← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وقال مجاهد وقتادة والسدي (٥): أراد بالمولى العصبة، وقال أبو صالح (٦): الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (٧) ﵁ أنه كان يقرؤها. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ بتشديد الفاء [¬١]، بمعنى: قلَّت عَصَباتي من بعدي. وعلى القراءة الأولى وجه خوفه: أنه خشي أن يتصرفوا من [¬٢] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه [¬٣]، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده: أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيحوز ميراثه دونهم، هذا وجه. الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجّارًا، يأكل من كسب يديه [¬٤]، ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين (٨) من غير وجه [¬٥]، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا نورث، ما تركنا فهو [¬٦] صدقة". وفي رواية عند الترمذي (٩) بإسناد صحيح: "نحن معشر الأنبياء- لا نورث". وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾، أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع

стр. 4132

الشرائع والملل- أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركنا فهو صدقة". قال مجاهد (١٠) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كانت [¬١] وراثته علمًا، وكان زكريا من ذريَّة يعقوب. وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١١) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن الحسن (١٢): يرث نبوته وعلمه. وقال السدي (١٣): يرث نبوتي، ونبوة آل يعقوب. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: [نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (١٤) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال] [¬٢]: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (١٥) أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثه؟! ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد! ". وقال ابن جرير (١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة- عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثه ماله [¬٣] حين يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ

стр. 4133

آل يعقوب﴾ ". وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. وقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيًّا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلي خلقك، في دينه وخلقه. ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ هذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو: أنه أجيب إلي ما سأل في دعائه، فقيل: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَي مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾. وقوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد (١٧): أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم. واختاره ابن جرير ﵀. وقال مجاهد (١٨): ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ أي: شبيهًا-[أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا] [¬١]-. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (١٩): أي: لم تلد العواقر قبله مثله. وهذا دليل علي أن زكريا ﵇ كان لا وولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة ﵉ فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق علي كبرهما لا لعقرهما؛ ولهذا قال: ﴿أبشرتموني علي أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾ مع أنه قد كان ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشوة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.

стр. 4134

﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع [¬١]- أن امرأته عاقر لا تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع [¬٢] أنه قد كبر وعتا، أي: عَسَا عظمه ونحُل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع. والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًّا وعتوًّا، وعسي يعسو عسوًّا وعسيًّا. وقال مجاهد (٢٠): ﴿عتيًّا﴾ بمعني نحول العظم. وقال ابن عباس (٢١) وغيره: ﴿عتيًّا﴾ يعني الكبر. والظاهر أنَّه اخصّ من الكبر. وقال ابن جرير (٢٢): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، في عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله، ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًّا﴾ أو عسيًّا. ورواه الإمام أحمد (٢٣) عن سريج [¬٣] بن النعمان. وأبو داود عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به. ﴿قال﴾ أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كذلك قال ربك هو عليّ

стр. 4135

هين﴾ أي: إيجاد الولد منك و [¬١] من زوجتك هذه لا من غيرها ﴿هين﴾ أي: يسير سهل علي الله. ثم ذكر له ما هو أعجب [] [¬٢] مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾ ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا علي وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ﴿قال آيتك﴾ أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾، أي: إن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوى من غير مرض ولا علة. قال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ووهب، والسدي، وقتادة (٢٤)، وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢٥): كان يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة. وقال العوفي عن ابن عباس (٢٦): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ أي: متتابعات. والقول الأول عنه، وعن الجمهور أصحّ، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ [¬٣]

стр. 4136

بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وقال مالك عن زيد بن أسلم (٢٧): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ من غير خرس. وهذا دليل علي أنه لم يكن [¬١]، يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إلا رَمزًا﴾ أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: موافقة له [] [¬٢] فيما أمر به [¬٣] في هذه الأيام الثلاثة، زيادة علي أعماله و [¬٤] شكرًا لله علي ما أولاه. قال مجاهد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار. وبه قال وهب (٢٨)، وقتادة (٢٩). وقال مجاهد (٣٠) في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: كتب لهم في الأرض. وكذا قال السدي (٣١). ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَ كَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ وهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقدمه: أنه وجد هذا الغلام [¬٥]، المبشر به، وهو: يحيي ﵇، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الله أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به [¬٦] عليه وعلي والديه، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾،

