← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهام سمّ [¬١] إلى القلب. ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾. وتارة يكون بحفظه من النظر إليه؛ كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن (٨٦) " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك". ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته، ويروى: في قلبه. وقد [¬٢] قال الإِمام أحمد (٨٧): حَدَّثَنَا عتاب، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [أول مرة] [¬٣] ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها". وروي هذا مرفوعًا عن ابن عمر وحذيفة (٨٨) وعائشة ﵃ ولكن في إسنادها ضعف؛ إلا أنها في الترغيب ومثله يتسامح فيه.

стр. 4587

وفي الطبراني (٨٩) من طريق عبيد الله بن زحر [¬١] عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: "لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم". وقال الطبراني (٩٠): حَدَّثَنَا أحمد بن زهير التستري، قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير، حَدَّثَنَا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [¬٢] كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وفي الصحيح (٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه". و [¬٣] رواه البخاري تعليقًا ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم [¬٤]. وقد قال كثير من السلف: أنهم كانوا ينهون أن يُحِدَّ الرجل نظره [¬٥] إلى الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًّا. وقال ابن أبي الدنيا (٩٢): حَدَّثَنَا أَبو سعيد المدني، حَدَّثَنَا عمرو [¬٦] بن سهل المازني،

стр. 4588

حدثني عمر بن محمد بي صهبان [¬١]، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل عين باكية [¬٢] يوم القيامة إلَّا عينًا غضت عن محارم الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ". ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة [¬٣] ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة، كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخيل [¬٤]، وتبدو صدررهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية. فقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما [¬٥] حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن؛ ولهذا ذهب [كثير من العلماء إلى] [¬٦] أنَّه لا يجوز للمرأة أن

стр. 4589

تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا. واحتج كثير منهم بما رواه أَبو داود والتِّرمِذي (٩٣) من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدثته أنَّها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه - وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب - فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه". فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن صحيح. وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح (٩٤) أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتَّى ملت ورجعت. وقوله [¬١]: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال [¬٢] سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قَتَادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا. وقال أَبو العالية: كل آية أنزلت [¬٣] في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أن لا يراها أحد. قال: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: و [¬٤] لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال [¬٥] ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] [¬٦] بقول [¬٧] ابن مسعود الحسن من ابن سيرين وأَبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبي [¬٨] الشعثاء والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أَبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص

стр. 4590

عن عبد الله قال [¬١] في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة القرط والدملوج والخلخال [¬٢] والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان؛ فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب] [¬٣] وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: [لا يبدين] [¬٤] لهؤلاء الذي سمى الله ممن لا تحل [¬٥] له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم. وقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عبَّاس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أَبو داود في سننه (٩٥): حَدَّثَنَا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني [¬٦] قالا: حَدَّثَنَا الوليد عن سعيد بن بشير عن قَتَادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: "يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا". وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أَبو داود وأَبو حاتم الرازي: هذا [¬٧] مرسل. خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني المقانع يعمل لها ضيقات ضاربات على [صدور النساء] [¬٨] لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار، وهو ما يخمر [¬٩]، أي: يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع.

стр. 4591

قال سعيد بن جبير: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء. وقال البخاري (٩٦): وقال [¬١] أحمد بن شبيب: حَدَّثَنَا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول! لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها [¬٢]. وقال أيضًا (٩٧): حَدَّثَنَا أَبو نعيم، حَدَّثَنَا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أن عائشة ﵂[كانت تقول] [¬٣]: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجي بن خالد، حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان بن خثيم [¬٤]، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب [¬٥] الله ولا إيمانًا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله [¬٦] إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلَّا قامت إلى مرطها المرحل [¬٧] فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان. ورواه أَبو داود (٩٨) من غير وجه عن صفية بنت شيبة به. وقال ابن جرير (٩٩): حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابن وَهْب: أن قرة [¬٨] بن عبد الرحمن، أخبره

