والدليل على ذلك قول البخاري (٣٧٦):
حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن [¬١] عمرو بن حُرَيث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي، ﷺ : "الكمأة (٣٧٧) من المنّ (٣٧٨)، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وأخرجه الجماعة (٣٧٩) في كتبهم؛ إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عَمرو بن حريث، به (٣٨٠).
وقال الترمذي (٣٨١): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب، [لا نعرفه إلا من حديث محمد
стр. 492
ابن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه،] [¬١] وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر.
كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره (٣٨٢)، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدَّثنا أسلم بن سهل، حدَّثنا القاسم بن عيسى، حدَّثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا [السلمي الواسطى] [¬٢]، يكنى: بأبى محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب. قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (٣٨٣).
ثم قال الترمذي [¬٣]: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جُدَري الأرض، فقال نبي الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار، به (٣٨٤).
وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (٣٨٥).
وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (٣٨٦).
стр. 493
وروى [¬١] النسائي أيضًا وابن ماجة [¬٢] [من حديث] [¬٣] محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة (٣٨٧).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع [¬٤] منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٨٨).
وروي، عن شهر [بن حوشب] [¬٥]، عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد (٣٨٩):
حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وقال النسائي في الوليمة أيضًا: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة،
стр. 494
[عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٠).
ثم رواه أيضًا [] [¬١] ابن ماجة من طرق عن الأعمش] [¬٢] عن أبي بشر، عن شهر عنهما، به (٣٩١).
وقد رويا [¬٣]-أعني النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. زاد النسائي جابر [¬٤]، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٢).
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب، عن عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، كابن ماجة.
وقال ابن مَرْدُويه أيضًا حدَّثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت [¬٥]
стр. 495
فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به (٣٩٣)
ثم [¬١] رواه أيضًا، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان [¬٢]، عن الأعمش، به.
وكذا رواه النسائي (٣٩٤)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [¬٣].
وقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ كما قال ابن مردويه.
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا [¬٤] في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه [¬٥] الكمأة. فقال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم" (٣٩٥).
وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي (٣٩٦) من طريقه شيئًا من هذا، والله أعلم.
وروي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي أيضًا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز [¬٦]، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس [عن النبي] [¬٧]، ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (٣٩٧).
стр. 496
فقد اختلف -كما ترى- فيه على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد [﵁] [¬١].
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس السلوى طائر شبيه [¬٢] بالسُّمَانَى، كانوا يأكلون منه (٣٩٨).
وقال السدي في خَبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس [¬٣] من الصحابة: السلوى: طائر يشبه السُّمَانى (٣٩٩).
وقال ابن أبي حاتم (٤٠٠): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس قال: السلوى: هو السُّمَانى.
وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن، وعكرمة والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى [¬٤]، وعن عكرمة: أمّا السلوى فَطَير كطير يكون بالجنة، أكبر من العصفور، أو نحو ذلك.
وقال قتادة: السلوى كان [¬٥] من طير إلى الحمرة، تحشُرها [¬٦] عليهم الريحُ الجنوبُ، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه [¬٧] لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه: السلوى: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب، قال: سألتْ بنو إسرائيل موسى ﵇ اللحم، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم
стр. 497
السلوى، وهو السمانى [¬١]، مثل ميل في ميل قيدَ رمح في [¬٢] السماء، فخبؤا [¬٣] للغد [¬٤] فنتن اللحم وخَنِز الخبز.
وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان ينزل [¬٥] على شجر [¬٦] الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا [¬٧] عشرة عينًا، فشرب كل سِبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فَظَلَّلَ عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول [¬٨] معهم كما تطول الصبيان، ولا يَنخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ [¬٩] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ [¬١٠] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬١١] عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [¬١٢]﴾.
وروي عن وهب بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدى.
وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج: فكان [¬١٣] الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن عطية (٤٠١): السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا.
وقاسمها باللَّه جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما أشورها
قال: فظنّ أن للسلوى عسلًا. قال القرطبي: دعوى الإجماع لا يصح؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛
стр. 498
لأنه يسلى به ومنه عين سلوان.
