩١)﴾
يقول تعالى: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشَّمس إلى مطلعها، وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم، ودعاهم إلى الله فإن أطاعوه وإلا أذلهم، وأرغم آنافهم [¬٦]، واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل الإقليم
стр. 4105
المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني إسرائيل أنَّه عاش ألفًا وستمائة سنة، يجوب [¬١] الأرض طولها والعرض، حتَّى بلغ المشارق والمغارب.
ولما انتهى إلى مطلع الشَّمس من الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: أمة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾، أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا [¬٢] أشجار تظلهم ولا تسترهم من حرِّ الشَّمس.
قال سعيد بن جبير: كانوا حمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.
وقال أبو داود الطيالسي (١١٥): حدَّثنا سهل بن أبي الصلت، سمعت الحسن، وسئل عن قول الله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؟ قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشَّمس تَغَوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراغون كما ترغى البهائم. قال الحسن: هذا حديث سمرة.
وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشّمس في أسراب، حتَّى إذا زالت الشَّمس خرجوا إليَّ حروثهم ومعايشهم.
وعن سلمة بن كهيل أنَّه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشَّمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان [يفترش] [¬٣] إحداهما ويلبس الأخرى.
وقال عبد الرَّزاق (١١٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [قال: هم الزنج.
وقال ابن جريج في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾] [¬٤]، قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشَّمس دخلوا أسرابًا [¬٥] لهم [¬٦] حتَّى تزول الشَّمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم
стр. 4106
ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرَّة، فقال لهم أهلها: لا تطعن عليكم الشَّمس وأنتم بها. قالوا: لا نبرح حتَّى تطلع الشَّمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف [¬١] جيش طلعت عليهم الشَّمس ها هنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا﴾ قال مجاهد، والسدي: عِلمًا. أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم، وتقطعت لهم الأرض، فإنَّه تعالى ﴿لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَال مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ قَال انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا (٩٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم [¬٢] سلك طريقًا من مشارق الأرض ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ﴾، وهما جبلان متناوحان، كأنهما ثغرة يخرج منها يأجوح ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل؛ ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇ كما ثبت في الصحيحين (١١٧): " إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النَّار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنَّة. فحينئذ يشيب الصَّغير، وتضع كل ذات حمل حملها". فيقال: "إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج".
стр. 4107
وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض النَّاس، أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتُّراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء، وهذا القول [¬١] غريب جدًّا لا دليل عليه؛ لا من عقل، ولا من [¬٢] نقل، ولا يجوز الاعتماد ها هنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما [¬٣] عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم.
وفي مسند الإمام أحمد (١١٨) عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك". فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي [¬٤] الترك. قال: إنما سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة.
وقد ذكر ابن جرير (١١٩) ها هنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة، ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] [¬٥] وقصر بعضهم وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك، لا تصح أسانيدها، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لاستعجام كلامهم وبعدهم عن النَّاس.
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا. يعني: أنهم [¬٦] أرادوا أن
стр. 4108
يجمعوا [¬١] له من بينهم مالًا يعطونه إيَّاه؛ حتَّى يجعل لأنَّه ولكنهم سدًّا، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني ﴿بِقُوَّةٍ﴾، أي: بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر: جمع زبرة، وهي القمة منه. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة: وهي كاللبنة، قال: كل لبنة زنة [¬٢] قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ﴾ أي: وضع بعضها [¬٣] على بعض من الأساس، حتَّى إذا حاذى به رءوس الجبلين طُولًا وعرضًا، واختلفوا في مساحة [¬٤] عرضه وطوله على أقوال ﴿قَال انْفُخُوا﴾ أي: أجج عليه النَّار حتَّى صار كله نارًا [¬٥] ﴿قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضَّحَّاك، وقتادة، والسدى: هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ﴾ ولهذا يشبه بالبرد [¬٦] المحبر.
قال ابن جرير (١٢٠): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ قد رأيتُ سدَّ يأجوج ومأجوج. قال: "انعته لي". قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. قال: "قد رأيته". هذا حديث مرسل.
وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد الي بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتَّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيمًا، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنَّه عال منيف شاهق، لا يستطاع، ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب [¬٧]
стр. 4109
[ثم قال تعالى].
فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)
قوله تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج: إنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه، قابل كلا بما يناسبه، فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.
فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٢١):
حدَّثنا روح، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدَّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه [¬١] غدًا. فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس، [حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشَّمس] [¬٢] قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على النَّاس، فينشفون المياه، ويتحصن النَّاس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم [¬٣] إلى السماء، [فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء] [¬٤]، فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فيقتلهم بها". قال رسول الله صلى الله
стр. 4110
عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم". ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب [¬١]- عن سفيان، عن قتادة به. وكذا رواه [إلامام] [¬٢] ابن ماجة عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدث أبو رافع. وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب. لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
وهذا إسناد جيد قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لأحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل [¬٣]، فيقولون: غدًا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو [¬٤] كما كان [¬٥]، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه. وهذا متجه [¬٦]، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب؛ فإنَّه كثيرًا ما كان يجالسه ويحادثه [¬٧]، فحدث [به] [¬٨] أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنَّه مرفوع فرفعه، والله أعلم.
ويؤكد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيءٍ منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد (١٢٢):
حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن عروة، [عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة] [¬٩]، عن زينب بنت جحش زوج النَّبيِّ ﷺ قال سفيان: أربع نسوة- قالت: استيقظ النَّبيُّ ﷺ من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: "لا إله إلَّا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب!
стр. 4111
فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا". وحلق- قلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث".
هذا حديث صحيح، اتفق البُخاريّ ومسلم على إخراجه من حديث الزُّهريّ، ولكن سقط في رواية البُخاريّ ذكر حبيبة وأثبتها مسلم، وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد؛ منها رواية الزُّهريّ عن عروة وهما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض، ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅.
[وقد روى نحو هذا عن أبي هريرة ﵁] [¬١].
فقال البزار: حدَّثنا محمَّد بن مرزوق، حدَّثنا مؤمل بن إسماعيل، حدَّثنا وهيب [¬٢]، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا" وعقد التسعين [¬٣]. وأخرجه البُخاريّ ومسلم (١٢٣): من حديث وهيب به.
وقوله: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: لما بيناه ذو القرنين ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: بالنَّاس، حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلًا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: ساواه [¬٤] بالأرض. تقول العرب: ناقة دكاء، إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مساويًا للأرض.
وقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال: طريقًا كما كان.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: [أي] [¬٥] كائنًا [¬٦] لا محالة.
стр. 4112
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾، أي: النَّاس ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أي [¬١]: يوم يدك هذا السد، ويخرج هؤلاء، فيموجون في النَّاس، ويفسدون على النَّاس أموالهم، ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: ذاك حين يخرجون على النَّاس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وهكذا قال ها هنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.
وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [] [¬٢] أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن.
روى ابن جرير (١٢٤) عن محمَّد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: إذا ماج الإنس والجن، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق [¬٣] فيجد الملائكة قد قطعوا [¬٤] الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص. ثم يظعن يمينًا وشمالًا إلى أقصى الأرض، فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص. فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النَّار، فأخرج الله خازنًا من خزان النَّار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟! ألم تكن في [¬٥] الجنان؟! فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه. فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النَّار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه [¬٦] فيقذفهم في النَّار، فتزفر النَّار زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلَّا جثى لركبتيه.
стр. 4113
وهكذا رواه ابن أبي حاتم (١٢٥) من حديث يعقوب القمي به. [ثم] [¬١] رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: الجن والإِنس يموج بعضهم في بعض.
وقال الطبراني (١٢٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق، عن وهب بين جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "إن، يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا علي الناس معايشهم، ولن يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تأويل وتاريس [¬٢] ومنسك".
هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.
وروى النسائي (١٢٧): من حديث شعبة، عن النعمان بن سالم، عن [ابن] [¬٣] عمرو بن
стр. 4114
أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون [¬١] ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريتة ألفًا فصاعدًا".
وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ كما تقدم في الحديث بطوله (١٢٨)، والأحاديث فيه كثيرة.
وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا (١٢٩): " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، واستمع [¬٢] متى يؤمر". قالوا: كيف نقول [¬٣]؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، علي الله توكلنا".
وقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، أي: أحضرنا الجميع للحساب، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي
стр. 4115
أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار سوم القيامة: إنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها؛ ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها؛ ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.
وفي صحيح مسلم (١٣٠) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتي بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها [¬١] ".
