"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله". ثم دعا سعد فقال: اللهم؛ إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قال: فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص [¬١]، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، ﷺ .
قالت عائشة: فَحَضَره [¬٢] رسولُ الله ﷺ وأبو [¬٣] بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رحماء بينهم﴾.
قال علقمة: فقلت: أي أمّه؛ فكيف [¬٤] كان رسول الله، ﷺ ، يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
وقد أخرج البخاري ومسلم (٥٧) من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة نحوًا من هذا، ولكنه [¬٥] أخصر منه، وفيه دُعاء سعد ﵁.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
هذا أمر من الله لرسوله [¬٦]، ﷺ ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُلُ لهن [من] عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل: فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.
стр. 5042
قال البخاري (٥٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال [¬١]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك". وقد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟
وكذا رواه معلقًا عن الليث: حدثني يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره وزاد، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (٥٩).
وقد حكى البخاريّ أن معمرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقال ابن جرير (٦٠): حدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ : "إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك". قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال [¬٢]: فردّه عليها فقالت: فما هو يا رسول الله؟ قالت: فقرأ عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ .
وحدثنا ابن وكيع (٦١)، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله ﷺ ، فقال: "يا عائشة؛ إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء [¬٣] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: قال الله :
стр. 5043
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحُجَر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ كلهن.
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.
قال ابن جرير (٦٢): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عَليّ فقال: "سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك": فقلت. وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تستعجلي [¬١] حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن كُلّهن، فاخترن الله ورسوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] [¬٢] أبي ثَور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: قد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ … ﴾ الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة ﵅.
وأخرجه البخاري ومسلم جميعًا (٦٣) عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثله.
وقال الإمام أحمد (٦٤): حدثنا أبو معاودة، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن
стр. 5044
مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئًا. أخرجاه من حديث الأعمش.
وقال الإمام أحمد (٦٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ ، والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس. فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله؛ لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عُنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه. وقال: "هن حولي يسألنني النفقة". فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة فقال: "إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك … ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أتستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائِك ما اخترت. فقال: "إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتُها". انفرد بإخراجه مسلم [¬١] دون البخاري، فرواه هو والنسائي، من حديث زكريا بن إسحاق المكيّ به.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (٦٦): حدثنا سريج [¬٢] بن يونس، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد [الله بن عليّ] [¬٣] بن أبي رافع، عن عثمان بن عليّ بن الحسين،
стр. 5045
عن أبيه، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ خَيّر نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق.
وهذا منقطع، وقد رُوي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك. وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال: ﴿فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن.
وقد اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن، على قولين، وأصحهما: نعم لو وقع، ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.
قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حُييّ النَّضَريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾
يقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن [¬١] بحكمهن دون سائر النساء، بأن [¬٢] من يأت منهن بفاحشة مبينة -قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق- وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال: في الدنيا والآخرة.
وعن ابن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٣] مثله.
стр. 5046
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا ثم، ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: يطيع [¬١] الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله ﷺ ، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾
هذه آداب أمر الله بها نساء النبي ﷺ ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنهن [¬٢] لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلاتٌ" [¬٣]. وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (٦٧).
стр. 5047
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة [¬١]، حدثنا أبو رجاء الكلبيّ: روح بن المسيب -ثقة- حدثنا ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله؛ ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "من قعد -أو كلمة نحوها- منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهد [¬٢] في سبيل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور.
وقال البزار (٦٨) أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها".
ورواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه.
وروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضًا (٦٩)، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها". وهذا إسناد جيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.
وقال قتادة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج [¬٣]- فنهى اللَّه عن ذلك.
стр. 5048
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والتبرج: أنها تلقى [¬١] الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وقال ابن جرير (٧٠): حدثني ابن [¬٢] زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- حدثنا علي بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، فكانت [¬٣] ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أبي رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر [¬٤] نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرَّجُ [النساء للرجال] [¬٥]- قال: ويتزين [¬٦] الرجال لهن، وإن رجلًا من أهل الجبل هَجَم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة -وهي: عبادة الله وحده لا شريك له- وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين، ﴿وأطعن الله ورسوله﴾، وهذا من باب عطف العام على الخاص.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا. لأنهن سبب نزول هذه [¬٧] الآية، وسبب النزول داخل في قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة،
стр. 5049
وهكذا روى ابن أبي حاتم قال [¬١]: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾، قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.