стр. 4592

عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنَّها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول! لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكتف مروطهن يختمرن به [¬١]. ورواه أَبو داود من حديث ابن وَهْب به. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يعني [¬٢]: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم [¬٣] بزينتها ولكن من غير [اقتصاد وتبهرج] [¬٤]. وقال [¬٥] ابن المنذر: حَدَّثَنَا موسى -يعني: ابن هارون- حَدَّثَنَا أَبو بكر -يعني ابن أبي شيبة- حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتَّى فرغ منها قال: لم يذكر العم ولا الخال لأنهما يتبعان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره. وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني تظهر زينتها [¬٦] أيضًا للنساء المسلمات دون نساء [¬٧] أهل [¬٨] الذمة لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذورًا في جميع النساء، إلَّا أنَّه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن [لا يمنعهن] [¬٩] من ذلك مانع، وأما [¬١٠] المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنها] [¬١١]، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنَّه ينظر إليها". أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود (١٠٠). وقال سعيد بن منصور في سننه (١٠١): حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغار، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات

стр. 4593

مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلَّا أهل ملتها. وقال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة [¬١]. وروى عبد في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبَّاس ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: هنّ المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر والقُرط والوشاح وما لا [¬٢] يحل أن يراه إلَّا محرم. وروى سعيد: حَدَّثَنَا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست [¬٣] من نسائهنّ. وعن مكحول وعبادة بن نسي، أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة. فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا أَبو عمير، حَدَّثَنَا ضمرة قال: قال ابن عطاء عن أبيه [¬٤] قال: لما [¬٥] قدم أصحاب رسول الله ﷺ بيت المقدس كان قوابل نسائهم [¬٦] اليهوديات والنصرانيات، فهذا إن صح محمول [¬٧] على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة [¬٨] ولابد، والله أعلم. وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جريج [¬٩]: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [زينتها لها، وإن كانت مشركة لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون: بل يجوز لها أن تظهر] [¬١٠]، على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بالحديث الذي رواه أَبو داود (١٠٢): حَدَّثَنَا محمد بن عيسى، حَدَّثَنَا أَبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أَنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى فاطمة

стр. 4594

بعبد قد وهبه لها قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس، إنما هو أَبوك وغلامك". وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (١٠٣) في تاريخه في [¬١] ترجمة [خديج الحصى] [¬٢] مولى معاوية أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين، وكان من [¬٣] أشد الناس على علي [¬٤] بن أبي طالب ﵁. وقال الإِمام أحمد (١٠٤): حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن الزُّهْريّ، عن نبهان، عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه". ورواه أَبو داود عن مسدد عن سفيان به [¬٥]. وقوله: ﴿أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا [¬٦] بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَلَهٌ وخَوَثٌ، ولا همّ لهم إلى النساء ولا يشتهونهنّ. قال ابن عبَّاس: هو المغفل الذي لا شهوة له. وقال مجاهد: هو الأبله. وقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم زُبُّه [¬٧]. وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي الصحيح (١٠٥) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة أن مخنثًا [¬٨] كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي ﷺ : وهو ينعت امرأة يقول [¬٩]: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ : "ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلنّ

стр. 4595

عليكم". فأخرجه فكان بالبيداء يدخل [كل يوم] [¬١] جمعة يستطعم. وقال الإِمام أحمد (١٠٦): حَدَّثَنَا أَبو معاوية: حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، في زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة [أنَّها قالت] [¬٢]: دخل [علينا رسول الله ﷺ ] [¬٣] وعندها مخنث (*) وعندها عبد الله بن أبي أمية [يعني أخاها والمخنث يقول: يا عبد الله بن أبي أمية] [¬٤]؛ إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان (**). قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة: "لا يدخلن هذا عليك". أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة به. وقال الإِمام أحمد (١٠٧): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي ﷺ