стр. 4137

أي [¬١]-: تعلم الكتاب ﴿بقوة﴾، أي: بجد، وحرص، واجتهاد ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الفهم والعلم، والجد والعؤم، والإِقبال علي الخير، والإِكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك: قال معمر (٣٢): قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقنا [¬٢]. قال فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (٣٣): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك (٣٤). وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة (٣٥): رحم بها زكريا. و [¬٣] قال مجاهد (٣٦): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: وتعطفًا من ربه عليه. وقال عكرمة (٣٧): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد (٣٨): أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح (٣٩) ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾] [¬٤] قال: تعظيمًا من لدنا. وقال ابن جريج (٤٠) [¬٥]: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله، لا [¬٦] أدري ما ﴿حَنَانًا﴾.

стр. 4138

وقال ابن جرير (٤١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، سألت سعيد بن جبير، عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يُحر (*) [¬١]- فيها شيئًا، والظاهر من هذا السياق أن: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف علي قوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي [¬٢]: وآتيناه الحكم وحنانًا، وزكاة، أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة. فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة علي ولدها، وحنت المرأة علي زوجها، ومنه سميت المرأة حَنّة من الحَنَّة، وحنَّ الرجلُ إلي وطنِه، ومنه التعطُّف والرحمة. كما قال الشاعر: تَحَنّنْ [¬٣] عَلَيّ هَدَاكَ الملَيكُ … فإن لكُلّ مقام مقالا وفي المسند للإِمام أحمد (٤٢) عن أنس ﵁ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "يبقي رجل في النار ينادي ألف سنة: ياحنان يامنان". وقد يثني، ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها. كما قال طرفة. أبا منذرٍ أَفْنَيتَ فَاسْتَبْق بَعْضَنَا … حَنَانَيكَ [¬٤] بَعْض الشَّرِّ أَهْوَنُ من بَعض وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب. وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح. وقال الضحاك، وابن جريج: العمل الصالح الزكي.

стр. 4139

وقال العوفي عن ابن عباس (٤٣): ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾: طهر فلم يعمل بذنب. وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولًا وفعلًا [أمرًا] [¬١]، ونهيًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له علي ذلك: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيري نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيري قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيري نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. رواه ابن جرير (٤٤) عن أحمد بن منصور المروزي [¬٢] عن صدقة بن الفضل عنه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (٤٥) في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي، ﷺ : "مما من أحد يلقي الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا". قال قتادة (٤٦) [عن الحسن قال: قال النبي، ﷺ : "] (*) ما أذنب ولا هَمَّ بامرأة [¬٣]. مرسل. وقال محمد بن إسحاق (٤٧): عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله، ﷺ ، [] [¬٤] قال: "كل بني آدم يأتي

стр. 4140

يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا". ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد (٤٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هَمَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة [¬١]، عن قتادة: أن الحسن [¬٢] (٤٩) قال: إن يحيي وعيسي ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني. فقال له الآخر: استغفر لي فأنت خير مني. فقال له عيسى: أنت خير مني؛ سلمت علي نفسي وسلم الله عليك. فعُرِفَ والله فضلهما [¬٣]. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾

стр. 4141

لما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇ وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉ منها من غير أب، فإن بين القصتين [¬١]- مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين [¬٢]؛ لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده علي قدرته وعظمة سلطانه، وأنه علي ما يشاء قادر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وهي: مريم بنت عمران، من سلالة داود ﵇ وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في سورة [¬٣] آل عمران، وأنها نذرتها [¬٤] محررة، أي: تخدم مسجد [¬٥] بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك [¬٦] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدي العابدات الناسكات، المشهورات بالعبادة العظيمة، والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا، نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأي لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره؛ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ فذكر أنه كان يجد عندها ثمر [¬٧] الشتاء في الصيف، وثمر [¬٨] الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه [¬٩] في سورة [¬١٠] آل عمران، فلمّا أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة- أن ورجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلي شرق [¬١١] المسجد المقدس. قال السدي: لحيض أصابها. وقيل: لغير ذلك، قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس (٥٠) قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلي البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي (٥١) حاتم، وابن