وقال عكرمة: من شاء باهلته (*) أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ (٧١).
فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (٧٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: حسن غريب.
(حديث آخر)، قال ابن جرير (٧٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ ، [قال: رأيت رسول الله ﷺ ] [¬٢] إذا طلع الفجر، جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: "الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
أبو داود الأعمى هو نفيع [¬٣] بن الحارث كذّاب.
стр. 5050
(حديث آخر): وقال الإِمام أحمد أيضًا (٧٤): حدَّثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدَّثنا شداد أَبو [¬١] عَمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا علي ﵁ فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيتُ من رسول الله ﷺ ؟ قلت." بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن عليّ فقالت: تَوَجَّه إلى رسول الله ﷺ ، فجلست أنتظره حتَّى جاء رسول الله ﷺ ومعه عليّ [¬٢] وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتَّى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه -أو قال: كساءه - ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، "اللَّهُم؛ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق".
وقد رواه أَبو جعفر بن جرير (٧٥) عن عبد الكريم بن [¬٣] أَبى عمير، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا، يا رسول اللَّه - صلى الله عليك - من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي". قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي.
ثم رواه أيضًا (٧٦) عن عبد الأعلى بن واصل [¬٤]، عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد أبي [¬٥] عمار قال [¬٦]: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع، إذ ذكروا عليًّا فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتَّى أخبرك عن الذي شتموه: إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء على وفاطمة وحسن وحسين فألقى ﷺ عليهم كساء له، ثم قال: "اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قلت: يا رسول الله؟ وأنا؟ قال: "وأنت". قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي.
[حديث آخر] [¬٧]: قال الإِمام أحمد (٧٧): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا عبد الملك بن
стр. 5051
أبي سليمان، عن عصاء بن أبي رباح، حدثني منى سمع أم سلمة لذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (*)، فدخلت بها عليه فقال لها: "ادعي زوجك وابنيك [¬١] ". قالت: فجاء عليّ وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة (**) له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلى، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: فأنزل فضل الكساء فغطاهم به، أخرج [¬٢] يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: "اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي وحامَّتِي (* * *)، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قالت: فأخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: "إنك إلى خير إنك إلى خير".
في إسناده من لم يسم [¬٣] وهو شيخ عطاء وبقية رجاله ثقات.
(طريق أخرى)، قال الإِمام أحمد (٧٨): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف، عن أبي المعدل [عطية] (* * **) الطفاوي، عن أبيه أن أم سلمة حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ في بيتي يومًا؛ [إذ قالت] [¬٤] الخادم: إن فاطمة وعليًّا بالسدة (* * * * *) قالت: فقاله لي: قومي فتَنَحي عن أهل بيتي. قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليًّا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليًّا، وأغدف [¬٥] (* * * * * *) عليهم خَميصَة سوداء وقال: (اللهم)؛ إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي". قالت: قلت [¬٦]: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك! قال: "وأنت".
стр. 5052
(طريق أخرى) قال ابن جرير (٧٩): حدَّثنا أَبو كريب، [حدَّثنا الحسن بن عطية] [¬١]، حدَّثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت في بيتها ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول الله؛ ألستُ من أهل البيت؟ فقال: "إنك إلي خير، أنت من أزواج النبي" ﷺ ، قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ﵃.
(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (٨٠)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن أم سلمة بنحوه.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (٨١): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وَهْب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال: "أنت من أهلي".
(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (٨٢) عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه بنحو ذلك.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (٨٣): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا مصعب بن المقدام، حدَّثنا سعيد بن زَرْبيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ببُرْمة لها، قد صنعت فيها عَصيدة تحملها على
стр. 5053
طبق، فوضعتها بين يديه فقال: "أين ابن عمك وابناك؟ " فقالت: في البيت. فقال: "ادعيهم"، فجاءت إلى عليّ فقالت: أجِبْ رسولَ الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال: "اللهم؛ هؤلاء [¬١] أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا".
(طريق أخرى): قال ابن جرير (٨٤): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمَش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا عليّ بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: "لا تأذني لأحد". فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده. ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء عليّ فلم أستطع أن أحجبه. فاجتمعوا فَجَلَّلهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا [¬٢]؟ قالت: فوالله ما أنعم وقال: "إنك إلى خير".