стр. 4596

يومًا [¬١]، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ : "ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكم هذا". فحجبوه. ورواه مسلم وأَبو داود والنَّسائي من طريق عبد الرزاق به. وقوله: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال [¬٢] النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية، وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله في النساء، فأما إن كان مراهقًا أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إياكم والدخول على النساء". قالوا [¬٣] يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت". وقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطَّرِيق وفي رجلها خلخال صامت لا يسمع صوته، ضربت برجلها الأرض فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحرّكت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ومن ذلك أيضًا [¬٤] أنَّها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها، فقد قال أَبو عيسى التِّرمِذي (١٠٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد القطان، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا". يعني: زانية، قال: وفي الباب في أبي هريرة وهذا حسن صحمح، ورواه أَبو داود والنَّسائي من حديث ثابت بن عمارة به (١٠٩). وقال أَبو داود (١١٠): حَدَّثَنَا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله،

стр. 4597

عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله [¬١] تطيبت؟ قالت نعم. قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة امرأة [¬٢] تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به. وروى الترمذي أيضًا (١١١) في حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه، وسلم قال: "الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها". ومن ذلك أيضا أنهنّ ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج. قال أبو داود (١١٢): حَدَّثَنَا القعنبي: حَدَّثَنَا عبد العزيز -يعني ابن محمَّد- عن أبي اليمان، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ [] [¬٣] وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء: "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكنّ بحافات الطريق". فكانت المرأة تلتصق [¬٤] بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا ما آمركم به، من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى

стр. 4598

يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾ اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ : "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". أخرجاه [في الصحيحين] [¬١] من حديث ابن مسعود (١١٣)، وقد [¬٢] جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: "تزوجوا توالدوا تناسلوا فإني مباهٍ [¬٣] بكم الأمم يوم القيامة" (١١٤). وفي رواية: "حتى بالسقط". والأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما. حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال رجل أيم وأمرأة أيم أيضًا. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغني فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد الأزرق، حَدَّثَنَا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد -يعني ابن عبد العزيز- قال: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز ما وعدكم من الغنى، قال: ﴿إِنْ

стр. 4599

يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [وعن ابن مسعود: والتمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾] [¬١]. رواه ابن جرير، وذكر البغوي [عن عمر نحوه] [¬٢]. وعن الليث، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة [¬٣] حق [¬٤] على الله عونهم [¬٥]: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله". رواه الإمام أحمد والترمذي، والنسائي وابن ماجة (١١٥). وقد زوج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه [¬٦] إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد (١١٦)، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن. والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: "تزوجوا فقراء يغنكم [¬٧] الله" فلا أصل له، ولم أره [¬٨] بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا [هذه الأحاديث التي أوردناها] [¬٩]، ولله الحمد والمنة [¬١٠]. وقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى لمن [¬١١] لا يجد تزويجًا بالتعفف [¬١٢] عن الحرام، كما قال ﵊: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

стр. 4600

وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: صبركم عن تزوّج [¬١] الإماء خير لكم [¬٢] لأن الولد يجيء رقيقًا ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عكرمة في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض [¬٣] حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض [¬٤] حتى يغنيه الله. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب [¬٥] لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. قال الثوري، عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. وقال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ كاتبه وإن لم يشأ لم يكاتبه. وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري. وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذًا بظاهر [هذا] [¬٦] الأمر. و [¬٧] قال البخاري (١١٨): وقال روح، عن ابن جريج قلت لعطاء: [أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء] [¬٨]: أتأثره [¬٩] عن أحد؟ قال: لا. ثم أخبرني أنّ موسى به. أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر ﵁ فقال كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر [بن الخطاب] [¬١٠]﵁ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ

стр. 4601

خَيرًا﴾ فكاتبه. هكذا ذكره البخاري تعليقًا. ورواه عبد الرزاق (١١٩): أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا. [وقالها عمرو] [¬١] [بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا] [¬٢]. وقال ابن جرير [¬٣] (١٢٠): حَدَّثَنَا محمَّد بن بشار، حَدَّثَنَا محمَّد بن بكر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه. إسناد صحيح. وقال [¬٤] سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي ﵀ وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵊: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" (١٢١). وقال ابن وهب، قال مالك: الأمر عندنا أنه [¬٥] ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأئمة أكره أحدًا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله وإذن منه للناس وليس بواجب. وكذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية. وقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ قال بعضهم: أمانة وقال بعضهم: صدقا، [وقال بعضهم: مالًا] [¬٦]. وقال بعضهم: حيلة وكسبًا. وروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ قال: "إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلابًا [¬٧] على الناس".