стр. 4142

جرير (٥٢). وقال ابن جرير (٥٣) أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة. وقال قتادة (٥٤): ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ شاسعًا متنحيًا. وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها [تستقي من] [¬١] الماء. وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلًا تتعبد فيه، فالله أعلم. وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ أي: علي صورة إنسان تام كامل. قال مجاهد، والضحاك، وقتادة (٥٥)، وابن جريج (٥٦)، ووهب بن منبه (٥٧)، والسدي (٥٨) في قوله [¬٢]: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ في: جبريل ﵇. وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَي قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب (٥٩) قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم-

стр. 4143

﵇ وهو الذي تمثل لها بشرًا سويًّا. أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحَلَّ في [¬١]، فيها. وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي. ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي [¬٢] في مكان منفرد، وبينها ولن قومها حجاب خافته، وظنت أنه يريدها علي نفسها، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: إن كنت تخاف الله، تذكيرًا له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولًا بالله . قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل (٦٠) - وذكر قصة مريم- فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾. أي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلًا ما حصل عندها من الخوف علي نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني الله إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقًا، وعاد إلي هيته، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾. [هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء (*). وقرأ الآخرون (* * *): ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾] [¬٣] وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى. ﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي [¬٤]: فتعجبت مريم من هذا، وقالت: كيف يكون لي غلام، أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت [¬٥]: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ والبَغِي: هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهى [¬٦] عن مهر البغي ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه علي ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً

стр. 4144

لِلنَّاسِ﴾ أي: دلالة وعلامة للناس علي قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع [¬١] في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذربة من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية، الدالة على كمال قدرته وعطم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: ونجعل هذا الغلام -رحمة من الله- نبيًّا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: يدعوا إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحَيم-[¬٢] حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد (٦١) قال: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى، وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر. وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن هذا من [تمام] [¬٣] كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد [¬٤]، ﷺ ، وأنه كني بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقال: ﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. قال محمد بن إسحاق (٦٢): ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد. واختار هذا [] [¬٥] ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾

стр. 4145

يقول تعالى مخبرًا عن مريم: إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك، نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت [به] [¬١] ضاقت ذرعًا، [به] [¬٢] ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها [¬٣]، وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا ﵇، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلي ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت أشعرت يا مريم أني حبلي؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضًا أني حبلى. وذكرت لها شأنها، وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم، تجد الذي في جوفها [¬٤] يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه [¬٥] وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد [¬٦] لآدم ﵇ ولكن حرم في ملتنا هذه؛ تكميلًا لتعظيم جلال الرب ﵎. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ علي الحارث بن مسكين وأنا أسمع [] [¬٧] أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن [¬٨] زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعًا معًا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇ فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، و [¬٩] قال عكرمة: ثمانية أشهر قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة [بن عثمان] [¬١٠]، بن عبد الله الثقفي، سمع ابن

стр. 4146

عباس، وسئل عن حَبَل [¬١] مريم؟ قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت [¬٢]. وهذا غريب، وكأنه [¬٣] [أخذه] [¬٤] من ظاهر قوله تعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله [¬٥] تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين (٦٣) أن بين كل صفتين أربعين يومًا، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمشهور الظاهر -والله علي كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل، عليها [¬٦] وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها، يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها، ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه علي أن عَرضَ لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -وفَهِمَتْ ما أشار إليه- أما [¬٧] قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر: فإن الله قد [¬٨] خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر، و [هل خلقٌ يكون] [¬٩] من غير أب: فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها وسلم لها حالها.