(حديث آخر): قال ابن جرير (٨٥): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شَعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، [ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه] [¬٣]، ثم جاء عليّ فأدخله معه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
стр. 5054
(طريق أخرى): قال ابن أَبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا سُرَيج [¬١] بن يونس أَبو الحارث، حدَّثنا محمد بن يزيد، عن العوام - يعني ابن حوشب - عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن عليّ ﵁ فقالت ﵂: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليها وفاطمة وحسنًا وحسينًا. فألقى عليهم ثوبًا فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله؛ وأنا من أهل بيتك؟ فقال: "تَنَحي، فإنك على خير".
(حديث آخر) قال ابن جرير (٨٦): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا بكر بن يحيى بن زَبَّان العنزي [¬٢]، حدَّثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة كما تقدم. وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد [¬٣] العجلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا، فالله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن جريرر (٨٧): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا بكير بن مسمار قال [¬٤]: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًّا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: "رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي".
(حديث آخر): وقال مسلم في صحيحه (٨٨): حدثني زُهير بن حرب، وشُجاع بن مَخْلَد - جميعًا - عن ابن عُلَيَّة قال زهير: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أَبو [¬٥] حَيَّان، حدثني يزيد بن حَيَّان قال: انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم [¬٦] إلي زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا؛ [أرأيت رسول الله صلى الله عليه
стр. 5055
وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حَدَّثنا يا زيد ما سمعتَ من رسول الله ﷺ . قال] [¬١]: يا بن أخي؛ والله لقد كَبِرَتْ سني، وقَدُم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله ﷺ ، فما حَدّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلَّفونيه [¬٢]. ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطبًا بماء يدعى خُمًّا [¬٣]-بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذكر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس؟ فإنَّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فَحَثَّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي، أذَكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" ثلاثًا - فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرمَ الصَّدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل عبَّاس. قال: كل هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم.
ثم [¬٤] رواه (٨٩) عن محمد بن بكار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حَيَّان، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث كنحو [¬٥] ما تقدم، وفيه: فقلنا له: من أهل بيته نساؤه [¬٦]؟ قال: لا ولم [¬٧] ايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فتوجع إلى أبيها وقومها [¬٨]، أهل بيته أصله وعَصَبته الذين حُرموا الصدقة بعده.
هكذا وقع في هذه الرواية والأُولى [¬٩] أَولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنَّه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حُرموا الصدقة، أو أنَّه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح، جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا [¬١٠]، والله أعلم.
стр. 5056
ثم الذي لا يَشُك فيه من تَدبَّر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِرًا﴾، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، أي: اعملن بما نزل [¬١] الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قَتَادة وغير واحد. واذكرن هذه النعمة التي [خصصتن بها] [¬٢] من بين الناس، إن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه اسم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك ﷺ (٩٠).
قال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: "وأهل بيتي أحق" (٩١).
وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: "هو مسجدي هذا" (٩٢).
فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قُباء، كما ورد في الأحاديث الأخر (٩٣). ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بِتَسمِيتِه بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو [¬٣] الوليد، حدَّثنا أَبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن أبي [¬٤] جميلة قال [¬٥]: إن الحسن بن علي استُخلِفَ حين قُتِال عليّ - رضي
стр. 5057
الله عنهما - قال: فبينما هو يصلى إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره [¬١]، وزعم حصين أنَّه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وَركه، فمرض منها أشهرًا، ثم بَرأ فقعد على المنبر، فقال: يا أ هل العراق؛ اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قال: فما زال يقولها حتَّى ما بقى أحد من أهل المسجد إلَّا وهو [¬٢] يَحِنُّ بكاء.
وقال السدي، عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل [¬٣] الشام: أما قرأت في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: بلطفه بكنَّ بلغتُنَّ هذه المنزلة، وبخبرته [¬٤] بكن وأنكن أهل لذلك، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك.
قال ابن جرير، ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة. وهي السنة، خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا.
وقال قتادة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: "يَمْتَنُّ عليهن بذلك". رواه ابن جرير.
