ورواه [عبد بن حميد] [¬١] في تفسيره أنبأنا [¬٢] يزيد بن هارون. به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [¬٣]- عن هشام بن حسان، به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [¬٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و [¬٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [¬٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [¬٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾. يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [أي: صاف لونها] [¬٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أي: لم يذللها [¬٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يعني [¬١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [¬١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [¬١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و [¬١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [¬١٤] لا يزكو [¬١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف
стр. 527
ثمنها، فقال لهم [¬١] موسى: إن اللَّه قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله -وهو الذي كان أتى موسى ﵇ فشكا إليه-[فقتله الله] [¬٢] على أسوأ عمله.
وقال محمد بن جرير (٤٦١): حدثني محمد [¬٣] بن سعد [¬٤]، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [¬٥] عن ابن عباس في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لامال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان [¬٦] بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألّا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها دِيَتَهُ؛ وذلك أنهما كانتا [¬٧] مدينتين، كانوا في إحداهما [¬٨]، وكان القتيلِ إذا قتل وطرح [¬٩] بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما [¬١٠] كانت أقرب إليه غرِمَت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قُتل على باب مدينتكم، فواللَّه لتغرمنّ لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا.
وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇ فلما أتوه، قال بنو أخي الشيح: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇ فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فتضربوه ببعضها.
وقال السدي (٤٦٢): ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن
стр. 528
أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم؛ انطق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها [¬١]، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني؛ فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطب عمه -كأنه لا يدري أين هو- فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية. فقالوا له: يا رسول الله؛ ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة [¬٢] فوالله إنّ ديته علينا لهينة، [ولكن نستحي] [¬٣] أن نعير به. فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال لهم موسى [﵇]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذجوا بقرة، أتهزأ بنا؟ ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن عباس (٤٦٣): فلو اعترضوا [¬٤] بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم. فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النَّصَفُ التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ [إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ] [¬٥] إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه -وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح- فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له [¬٦] الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا؛ قال [¬٧] الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ [¬٨] ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبي أن يوقظ أباه فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون
стр. 529
البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرة [¬١] فأبى [¬٢] فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا: يا نبي الله؟ إنا وجدناها عند هذا، فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال [¬٣]: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها. قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه [¬٤]: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقْتلُهُ فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
وقال سنيد (٤٦٤): حدثنا حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فأعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله
فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف [¬٥] رئيس المدينة على
باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل ردّ الباب فناداه أخو المقتول وأصحابه:
هيهات! قتلتموه ثم تردّون الباب! وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه -بنى إسرائيل-
كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال
حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، قالوا: يا
موسى [¬٦]؛ إن هؤلاء قتلوا قتيلًا، ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله؛ قد عرفت
اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله [¬٧] ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا.
فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، و [¬٨] الظاهر أنها
стр. 530
مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدّق ولا تُكَذّب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا [¬١] لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله [¬٢] عليهم، ولو أنهم ذبحوا أبي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعَبيدةُ وغير واحد، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
أي [¬٣]: ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها.
قال ابن جرير (٤٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام [¬٤] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم.
إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.
وقال ابن جريج: قال لي [¬٥] عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم [¬٦].
стр. 531
قال ابن جريج: قال رسول الله، ﷺ : "إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم، وايم الله، لو أنهم لم يستثنوا لما [¬١]، بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (٤٦٦).
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي، ومجاهد وعكرمة، وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضًا.
وقال الضحاك عن ابن عباس (٤٦٧): ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. [يقول: نَصَفٌ] [¬٢] بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون [¬٣]، وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك.
وقال السدي: العوان: النَّصَف التي بين ذلك التي قد [¬٤] ولدت، وولد ولدها.
وقال هشيم: عن جويبر (٤٦٨) عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية.
وقال ابن جريج: عن عطاء، عن ابن عباس (٤٦٩): من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها؛ وذلك قوله تعالى ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: إنها كانت صفراء.
وعن ابن عمر (٤٧٠): كانت صفراء الظِّلف. وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بن علي، حدَّثنا نوح [¬٥] بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: سوداء شديدة السواد.
стр. 532
وهذا غريب، والصحيح الأوّل؛ ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
وقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [تكاد تسود] [¬١] من صفرتها.
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع ابن أنس، والسدّي والحسن وقتادة نحوه.