стр. 4147

ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم (مكانًا قصيًّا)، أي: قاصيًا منهم بعيدًا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها. قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قلتها ووجعت، استمسك عنها الدم، وأصابها ما يصيب الحامل على الولد؛ من الوصب (*) والتوحم [¬١] وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها [¬٢] في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلي جذع النخلة] [¬٣] [وهي] [¬٤] نخلة في المكان الذي تنَحَّتْ إليه. وقد اختلفوا فيه، فقال السدي [¬٥] (٦٤): كان شرقيَّ محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه (٦٥): ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام، وبلاد مصر ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب (٦٦) كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها "بيت لحم". قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء، من رواية النسائي عن أنس (٦٧) - رضي الله

стр. 4148

عنه- والبيهقي عن شداد بن أوس (٦٨) ﵁ أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم. وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى: أنه ببيت لحم، وقد [¬١] تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح. وقوله تعالى إخبارًا عنها: ﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ - فيه دليل علي جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلي وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه علي السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنون- عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا الحال ﷺ أي: لم أخلق ولم أك شيئًا. قاله ابن عباس (٦٩). وقال السدي (٧٠): قالت وهي تطلق من الحبَل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب، الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل. ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ نُسي فترك طلبه، كخرق الحيض التي [¬٢] إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر [¬٣]. وكذلك [¬٤] كل شيء نسى وترك فهو نَسْيٌ. وقال قتادة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: شيئًا لا يعرف [¬٥] ولا يذكر ولا يدرى من أنا. وقال الربيع بن أنس (٧١): ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: وهو السقط. وقال ابن زيد (٧٢): لم أكن شيئًا قط. وقد قدمنا الأحاديث الدالة علي النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله:

стр. 4149

﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ قرأ بعضهم (*): (مَن تَحتَها) بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس (٧٣): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وكذا قال سعيد بن جبير (٧٤) والضحاك (٧٥)، وعمرو بن ميمون (٧٦) والسدي (٧٧) وقتادة (٧٨): إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد (٧٩): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ابن مريم. وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (٨٠) قال: قال الحسن (٨١): هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن

стр. 4150

جبير (٨٢) أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾؟ واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره. وقوله: ﴿أَن لا تَحْزَنِي﴾ أي: ناداها قائلًا: لا تحزني. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (٨٣): ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾] [¬١] قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٨٤): السريُّ: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون (٨٥): نهر تشرب منه. وقال مجاهد (٨٦): هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير (٨٧): السري: النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك (٨٨): هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي (٨٩): هو النهر الصغير. وقال قتادة (٩٠): هو الجدول بلغة أهل الحجاز. وقال [وهب بن منبه] [¬٢] (٩١): السري هو ربيع الماء.

стр. 4151

وقال السدي (٩٢): هو النهر. واختار هذا القول ابن جرير، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع؛ فقال الطبراني (٩٣): حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي [¬١]، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، [يقول] [¬٢]: [سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ ] [¬٣] يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب [¬٤] منه". وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، وأيوب بن نهيك هذا هو الحلبي [¬٥]، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇ ربه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة (٩٤)، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٩٥)، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة. قاله ابن عباس (٩٦). وقيل: مثمرة. قال مجاهد (٩٧): كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود [¬٦] نفيع الأعمى: كانت صرفانة (*) [¬٧]. والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم [تكن في إبان] [¬٨] ثمرها، قاله وهب

стр. 4152

ابن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك، أن [¬١] جعل عندها طعامًا وشرابًا فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾ أي: طيبي نفسًا، ولهذا قال عمرو [¬٢] بن ميمون (٩٨): ما من شيء خير للنفساء [¬٣] من التمر والرطب. و [¬٤] تلا هذه الآية الكريمة. و [¬٥] قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب (٩٩) قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها". وقال رسول الله ﷺ : "أطعموا نساءكم الولّدَ: الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر [¬٦] شجرة أكرم علي الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران". هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى (١٠٠) عن شيبان، به. وقرأ بعضهم (*) [قوله] [¬٧]: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها (**)، وقرأ أبو نهيك: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: ﴿يسّاقط [¬٨]﴾ أي: الجذع. والكل متقارب.

