← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

كله داخل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾. وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [أي: اسم الله] [¬١] كقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عبَّاس يعني: يتلى فيما [¬٢] كتابه. وقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في البكرات والعشيات. والآصال جمع أصيل وهو آخر النهار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة؛ فأحب أن يذكرهما، وأن يُذكِّر بهما عباده. وكذا قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء (يُسَبَّحُ له فيها بالغدو والآصال) (*) بفتح الباء من (يسبح) على أنَّه مبنى لما لم يسم فاعله، وقف على قوله ﴿وَالْآصَالِ﴾ وقفًا تامًّا، وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر: لِبُيْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومة … ومختبطٌ [¬٣] مما تطيح الطوائح (١٦٤) كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ كسر الباء (**)، فجعله فعلًا وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام، فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عُمَّارًا للمساجد التي هي بيوت

стр. 4622

الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾. وأما النساء، فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أَبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" (١٦٥). وقال الإِمام أحمد (١٦٦): حَدَّثَنَا يحيى بن غيلان، حَدَّثَنَا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "خير مساجد النساء قعر بيوتهن". وقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (١٦٧): حَدَّثَنَا هارون أخبرني عبد الله بن وَهْب، حَدَّثَنَا داود بن قيس، عن عبد الله بن سعيد الأنصاري، عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنَّها جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك؛ قال: "قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي". قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتَّى لقيت الله تعالى [¬٢]. لم يخرجوا هذا. ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط [¬٣] أن لا تؤذي أحدًا من الرجال بظهور زينة ولا

стр. 4623

ريح طيب، كما ثبت في الصحيحين (١٦٨) عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله". رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: "وبيوتهنَّ خير لهنَّ" (١٦٩). وفي رواية: "وليخرجن وهنَّ تفلات" (١٧٠). أي لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم (١٧١) عن زينب امرأة [عبد الله] [¬١] بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : "إذا شهدت إحداكنَّ المسجد فلا تمس طيبًا". وفي الصحيحين (١٧٢) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: كان نساء المؤمنات [¬٢] يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهنّ ما يعرفن من الغلس. وفي الصحيحين (١٧٣) عنها أيضًا أنَّها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال [¬٣] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذّ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم، لأن ما

стр. 4624

عندهم ينفد وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم. قال هُشَيم (١٧٤): عن سيار قال [¬١]: حدثت عن ابن مسعود أنَّه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة [¬٢] تركوا بياعاتهم [¬٣]، ونهضوا إلى الصلاة، فقال [¬٤] عبد الله [ابن مسعود] [¬٥]: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني (١٧٥)، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد؛ فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حَدَّثَنَا أَبو سعيد مولى بني [¬٦] هاشم، حَدَّثَنَا عبد الله بن بجير، حَدَّثَنَا أَبو عبد ربه [¬٧] قال: قال أَبو الدرداء ﵁ إني أقمت على هذا الدرج أبايع عليه أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: هم هؤلاء. وكذا قال سعيد بن أبي الحسن، والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها. وقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن [¬٨] كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه

стр. 4625

في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة. وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أَنس. وقال السدي: عن الصلاة في جماعة. وعن مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها. وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي [¬١]: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدة الفزع: عظمة الأهوال؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. وقال [¬٢] تعالى هاهنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: هؤلاء من الذين يتقبل [عنهم أحسن ما عملوا من فضله] [¬٣] ويتجاوز عن سيئاتهم، وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ [] [¬٤] فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ و [¬٥] قال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾. وعن ابن مسعود أنَّه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدًا واحدًا، فكلهم لم يشربه، لأنه كان صائمًا فتناوله ابن مسعود، [وكان مفطرًا فشربه] [¬٦] ثم تلا قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. رواه النَّسائي (١٧٦) وابن أبي حاتم، من حديث الأعمَش،