وقال الجوهري: السلوى: العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:
شربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ … فلا وجديدِ العيش يامَيُّ ما أسلو
واسم ذلك الماء: السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي الحزين فيسلوا، والأطباء يسمونه مفرج. قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال سمانى للمفرد والجمع، وويلي كذلك.
وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد:
وإني لتعروني لذكراك هِزَّةٌ … كما انتفض السَّلواة من بَلَلِ القطر
وقال الكسائى: السلوى واحدة وجمعه سلاوى. نقله كله القرطبي (٤٠٢)] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات؛ ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد [ ﷺ ] ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، [مع ما] [¬٢] كانوا معه في أسفاره وغزواته؛ منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحرّ الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجادَ أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي [¬٣] ﷺ ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا الله [¬٤] فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم [¬٥] سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا سقيتهم [¬٦]، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع [¬٧]: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ .
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ
стр. 499
سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخول الأرض المقدّسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدّسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله تعالى في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا [¬١] كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السديُّ والرَّبيعُ بن أنسٍ وقتادةُ، [وأبو مسلم الأصفهانيُّ وغير واحد. وقد قال اللَّه تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. الآيات] [¬٢]. وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن ابن زيد] [¬٣]، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم، وهم قاصدون بيت المقدس، لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس] [¬٤]، [وهذا كان لما] [¬٥] خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
[قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس (٤٠٣) أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعًا] [¬٦].
وقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا أبو أحمد الزبيري، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعًا من باب صغير.
стр. 500
ورواه الحاكم من حديث سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان -وهو الثوري- به (٤٠٤). وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي وحكى عن بعضهم أن المراد هاهنا في السجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] [¬١] وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قِبَل القِبلة.
وقال [ابن عباس] [¬٢] ومجاهد والسدي وقتادة [¬٣] والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس.
[وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة] [¬٤]
وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق (٤٠٥).
وقال السدي: عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود (٤٠٦)، عن عبد الله بن مسعود قيل لهم ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله [تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري: عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾] [¬٥] قال: مغفرة، استغفروا.
وروي عن عطاء والحسن وقتادة والرييع بن أنس، نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا [¬٦] حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم (٤٠٧).
وقال عكرمة: قال [¬٧]: قولوا: لا إله إلا الله.
стр. 501
وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقرّوا بالذنب.
وقال الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال [¬١]: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم؛ غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من [¬٢] المحبوب [عند الله] [¬٣] تعالى، كما قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس: بأنه نُعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقرّه على ذلك عمر ﵁.
ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح -فتح مكة- داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله، [شكرًا للَّه] [¬٤] على ذلك.
ثم لما دخل البلد اغتسل وصلَّى ثماني ركعات وذلك ضحىً، وقال [¬٥] بعضهم: هي صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح؛ فاستحبوا للإمام وللأمير [¬٦] إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح [¬٧] أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
قال البخاري (٤٠٨): حدّثني محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن
стр. 502
معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال "قيل لبني إسرائيل ﴿وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعره".
ورواه النسائي: عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، به موقوفًا. وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا [¬١]، فقالوا: حبة.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "قال الله لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا، ودخلوا [¬٢] الباب يزحفون على أستاههم فقالوا: حبة في شعرة".
وهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع، والترمذي، عن عبد [الرحمن] [¬٣] بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به (٤٠٩).
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم، كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة [¬٤]، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "دخلوا الباب -الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة" (٤١٠).
وقال أبو داود (٤١١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ : "قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا
стр. 503
وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم". ثم قال أبو داود: حدَّثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بمثله [¬١].
هكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا إبراهيم بن مهدي [¬٢]، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي [¬٣] فديك، عن [¬٤] هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله- ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل، أجزنا في ثنية [¬٥] يقال لها: ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ : "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم" (٤١٢).
وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا. قال: ركعًا، وقولوا حطة، أي [¬٦]: مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (٤١٣): عن السدّي، عن أبي سعد [¬٧] الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: وقولوا: حطة فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال أسباط (٤١٤): عن السدّي، عن مرَّة، عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هُطِّي سمعاتا [¬٨] أزبة [¬٩] مزبا [¬١٠]، فهي بالعربية: حبة [¬١١] حنطة حمراء مثقوبة [¬١٢] فيها شعرة
стр. 504
سوداء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (٤١٥): عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال [¬١] ركعًا من باب صغير، فدخلوا [¬٢] من قبل أستاههم، وقالوا حنطة، فذلك [¬٣] قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وهكذا روي عن عطاء ومجاهد، وعكرمة والضحاك، والحسن وقتادة، والربيع بن أنس ويحيى بن رافع. وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق من الحديث: أنهم بذلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قِبَل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا [وخطايانا] [¬٤]، فاستهزءوا فقالوا: حنطة في شعيرة [¬٥]. وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب (٤١٦).
وهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدّي، والحسن، وقتادة أنه العذاب. وقال أبو العالية الرجز: الغضب، وقال الشعبي: الرجز؛ إمَّا الطاعون، وإمَّا البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم (٤١٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا وكيع، عن [¬٦] سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد -يعني بن أبي وقاص- عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رجز عذاب [¬٧]، عذب به من كان قبلكم".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به (٤١٨).
стр. 505
وأصل الحديث في الصحيحين (٤١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها". الحديث.
قال ابن جرير (٤٢٠): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال [¬١]: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا الوجع والسَّقَم رجز عذِّبَ به بعض الأمم قبلكم". وهذا الحديث أصله مخرّج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، بنحوه (٤٢١)
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم [¬٢] منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم [ولا كدّ] [¬٣]، واعبدوا [¬٤] الذي سخر لكم ذلك ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فَتُسلَبوها.
وقد بسطه [¬٥] المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس، ﵁،: وجُعِلَ بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.
وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون
стр. 506
الطويل.
وقال عطية العوفي (٤٢٢): وجعل لهم حجرًا مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلًا وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء.
وقال عثمان بن عطاء الخراساني: عن أبيه كان لبنى إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة: كان حجرًا طوريًّا من الطور، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
[وقال الزمخشري: وقيل: كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان، وقيل كان من الجنة، طوله عشرة أذرع، على طول موسى، وله شعبتان يتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. قال: وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر؛ فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.
وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه. قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرّون، والله أعلم] [¬١].
وقال يحيى بن النضر: قلت لجوبير: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا [¬٢] عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
وقال الضحاك (٤٢٣): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.
وقال سفيان الثوري (٤٢٤): عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا [¬٣] عشرة عينًا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون
стр. 507
منها.
وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة التي [¬١] في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية؛ فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص [] [¬٢] على رسوله [ ﷺ ] ما [¬٣] فعل بهم. وأمّا في هذه السورة -وهي البقرة- فهي [¬٤] مدنية؛ فلهذا كان الخطاب فيها [¬٥] متوجهًا إليهم.
وأخبر هناك بقوله ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬٦] عَشْرَةَ عَينًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الحال [¬٧] آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار [¬٨] هاهنا وذاك هناك، والله أعلم.
[وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب، والله أعلم] [¬٩].
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلًا، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم [¬١٠]، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم.
وقال الحسن البصري ﵀ فبطروا ذلك ولم [¬١١] يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل [¬١٢] وفوم، فقالوا ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المنّ والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير
стр. 508
كل يوم فهو مأكل واحد] [¬١]. فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم [¬٢] فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء، وكذا [¬٣] فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم، عنه، بالثوم [¬٤]. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير.
وقال ابن أبي حاتم (٤٢٥): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: قال ابن عباس: الثوم.
قالوا: وفي اللغة القديمة: فوّموا لنا [بمعنى اختبزوا] [¬٥]، وقال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاشور شر، وعافور شر. وأثافي وأثاثي. ومغافير ومغاثير، وأشباه [¬٦] ذلك مما تقلب الفاء ثاء. والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم.
وقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي حاتم (٤٢٦): حدثنا يونس بن عبد الأعلى. قراءةً، أنبأنا [¬٧] ابن وهب قراءةً [¬٨]، حدثني نافع بن أبي نعيم: أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس. أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول:
قد كنت أغنى [¬٩] الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال ابن جرير (٤٢٧): حدثنا علي بن الحسن [¬١٠]، حدثنا مسلم الجَرمي [¬١١]، حدثنا عيسى بن يونس، [عن رشدين بن كريب] [¬١٢]، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.