стр. 4602

وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اختلف المفسرون فيه فقال قائلون: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ثم قال بعضهم: مقدار الربع، وقيل: الثلث، وقيل: النصف، وقيل: جزءًا [¬١] من الكتابة من غير حد، وقال آخرون: بل المراد من قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه، ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير. وقال إبراهيم النخعي في قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: حث الناس على [¬٢] مولاه وغيره، وكذا [¬٣] قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة. وقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب، وقد تقدم في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "ثلاثة حق على الله عونهم" فذكر منهم "المكاتب يريد الأداء" والقول الأوّل أشهر. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وكيع، عن ابن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر أنه كاتب [عبدًا له] [¬٤] يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حلّ فقال: يا أبا أمية، اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال [¬٥]: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان [¬٦] أوّل نجم أدّى في الإسلام. وقال ابن جرير (١٢٢): حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبَه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع [¬٧] إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: يعني [¬٨] ضعوا [] [¬٩] عنهم مكاتبتهم. وكذلك [¬١٠] قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة

стр. 4603

وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي. وقال محمَّد بن سيرين في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته. وقال ابن أبي حاتم (١٢٣): أخبرنا الفضل بن شاذان المقري، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن ووسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ربع الكتابة" وهذا حديث غريب ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على عليّ ﵁ كما رواه عنه [¬١] أبو عبد الرحمن السلمي ﵀ (١٢٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإِسلام نهى الله المسلمين [¬٢] عن ذلك. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين من السلف والخلف- في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول؛ فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم. (ذكر الآثار الواردة في ذلك) قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (١٢٥) ﵀ في مسنده: حَدَّثَنَا أحمد بن داود الواسطي، حَدَّثَنَا أبو عمرو اللخمي -يعني محمَّد بن الحجاج- حَدَّثَنَا محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها: معاذة، يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 4604

وقال الأعمش (١٢٦): عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها: مسيكة، كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه (١٢٧). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا علي بن سعيد، حَدَّثَنَا الأعمش حدثني أبو سفيان عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية يقال لها: مسيكة، وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة. حكاه البزار. و [¬١] قال أبو داود الطيالسي (١٢٨): عن سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبيّ كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادًا من الزنا فقال لها: ما لك لا تزنين؟ قالت: والله لا أزني؛ فضربها؛ فأنزل الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. وقال عبد الرزاق (١٢٩): أخبرنا معمر، عن الزهريّ: أن رجلًا من قريش أسر يوم بدر وكان عند [¬٢] عبد الله بن أبيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية قال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على ذلك، ويضربها رجاء أن تحمل [من القرشي] [¬٣] فيطلب فداء ولده. فقال ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. وقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين،

стр. 4605

وكانت له جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ﵁ فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ ، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبيّ: من يعذرني من محمَّد؟ يغلبنا على مملوكتنا! فأنزل الله فيهم هذا. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما، إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبيّ، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة فأتت مسيكة وأمها النبي [¬١] ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني: الزنا، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: من خراجهن [¬٢] ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله ﷺ ، عن كسب الحجام [ومهر البغي وحلوان الكاهن (١٣٠). وفي رواية: "مهر البغي خبيث وكسب الحجام] [¬٣] خبيث، وثمن الكلب خبيث" (١٣١). وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [أي: لهن. كما تقدم في الحديث عن جابر. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم] [¬٤] وإثمهن على من أكرههن، وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة. وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عوف، عن الحسن في هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: لهن والله، لهن والله.