стр. 4626

عن إبراهيم، عن علقمة عنه. وقال أيضًا (١٧٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سويد بن سعيد [¬١]، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فيقومون وهم قليل، لم يحاسب سائر الخلائق". وررى الطبراني من حديث بقية (١٧٨)، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمَش، عن أَبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، في قوله [¬٢]: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: "أجورهم يدخلهم الجنَّة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا". ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعى الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين ناريًّا ومائيًّا، وكما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين مائيًّا وناريًّا، وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة. فأما الأول من هذين المثلين: فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم [¬٣] في ذلك

стр. 4627

كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد، كأنه بحر طام، والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضًا واحد القيعان كما يقال: جار وجيران وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنَّما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الأول فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء فحسبه [¬١] ماءً فقصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ فكذلك الكافر يحسب أنَّه قد عمل عملًا وأنه قد حصل شيئًا؛ فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئًا بالكلية قد قُبل، إمَّا لعدم الإِخلاص، أو لعدم سلوك الشرع؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿وَوَجَدَ [¬٢] اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة وغير واحد. وفي الصحيحين (١٧٩) أنَّه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا -نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم! ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا، فاسقنا. فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها. وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم [¬٣] كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال قَتَادة: و [¬٤]: هو العميق ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقارب رؤيتها من شدَّة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف أين يذهب ولا هو يعرف حال من يقوده [ولا يدري] [¬٥] بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري. وقال [¬٦] العوفي عن ابن عبَّاس ﵄ ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾، وكقوله:

стр. 4628

﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقال أبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم، كلامه [¬١] ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. وقال السدي والربيع بن أَنس نحو ذلك أيضًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فنسأل الله العظيم أن يجعل في [¬٢] قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يعظم لنا نورًا. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ يخبر تعالى أنَّه ﴿[يُسَبِّحُ لَهُ] [¬٣] مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة والأناسي [¬٤] والجان والحيوان حتَّى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا] [¬٥]﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيرُ صَافَّاتٍ﴾ أي في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها، وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: كل قد أرشده ابن طريقته ومسلكه [¬٦] في عبادته الله . ثم أخبر أنَّه عاصم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.

стр. 4629

ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض فهو الحاكم التصرف لا معقب لحكمه وهو الإِله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلَّا له ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فهو الخالق المالك [] [¬١] له الحكم في الدنيا والآخرة [¬٢]، وله الحمد في الأولى والآخرة. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ يذكر تعالى أنَّه بقدرته يسوق السحاب أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ﴾ أي: يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكما، يركب بعضه بعضًا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: الطير ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خلله. وكذا فرأها ابن عبَّاس والضحاك. قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتُقمُّ الأرض قمًّا، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله. وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قال بعض النحاة: (من) الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس. وهذا إنما يجيء على قول "مِن" ذهب من المفسرين إلى أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها [¬٣] البرد، وأما من جعل الجبال هاهنا عبارة كناية [¬٤] عن السحاب، فإن من الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضًا لكنها بدل عن الأولى والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون المراد بقوله: [﴿فَيُصِيبُ بِهِ]﴾ [¬٥] أي: بما ينزل من السماء من نوعى المطر والبرد، فيكون قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمة بهم [¬٦] ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عنهم

стр. 4630

الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر [¬١] ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي [¬٢]: رحمة بهم. وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته [¬٣]. وقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتَّى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيرًا ويقصر الذي كان طويلا، والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لدليلا على عظمته تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وما بعدها من الآيات الكريمات. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات [¬٤] على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحية وما شاكلها ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات؛ ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي بقدرته لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾ يقرر تعالى أنَّه [أنزل في هذا القرآن من الحكم [] [¬٥] والأمثال البينة المحكمة كثيرًا جدًّا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولى الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا

стр. 4631

أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: إذا طلبوا ابن اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه، واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾] [¬١]. وفي الطبراني (١٨٠) من حديث روح بن عطاء، عن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "من دعى إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له". وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: إذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاءوا سامعين مطعين وهو معنى قوله: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ﷺ ليروج باطله ثَمَّ، فإذعانه أولًا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب

стр. 4632

مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيًّا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطوٍ عليه من هذه الصفات. وقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بل [¬١] هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي حاتم (١٨١): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا مبارك، حَدَّثَنَا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي ﷺ ، [وهو محق أذعن وعلم أن النبي ﷺ ] [¬٢] سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ ، أعرض وقال: أنطلق إلى فلان. فأنزل الله هذه الآية. فقال رسول الله ﷺ : "من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من حكام [¬٣] المسلمين فأبى أن يجيب فهو ظالم لا حق له". وهذا حديث غريب وهو مرسل. ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، اللذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعًا وطاعة، ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح وهو نيل المطوب والسلامة من الرهوب [¬٤] فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال قَتَادة في هذه الآية: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذكر لنا أن عبادة بن الصامت وكان عقبيًّا بدريًّا أحد نقباء الأنصار - أنَّه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أُنبئك بماذا عليك وبماذا [¬٥] لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلَّا أن يأمروك بمعصية الله بُواحًا، فما أمرت به من شيء يخالف [¬٦] كتاب الله فاتبع كتاب الله. و [¬٧] قال قَتَادة: وذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلَّا بطاعة الله، ولا خير إلَّا في

стр. 4633

جماعة والنصيحةَ ولرسوله وللخليفة والمؤمنين [¬١] عامة. قال: وقد [¬٢] ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين. رواه ابن أبي حاتم والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله [وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والائمة إذا أمروا بطاعة الله] [¬٣] كثيرة [¬٤] جدًّا أكثر من أن تحصر في هذا المكان. وقوله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [قال قَتَادة: يطع الله ورسوله] [¬٥] فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه، ويخشى الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل. وقوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يعني: الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾ يقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول ﷺ لئن أمرهم بالخروج ليخرجن، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ أي لا تحلفوا، وقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قيل معناه: طاعتكم طاعة معروفة، أي قد علمت [¬٦] طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهم من سجيتهم الكذب حتَّى فيما يختارونه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ

стр. 4634

كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾. وقيل: المعنى في قوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: ليكن أمركم طاعة معروفة أي: بالمعروف من غير حلف ولا إقسام كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف [ولا أقسام، فكونوا] [¬١] أنتم مثلهم ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: هو خبير بكم، وبمن [¬٢] يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تتولوا عنه وتتركوا [¬٣] ما جاءكم به. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ﴿وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: [من قبول] [¬٤] ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾. و [¬٥] قال وَهْب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل - يقال له: شعياء - أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي. فقام فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنًا ويدبر أمرًا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار [¬٦] في الصحارى، والنعمة [¬٧] في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميًّا من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب [¬٨] في الأسواق، لو يمر [إلى جنب] [¬٩] السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشى على القصب واليابس لم بسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا [¬١٠] ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، وأسدده لكل [¬١١] أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة

стр. 4635

لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه؛ والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به [¬١] بعد القلة، وأغنى به [¬٢] بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة [¬٣]، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمًا من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين، مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي. رواه ابن أبي حاتم (١٨٢). ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ هذا وعد من الله تعالى لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي [¬٤] أئمة الناس والولاة عليهم؛ وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. [وليبدلنهم من] [¬٥] بعد خوفهم [من الناس] [¬٦] أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك وله الحمد والمنة: فإنه ﷺ لم يمت رسول الله ﷺ حتَّى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة، ﵀ وأكرمه. ثم لما مات رسول الله ﷺ ، واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أَبو بكر الصديق فلمَّ شعث ما وهي عند موته ﷺ ، وأخذ [¬٧] جزيرة العرب ومهدها، وبعث [الجيوش الإِسلامية] [¬٨] إلى بلاد فارس [¬٩] صحبة خالد بن