стр. 4153

وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لأن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. قال أنس بن مالك (١٠١) في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي [¬١]: صمتًا. وكذا قال ابن عباس (١٠٢) والضحاك (١٠٣)، وفي رواية عن أنس (١٠٤): صومًا وصمتًا، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد: أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد (١٠٥). قال [أبو إسحاق] [¬٢]، عن حارثة [¬٣] قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وَسلِّم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج -يعني لذلك: مريم ﵍ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم (١٠٦) وابن جرير (١٠٧) رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد (١٠٨): لما قال عيسى لمريم: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب (١٠٩).

стр. 4154

﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألّا تكلم أحدًا من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ، واستسلمت لقضائه، وأخذت [¬١] ولدها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ فلما رأوها كذلك أعظموا [¬٢] أمرها، واستنكروه جدًّا، و ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرًا عظيمًا. قاله مجاهد (١١٠) وقتادة (١١١) والسدي (١١٢) وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم (١١٣): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن [] [¬٣] سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها. وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئًا، فرأوا [¬٤] راعي بقر، فقالوا: أرأيت فتاة كذا وكذا نعتها [¬٥]. قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري

стр. 4155

ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة [¬١]، سُجَّدًا [¬٢] نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها وقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: [يا] [¬٣] شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟. قال علي بن أبي طلحة والسدي (١١٤): قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من قبيلته [¬٤]، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تتأسى [¬٥]، به في الزهادة والعبادة. وحكى ابن جرير (١١٥) عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجرٍ كان فيهم، يقال له هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (١١٦) وأغرب من هذا كله؛ ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسمنْجَاني [¬٦]، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل [¬٧] بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله : ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد، صلوات الله وسلامه عليهما [¬٨]، ولهذا ثبت في [الصحيح عند] [¬٩] البخاري عن أبي هريرة (١١٧) ﵁ عن

стр. 4156

رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "أنا" [¬١] أولى الناس بابن مريم [] [¬٢] إلا [¬٣] أنه ليس بيني وبينه نبي". ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فذكر [¬٤] القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ … ﴾ الآية. والذي جَرَّأ [¬٥] القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين [¬٦]-تضرب بالدفّ هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي [¬٧] هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما [¬٨] قال الإمام أحمد (١١٨): حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكر [¬٩]، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله، ﷺ ، إلى نجران، فقالوا: أرأيت [¬١٠] ما تقرءون [¬١١] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ ، فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم". انفرد بإخراجه مسلم (١١٩) والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك به. وقال الترمذي: حسن صحيح

стр. 4157

غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس. وقال ابن جرير (١٢٠): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي، ﷺ ، قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي هذا التاريخ نظر. وقال ابن جرير (١٢١) أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح] [¬١] ويتوالدون به، [وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به] [¬٢]، وكان هارون مصلحًا محببًا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذكر لنا أنه [¬٣] شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمى [¬٤] هارون من بني إسرائيل. وقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: إنهم لما استرابوا في أمرها، واستنكروا [¬٥] قضيتها، وقالوا لها ما قالوا، معرضين بقذفها، ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾. [قال ميمون بن مهران (١٢٢): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ قالت: كلِّموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيًّا!] [¬٦] وقال السدي (١٢٣): لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.