وقال عطية العوفي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، يعني: لطف باستخراجها، خبير بموضعها. رواه ابن أبي حاتم، ثم [¬٥] قال: وكذا روي عن [¬٦] الربيع بن أَنس، و [¬٧] قَتَادة.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
стр. 5058
وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾
قال الإِمام أحمد (٩٤): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا عثمان بن حكيم، حَدثنا عبد الرحمن بن شيبة، سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ : ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرعني [¬١] منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسَرِّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى [حُجرة من] [¬٢] حُجَر [¬٣] بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: ﴿يا أيها الناس، إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . … ﴾ إلى آخر الآية.
وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد، به مثله.
(طريق أخرى عنها) قال النَّسائي أيضًا (٩٥): حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا سويد، أخبرنا عبد الله عن [¬٤] شريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنَّها قالت للنبي ﷺ : يا نبي الله؛ ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن [¬٥]؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وقد رواه ابن جرير (٩٦)، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت [¬٦]: يا رسول الله؛ أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ الآية.
(طريق أخرى) قال سفيان الثَّوري (٩٧)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم
стр. 5059
سلمة: يا رسول الله؛ يذكر الرجال ولا نذكر؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾ الآية.
(حديث آخر) قال ابن جرير (٩٨): [حدَّثنا أبو كريب، قال] [¬١]: حدَّثنا سنّان [¬٢] بن مظاهر العَنَزي [¬٣]، حدَّثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: قال النساء للنبي ﷺ : ما له - يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.
وحدثنا بشر (٩٩)، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة، قال: دخل نساء على نساء النبيّ ﷺ ، فقلن: قد ذكَركُن الله في القرآن، ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر [¬٤]؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.
فقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإِسلام، وهو أخص منه، لقوله تعالى: (﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وفي الصحيحين (١٠٠) " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فسلبه [¬٥] الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنَّه أخص [¬٦] منه كما قررناه في أول شرح البخاري.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ القنوت: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فالإِسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، ثم القنوت ناشيء عنهما.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خَصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة لم تُجرب عليه كِذْبة لا في الجاهلية ولا [في الإِسلام] [¬٧]، وهو علامة على الإِيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، ["عليكم بالصدق، فإن
стр. 5060
الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنَّة، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار] [¬١] ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتَّى يكتب عند الله كذابًا" (١٠١). والأحاديث فيه كثيرة جدًّا.
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، هذه سَجِية [¬٢] الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وَتَلَقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، الخشوع [¬٣]: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع. والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته، "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (١٠٢).
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، الصدقة: هي الإِحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كَسْبَ لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال طاعة لله، وإحسانًا إلى خلقه، وقد ثبت في الصحيحين (١٠٣): " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله - فذكر منهم -: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وفي الحديث الآخر (١٠٤): " والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ [¬٤] الماء النار".
والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدًّا، له موضع بذاته.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾، في الحديث الذي رواه ابن ماجة (١٠٥): " والصوم زكاة
стр. 5061
البدن". أي: تزكِّيه وتطهره وتنقِّيه من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا.
قال [¬١] سعيد بن جبير: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر؛ دخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾.
ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة -كما قال رسول الله ﷺ : "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (١٠٦) - ناسب أن يذكر بعده: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، أي: عن المحارم والمآثم إلَّا عن المباح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ".
وقوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عبيد الله، حدَّثنا محمد بن جابر، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كتبا [¬٢] تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات".
وقد رواه أَبو داود والنَّسائي وابن ماجة (١٠٧)، من حديث الأعمَش عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ ، بمثله.
وقال الإِمام أحمد (١٠٨): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: قلت: يا رسول الله؟ أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال [¬٣]: قلت: يا رسول الله؛ ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتَّى
стр. 5062
ينكسر ويختضبَ دمًا لكان الذاكرون الله أفضل منه".
وقال الإِمام أحمد (١٠٩): حدَّثنا عفان، حدَّثنا [عبد الرحمن بن إبراهيم] [¬١]، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جُمْدان (*). فقال: هذا جمدان، سيروا فقد سبق المفرّدون قالوا: وما المُفرِّدون؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا". ثم قال: "اللهم، اغفر للمحلقين". قالوا" والمقصرين؟ قال: "اللهم، اغفر للمحلقين". قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين".
تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره.