وقال شريك عن مغراء، عن ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صاف [¬٢].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.
وقال السدّي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين. وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس.
وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها يُخَيَّل إليك أنْ شعاع الشمس يخرج من جلدها. [وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم] [¬٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا﴾ أي [¬٤]: لكثرتها، فميِّز لنا هذه البقرة وصفها وجَلِّها لنا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧٢): حدَّثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدَّثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدَّثنا سرور بن المغيرة الواسطي -ابن أخي منصور بن زاذان- عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أنّ بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما [¬٥] أعطوا ولكن استثنوا".
стр. 533
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (٤٧٣) في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة ابن [¬١] زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى اللَّه عديه وسلم: "لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدّي، والله أعلم.
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدّة للسقي في [السانية] بل هي مكرّمة حسنة [¬٢] صبيحة ﴿مسلمة﴾. صحيحة لا عيب فيها ﴿لا شية فيها﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها.
وقال عبد الرزاق (٤٧٤) عن معمر عن قتادة: ﴿مسلمة﴾ يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: ﴿مسلمة﴾ من الشية.
وقال عطاء الخراساني: ﴿مسلمة﴾ القوائم والخلق.
﴿لا شية فيها﴾ قال مجاهد: لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض. وقال عطاء الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي، ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.
وقال السدّي: ﴿لا شية فيها﴾ من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
[وقد زعم بعضهم أنّ المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث. وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي [لم] تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] [¬٣]. ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [] [¬٤] قال قتادة: الآن بيَّنتَ لنا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك، والله قد جاءهم الحق.
стр. 534
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال الضحاك عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألَّا يذبحوها.
يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمٌّ لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها [¬١].
وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. لكثرة ثمنها.
وفي هذا نظر؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.
وقال عبد الرزاق (٤٧٥): أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: [ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.
وهذا إسناد جيد عن عكرمة] [¬٢]، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.
و [¬٣] قال ابن جرير وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.
ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر؛ بل الصواب -والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق.
[مسألة
استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، والليث والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (٤٧٦) عن النبي ﷺ : "لا
стр. 535
تنعت المرأةُ المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العبد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحُكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم] [¬١].
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ـ اختلفتم.
وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (٤٧٧)، عن أدِ"، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. اختلفتم.
وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال آخرون [¬٢]: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال مجاهد: ما تغيبون.
وقال ابن أبي حاتم (٤٧٨): حدثنا عمرو بن سلم [¬٣] البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدَّثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله؛ وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. هذا البعض أيُّ شيء كان
стр. 536
من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تحيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه [¬١] أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم (٤٧٩): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفان [¬٢] بن مسلم، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه [ملء مسكها] [¬٣] دنانير، فذبحوها فضربوه -يعني القتيل- بعضوٍ منها، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا، فقالوا له: مَنْ قتلك؟ قال: قتلني فلان.
وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس أنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا [¬٤] معمر قال: قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، و [¬٥] قال معمر: قال قتادة: ضربوه [¬٦] بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان (٤٨٠).
وقال [وكيع بن الجراح في تفسيره] [¬٧]: حدَّثنا [¬٨] النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾: فضرب بفخذها فقام؛ فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد وقتادة وعكرمة [¬٩]، نحو ذلك.
وقال السدي: فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها، فيضربوا به
стр. 537
القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها.
وقيل: بلسانها. [وقيل: بعجب ذنبها] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل. جعل ﵎ ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما [¬٢] خلقه من [¬٣] إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي من على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة.
ونبه [¬٤] تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأَجسام بعد صيرورتها رميمًا، كما قال أبو داود الطالسي (٤٨١):
حدَّثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء قال: سمعت وكيع بن عُدُس يحدث عن أبي رَزِين العقيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد مُمْحل، ثم مررت به خَضِرا؟ " قال: بلى قال: "كذلك النشور". أو قال: "كذلك يحيى الله الموتى". وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
[مسئلة
استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلنى لوثًا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سُئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لايخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك لحديث أنس: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها، فرضىخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله، ﷺ ، أن يرضخ رأسه بين حجرين (٤٨٢).
стр. 538
وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] [¬١].