стр. 509
وكذا قال علي بن أبي طلحة (٤٢٨) والضحاك (٤٢٩)، [عن ابن عباس] [¬١]، وعكرمة (٤٣٠) عن ابن عباس أن الفوم الحنطة.
وقال سفيان الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: و [¬٢] خبزها.
وقال هشيم: عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة.
وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، فالله [¬٣] أعلم.
[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة. وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم هو الحمص لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي مغير عن فومي] [¬٤]، قال البخاري وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم. وقوله تعالى: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس (٤٣١): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال مصرًا من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعد البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه.
قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود (اهبطوا مصر) من غير إجراء يعني من غير صرف. ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع [¬٥]، وعن الأعمش أيضًا.
стр. 510
وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب [¬١] الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾. ثم توقف في المراد ما هو؛ أمصر فرعون أم [¬٢] مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى ﵇ يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه [¬٣] وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة [¬٤] فيه لم يجابوا إليه، والله أعلم.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]
يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون [¬٥].
وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات، يعني الجزية (٤٣٢).
وقال عبد الرزاق (٤٣٣): عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ [¬٦] وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: الذل [¬٧]. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمَّة [¬٨] وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.
стр. 511
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي: الخراج. وقال الضحاك: الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله.
وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جربر: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [¬١] انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولًا: إمّا بخير وإمّا بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم [من الله] [¬٢] سخط.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم [به] [¬٣] من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم؛ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع -وهم الأنبياء وأتباعهم- فانتقصوهم [إلى أن] [¬٤] أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر [¬٥] أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء [الله بغير] [¬٦] الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس" (٤٣٤).
وقال الإمام أحمد (٤٣٥) [﵀] حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، قال: [فأتيت رسول الله ﷺ ] [¬٧] وعنده مالك بن مرارة الرهاوي [¬٨]، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أن أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: "لا ليس ذلك [] [¬٩] من البغي، ولكن البغي من بطر -أو قال- سفه الحق وغمط الناس". يعني: رد
стр. 512
الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله [وقتلهم أنبياءه] [¬١]، أحل الله بهم بأسه الذي لا يردّ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.
قال أَبو داود الطالسي (٤٣٦): حدَّثنا شعبة، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من [¬٢] آخر النهار.
وقد قال الإمام أحمد (٤٣٧): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبان، حدَّثنا عاصم، عن أَبي وائل، عن عبد الله يعني: ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أَشدّ الناس [¬٣] عذابًا يوم القيامة: رجل كله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين".
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم [¬٤]، بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما [لا إذن] [¬٥] فيه، وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال - نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة [¬٦] وأطاع؛ فإن له جزاءًا لحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
стр. 513
قال ابن أبي حاتم (٤٣٨): حدَّثنا [أبي] [¬١] حدَّثنا ابن أبي عمر العدني [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي، ﷺ ، عن أهل دين كنتُ معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [إلى آخر] [¬٣] الآية.
وقال السدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدّث النبي، ﷺ ، إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا أ يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي اللَّه، ﷺ : "يا سلمان، هم من أهل النار". فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنَّه من تمسك بالتوراة [وسنة موسى ﵇، حتَّى جاء عيسى. فلما جاء عيسى؛ كان من تمسك بالتوراة] [¬٤]، وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا. وإيمان النصارى: أن من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى، كان مؤمنا مقبولا منه [¬٥]، حتَّى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدًا، ﷺ ، منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل؛ كان هالكًا (٤٣٩).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
(قلت): وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية - قال [¬٦]- فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فإن هذا الذي قاله [ابن عبَّاس] [¬٧] أخبار عن أنَّه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملًا، إلَّا ما كان موافقًا لشريعة محمد، ﷺ ، بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك؛ فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
стр. 514
واليهود [¬١] من الهوادة وهي المودّة، أو التهوّد وهو التوبة؛ كقول [¬٢] موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ أي تُبنا، فكأنهم سُمُّوا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض [¬٣] أوقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أَبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة] [¬٤]، فلما بُعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه، والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسُموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: ناصرة، قاله قَتَادة وابن جريج، ورُوي عن ابن عبَّاس أيضًا والله أعلم.