وقال الإِمام أحمد (١١٠): حدَّثنا حُجَين [¬٢] بن المثنى، حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أبي زياد -مولى عبد الله بن عَيَّاش [¬٣]، بن أبي ربيعة - أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عمل آدميٌّ من عملًا قطُّ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله".
وقال معاذ: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بخير أعمالكم [لكم] [¬٤] و [¬٥] أزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدًا [¬٦] فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "ذكر الله ".
وقال الإِمام أحمد (١١١): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ : أن رجلًا سأله فقال: أيّ المجاهدين أعظم أجرًا يا رسول الله؟ فقال: "أكثرهم لله ذكرًا". قال: فأيّ
стр. 5063
الصائمين أكثر أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا". ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك قول رسول الله ﷺ : "أكثرهم لله ذكرًا". فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير! فقال رسول الله ﷺ : "أجل".
وسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. .. ﴾ الآية. إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ [¬١] لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ل، أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرًا عظيمًا وهو الجنَّة.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾
قال العوفي، عن ابن عبَّاس، قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته. فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل فانكحيه". قالت: يا رسول الله؛ أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحادثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا … ﴾ الآية. قالت: قد رضيته لي منكحًا يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: إذا لا أعصي رسولَ الله ﷺ ، قد أنكحته نفسي.
وقال ابن لهيعة، عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت (*) منه، وقالت: أنا خير منه حسبًا -وكانت امرأة فيها حدة- فأنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ.﴾ الآية كلها.
وهكذا قال مجاهد، وقَتَادة، ومقاتل بن حيان: إنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة، فامتنعت ثم أجابت.
وقال عبد الرحمن بن زدد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت
стр. 5064
أول من هاجر من النساء -يعني بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي ﷺ ، فقال: قد قبلت. فزوجها زيد بن حارثة -يعني، والله أعلم، بعد فراقه زينب- فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسولَ الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا. .. ﴾ إلى آخر الآية. قال: وجاء أمر أجمع من هذا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قال: فذاك خاص وهذا جماع.
وقال الإِمام أحمد (١١٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت البُناني، عن أَنس، قال: خطب النبي ﷺ على جُلَيبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتَّى أستأمر أمها. فقال النبي ﷺ " "فنعم [¬١] إذًا". قال: فانطلق الرجل إلى امرأته [فذكر ذلك لها] [¬٢]، فقالت: لاها [الله (*) ذا] [¬٣]، ما وجد رسول الله ﷺ إلَّا جُليبيبًا [¬٤]، وقد منعناها من فلان وفلان. قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك. فقالت الجارية: أتريدون أن تَرُّدُوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها جَلَّت عن أَبويها، وقالا: صدقت فذهب أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كُنْتَ رضيته فقد رضيناه. قال: "فإني قد رضيته". قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة، فركب جُلَيبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: فلقد رأيتها و إنها [¬٥] لمن أنفق (**) بيت بالمدينة.
وقال الإِمام أحمد (١١٣): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد -يعني ابن سلمة- عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرءًا يدخل على النساء يَمُر بهنَّ
стр. 5065
ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكم جُليبيب [¬١] فإنه إن دخل عليكن [¬٢] لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوجها حتَّى يعلم: هل لنبي الله ﷺ فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: "زوجني ابنتك". قال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَة عين. فقال: "إني لست أريدها لنفسي". قال: فلمن [يا رسول الله] [¬٣]؟ قال: "لجلبيب كتاب". فقال [¬٤]: "إني رسول الله؛ أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونُعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجُلَيبيب إنيه (*)؟ أجليبيب إنيه [¬٥]؟ لا، لعمر الله لا نَزوّجُه. فلما أراد أن يقوم ليأتى رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها. قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟! ادفعوني إِليه، فإنه لن يضيعني. فانطلق أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنَك بها. فزَوَّجها جليبيبًا. قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزاة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبًا". قال: "فاطلبوه في القتلى". فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. [فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه] [¬٦] فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه، فقال: "قتل سبعة وقتلوه] [¬٧]، هذا مني وأنا منه" -مرتين أو ثلًاثًا-، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه [وحفر له، ما له سرير إلَّا ساعد النبي ﷺ ، ثم] [¬٨]، وضعه في قبره، ولم يذكر أنَّه غسله ﵁ قال ثابت: فما كان في الأنصار؟ أيّم [¬٩] أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ ؟ فقال: "اللهم؛ صب عليها الخير [¬١٠] صبًا، [ولا تجعل عيشها كدًّا] [¬١١]، كذا قال فما كان في الأنصار، أيّم أنفق منها. هكذا أورده الإِمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله.