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾. التي لا تلين أبدًا؛ ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا [¬٢] كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
و [¬٣] قال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال [¬٤]: بنو أخي قتلوني، ثم قبض فقال بنو أخيه حين [قبضه الله] [¬٥]: ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعني: بني أخي الشيخ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية، بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن [¬٦] من الحجارة ما يتفجر [¬٧] منها العيون [الجارية بالأنهار] [¬٨]، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكان جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه [¬٩]، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق [¬١٠] عن
стр. 539
ماء، أو يتردى [¬١] من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (٤٨٣) عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
[وقال أبو علي الجبائي في تفسيره ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. هو سقوط البرد من السحاب.
قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد. وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفط بلا دليل، والله أعلم] [¬٢].
وقال ابن أبي حاتم (٤٨٤): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب -يعني يحيى بن يعقوب- في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾. قال: هو كثرة البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب، من غير دموع العين.
[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يريد أن ينقض﴾ قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. الآية. وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية ﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ ﴿الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَينَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ الآية. وفي الصحيح: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر
стр. 540
الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه] [¬١].
تنبيه
اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: "أو"هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشدّ قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾] [¬٢] وكما قال النابغة الذبياني [¬٣]:
قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا … إلى [¬٤] حَمَامتنا أو نصفُه فَقَدِ
تريد: ونصفه. قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية:
قال الخِلافَةَ أو كانت له قدرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
قال ابن جرير: يعني قال الخلافة، وكانت له قدرًا.
وحكى القرطبي قولًا: أنها للتخيير، أي: مثلًا لهذا وهذا، وهذا مثل: جَالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.
وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولًا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى الخاطب، كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: [كُلْ] حلوا أو حامضًا، أي: لا يخرج عن واحد منهما. أي: وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] [¬٥].
وقال آخرون: "أو"هاهنا بمعنى "بل"، تقديره [¬٦]: فيى كالحجارة بل أشدّ قسوة، وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ عندكم، حكاه ابن جرير.
وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على الخاطب كما قال أبو الأسود:
أحبّ محمدًا حُبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصيَّا
فإن يك حُبُّهم رشدًا أصبه … ولست بمخطيء إن كان غيًّا
قال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حب من سمى رَشَدٌ،
стр. 541
ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله. ثم انتزع [¬١] يقول [¬٢] الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فقال: أوَ [¬٣] كان شاكًّا من أخبر بهذا: في الهادي منهم من الضلال؟. [وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم [¬٤] لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة.
قال ابن جرير: ومعنى ذلك] [¬٥]-على هذا التأويل-: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشدّ قسوة من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.
(قلت): وهذا القول الأخير يبقي [¬٦]، شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ مع قوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، وكقوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾ مع قوله: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾. الآية. أي: إن منهم من [هو هكذا] [¬٧]، ومنهم من [هو هكذا] [¬٨]، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بين أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي".
رواه الترمذي (٤٨٥) في كتاب الزهد من جامعه، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، صاحب الإمام أحمد، به.
ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم.
стр. 542
[وروى البزار (٤٨٦) عن أنس مرفوعًا: "أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"] [¬١].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾
يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا [¬٢] لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي [¬٣]: يتأوّلونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال محمد بن إسحاق (٤٨٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس
стр. 543
قوله: [يسمعون كلام الله] [¬١]: يسمعون [¬٢] التوراة. كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم: إنهم قالوا لموسى، يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم مُرْهُم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا [فوقعوا سجودًا] [¬٣]، وكلمه ربه تعالى فسمعوا [¬٤] كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، [وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله؛ إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله لهم] [¬٥]، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ .
وقال السدي ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة، حرّفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى ابن عمران ﵊ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: مُبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود، و [¬٦] كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعدما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد: الذين يحرّفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في [¬٧] كتابهم، من نعت محمد ﷺ ، فحرّفوه عن مواضعه، وقال السدي ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرّفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا [والحرام فيها حلالًا] [¬٨] والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل
стр. 544
برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم [¬١] أحد يسألهم شيئًا [¬٢] ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
و [¬٣] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا [آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] [¬٤]﴾. الآية.
قال محمد بن إسحاق: حدثنا [¬٥] محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو -سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا﴾. لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. أي: تقرّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم [¬٦] باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقرّوا به. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.
وقال السدي (٤٨٨): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله، ﷺ ، قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن" فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكَر [¬٧] يرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون.
стр. 545
وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم: كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم -[يعني: الرؤساء] [¬١]- قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ الآية.
وقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. يعني: بما أنزل الله [¬٢] عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ .
وقال عبد الرزاق (٤٨٩) عن معمر عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم [إلى بعض] [¬٣]، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
قول آخر في المراد بالفتح:
قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد (٤٩٠)، في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: "يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت". فقالوا: من أخبر بهذا [¬٤] الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. بما حكم الله للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج: عن مجاهد هذا حين أرسل إليهم عليًّا، فآذوا محمدًا ﷺ .
وقال السدي ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا [¬٥] يحدّثون المؤمنين من العرب بما عُذّبوا به، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ فيحاجوكم
стр. 546
به عند ربكم، فيخصموكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد، ﷺ ، وتكذيبهم به، وهم [¬١] يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.
وقال الحسن ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾. قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد، ﷺ ، وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد [¬٢] منهم أصحاب محمد، ﷺ ، بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد، ﷺ ، بما في كتابهم عند ربهم. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ : آمنا. وكذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن أهل الكتاب. قاله مجاهد. والأمّيون جمع أمّي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قاله أبو العالية والربيع، وقتادة وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرون ما فيه؛ ولهذا في صفات النبي ﷺ : أنه الأمي [¬٣]؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. وقال ﵊: "إنا أمّة أمّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا". الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب. وقال [تبارك] وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب، دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄ [¬٤] قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا، به (٤٩١):
стр. 547
أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأمّيون قوم لم يصدّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جُهَّال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أمّيين لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أنّ الأمّي عند العرب الذي لا يكتب.
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.
و [¬١] قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني: إلا أحاديث.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد: إلا كذبًا. وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾. قال: أُنَاس من اليهود [¬٢] لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.
وقال أبو العالية والرييع وقتادة: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
قال ابن جرير (٤٩٢): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس. وقول [¬٣] مجاهد: إن الأمّيين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله [¬٤] الله تعالى على موسى - شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون [¬٥] الكذب، ويَتَخَرَّصُون [¬٦] الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني [¬٧] في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه [¬٨]. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان، ﵁، ما تغنيت ولا تمنيت. يعني: ما تخرصت [¬٩] الباطل ولا تخلقت [¬١٠]، الكذب.
стр. 548
[وقيل: المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعًا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي تلا ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. وقال كعب بن مالك الشاعر:
تمنَّى كتاب الله أوّل ليلِهِ … وآخره لاقى حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله آخر ليلِهِ … تمني داود الكتاب على رسل] [¬١]
وقال محمد بن إسحاق (٤٩٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾. أي [¬٢]: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون [¬٣] نبوتك بالظن.
وقال مجاهد ﴿وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون.
وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله [¬٤] الظنون بغير الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. الآية هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
[والويل: الهلاك والدمار] [¬٥]، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري: عن زياد بن فَيَّاض، سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار: الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
وقال ابن أبي حاتم (٤٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
стр. 549
الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ ، قال: "ويل: واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره".
ورواه الترمذي (٤٩٥)، عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى، عن [¬١] ابن لهيعة، عن درّاج، به. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
(قلت): لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعًا- منكرٌ، والله أعلم.
وقال ابن جرير (٤٩٦): حدَّثنا المثنى، حدَّثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري [¬٢]، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، في عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، ﵁، عن رسول الله، ﷺ : ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قال: "الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ
стр. 550
لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ".
وهذا غريب أيضًا جدًّا.
[وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدّة الشر. وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويل ترحم. وقال غيره: الويل الحزن. وقال الخليل: وفي معنى ويل ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرّق بينها.
وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوّز نصبها بمعنى ألزمهم ويلًا. (قلت): لكن لم يقرأ بذلك أحد] [¬١].
وعن عكرمة عن ابن عباس، ﵄، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد: عن قتادة: هم اليهود.
وقال سفيان الثوري: عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس، ﵁، عن قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السديُّ: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه [¬٢] من عند الله، ليأخذوا [¬٣] به ثمنًا قليلًا.
وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، [وكتاب الله] [¬٤] الذي أنزله [¬٥] على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه [¬٦] غضًّا لم يَشِب؟، وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم.
رواه البخاري من طرق، عن الزهري (٤٩٧).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري:، الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
стр. 551
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادّعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فردّ الله عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد [¬١] فهو لا يُخَلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى "بأم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ [¬٢] هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّبُ بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة [¬٣]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾.