والنصارى جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانة، قال الشاعر:
نصرانة لم تَحَنَّفِ (٤٤٠)
فلما بعث الله محمدًا، ﷺ ، خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الاطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا [¬٥]، وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين؛ لكثرة إيمانهم وشدّة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثَّوري: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس والسدي وأَبو الشعثاء جابر بن زيد والضحاك [وإسحاق بن راهوية] [¬٦]: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور (٤٤١).
[ولهذا قال أَبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] [¬٧] وقال هُشَيم، عن
стр. 515
مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدّثه رجل من أهل [¬١] البصرة عن الحسن أنَّه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير (٤٤٢): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: [أُخبر] زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمسة، قال: فأراد أن يضع عنهم الجِزيَةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يعبدون الملائكة] [¬٢]. وقال أَبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلون للقبلة [¬٣]، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة.
وقال ابن أبي حاتم (٤٤٣): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى [¬٤] وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وَهْب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله بن وَهْب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل [¬٥] دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلَّا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلَّا قول: لا إله إلَّا الله، قال [¬٦]: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني: في قول [¬٧]: لا إله إلَّا الله.
[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلَّا أن قبلتهم نحو مَهَب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇. وحكى القرطبي، عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم
стр. 516
تركَّب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، [قال ابن عبَّاس]: ولا تنكَح نساؤهم. قال القرطبي (٤٤٤): والذي تحصل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة [¬١]؛ ولهذا أفتى أَبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم.
واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها.
قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (٤٤٥) الذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادًّا عليهم ومبطلًا لقولهم] [¬٢].
وأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه [¬٣] ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنَّما هم قوم [¬٤] باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون (٤٤٦) من أسلم بالصابئ، أي أنَّه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، واللَّه أعلم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنَّه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق [¬٥] رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة [¬٦] وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالطور: هو
стр. 517
الجبل، كما (فسره به في) [¬١] الأعراف، ونصَّ على ذلك ابن عبَّاس ومجاهد، وعطاء وعكرمة، والحسن والضحاك، والربيع بن أَنس وغير واحد، وهذا ظاهر.
وفي رواية عن ابن عبَّاس - الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم يُنْبِتْ فليس بطور.
وفي حديث الفتون عن ابن عبَّاس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.
وقال السدي: فلما أَبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجَّدًا، فسجدوا [¬٢] على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا: والله [¬٣] ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
وقال الحسن في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: التوراة.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس: بقوة أي: بطاعة. وقال مجاهد: بقوة: بعمل بما فيه. وقال قَتَادة: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة الجد وإلَّا قذفته [¬٤] عليكم.
أقال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله" وإلَّا قذفته عليكم: أي] [¬٥]: أسقطه عليكم، يعني: الجبل.
وقال أَبو العالية والربيع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به.
وقوده تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: بتوبته [¬٦] عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود؛ ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم فتحيَّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك
стр. 518
قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها [¬١] يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت.
فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيَلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. القصة بكمالها.
وقال السدي: أهل هذة القرية هم أهل "أيلة"، وكذا قال قَتَادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال [¬٢] ابن أبي حاتم (٤٤٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مُسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنَّما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
ورواه ابن جرير (٤٤٨)، عن المثنى، عن أبي حذيفة.
وعن (٤٤٩) محمد بن عمرو [¬٣] الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره،
стр. 519
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. الآية.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عبَّاس: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فجعل الله [¬١] منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن [¬٢] المشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي عن قَتَادة: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصار القوم قردة [¬٣] تَعَاوَى لها أذناب بعدما كانوا رجالًا ونساءً.
وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برءوسهم: أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم (٤٥٠): حدَّثنا علي بن الحسين [¬٤]، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدَّثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي- عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا [¬٥] (٤٥١) ثم هلكوا. ما كان للمسخ نسل.