ثم قال مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾. أي: تغافلوا وتعاموا وتصامّوا [¬٢] عن قبول الهدى، واتباع الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، أي: اعتقدوا أنهم يصح له ذلك وينتفعون بذلك ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد [¬٣] أعدّ لهم جهنم سوم القيامة منزلًا.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾
стр. 4116
قال البخاري (١٣١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ ، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا [¬١]: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين.
وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية.
ومعني هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصاري وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء علي الخصوص ولا هؤلاء، بل هي [¬٢] أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، [وقبل وجود الخوارج، [¬٣] بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله علي غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن محمله مقبول، وهو مخطيء، وعمله مردود. كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: عملوا أعمالا باطلة علي غير سريعة مشروعة مرضِية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم علي شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾، أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام علي وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: لا نثقل موازينهم، لأنها خالية من [¬٤] الخير.
فقال البخاري (١٣٢): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا
стр. 4117
المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة". وقال: "اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله.
هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقًا، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير [¬١] به.
وقال ابن أبي حاتم (١٣٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتي بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها". قال: وقرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
وكذا رواه ابن جرير (١٣٤): عن أبي كريب، عن أي الصلت، عن ابن أبي الزناد [¬٢]، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. فذكره بلفظ البخاري سواء.
وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (١٣٥): حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة [¬٣]، حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش خطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: "يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة
стр. 4118
وَزْنًا﴾. ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عُمَارة، وليس بالحافظ ولم يتابع عليه.
وقد قال [ابن] جرير أيضًا (١٣٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن شمر [¬١] عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة [برجل عظيم] [¬٢] طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾، أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم؛ بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾
يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسله، وصدقوهم فيما [¬٣] جاءوا به بأن لهم جنات الفردوس.
قال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية.
وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب. وقال أبو أمامة: الفردوس: سرة الجنة.
وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ : "الفردوس: ربوة الجنة و [¬٤] أوسطها وأحسنها" (١٣٧).
стр. 4119
وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا؛ وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه (١٣٨)؛ وقد نقله ابن جرير، ﵀.
وفي الصحيحين (١٣٩): " إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلي الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة".
وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها [¬١]، لا يظعنون عنها أبدًا ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون غيرها، ولا يحبون سواها، وكما قال الشاعر:
فحَلّتْ [¬٢] سُوَيدَا القلب لا أنا باغيًا … سواها ولا عن حبِّها أتحول
وفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه و [¬٣] يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا [انتقالًا ولا] [¬٤] ظعنًا [¬٥] ولا رحلة ولا بدلًا [¬٦].
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾
стр. 4120
يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: [] [¬١] لو كان ماء [¬٢] البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي وحكمه وآياته الدالة [¬٣] عليه، لنفد البحر قبل أن [يفرغ من] [¬٤] كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرًّا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله، كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
يقول [¬٥]: لو كان البحر مدادًا، والشجر [كله أقلامًا] [¬٦]، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، و [¬٧] بقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع [¬٨] أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني علي نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول [¬٩] إن مثل نعيم الدنيا؛ أولها وآخرها، في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها [¬١٠].
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾
روى الطبراني (١٤٠) من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، أنه قال: هذه آخر آية أنزلت.
يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين
стр. 4121
برسالتك إليهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما [¬١] أخبرتكم به من الماضي؛ عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق [¬٢] في نفس [الأمر، لولا] [¬٣] ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلي عبادته ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له ﴿وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح ﴿رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو [¬٤]: ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو، الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان [¬٥] ركنا العمل المتقبل؛ لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا علي شريعة رسول الله ﷺ .
وقد روى ابن أبي حاتم (١٤١) من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزرى، عن طاوس، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أتف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا [¬٦]، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد.
وقال الأعمش (١٤٢): حدثنا حمزة أبو [¬٧] عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلي عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي [¬٨]، وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك [¬٩] فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.
стр. 4122
وقال الإمام أحمد (١٤٣): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ ، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى؟ " قال] [¬١]: فقلنا: تبنا إلي الله، أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه. فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ " قال: قلنا: بلي. قال: "الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل".