стр. 4606

وعن الزهريّ قال: غفور لهن ما أكرهن عليه. وعن زيد بن أسلم قال: غفور رحيم للمكرهات. حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن). وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١٣٢). ولما فصل ﵎ هذه الأحكام وبينها قال: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾. يعني: القرآن في آيات واضحات مفسرات ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: خبرًا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم [] [¬١] أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخافه. قال علي بن أبي طالب ﵁ في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في [¬٢] غيره أضله الله. ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: هادي أهل السموات والأرض. قال [¬٣] ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ

стр. 4607

وَالْأَرْضِ﴾: يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما. وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حَدَّثَنَا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك قال: إن الله [¬١] يقول: نوري هداى [¬٢]. واختار هذا القول ابن جرير ﵀، وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال هو المؤمن الذي [] [¬٣] جعل الله [¬٤] الإِيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبيّ بن كعب يقرؤها: (مثل نور من آمن به) فهو المؤمن جعل الإِيمان والقرآن في صدره. وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك: (مثل [¬٥] نور من آمن بالله) وقرأ بعضهم: (الله نور السموات والأرض). وعن الضحاك: (الله نوّر السموات والأرض). وقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبنوره أضاءت السموات والأرض، وفي الحديث الذي رواه محمَّد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف "أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك [¬٦]، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله" (١٣٣). وفي الصحيحين (١٣٤) عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد، أنت قيوم [¬٧] السموات والأرض ومن فيهن [ولك الحمد] [¬٨] أنت نور السموات والأرض ومن فيهن". الحديث. وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه [¬٩] قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور

стр. 4608

العرش من نور وجهه. وقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هذا الضمير قولان؛ (أحدهما) أنه عائد إلى الله أي: مثل هداه في قلب المؤمن قاله [¬١] ابن عباس - كمشكاة. (والثاني) أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام، تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْه﴾ فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه [¬٢] من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف. فقوله [¬٣]: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور؟ ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة [¬٤] التي تضيء. وقال العوفي عن ابن عباس في [¬٥] قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ﷺ : كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله [مثلًا] [¬٦] لنوره فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ والمشكاة كوة في البيت، قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى الله طاعته نورًا، ثم سماها أنواعًا شتى. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الكوة بلغة الحبشة، وزاد غيره فقال: المشكاة الكوة التي لا منفذ لها. وعن مجاهد: المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل. والقول الأول أولى: وهو أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل؛ ولهذا قال ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو النور الذي في الذبالة [¬٧]. قال أبيّ بن كعب: المصباح النور وهو القرآن والإِيمان الذي في صدره. وقال السدي: هو السراج.

стр. 4609

﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية. وقال أبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن. ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ بعضهم بضم الدال [بغير همزم] [¬١] من الدر، أي: كأنها كوكب من درّ. وقرأ آخرون دِرِّيءٌ ودُرِّيءٌ، بكسر الدال وضمها مع الهمز [¬٢] من الدرء وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري. قال أبيّ بن كعب: كوكب مضيء. وقال قتادة: مضي به. مبين ضخم ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي: يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ﴿زَيتُونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: ليست في شرقيّ بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في [غربيها، فيتقلص] [¬٣] عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجيء زلتها صافيًا معتدلًا مشرقًا. وقال [¬٤] ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن عمار، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: هي [¬٥] شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء، و [¬٦] هو أجود لزيتها. وقال يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن حدير، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: هي بصحراء و [¬٧] ذلك أصفى لزيتها. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عمرو بن فروخ، عن حبيب بن الزبير عن عكرمة وسأله [¬٨] رجل عن قوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: تلك زيتونة [¬٩] بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها، وإذا [¬١٠] غربت غربت عليها فذاك [¬١١] أصفى ما يكون من الزيت.