стр. 5066
وذكر الحافظ أَبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" أن الجارية لما قالت في خدرها: "أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ تلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
وقال ابن جريج: [أخبرني عامر بن مصعب، على طاوس، قال: إنه سأل ابن عبَّاس عن ركعتين بعد العصر، فنهاه، وقرأ ابن عبَّاس ﵁: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾] [¬١].
فهذه [¬٢] الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنَّه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وفي الحديث (١١٤): " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به". ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)
يقول تعالى مخبرًا عن نبيه ﷺ : إنه قال لمولاه زيد بن حارثة، وهو الذي ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾، أي: بالإِسلام ومتابعة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ﴾، أي: بالعتق من الرق، وكان سيدًا كبير الشأن جليل القدر، حبيبًا إلى النبي ﷺ ، يقال له: الحبّ، ويقال لابنه أسامة: الحب ابن الحبّ. قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلَّا أثره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه.
стр. 5067
رواه أحمد (١١٥)، عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله البهي، عنها.
وقال البزار: حدَّثنا خالد بن يوسف، حدَّثنا أَبو عوانة (ح)، وحدثنا محمد بن معمر، حدَّثنا أَبو داود، حدَّثنا أَبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: حدثني أسامة بن زيد، قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس وعليّ بن أبي طالب ﵄ فقالا: يا أسامة؟ استأذن لنا على رسول الله ﷺ . قال: فأتيتُ رسولَ الله فأخبرته، فقلت: عليٌّ والعباس يستأذنان. فقال: "أتدري ما حاجتهما؟ ". فقلت: لا يا رسول الله. فقال: "لكني أدري". قال: "فأذن لهما". قالا: يا رسول الله، جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ فقال: "أحب أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد". قالا: يا رسول الله، ما نسألك عن فاطمة. قال: "فأسامة بن زيد [ابن] حارثة، الذي أنعم الله عليه وأنعمتُ عليه".
وكان رسول الله ﷺ قد زَوَّجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، وملْحَفة، ودرْعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيان - فمكثتْ عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ ، [فجعل رسول الله ﷺ ] [¬١] يقول له: "أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ". قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم - هاهنا - آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا [لعدم صحتها] [¬٢] فلا نوردها.
وقد روى الإِمام أحمد (١١٦) هاهنا أيضًا حديثًا، من رواية حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أَنس، فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا.
وقد روى البخاري أيضًا (١١٧) بعضه مختصرًا فقال: حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا
стр. 5068
معلى بن منصور، عن حمَّاد بن زيد، حدَّثنا ثابت، عن أَنس بن مالك، قال: إن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة ﵄.
وقال ابن أبي حاتم (١١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدَّثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، قال: سألني عليُّ بن الحسين ما يقول الحسن في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؟ فذكرت له فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنَّها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ". فقال: قد أخبرتك أني مُزَوِّجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وهكذا روي عن السدي أنَّه قال نحو ذلك.
وقال ابن جرير (١١٩): حدثني إسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود، عن عامر، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فَرَغ منها وفارقها زَوّجناكها، وكان الذي وَلي تزويجها منه هو [¬١] الله بمعنى: أنَّه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا وليّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.
قال الإِمام أحمد (١٢٠): حدَّثنا هاشم -يعني: ابن القاسم- أَبو [¬٢] النضر، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أَنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرها عليّ" فانطلق حتَّى أتاها وهي تُخَمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتَّى ما أستطع أن أنظر إليها؛ أنّ
стр. 5069
رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب؛ أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتَّى أؤامر ربي . فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا حين دَخَلْتُ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، خرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطَّعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته [¬١] فجعل يَتَبْع [¬٢] حُجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله؛ كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخِبرَ - قال: فانطلق حتَّى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووُعظَ القوم بما وعظوا به: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. .﴾ الآية. [] [¬٣].
ورواه [¬٤] مسلم والنَّسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.
وقد روى البخاري (١٢١) ﵀ عن أَنس بن مالك ﵁ أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات.
وقد قدمنا في "سورة النور" عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، فقالت زينب ﵂: أنا التي نزل [¬٥] تزويجي من السماء. وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري من السماء. فاعترفت لها زينب ﵂.