стр. 4636

الوليد ﵁ ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها. وجيشًا آخر صحبة أَبي عبيدة ﵁ ومن معه [¬١] من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر؛ ففتح الله للجيش الشامي في أيامه [¬٢] بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله، ، واختار له ما عنده من الكرامة ومنّ على [¬٣] الإِسلام [وأهله] [¬٤] بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر [¬٥] بعده قيامًا تامًّا لم يدور الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس. وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز [¬٦] إلى القسططنية، وأنفق أموالها [¬٧] في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله؛ عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة. ثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد [¬٨] ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًّا؛ وخذل الله [¬٩] ملكهم الأعظم خاقان، وجُبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان [بن عفان] [¬١٠] ﵁، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في الصحيح عن [¬١١] رسول الله ﷺ أنَّه [¬١٢] قال: "إن الله زوى لي [¬١٣] الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها" (١٨٣)، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، فنسأل [¬١٤] الله الإِيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال الإِمام مسلم بن الحجاج [في صحيحه] [¬١٥]: حَدَّثَنَا ابن أبي عمر، حَدَّثَنَا سفيان،

стр. 4637

عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا" ثم [¬١] تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني فسألت أبي ماذا قال رسول الله؟ فقال: قال [¬٢]، "كلهم من قريش". ورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به (١٨٤). وفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر (١٨٥). وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثنى عشر خليفة عادل، وليسوا هم بأئمة الشيعة الأثني عشر، فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم [¬٣] من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعًا ومتفرقًا، وقد وُجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم كانت [¬٤] بعدهم فترة بينهم [¬٥] ثم وجد منهم من [¬٦] شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقى في [الوقت الذي] [¬٧] يعلمه [الله تعالى] [¬٨] "، ومنهم الهدي الذي [يطابق اسمه] اسم رسول الله ﷺ ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلًا وقسطا كما ملئت جورًا وظلمًا. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جمهان [¬٩] عن سفينة مولى رسول الله ﷺ [أن رسول الله ﷺ [¬١٠] قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون [¬١١] ملكًا عضوضًا" (١٨٦).

стр. 4638

وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرًّا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها [¬١] فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فَغَبَروا بذلك ما شاء الله ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله؛ أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ : "لن تَغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيًا [¬٢] ليست فيهم حديدة". وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العَرب فآمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن [¬٣] الله تعالى قبض نبيه ﷺ ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه [¬٤] فأدخل عليهم الخوف [فأدخلوا] [¬٥] الحجز والشرط وغيروا فغير بهم. وقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتابه، ثم تلا هذه الآية. وقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد. وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما قال تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ

стр. 4639

أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [¬١]﴾. وقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [¬٢]﴾ كما قال رسول الله ﷺ ، لعدي بن حاتم حين وفد عليه: "أتعرف الحيرة؟ " قال: لم أعرفها ولكن قد سمعت بها قال: "فوالذي نفسي بيده؛ ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: "نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد" ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (١٨٧). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "بشر هذه الأمة [¬٣] بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب" (١٨٨). وقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا﴾ قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا [¬٤] أنا رديف رسول الله ﷺ [على حمار] [¬٥] ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: "يا معاذ". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: [ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ بن جبل". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك [¬٦]. ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ بن جبل". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: "هل تدري ما حق الله على

стр. 4640

العباد؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا". قال: ثم سار ساعة ثم قال: "يا معاذ بن جبل". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: "فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ". قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: "فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم". أخرجاه في الصحيحين، من حديث قتادة (١٨٩). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ [¬١] كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد فسق [¬٢] عن أمر ربه وكفي بذلك ذنبًا عظيمًا، فالصحابة ﵃ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم الله تأييدًا عظيمًا، وتحكموا في سائر العباد والبلاد؛ ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة" وفي رواية- "حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"- وفي رواية- "حتى يقاتلون الدجال" - وفي رواية- "حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون". وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين [للرسول] [¬٣] ﷺ أي: سالكين وراءه فيما به [¬٤] أمرهم، وتاركين [¬٥] ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك، ولا شك أن من فعل هذا أن الله سيرحمه كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ أي: [لا تظن] [¬٦] يا محمد أن [¬٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾

стр. 4641

أي خالفوك وكذبوك ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي، يعجزون الله، بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ [¬١] الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد! ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو [¬٢] استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم، في ثلاثة أحوال، الأول: من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أي: في وقت القيلولة لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال، لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم أي: في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم؛ ولهذا روى

стр. 4642

الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهرة: "إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (١٩٠). ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلًا جدًّا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير؛ قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ] [¬١]﴾، والآية التي في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وروى أيضًا من حديث إسماعيل بن مسلم -وهو ضعيف- عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وروى [¬٢] أبو داود، حَدَّثَنَا ابن الصباح بن [¬٣] سفيان وابن عبدة -وهذا حديثه- أخبرنا سفيان، عن [¬٤] عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن عليّ. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به (١٩١). وقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، سألت الشعبي: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾؟ قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان.

стр. 4643

وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الربيع بن سليمان، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن؟ فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ [¬١] الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه [¬٢] في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم [في] [¬٣] الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي [¬٤] أمروا به. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود عن القعنبي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به (١٩٢). وقال السدي: كان أناس من الصحابة ﵃ يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا يأذن. وقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم- أن رجلًا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرثد [¬٥] صنعا للنبي ﷺ طعامًا، فجعل الناس يدخلون بغير إذن. فقالت أسماء: يا رسول الله، ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن. فأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ [وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ] [¬٦]﴾، ومما يدل على أنها محكمة لم [¬٧] تنسخ قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: إذا بلغ الأطفال منكم الحلم الذين إنما كانوا يستأذنون [¬٨] في العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.

стр. 4644

قال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيًّا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه. وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لم يبق لهن تشوف [¬١] إلى التزوج [¬٢] ﴿فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: ليس عليهن [¬٣] من الحجر في التستر كما على غيرهن [¬٤] من النساء. قال أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية، فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية. (١٩٣). قال ابن مسعود [في قوله] [¬٥]: ﴿فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب أو الرداء. وكذلك [¬٦] روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم. وقال أبو صالح: [تضع الجلباب] [¬٧] وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير وغيره: في قراءة عبد الله بن مسعود (أن يضعن من ثيابهن) وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند قريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق. وقال سعيد بن جبير [في الآية] [¬٨] ﴿غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب [ليرى ما عليهن] [¬٩] من الزينة. وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عبد الله، حَدَّثنَا ابن المبارك، حدثني

стр. 4645

سوار بن ميمون، حَدَّثَنَا [¬١] طلحة بن [¬٢] عاصم، عن أم الضياء [] [¬٣] أنها قالت: دخلت [على عائشة] [¬٤] ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء، قصتكن [¬٥] كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، أي: لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا. وقال السدي: كان شريك لي يقال له: مسلم،: كان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يومًا إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك؟ فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة! فأنكرت ذلك. فقال: إن شئت أدخلتك عليها. فقلت: نعم. فأدخلني عليها فإذا هي [¬٦] امرأة جليلة. فقلت لها: إن مسلمًا حدثني أنه خضب رأسك. فقالت: نعم يا بني، إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت. وقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ﴾ أي: وترك وضعهن لثيابهن -وإن كان جائزًا- خير وأفضل لهن والله سميع عليم. ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾ اختلف المفسرون ﵏ في المعنى الذي رفع [من أجله] [¬٧] الحرج عن

стр. 4646

الأعمى، والأعرج والمريض هاهنا، فقال عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [يقال إنها] [¬١] نزلت في الجهاد. وجعلوا هذه الآية هاهنا [كالآية التي] [¬٢] في سورة الفتح، وتلك في الجهاد لا محالة، أي: أنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد، لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة: ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ [عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا] [¬٣] أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. وقيل: المراد هاهنا [¬٤] أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى، لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج، لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسُه، والمريض لا يستوفي من الطعام غيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك. هذا [¬٥] قول سعيد بن جبير، ومقسم. وقال الضحاك: كانوا قبل المبعث [¬٦] يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتقززًا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن [¬٧] أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى، أو الأعرج [¬٨]، أو المريض [¬٩] إلى بيت أبيه، أو بيت [¬١٠] أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته. فكان الزّمنى يتحرجون من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت عشيرتهم [¬١١]. فنزلت هذه الآية رخصة لهم (١٩٤). وقال السدّي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو أبنه، فتُتْحفه المرأة بالشيء [¬١٢] من الطعام؛ فلا يأكل من أجل أن رَبَّ البيت ليس ثَمَّ. فقال الله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى

стр. 4647

حرج [﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا] [¬١]﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إنما ذَكَرَ هذا، وهو معلوم، ليعطف عليه غيره في اللفظ [¬٢]، وليستأديه ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء، لأنه لم ينص عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن [¬٣] مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن، من غير وجه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أنت ومالك لأبيك" (١٩٥). وقوله [¬٤]: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ هذا ظاهر: وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب، بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإِمام أحمد بن حنبل، في المشهور عنهما. وأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ قال [¬٥] سعيد بن جبير والسدى: هو [¬٦] خادم الرجل، من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف. وقال الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ فيدفعون مفاتحهم إلى ضُمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه. فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل؛ إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها، إذا علمتم أن ذلك لا يَشُقّ عليهم، ولا يكرهون ذلك. وقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك، فلا بأس أن تأكل بغير إذنه. وقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة،

стр. 4648

عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل [¬١] الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناسُ عن ذلك. فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. وقال قتادة: وكان هذا الحيّ من بني كنانة، يرى أحدهم أنّ مخزاةً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليَسُوق الذُّودَ الحُفَّل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾. فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأبرك؛ كما رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن عبد ربه، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن وحشى بن حرب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلًا قال للنبي ﷺ : إنا نأكل ولا نشبع؟! قال: "فلعلكم [¬٢] تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يُبَاركْ لكم فيه". ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث الوليد بن مسلم به (١٩٦). وقد رَوَى ابن ماجة أيضًا، من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عنِ أبيه، عن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كلوا جميعًا ولا تَفرّقوا؛ فإن البركة مع الجماعة" (١٩٧).

стр. 4649

وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني [¬١] فليسلم بعضكم على بعض. و [¬٢] قال ابن جريج: حَدَّثَنَا أبو الزبير: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم [¬٣] بيته فليسلم. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، [ولا] [¬٤] أثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إليَّ، وما أدعه إلا ناسيًا. وقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت علي أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. [وروى الثوري، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: بسم الله، والحمد لله السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] [¬٥]. وقال قتادة: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنه كان يؤمر بذلك، وحُدَّثْنا أن الملائكة ترد عليه. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عَوْبَدُ بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال، قال: "يا أنس، أسبغ الوضوء يُزَد في عمرك، وسَلّم على من لقيك من أمتي تَكْثُر حسناتك، وإذا دخلت -يعني: بيتك- فسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس، ارحم الصغير، ووقر الكبير، تَكُنْ من رفقائي يوم القيامة" (١٩٨).

стр. 4650

وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال محمد بن إسحاق [¬١]: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، فالتشهد في الصلاة: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم يدعو لنفسه ويسلم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق. والذي في صحيح مسلم (١٩٩)، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ يخالف هذا، والله أعلم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، لما ذكر تعالى ما في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المتقنة المبرمة، نَبَّه تعالى على أنه يُبَيّن لعباده الآيات بيانًا شافيًا، ليتدبروها ويتعقلوها [لعلهم يعقلون] [¬٢]. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) وهذا أيضًا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع [لمشورة] [¬٣] ونحو