стр. 4610

وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا طلعت [¬١] ولا غربية لا تصيبها الشمس [] [¬٢] إذا غربت [ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت] [¬٣]. وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ﴾ قال: هو أجود الزيت. قال: إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية. وقال السدّي قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله. وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنها في وسط الشجر و [¬٤] ليست بادية للمشرق ولا للمغرب. و [¬٥] قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قول الله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي [¬٦] خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت. قال: فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصله [¬٧] شيء من الفتن وقد ابتلى [¬٨] بها فيثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. قال [¬٩] ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا مسدد قال: حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد [¬١٠] بن جبير في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي وسط الشجر لا تصيبها الشمس شرقًا ولا غربًا. وقال عطية العوفي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة في موضع من الشجر يري ظل ثمرها في ورقها وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب.

стр. 4611

وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن عمار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن الدشتكي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست شرقية ليس فيها غريب، ولا غربية ليس فيها شرق ولكنها شرقية غربية. وقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي القبلية. وقال زيد بن أسلم: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: الشام. وقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله لنوره. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: رجل صالح ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: لا يهودي ولا نصراني. وأولى هذه الأقوال القول الأول وهو: أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح بارز [¬١] ظاهر ضاح للشمس، تقرعه من أول النهار إلى آخره؛ ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف كما قاله [¬٢] غير واحد ممن تقدم؛ ولهذا قال ﴿يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني كضوء إشراق الزيت. وقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك إيمان العبد وعمله. وقال [¬٣] مجاهد والسدي يعني: نور النار ونور الزيت. وقال أبيّ بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال: حدثني عن قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال: يكاد محمَّد ﷺ يبين للناس وإن لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت أن [¬٤] يضيء. وقال السدي في قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُور﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضئ واحد بغير صاحبه [كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه] [¬٥].

стр. 4612

وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرشد [¬١] الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١٣٥): حَدَّثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمَّد الفزاري، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد [¬٢]، عن عبد الله الديلمي [¬٣]، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ فمن أصابه [¬٤] من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأه ضل؛ فلذلك [¬٥] أقول: جف القلم على علم الله ". (طريق أخرى عنه) قال البزار (١٣٦): حَدَّثَنَا أيوب بن [¬٦] سويد، عن يحيى بن أبي عمرو [¬٧] الشيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل". [ورواه البزار، عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه] [¬٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ لما ذكر تعالى هذا مثلًا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإِضلال. قال الإمام أحمد (١٣٧): حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو معاوية -يعني [¬٩] شيبان- عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله

стр. 4613

ﷺ : "القلوب أربعة: قلب أجرد (*) فيه كل السراج يزهر، وقلب أغلف (**) مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح (* * *)، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن [¬١] سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق [¬٢]؛ عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق في كمثل القرحة يمدها الدم والقيح. فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه". إسناد [¬٣] جيد ولم يخرجوه. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾

стр. 4614

لما ضرب الله تعالى مثل [¬١] قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الشافعية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل؛ ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إن الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى برفعها أي: بتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها. وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة [¬٢]، وسفيان بن حسين وغيرهم من علماء المفسرين. وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله ببنائها [ورفعها وأمر بعمارتها] [¬٣] وتطهيرها، وقد ذكر لنا أن كعبًا كان يقول: [إن في التوراة مكتوبًّا] [¬٤]: ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطيبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان. فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" أخرجاه في الصحيحين (١٣٨). وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب (١٣٩) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من بني مسجدًا يذكر فيه اسم الله بني الله له بيتًا في الجنة"

стр. 4615

[وللنسائي (١٤٠) عن عمرو بن عبسة [¬١] مثله، والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا] [¬٢]. وعن عائشة ﵂ قالت: أمر [¬٣] رسول الله ﷺ ، ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي (١٤١)، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه (١٤٢). وقال البخاري (١٤٣): قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإيَّاك أن تحمر أو تصفر فتفتن [¬٤] الناس. وروى ابن ماجه (١٤٤) [عنه] [¬٥] قال: قأل رسول الله ﷺ : "ما ساء عمل قوم قط [¬٦] إلا زخرفوا مساجدهم". وفي إسناده ضعف. وروى أبو داود (١٤٥)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. وعن أنس (١٤٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد". رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي. وعن بريدة (١٤٧): أن رجلًا أنشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؛ فقال النبي ﷺ : "لا وجدت إنما بينيت المساجد لما بنيت له". رواه مسلم.