وقال الإمام أحمد (١٤٤): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجى [¬٢]، والله أعلم بما نتناجى [¬٣]، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين- يعني من وسط قرأ [¬٤] القرآن، علي لسان محمد ﷺ ، فأعاده وأبداه، وأحل حلاله، وحرم حرامه
стр. 4123
ونزل [¬١] عند منازله لا يحور [¬٢] فيكم [¬٣] إلا كما يحور [¬٤] رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لَما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من الشهوة الخفية والشرك". فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرًا! أولم يكن رسول الله ﷺ قد [¬٥] حدثنا: "أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب"، وأما الشهوة [¬٦] الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا؛ من نسائها، وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد أرأيتكم [¬٧] لو رأيتم رجلًا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو يتصدق له أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل] [¬٨]، أو صام له [¬٩]، أو [¬١٠] تصدق له لقد [¬١١] أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام [¬١٢]، يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك".
فقال [¬١٣] عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له، ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن حَشْده [¬١٤] عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك [¬١٥] به، و [¬١٦] أنا عنه غني".
(طريق أخرى [¬١٧] لبعضه) قال الإمام أحمد (١٤٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد
стр. 4124
الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي، عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ ، [يقول: فذكرته] [¬١] فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية". قلت: يا رسول الله؛ أتشرك أمتك [من بعدك] [¬٢]؟ قال: "نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراءون بأعمالهم، والشهوة الخفية: أن يصبح أحدهم صائمًا، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه". ورواه ابن ماجة (١٤٦) من حديث الحسن بن ذكوان، عن عبادة بن نسي به. وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين [¬٣] بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن [¬٤] أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، فمن [¬٥] أشرك بي أحدًا فهو له كله".
وقال الإمام أحمد (١٤٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث،
стр. 4125
عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن ربه أنه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك". تفرد به من هذا الوجه.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٨): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد -يعني ابن الهاد- عن عمرو، عن محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين [¬١] كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء".
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٩): حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر- أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد [¬٢] بن أبي فضالة الأنصاري [وكان من الصحابة] [¬٣] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك".
وأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث [محمد بن] [¬٤] بكر -وهو البرساني- به.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٥٠): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سَمَّع (*) سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به".
стр. 4126
وقال الإمام أحمد (١٥١): حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ [أنه] [¬١] قال: "من يرائي يرائى الله به، ومن يسمَّع يسمَّع الله به".
حديث آخر: قال الإمام أحمد (١٥٢): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلًا في بيت أبي عبيدة، أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من سمَّع الناس بعمله سمع الله به، سامع خَلقَه وصغّره وحقَّره". [قال] فذرفت عينا عبد الله.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٥٣): حدثنا عمرو [¬٢] بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله
стр. 4127
عليه وسلم: "تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله يوم القيامة في صحف مختومة [] [¬١]، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: يارب؛ والله مارأينا منه إلا خيرًا. فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أويد به وجهي". ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو بصري ليس به بأس.
قال ابن وهب (١٥٤): حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي، أن رسول الله ﷺ قال: "من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس".
وقال أبو يعلى (١٥٥): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجرى، عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحسن الصلاة حيث [¬٢] يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ".
وقال ابن جرير (١٥٦): حدثنا أبو عامر [¬٣] إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.
وهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية [] [¬٤] آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد: أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها، ولا يغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى ما فهمه، والله أعلم.
стр. 4128
وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٥٧): حدثنا محمد بن علي بن الحسن [¬١] بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في ليلة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كان له من نور من عَدن أبين [¬٢]، إلى مكة [¬٣]، حشوة الملائكة". غريب جدًّا.
آخر سورة الكهف، ولله الحمد
стр. 4129
[تفسير] سورة مريم [وهي مكية]
وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة (١) وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود (٢) في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.
﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾
أما [] [¬١] الحروف المقطعة فقد تقدم [] [¬٢] في أول سورة البقرة.
وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.
وقرأ [¬٣] يحيى بن يعمر: [ذكرَ رحمةَ ربك عبده زكريا]. [و] [¬٤] ﴿زَكَرِيَّا﴾: يمد ويقصر قرابان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل، و [¬٥] في صحيح البخاري (٣): أنه كان نجارًا، و [¬٦] أنه كان يأكل من عمل يديه [¬٧] في النجارة. وقوله: ﴿إِذْ
стр. 4130
نَادَى [¬١] رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه؛ لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.
وقال آخرون: إنما أخفاه؛ لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة (٤) في هذه الآية: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي.
وقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خُفية: يارب يارب يارب. فقال الله له [¬٢]: لبيك لبيك لبيك.
﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعفت وخارت القوى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ أي: اضطرم [¬٣] المشيب في السواد. كما قال ابن دريد في مقصورته:
إمَّا تَرَى رأْسِي حاكَى لونُه … طُرَّةَ صُبح تَحْتَ أذيال الدُّجَى
واشْتَعَلَ المبيَض في [¬٤] مُسوَدّه … مثْلَ اشتعَال النّار في جَمر الغضا
والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.
وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردَّني قط فيما سألتك.
وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قرأ الأكثرون بنصب الياء من ﴿الْمَوَالِيَ﴾ على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:
كأن أيديَهُنَّ في القاع القرق [¬٥] … أيدي جَوَارٍ يتعاطين الورق
[وقال الآخر] [¬٦]:
فتى لوليباري الشمس ألْقَتْ قناعها … أو القَمَرَ السَّاري لألقى المقالدا
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي [¬٧]:
تغاير الشِّعرُ منه إذْ سهرتُ لهُ … حتى ظَننتُ قوافيه سَتَقْتَتِلُ
стр. 4131
وقال مجاهد وقتادة والسدي (٥): أراد بالمولى العصبة، وقال أبو صالح (٦): الكلالة.
وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (٧) ﵁ أنه كان يقرؤها. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ بتشديد الفاء [¬١]، بمعنى: قلَّت عَصَباتي من بعدي.
وعلى القراءة الأولى وجه خوفه: أنه خشي أن يتصرفوا من [¬٢] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه [¬٣]، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده: أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيحوز ميراثه دونهم، هذا وجه.
الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجّارًا، يأكل من كسب يديه [¬٤]، ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين (٨) من غير وجه [¬٥]، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا نورث، ما تركنا فهو [¬٦] صدقة". وفي رواية عند الترمذي (٩) بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء- لا نورث". وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾، أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع
стр. 4132
الشرائع والملل- أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركنا فهو صدقة".
قال مجاهد (١٠) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كانت [¬١] وراثته علمًا، وكان زكريا من ذريَّة يعقوب.
وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١١) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.
وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن الحسن (١٢): يرث نبوته وعلمه.
وقال السدي (١٣): يرث نبوتي، ونبوة آل يعقوب.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: [نبوتهم.
وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١٤) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال] [¬٢]: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (١٥) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثه؟! ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد! ".
وقال ابن جرير (١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة- عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثه ماله [¬٣] حين يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ
стр. 4133
آل يعقوب﴾ ". وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيًّا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلي خلقك، في دينه وخلقه.
﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾
هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو: أنه أجيب إلي ما سأل في دعائه، فقيل: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَي مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾.
وقوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد (١٧): أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم.
واختاره ابن جرير ﵀.
وقال مجاهد (١٨): ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ أي: شبيهًا-[أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا] [¬١]-.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٩): أي: لم تلد العواقر قبله مثله. وهذا دليل علي أن زكريا ﵇ كان لا وولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة ﵉ فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق علي كبرهما لا لعقرهما؛ ولهذا قال: ﴿أبشرتموني علي أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾ مع أنه قد كان ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشوة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
стр. 4134
﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾
هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع [¬١]- أن امرأته عاقر لا تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع [¬٢] أنه قد كبر وعتا، أي: عَسَا عظمه ونحُل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع. والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًّا وعتوًّا، وعسي يعسو عسوًّا وعسيًّا.
وقال مجاهد (٢٠): ﴿عتيًّا﴾ بمعني نحول العظم. وقال ابن عباس (٢١) وغيره: ﴿عتيًّا﴾ يعني الكبر. والظاهر أنَّه اخصّ من الكبر.
وقال ابن جرير (٢٢): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، في عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله، ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًّا﴾ أو عسيًّا.
ورواه الإمام أحمد (٢٣) عن سريج [¬٣] بن النعمان. وأبو داود عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.
﴿قال﴾ أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كذلك قال ربك هو عليّ
стр. 4135
هين﴾ أي: إيجاد الولد منك و [¬١] من زوجتك هذه لا من غيرها ﴿هين﴾ أي: يسير سهل علي الله.
ثم ذكر له ما هو أعجب [] [¬٢] مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾
﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا علي وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ﴿قال آيتك﴾ أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾، أي: إن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوى من غير مرض ولا علة.
قال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ووهب، والسدي، وقتادة (٢٤)، وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٥): كان يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.
وقال العوفي عن ابن عباس (٢٦): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ أي: متتابعات.
والقول الأول عنه، وعن الجمهور أصحّ، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ [¬٣]