стр. 4651

ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا ينصرفوا [¬١] عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وإن من يفعل ذلك فهو [¬٢] من المؤمنين الكاملين. ثم أمر رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [¬٣]﴾. وقد قال أبو داود (٢٠٠): حَدَّثَنَا أحمد بن حَنْبَل ومُسَدّد قالا: حَدَّثَنَا بشر -هو ابن المفضل- عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست [¬٤] الأولى بأحق من الآخرة". وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به، وقال الترمذي: حسن. لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) قال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: "يا محمد"، "يا أبا القاسم"، فنهاهم الله [عن ذلك] [¬٥]، إعظامًا لنبيه ﷺ قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ وأن يُبَجْل، وأن يعظم، وأن يسود [¬٦]. وقال مقاتل [ابن حيان] [¬٧] في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، يقول: لا تُسَمُّوه إذا دَعَوتموه "يا محمد"، ولا تقولوا: "يا ابن عبد الله"، ولكن شَرّفوه فقولوا: "يا نبي الله"، "يا رسول الله". وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ

стр. 4652

بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، قال: أمرهم الله [¬١] أن يشرفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ﴾ الآية [¬٢] وهذا [¬٣] كله من باب الأدب [¬٤] [في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه، وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته] [¬٥]. والقول الثاني في ذلك: أن المعنى في: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فأحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله [¬٦] أعلم. وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث: الخطبة- فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا في المسجد، وكان [¬٧] لا يصلح [¬٨] للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ في يوم الجمعة، بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشارَ بأصبعه إلى النبي ﷺ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم [¬٩] كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب، بطلتْ جُمعته. وقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم. وقال قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [يعني: لوذًا عن نبي الله وعن كتابه.

стр. 4653

وقال سفيان: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، قال: من الصف. وقال مجاهد في الآية: ﴿لِوَاذًا﴾: [¬١] خلافًا. وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، أي: عن أمر رسول الله ﷺ و [¬٢] سبيله هو ومنهاجه، وطريقته، وسنته [¬٣]، وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من [¬٤] كان، كما ثبت في الصحيحين (٢٠١) وغيرهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ". أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا أو [¬٥] ظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: في الدنيا، بقتل أو حدٍّ أو حبس، أو نحو ذلك. قال الإِمام أحمد (٢٠٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن همام بن مُنبِّه قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهي هذه الدواب اللائي [¬٦] يقعن [في النار يقعن] [¬٧] فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحّمن [¬٨] فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار! فتغلبوني وتقتحمون فيها". أخرجاه من حديث عبد الرزاق. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٦٤) يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه عالم [غيب السماوات والأرض] [¬٩]، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾ "وقد" للتحقيق، كما قال قبلها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، وقال تعالى:

стр. 4654

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] [¬٢]﴾ وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ … الآية. وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بـ "قد"، كما يقول المؤذن تحقيقًا وثبوتًا: (قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة). فقوله [¬٣] تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾، أي: هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله [¬٤]: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ الآية [¬٥]، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا. وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ﴾، أي: ويوم ترجع الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة- ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير، وصغير وكبير، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام. * * *

стр. 4655

تفسير سورة الفرقان وهي مكية تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) يقول تعالى حامدًا نفسه [¬١] الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ … الآية [¬٢]، وقال ها هنا: ﴿تَبَارَكَ﴾، وهو تفاعل، من البركة المستقرة [الدائمة الثابتة] [¬٣] ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ نزّل: فَعَّل، من التكرر والتكثر، كما قال: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة والقرآن [نزل] [¬٤] منجمًا [مفرقًا] [¬٥] مفصلًا آيات بعد آيات، وأحكامًا بعد أحكام، وسُورًا بعد سُوَر، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناءً بمن أنزل عليه؛ كما قال في أثناء هذه السورة: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، ولهذا سماه هاهنا الفرقان، لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، و [الحرام والحلال]. وقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، هذه صفة مدح وثناء، لأنه [¬٦] أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإِسراء، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١)﴾. وقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾، أي: إنما خصه بهذا الكتاب العظيم المبين المفصل المحكم، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الذي

стр. 4656

جعله فرقانًا عظيمًا، إنما خصه به ليخصه بالرسالة [¬١] إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء (*)، كما قال صلوت الله وسلامه عليه: "بُعثت إلى الأحمر والأسود" (١). وقال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" (٢)، فذكر منهن: أنه "كان النبي يبعث إلى قومه [خاصة] [¬٢]، وبعثت إلى الناس عامة". وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ها هنا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، فنزَّه نفسه عن الولد، وعن الشريك. ثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قدره وتقديره] [¬٣] وتسخيره، وتدبيره [] [¬٤]. ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟! ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾، أي: ليس إليهم [¬٥] من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله فهو [¬٦] الذي يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ وقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، فهو الله