ثم رواه عن محمد (٤٩٨)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه [¬٤].
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة (٤٩٩).
[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] [¬٥]. وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أنّ ما بين طرفي جهنم
стр. 552
مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة [¬١] في أصل الجحيم، وقال أعداء [¬٢] الله: إنما نُعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك [¬٣]. فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
وقال عبد الرزاق (٥٠٠): عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله- ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها [¬٤] قوم آخرون- يعنون [¬٥] محمدًا ﷺ وأصحابه، ﵃، فقال رسول الله، ﷺ ، بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. الآية.
وقال الحافط أبو بكر بن مردويه ﵀: حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمد بن صخر، حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُم، فقال رسول الله- ﷺ : "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا". فقال لهم رسول الله، ﷺ : "من أبوكم؟ " قالوا: فلان. قال: "كذبتم؛ بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبَرِرت.
ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوا نا فيها. فقال لهم رسول الله، صلى الله عيه وسلم: "اِخسَئُوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله، ﷺ : "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ قال [¬٦]: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ " فقالوا: نعم. قال: "فما [¬٧] حملكم على ذلك؟ ". فقالوا: أردنا؛ إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.
стр. 553
ورواه الإمام [¬١] أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه (٥٠١).
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه مَنْ عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست [¬٢] له حسنة؛ بل جميع أعماله [¬٣] سيئات؛ فهذا من أهل النار [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾] [¬٤] [أي [¬٥]: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات] [¬٦] من العمل الموافق للشريعة فهم [¬٧] من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
قال محمد بن إسحاق (٥٠٢): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أي: عمل مثل [¬٨] أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك (٥٠٣).
قال ابن أبي حاتم (٥٠٤): وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد، وعكرمة، والحسن وقتادة
стр. 554
والربيع بن أنس، نحوه.
وقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر (٥٠٥).
وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قالوا [¬١]: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطايا [¬٢] من قبل أن يتوب. وعن السدي وأبي رزين. نحوه.
وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الكبيرة الموجبة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال (٥٠٦):
حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا [عمران عن قتادة] [¬٣]، عن عبد ربه، عن أبي عياض، [] [¬٤] عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وإنّ رسول الله، ﷺ ، ضرب لهنّ مثلًا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.
стр. 555
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: من آمن بما كفرتم به [¬١]. وعمل بما [¬٢] تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله [لا انقطاع له أبدًا] [¬٣].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ إلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
يُذكِّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم، كما قال تعالى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى] [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن [تبارك و] [¬٥] تعالى [كثيرًا] [¬٦] بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية. إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾
وفي الصحيحين (٥٠٧)، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله؛ أيُّ العمل أفضل؟ قال:
стр. 556
"الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" ولهذا جاء في الحديث الصحيح (٥٠٨): أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ من أبَرُّ؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أباك، ثم أدناك ثم [¬١] أدناك".
[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل: كان أصله: أن لا تعبدوا إلا الله، كما قرأها من قرأها من السلف فحذفت أن فارتفع، وحكى عن أُبي، وابن مسعود أنهما قرآها: (لا تعبدوا إلا اللَّه) ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. قال: واختاره الكسائى والفراء] [¬٢].
قال ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيّبًا ولِينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُقٍ حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد (٥٠٩): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا
стр. 557
تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق [¬١] ".
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] [¬٢] من حديث [أبي عامر الخزَّاز] [¬٣]، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأخبر أنهم تولوا [¬٤] عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم. وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فقامت هذه الأمة [¬٥] من ذلك بما لم تقم به أمة من الأم قبلها ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (٥١٠): حدثنا أبي، حدَّثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا عبد الله بن يوسف [-يعني التنيسي-] [¬٦] حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًّا ولا نصرانيًّا إلا سلم عليه فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
(قلت): وقد [ثبت في] [¬٧] السنة أنهم لا يبدءون بالسلام والله أعلم (٥١١).
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ
стр. 558
فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
يقول الله ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله، ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج -وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من [¬١] الفريق الآخر، وذلك حرام عليه في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ] [¬٢]﴾ وذلك أنّ أهل [الملة الواحدة] [¬٣] بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: "مثل المؤمنين في توادّهم وتواحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر".
[وقوله تعالى]: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة [¬٤] هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.
стр. 559
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [¬١]﴾ الآية.