стр. 4158

﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: مَنْ هو موجود في مهده، في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى، وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. وقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ تبوئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي (١٢٤): لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول] [¬١]: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية. وقال عكرمة (١٢٥): ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: قضى أن [¬٢] يؤتنى الكتاب فيما مضى [¬٣]. وقال ابن أبي حاتم (١٢٦): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد-[هو العطار] [¬٤]- عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإِنجيل وأحكمه [¬٥] وهو [¬٦] في بطن أمه، فذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾. يحيى بن سعيد العطار الحمصي، متروك. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ قال مجاهد (١٢٧)، وعمرو [¬٧] بن قيس،

стр. 4159

والثوري (١٢٨): وجعلني معلمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد (١٢٩): نفاعًا. وقال ابن جرير (١٣٠): حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس [¬١] المخزومي، سمعت وهيب بن الوَرْد مولى بني مخزوم قال [¬٢]: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله! ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به [¬٣] أنبياء إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته [¬٤]؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ كقوله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال: أخبره ما [¬٥] هو كائن من أمره إلى أن يموت. ما أبيَّنها لأهل القدر!. وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: و [¬٦] أمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه، لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته، وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال [¬٧] سفيان الثوري (١٣١): الجبار الشقي: [] [¬٨] الذي يقبل على الغضب [¬٩]. وقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا

стр. 4160

بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾، قال: ولا تجد سيئ [¬١] الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، [ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [¬٢]. وقال قتادة (١٣٢): ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك [¬٣]، [وطوبى للثدي] [¬٤] الذي أرضعت به. فقال نبي الله عيسى ﵇ مجيبها [¬٥]: طوبى لمن تلا كتاب [¬٦] الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا. وقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ إثبات منه لعبوديته لله ، وأنه مخلوق من خلق الله، يحيى ويموت، ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي [¬٧] هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه. ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ يقول تعالى لرسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى ﵇ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به: ولهذا قرأ الأكثرون (*) ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾. وعن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾. والرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾

стр. 4161

ولما ذكر تعالى أنه خلفه عبدًا نبيًّا، نزّه نفسه المقدسة وقال [¬١]: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون [¬٢] المعتدون علوا كبيرًا ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو [¬٣] في مهده [¬٤]، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى. وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ أي: اختلفت [¬٥] أقوال أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة [] [¬٦]-وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله! - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو [¬٧] قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي [نحو هذا] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة (١٣٣)، وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق (١٣٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم [¬٨] عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبيّة- فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: هو ابن الله -وهم النسطورية- فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة؛ الله إله،

стр. 4162

وهو إله، وأمه إله [¬١]-وهم الإِسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله! - قال الرابع: كذبت، بل [¬٢] هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته -وهم المسلمون- فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال قتادة (١٣٥): وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا. وقد روى ابن أبي حاتم (١٣٦) عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبًا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم؛ أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ﵇ اختلافًا متباينًا، فقالت كل شرذمة فيه قولًا، فمائة تقول فيه قولًا، وسبعون تقول فيه قولًا آخر، وخمسون تقول فيه شيئًا آخر، ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه، ومال إليهم [¬٣] الملك، وكان فيلسوفًا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى حينئذ لهم [¬٤] الكنائس الكبار في مملكته كلها؛ بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشر ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قُمَامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء. وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدًا، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ [فإنه الذي] [¬٥] لا يعجل على من عصاه، بل كما جاء في الصحيحين (١٣٧): " [إن الله] [¬٦] ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ

стр. 4163

شَدِيدٌ﴾. وفي الصحيحين (١٣٨) أيضًا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم". وقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة. وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته (١٣٩)، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد ألا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله [¬١] وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل". ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار [يوم القيامة] [¬٢]: إنهم يكونون [¬٣] أسمَع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله، ولهذا

стр. 4164

قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وأبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطعين حيث لا ينفعهم ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فصل بين أهل الجنَّة وأهل النار، ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه ﴿وَهُمْ﴾ أي: اليوم ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عما أنذروا به [يوم الحسرة والندامة] [¬١] ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون له. قال الإِمام أحمد (١٤٠): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ : "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنَّة والنار، فيقال يا أهل الجنَّة، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون [¬٢] ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون [¬٣] ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر [¬٤] به فيذبح، يل: يهقال: يا أهل الجنَّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت". قال: ثم قرأ رسول الله، ﷺ : ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأشار بيده. قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا". هكذا رواه الإِمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن [¬٥] بن عرفة، حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (١٤١) مرفوعًا مثله، وفي