وقال ابن جرير (١٢٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي، قال [¬٦]: كانت زينب تقول للنبي ﷺ : إني لأدِلُّ عليكَ بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵇.
وقوله: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك، لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسولَ الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة،
стр. 5070
فكان يقال لـ: "زيد بن محمد"، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليحترز من الابن الدعي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ .
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾
يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دَعيه زيد بن حارثة.
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حَرَج، وهذا رَدٌّ على من تَوَهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودَعيه الذي كان قد تبناه.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾
يمدح تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ﴾، أي: إلى خلقه ويؤدونها [¬١] بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سماه، فلا تمنعهم [¬٢] سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا. وسيد الناس في هذا المقام -
стр. 5071
بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ ، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي ييعث إلى قومه خاصة، وأما هو - صلوات الله وسلامه عليه - فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ثم ورَّث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقوال وأفعاله وأحوال، في ليله ونهاره، وحَضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كُلّ خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.
قال الإِمام أحمد (١٢٣): حدَّثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش، عن عمرلي بن مُرّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحْقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول فيه [¬١]؟ فيقول: رب، خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى".
ورواه أيضًا عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة.
ورواه ابن ماجة عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمَش به.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، نهى أن يقال بعد هذا: "زيد بن محمد"، أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه - صلوات الله عليه وسلامه - لم يعش له ولد ذكر حتَّى بلغ الحلم، فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارًا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا. وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين - فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتَّى أصيبت به ﷺ ثم ماتت بعده لستة أشهر.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾ فهذه الآية نص في أنَّه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا
стр. 5072
رسول بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة.
قال الإِمام أحمد (١٢٤): حدَّثنا أبو عامر الأزدي، حدَّثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها [¬١] وأكملها، وترك فيها موضع لَبنة لم يَضَعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة! فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة". ورواه التِّرمِذي عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال: حسن صحيح.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٥): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا المختار بن فُلفُل، [قال] [¬٢] حدَّثنا أَنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". قال: فشَقّ ذلك على الناس، قال: "ولكن المبشرات". قالوا: يا رسول الله؛ وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي [¬٣] جزء من أجزاء النبوة".
وهكذا روى التِّرمِذي، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم، به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فُلفل.
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي (١٢٦): حدَّثنا سَليم بن حَيَّان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلَّا موضع لَبِنَة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلَّا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء ﵈".
стр. 5073
ورواه البخاري، ومسلم، والتِّرمِذي، من طرق، عن سليم بن حيان، به. وقال التِّرمِذي: صحيح غريب من هذا الوجه.
[حديث آخر] [¬١] قال الإِمام أحمد (١٢٧): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل النبيين [من قبلي] [¬٢] كمثل رَجَلَّ بنى دارًا فأتمها إلَّا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".
انفرد بإخراجه مسلم من رواية الأعمَش به.
(حديث آخر) قال أحمد (١٢٨): حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، حدَّثنا عثمان بن عُبيد الراسبي، قال [¬٣]: سمعت أبا الطفيل قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نبوة بعدي إلَّا المبشرات". قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة". أو قال: "الرؤيا الصالحة".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٩): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن هَمَّام بن مُنبه، قال: هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتًا فأحسنها وأكملها وأجملها، إلَّا موضع لَبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وَضَعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! ". قال رسول الله ﷺ : "فكنت ألا اللبنة". أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
(حديث آخر، عن أبي هريرة أيضًا) قال الإِمام مسلم (١٣٠): حدَّثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعليٌّ بن حجر [¬٤]، قالوا: حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فُضلت على الأنبياء بست:
стр. 5074
أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا مسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". ورواه التِّرمِذي وابن ماجة من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٣١): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى دارًا فأتمها [¬١] إلَّا موضع لبنة واحدة [¬٢] فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كليهما [¬٣] عن أبي معاوية به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٣٢): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا معاوية بن صالح، على سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال النبي ﷺ : "إني عند الله لخاتم [¬٤] النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته".
(حديث آخر) قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير [¬٥] بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي". أخرجاه في الصحيحين (١٣٣).