و [¬٢] قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: أنَّبهم الله بذلك [¬٣] من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع -وهم [¬٤] حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة ش، وهم [¬٥] حلفاء الأوس- فكانوا [¬٦] إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والحزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، و [¬٧] لا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به- بعضهم من بعض- يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون (٥١٢) ما أصابوا من دمائهم [¬٨]، وقتلى [¬٩] من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.
يقول الله -تعالى ذكره-[حيث أنَّبَهم] [¬١٠] بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم [¬١١] بحكم التوراة، وتقتلونهم [¬١٢]، وفي حكم التوراة أن لا يقتل [¬١٣]، ولا [¬١٤] يخرج [¬١٥] من داره، ولا [¬١٦] يظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة (٥١٣).
стр. 560
وقال أسباط، عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضيرُ تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم [¬١] فيخرّبون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما [¬٢] جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرِّم علينا قتالهم: قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي [¬٣] أن تُسْتَذلَ [¬٤] حلفاؤنا [¬٥]. فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَظِيم [¬٦]: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير [¬٧]، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرَّ برأس الجالوت، نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت؛ هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها [¬٨] مني أو لتكفُرَنَّ بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [¬٩] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، وردّ عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر -يعني الرازي- حدثنا الربيع بن أنس (٥١٤)، أخبرنا أبو العالية: أنّ عبد الله بن سلام مَرَّ على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهنّ كلهنّ.
والذي [¬١٠] أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذمُّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي
стр. 561
يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شئونه، التي قد [¬١] أخبرت بها الأنبياء قبله [عليهم الصلاة والسلام] [¬٢].
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬٣] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم [¬٤] منه.
وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)
ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى [¬٥] الكتاب -وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله تعالى من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطر فينفخ فيها فتكون طيرًا [¬٦] بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده [¬٧] بروح القدس- وهو جبريل ﵇ - ما يدلهم [به] [¬٨] على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له،
стр. 562
وحسدُهم وعنادُهم لمخالفته التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة؛ [ففريقًا يكذبون، وفريقًا يكذبونه و] يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، ووإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان [ذلك يشق] [¬١] عليهم فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
والدليل على أن روح القدس هو جبريل -كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس] [¬٢] ومحمد بن كعب القرظى [¬٣] وإسماعيل بن أبي [¬٤] خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]- ما [¬٥] قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُروة، عن عائشة: إن رسول الله، ﷺ ، وضع لحسان بن ثابت مِنْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله، ﷺ ، فقال رسول الله، ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ أيِّدْ حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك [¬٦] ". وهذا [¬٧] من البخاري تعليق (٥١٥).
وقد رواه أبو داود في سننه، [عن لُوَين] [¬٨]، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (٥١٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد.
стр. 563
وفي الصحيحين (٥١٧): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه [¬١]، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللَّهُمَّ، أيده بروح القدس"؟ فقال: الَّلهُمَّ نعم.
وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك".
[وفي شعر حسان قوله:
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] [¬٢]
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني [عبد الله بن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم (٥١٨).
[وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] [¬٤] " (٥١٩).
стр. 564
أقوال آخر:
قال ابن أبي حاتم (٥٢٠): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا منجاب [¬١] بن الحارث، حدَّثنا بشر، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْنَاهُ [¬٢] بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم [¬٣] الذي كان عيسى يُحيي به الموتى.
وقال ابن جرير (٥٢١): حدثت [¬٤] عن المنجاب. . . فذكره.
و [¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
[ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضًا قال: وهو الاسم الأعظم] [¬٦]. وقال [ابن أبي نجيح] [¬٧]: الروح هو حفظة على الملائكة.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎. وهو قول كعب، [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل. فعلى هذا يكون القول الأوّل] [¬٨]. وقال السدي: القدس البركة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس الطهر.
وقال ابن جرير (٥٢٢) حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٩] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا، كما جعل القرآن روحًا كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية. فذكر أنه أيده به، فلو كان
стр. 565
الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قولًا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، والله [ ] أعز وأجل [¬١] أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به [¬٢].
(قلت): ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق، ولله الحمد. [وقال الزمخشري: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولًا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدّسة المطهرة. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل؛ وفريقًا، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسُّمِّ والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري".
(قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري (٥٢٣) وغيره] [¬٣].
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
قال محمد بن إسحاق (٥٢٤)، حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.