стр. 4657

الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن سَخَافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ﴾، أي: كذب، ﴿افْتَرَاهُ﴾، يعنون النبي ﷺ ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين؛ قال [¬١] الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، يعنون كتب الأوائل، [أي: استحسنها] [¬٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ﴾، أي ة تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره وهذا الكلام - لسخافته وكذبه وبَهْته [كل أحد يعلم] [¬٣] منهم بطلانه، [فإنه قد عُلم] [¬٤] بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه [وبره وأمانته ونزاهته من] [¬٥] الكذب والفجور، وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم [لم يكونوا] [¬٦] يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا [¬٧] الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورَمَوْه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا [¬٨] يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، [قال] [¬٩] الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ

стр. 4658

سَبِيلًا﴾ وقال تعالى في جواب ما عاندوا ها هنا وافتروا: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [¬١]، أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا، مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلًا، ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، دعاء لهم إلى التوبة والإِنابة، وإخبار لهم [¬٢] بأن رحمته واسعة، وأن حلمه [¬٣] عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء - مع كذبهم وافترائهم وفجورهم، وبهتهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا - يدعوهم إلى التوبة والإِقلاع عما هم فيه إلى الإِسلام والهدى؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة! ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾

стр. 4659

يخبر تعالى عن تعنّت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم [¬١]: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج [إليه] [¬٢]، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، أي: يتردد فيها وإليها طلبًا للاكتساب [¬٣] والتجارة، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يقولون: هلا أنزل إليه ملك [¬٤] من عند الله، فيكون له شاهدًا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ [¬٥] مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ﴾، أي: علم كنز [يكون] [¬٦] ينفق منه، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة. ﴿وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا﴾ أي: جاءوا بماذا [¬٧] يقذفونك [] [¬٨]، ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر"، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في [¬٩] ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ أي [¬١٠]: عن طريق الهدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، وذلك لأن كل من خرج عن الحق، فإنه ضال حيثما [¬١١] توجه، لأ الحق واحد ومنهج [¬١٢] متحد، يصدّق بعضه بعضًا. ثم قال تعالى مخبرًا نبيه، أنه لو [¬١٣] شاء لآتاه خيرًا مما يقولون في الدنيا، وأفضل وأحسن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرًا، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا. وقال سفيان الثوري (٣)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة، قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يُعْطَ [¬١٤] نبيّ قبلك، ولا

стр. 4660

يُعطى أحدٌ من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة. فأنزل الله في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، أي: إنّما يقول هؤلاء هكذا تكذيبًا وعنادًا، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرًا واسترشادًا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾، أي: عذابًا أليمًا حارًّا لا يطاق في نار جهنم. وقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: السعير: وادٍ من قيح جهنم. وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أي: جهنم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، يعني: في مقام المحشر - قال السدي: من مسيرة مائة عام - ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، أي: حنقًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾، أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها على من كفر بالله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف [¬١] الواسطي - أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيك [¬٢]، عن رجل من أصحاب النبي، ﷺ ، قال: قال رسول الله، ﷺ : "من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعي إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا". قيل: يا رسول الله، وهل لها من عينين؟ قال: "أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية". رواه ابن جرير عن محمود [¬٣] بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي، به. وقال أيضًا: حدثنا أبيّ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سُلَيم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- ومعنا الربيع بن خُثَيم [¬٤] فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خُثَيم [¬٥] إليها، فتمايل ليسقط، فمر عبد الله على أَتون (*) على [شاطئ] [¬٦] الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه؛ قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ فصعق [¬٧]-يعني: الربيع [بن خثيم] [¬٨]- فحملوه [¬٩] إلى [أهله] [¬١٠]، ورابطه (**)
следующие страницы →