وقال الضحاك (٤٥٢)، عن ابن عبَّاس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم: يقول إذ لا يحيون في الأرض إلَّا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام [¬٦] التي ذكرها [¬٧] اللَّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القِرَدة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوِّله كما يشاء.
وقال أَبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿كُونُوا [¬٨] قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلة صاغرين، ورُوي عن مجاهد وقَتَادة والربيع وأبي مالك، نحوه.
стр. 520
وقال محمد بن إسحاق: عن داود بن [] [¬١] "الحصين (٤٥٣)، عن عكرمة، قال: قال ابن عبَّاس: إن الله إنما افترضَ علي بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به، فلما أَبوا إلَّا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه [فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين] [¬٢] فحرم الله [¬٣] عليهم في السبت الحيتانَ: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فلم يروا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتَّى إذا كان يومُ السبت أتين شرَّعًا، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فكانوا كذلك، حتَّى إذا [¬٤] طال عليهم الأمد، وقَرِموا [¬٥] (٤٥٤) إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه حتَّى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق [¬٦] به فأكله، حتَّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنع [¬٧] ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا [¬٨] سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة [¬٩] حتَّى صادوها علانية وباعوها [في الأسواق] [¬١٠]. فقالت طائفة منهم من أهل البقية [¬١١]: وَيحَكُم" اتقوا الله، ونَهوهم عما كانوا [¬١٢] يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما [¬١٣] صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. لسُخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن عبَّاس: فبينا هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم فقدوا الناس
стр. 521
فلم [¬١] يروهم [¬٢]، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا [¬٣] فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، و [¬٤] إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: قال [¬٥] ابن عبَّاس: فلولا ما ذكر الله أنَّه نجى [¬٦] الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله [¬٧] الجميع منهم. قال: وهي القرية التي قال [الله] [¬٨] جل ثناؤه لمحمد ﷺ : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الآية. وروى الضحاك عن ابن عبَّاس (٤٥٥) نحوًا من هذا.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: هم [¬٩] أهل "أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وَقَدْ حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا- لم يبق في البحر حوتٌ إلَّا خرج، حتَّى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزمْنَ مقل [¬١٠] (٤٥٦) البحر فلم يُرَ منهن شيء حتَّى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
فاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتَّى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها [¬١١]، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره حتَّى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء [¬١٢]: لا، ولكنكم صِدْتُموه يوم فتحتم [¬١٣] له [¬١٤] الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا.
стр. 522
فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطعوكم، فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُسَاكنكم في قرية واحدة.
فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر [¬١] المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. الآية. فهم القردة.
(قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا؛ بل الصحيح أنه معنوي صوري. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬٢]. قال بعضهم: الضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. عائد على القردة، [وقيل: على الحيتان] [¬٣]، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية -والمراد أهلها- بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾. أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها [¬٤] عبرة، كما قال الله [¬٥] عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أي: من القرى، [قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى] [¬٦]. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. الآية. على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في [¬٧] المكان، كما قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين (٤٥٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. قال [¬٨]: من بحضرتها من
стр. 523
الناس يومئذ.
ورُوي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾.
قال: ما كان [¬١] قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن [¬٢] بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم. وكان هؤلاء يقولون: المراد لما [¬٣] بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأمّا بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن تكون عبرة لمن سبقهم؟ و [¬٤] هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع [بن أنس] [¬٥]، عن أبي العالية ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا [وَمَا خَلْفَهَا] [¬٦]﴾. [] [¬٧] أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم [¬٨].
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد، والسدي [والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك] [¬٩] [وحكى القرطبي عن ابن عباس والسدي] [والفراء، وابن عطية: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾. من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾. لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى الرازي ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن المراد لما بين يديها وما خلفها من تقدّمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها].
[والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.
(قلت): وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، التي يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. فجعلهم عبرة ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظة لمن
стр. 524
يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬١]: وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (٤٥٨).
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون [¬٢] نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي وعطية العوفي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ .
(قلت): المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله [ابن بطة] [¬٣]: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسلم [¬٤]، حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا محمد بن عمرو، [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا [¬٥]، ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (٤٥٩).
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وَثَّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
يقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وييان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصِه على من قتله منهم.