стр. 4165

سنن ابن ماجة وغيره، من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١٤٢) بنحوه. وهو في الصحيحين (١٤٣) عن ابن عمر. ورواه ابن جريج قال: قال ابن عبَّاس (١٤٤): فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضًا عن أبيه أنَّه سمع عبيد بن عمير (١٤٥) يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح ليالناس ينظرون. وقال سفيان الثَّوري عن سلمة بن كهيل، حدَّثنا أَبو الزعراء [¬١]، عن عبد الله -هو ابن مسعود (١٤٦) - في قصة ذكرها. قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو هم الحسرة، [فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنَّة. فتأخذهم الحسرة] [¬٢]. قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم. وقال السدي عن زياد، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتَّى يوقف بين الجنَّة والنار، ثم ينادي مناد يا أهل الجنَّة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين، ولا في أسفل درجة من الجنَّة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار، ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنَّة والنار، ثم ينادى [] [¬٣]: يا أهل الجنَّة هو الخلود أبد الآبدين، [ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين] [¬٤]. فيفرح أهل الجنَّة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح لماتوا [¬٥]، ويشهق

стр. 4166

أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة لماتوا [¬١]. فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول: إذا ذبح الموت رواه ابن أَبي حاتم (١٤٧) في تفسيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٤٨) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٤٩) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى أنَّه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا، ولا جناح بعوضة، ولا مثقال ذرة. قال ابن أبي حاتم (١٥٠): ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدَّثنا حزم بن أبي حزم القطعي [¬٢]، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين [¬٣] خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتله على

стр. 4167

قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن - الذين هم من ذريته، ويدعون أنَّهم على ملته، وقد [¬١] كان صديقًا نبيًّا - مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ يقول: وإن [¬٢] كنت من صلبك، وتراني [¬٣] أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه، ولا جائك بعد ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطوب، والنجاة من المرهوب. ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ أي: لا تطعه [¬٤] في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا مَرِيدًا﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا [¬٥] عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تَصِر مثله. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾: يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلَّا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإِحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] [¬٦] فيما دعاه إليه أنَّه قال:

стр. 4168

﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ يعني: [ن كنت لا] [¬١] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عبَّاس، والسدي، وابن جريج، والضحاك (١٥١) وغيرهم وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١٥٢)، وعكرمة، وسعيد بن جبير (١٥٣)، ومحمد بن إسحاق (١٥٤): يعني دهرًا [¬٢]. وقال الحسن البصري (١٥٥): زمانا طويلًا، وقال السدي (١٥٦): ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدًا. وقال عليّ بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عبَّاس (١٥٧) ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك [¬٣] مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقَتَادة، وعطية الجدلي (١٥٨)، وأَبو [¬٤] مالك، وغيرهم واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين [] [¬٥]: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني: اما أنا فلا ينالك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأَبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك [¬٦] أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال [¬٧] ابن عبَّاس (١٥٩) وغيره (١٦٠): لطفًا. أي: في أن هداني لعبادته والإِخلاص له.

стр. 4169

وقال قَتَادة ومجاهد (١٦١) وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: عوَّده [¬١] الإجابة. وقال السدي (الحفي) الذي يهتم بأمره. وقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم [¬٢] وأهلهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية. يعني: إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] [¬٣] ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ . ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ يقول تعالى: [فلما اعتزل] [¬٤] الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، وَهْب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ولا [¬٥] خلاف أن إسحاق والد

стр. 4170

يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي [¬١] جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب قد [¬٢] نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر [¬٣] ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته (١٦٢)، حين سئل عن خير الناس، فقال: "يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله" وفي [¬٤] اللفظ الآخر: "إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" (١٦٣) وقوله: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (١٦٤): يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي ومالك بن أَنس. وقال ابن جرير (١٦٥): إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾
следующие страницы →