стр. 4616

وعن عمرو بن شعيب (١٤٨)، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ ، عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: حسن. وعن أبي هريرة (١٤٩) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة [¬١] فقولوا: لا رد الله عليك! ". رواه الترمذي وقال: حسن غريب. وقد روى ابن ماجه (١٥٠) وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا قال: "خصال لا تنبغي [¬٢] في المسجد: لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح [¬٣]، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر [¬٤] فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا [يقتص فيه من] [¬٥] أحد، ولا يتخذ سوقًا". وعن واثلة بن الأسقع (١٥١)، عن رسول الله ﷺ [أنه] [¬٦] قال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع". ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسنادهما ضعف. أما أنه لا يتخذ طريقًا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد [¬٧] لا يصلي فيه!

стр. 4617

وأما أنَّه لا يشهر فيه بسلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل؛ فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ : إذا مر أحد [¬١] بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدًا. كما ثبت ذلك [¬٢] في الصحيح (١٥٢). وأما النهي عن المرور باللحم النيئ فيه، فلما يخشى من تقاطر [¬٣] الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث. وأما أنَّه لا يضرب فيه حد [أو يقتص] [¬٤] فلما يخشى من إبجاد النجاسة [¬٥] فيه من المضروب أو المقطوع. وأما أنَّه لا يتخذ سوقًا؛ فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه [¬٦] كما قال النبي [¬٧] ﵊ لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: "إن المساجد لم تبن لهذا؛ إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها [¬٨] " (١٥٣). ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله. وفي الحديث الثاني: "جنبوا مساجدكم صبيانكم". وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة -وهي الدرة- وكان يعس المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا "ومجانينكم" يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولا يخشى من تقذيرهم [] [¬٩] المسجد ونحو ذلك "وبيعكم وشراءكم" كما تقدم.

стр. 4618

"وخصوماتكم" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره؛ لا فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه؛ ولهذا قال بعده: "ورفع أصواتكم". وقال البخاري (١٥٤)؛ حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا الجعيد [¬١] بن عبد الرحمن [قال: حدثني] [¬٢] يزيد بن خصيفة [¬٣]، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب؛ فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما [¬٤] في مسجد رسول الله ﷺ !! وقال النَّسائي (١٥٥): حَدَّثَنَا سواد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف؛ قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟؛ وهذا أيضًا صحيح. وقوله: "وإقامة حدودكم وسل سيوفكم" تقدمًا. وقوله: "واتخذوا على أَبوابها المطاهر" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبًا من مسجد رسول الله ﷺ آبار يستقون منها فيشربون، ويتطهرون ويتوضئون وغير ذلك. وقوله: "وجمروها في الجمع" يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ. وقد قال الحافظ أَبو يعلى الموصلي (١٥٦): حَدَّثَنَا عبيد الله، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ ، كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به والله أعلم.

стр. 4619

وقد ثبت في الصحيحين (١٥٧): عن رسول الله ﷺ ، أنَّه [¬١] قال: "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنَّه إذا [¬٢] توضأ فأحسن الوضوء [¬٣]، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصلاة، لم يخط خطوة، إلَّا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه [¬٤] ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة". وعند الدارقطني مرفوعًا: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" (١٥٨)، وفي السنن: "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" (١٥٩). ويستحب لمن دخل المسجد: أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول -كما ثبت في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ : أنَّه كان إذا دخل المسجد؛ قال -: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم قال: [أقط؟ قال: نعم. قال] [¬٥]: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم" (١٦٠).