[مسألة
стр. 525
الإبلُ تنحر، والغنم تذبح، واختلفوا في البقر، فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها.
قال ابن المنذر: ولا أعلم خلاقًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك. وقد يكره الإنسانُ ما لا يحرمه.
قال أبو عبد الله وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة].
[(ذكر بسط القصة)] [¬١]
[كما] [¬٢] قال ابن أبي حاتم: [] [¬٣] حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا [¬٤] هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لايولد له، وكان له مال كثير، وكان ابنُ أخيه وارثَه فقتله، ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبحَ يَدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض. فقال ذوو الرأي منهم [¬٥] والنهى: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قالولم [¬٦] يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من مِلء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتًا، فلم يُعْطَ من ماله شيئًا [¬٧]؛ فلم يُوَرَّث قاتل بعد.
ورواه ابن جرير (٤٦٠) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، بنحو من ذلك، والله أعلم.
стр. 526
ورواه [عبد بن حميد] [¬١] في تفسيره أنبأنا [¬٢] يزيد بن هارون. به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [¬٣]- عن هشام بن حسان، به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [¬٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و [¬٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [¬٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [¬٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾. يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [أي: صاف لونها] [¬٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أي: لم يذللها [¬٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يعني [¬١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [¬١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [¬١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و [¬١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [¬١٤] لا يزكو [¬١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف
стр. 527
ثمنها، فقال لهم [¬١] موسى: إن اللَّه قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله -وهو الذي كان أتى موسى ﵇ فشكا إليه-[فقتله الله] [¬٢] على أسوأ عمله.
وقال محمد بن جرير (٤٦١): حدثني محمد [¬٣] بن سعد [¬٤]، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [¬٥] عن ابن عباس في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لامال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان [¬٦] بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألّا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها دِيَتَهُ؛ وذلك أنهما كانتا [¬٧] مدينتين، كانوا في إحداهما [¬٨]، وكان القتيلِ إذا قتل وطرح [¬٩] بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما [¬١٠] كانت أقرب إليه غرِمَت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قُتل على باب مدينتكم، فواللَّه لتغرمنّ لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا.
وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇ فلما أتوه، قال بنو أخي الشيح: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇ فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فتضربوه ببعضها.
وقال السدي (٤٦٢): ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن
стр. 528
أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم؛ انطق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها [¬١]، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني؛ فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطب عمه -كأنه لا يدري أين هو- فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية. فقالوا له: يا رسول الله؛ ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة [¬٢] فوالله إنّ ديته علينا لهينة، [ولكن نستحي] [¬٣] أن نعير به. فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال لهم موسى [﵇]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذجوا بقرة، أتهزأ بنا؟ ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن عباس (٤٦٣): فلو اعترضوا [¬٤] بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم. فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النَّصَفُ التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ [إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ] [¬٥] إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه -وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح- فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له [¬٦] الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا؛ قال [¬٧] الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ [¬٨] ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبي أن يوقظ أباه فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون
стр. 529
البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرة [¬١] فأبى [¬٢] فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا: يا نبي الله؟ إنا وجدناها عند هذا، فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال [¬٣]: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها. قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه [¬٤]: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقْتلُهُ فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
وقال سنيد (٤٦٤): حدثنا حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فأعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله
فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف [¬٥] رئيس المدينة على
باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل ردّ الباب فناداه أخو المقتول وأصحابه:
هيهات! قتلتموه ثم تردّون الباب! وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه -بنى إسرائيل-
كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال
حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، قالوا: يا
موسى [¬٦]؛ إن هؤلاء قتلوا قتيلًا، ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله؛ قد عرفت
اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله [¬٧] ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا.
فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، و [¬٨] الظاهر أنها
стр. 530
مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدّق ولا تُكَذّب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا [¬١] لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله [¬٢] عليهم، ولو أنهم ذبحوا أبي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعَبيدةُ وغير واحد، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
أي [¬٣]: ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها.
قال ابن جرير (٤٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام [¬٤] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم.
إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.
وقال ابن جريج: قال لي [¬٥] عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم [¬٦].