وقال الإِمام أحمد (١٣٤): حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن
стр. 5075
هُبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبيُّ [¬١] الأميُّ - ثلاثًا - ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، [وعُوفيتُ وعُوفيت] [¬٢] أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه". تفرد به الإِمام أحمد.
ورواه أحمد أيضًا (١٣٥) عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن عبد الله (٥) بن مريج [¬٣] الخولاني عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص - عن عبد الله بن عمرو، فذكر مثله سواء.
والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشرف له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنَّه لا نبي بعده ليعلموا [¬٤] أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق [¬٥] [**] وشعبذ، وأتي بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات (* * *)، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله على يدي [¬٦] الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجيّ أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله. وكذلك كل مدع لذلك [¬٧] إلى يوم القيامة حتَّى تموا بالمسيح الدجال، يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها. وهنا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلَّا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ … ﴾ الآية. وهذا بخلاف حال الأنبياء ﵈ فإنهم في غاية البر والصدق
стр. 5076
والرشد والاستقامة فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات. فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.
قال الإِمام أحمد (١٣٦): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني [¬١] مولى ابن عباس، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء [¬٢] الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ". قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله ".
وهكذا رواه التِّرمِذي وابن ماجة، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد - مولى ابن عياش - عن أبي بَحريَّة -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي- عن أبي الدرداء به.
قال التِّرمِذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله.
قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ في مسند أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عَيَّاش أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ ، بنحوه [¬٣]، فالله أعلم.
стр. 5077
وقال الإِمام أحمد (١٣٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا فرج [¬١] بن فضالة، عن أبي سعيد [¬٢] الحمصي، قال [¬٣]: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته [¬٤] من رسول الله ﷺ لا أدعه: "اللهم؛ اجعلني أعظم شكرَك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك".
ورواه التِّرمِذي (١٣٨) عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة فذكر مثله وقال: غريب.
وهكذا رواه الإِمام أحمد أيضًا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني [¬٥]، عن أبي هريرة فذكره (١٣٩).
وقال الإِمام أحمد (١٤٠): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن بُشر [¬٦] يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله؛ إن شرائع الإِسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله".
وروى التِّرمِذي وابن ماجة الفصل الثاني (١٤١)، من حديث معاوية بن صالح به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب.
وقال الإِمام أحمد (١٤٢): حدَّثنا شُرَيج، حدَّثنا ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث،
стр. 5078
قال [¬١]: إنَّ دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون".
وقال الطبراني (١٤٣): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدَّثنا سعيد بن سفيان [¬٢] الجحدري، حدَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبيت [¬٣] الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا الله [¬٤] ذكرًا كثيرًا حتَّى [¬٥] قول المنافقون: تراءون [¬٦] ".
وقال الإمام أحمد (١٤٤): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا شداد أَبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع [¬٧] جابر بن عمرو حدث عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله فيه، إلَّا رأوه [¬٨] حسرة يوم القيامة".
وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: إن الله لم يفرض [على عباده] [¬٩] فريضة إلا [جعل لها حدًّا معلومًا، ثم] [¬١٠] عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر [¬١١]، فإن الله لم يجعل له حدًّا [¬١٢] ينتهي إليه [¬١٣]، ولم يعذر أحدًا [¬١٤] في تركه، إلَّا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، [في البر والبحر] [¬١٥]، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر
стр. 5079
والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا [¬١] فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته.
والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدًّا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك، وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنَّسائي [¬٢] والمَعمري وغيرهما، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب "الأذكار" للشيخ محيي الدين النووي ﵀ رحمه الله تعالى.
وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال النبي ﷺ : "يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في مَلإ ذكرته في ملإ خير منهم" (١٤٥).
والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [وَيُؤْمِنُونَ بِهِ] [¬٣] وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أي: بسبب رحمته بكم [¬٤] وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله
стр. 5080
غيرهم، وبَصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه مَن سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام (*). وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته [¬١] لهم ورأفته بهم.
قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني! ابني! وَسَعَت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله ﷺ وقال: "لا والله لا يلقي حبيبه في النار".
إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (١٤٦)، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًّا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ ". قالوا: لا. قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (١٤٧).
وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، الظاهر أن المراد -والله أعلم- ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي: من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾، أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.
وزعم قتادة أن المراد أنهم يتحون [¬٢] بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير.
قلت: وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.