стр. 4620

وروى مسلم بسنده عن أبي حميد -أو أبي أسيد- قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أَبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم [إني أسألك من] [¬١] فضلك" (١٦١). ورواه النَّسائي عنهما عن النبي ﷺ . وعن أبي هريرة (١٦٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي على الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أَبواب رحمتك، وإذا خرج، فليسلم على النبي على الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم". ورواه ابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما. وقال الإِمام أحمد (١٦٣): حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ليث بن أبي سليم، عن [عبد الله بن حسن] [¬٢] عن أمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أَبواب رحمتك" وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أَبواب فضلك". ورواه التِّرمِذي وابن ماجة، وقال التِّرمِذي: هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل، لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة [¬٣] الكبرى. فهذا الذي ذكرناه - مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك [حال الطول] [¬٤]-

стр. 4621

كله داخل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [أي: اسم الله] [¬١] كقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عبَّاس يعني: يتلى فيما [¬٢] كتابه. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة؛ فأحب أن يذكرهما، وأن يُذكِّر بهما عباده. وكذا قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء (يُسَبَّحُ له فيها بالغدو والآصال) (*) بفتح الباء من (يسبح) على أنَّه مبنى لما لم يسم فاعله، وقف على قوله ﴿وَالْآصَالِ﴾ وقفًا تامًّا، وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر: لِبُيْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومة … ومختبطٌ [¬٣] مما تطيح الطوائح (١٦٤) كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ كسر الباء (**)، فجعله فعلًا وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام، فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عُمَّارًا للمساجد التي هي بيوت

стр. 4622

الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾. وأما النساء، فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أَبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" (١٦٥). وقال الإِمام أحمد (١٦٦): حَدَّثَنَا يحيى بن غيلان، حَدَّثَنَا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن". وقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (١٦٧): حَدَّثَنَا هارون أخبرني عبد الله بن وَهْب، حَدَّثَنَا داود بن قيس، عن عبد الله بن سعيد الأنصاري، عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنَّها جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك؛ قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي". قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتَّى لقيت الله تعالى [¬٢]. لم يخرجوا هذا. ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط [¬٣] أن لا تؤذي أحدًا من الرجال بظهور زينة ولا

стр. 4623

ريح طيب، كما ثبت في الصحيحين (١٦٨) عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: "وبيوتهنَّ خير لهنَّ" (١٦٩). وفي رواية: "وليخرجن وهنَّ تفلات" (١٧٠). أي لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧١) عن زينب امرأة [عبد الله] [¬١] بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكنَّ المسجد فلا تمس طيبًا". وفي الصحيحين (١٧٢) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: كان نساء المؤمنات [¬٢] يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهنّ ما يعرفن من الغلس. وفي الصحيحين (١٧٣) عنها أيضًا أنَّها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال [¬٣] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذّ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم، لأن ما

стр. 4624

عندهم ينفد وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم. قال هُشَيم (١٧٤): عن سيار قال [¬١]: حدثت عن ابن مسعود أنَّه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة [¬٢] تركوا بياعاتهم [¬٣]، ونهضوا إلى الصلاة، فقال [¬٤] عبد الله [ابن مسعود] [¬٥]: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني (١٧٥)، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد؛ فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حَدَّثَنَا أَبو سعيد مولى بني [¬٦] هاشم، حَدَّثَنَا عبد الله بن بجير، حَدَّثَنَا أَبو عبد ربه [¬٧] قال: قال أَبو الدرداء ﵁ إني أقمت على هذا الدرج أبايع عليه أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: هم هؤلاء. وكذا قال سعيد بن أبي الحسن، والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن [¬٨] كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه

стр. 4625

في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة. وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أَنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وعن مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي [¬١]: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدة الفزع: عظمة الأهوال؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. وقال [¬٢] تعالى هاهنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: هؤلاء من الذين يتقبل [عنهم أحسن ما عملوا من فضله] [¬٣] ويتجاوز عن سيئاتهم، وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ [] [¬٤] فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ و [¬٥] قال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾. وعن ابن مسعود أنَّه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدًا واحدًا، فكلهم لم يشربه، لأنه كان صائمًا فتناوله ابن مسعود، [وكان مفطرًا فشربه] [¬٦] ثم تلا قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. رواه النَّسائي (١٧٦) وابن أبي حاتم، من حديث الأعمَش،
следующие страницы →