← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

والرشد والاستقامة فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات. فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإِمام أحمد (١٣٦): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني [¬١] مولى ابن عباس، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء [¬٢] الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ". قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله ". وهكذا رواه التِّرمِذي وابن ماجة، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد - مولى ابن عياش - عن أبي بَحريَّة -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي- عن أبي الدرداء به. قال التِّرمِذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله. قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ في مسند أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عَيَّاش أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ ، بنحوه [¬٣]، فالله أعلم.

стр. 5077

وقال الإِمام أحمد (١٣٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا فرج [¬١] بن فضالة، عن أبي سعيد [¬٢] الحمصي، قال [¬٣]: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته [¬٤] من رسول الله ﷺ لا أدعه: "اللهم؛ اجعلني أعظم شكرَك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك". ورواه التِّرمِذي (١٣٨) عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة فذكر مثله وقال: غريب. وهكذا رواه الإِمام أحمد أيضًا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني [¬٥]، عن أبي هريرة فذكره (١٣٩). وقال الإِمام أحمد (١٤٠): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن بُشر [¬٦] يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله؛ إن شرائع الإِسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله". وروى التِّرمِذي وابن ماجة الفصل الثاني (١٤١)، من حديث معاوية بن صالح به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب. وقال الإِمام أحمد (١٤٢): حدَّثنا شُرَيج، حدَّثنا ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث،

стр. 5078

قال [¬١]: إنَّ دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون". وقال الطبراني (١٤٣): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدَّثنا سعيد بن سفيان [¬٢] الجحدري، حدَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبيت [¬٣] الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "اذكروا الله [¬٤] ذكرًا كثيرًا حتَّى [¬٥] قول المنافقون: تراءون [¬٦] ". وقال الإمام أحمد (١٤٤): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا شداد أَبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع [¬٧] جابر بن عمرو حدث عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله فيه، إلَّا رأوه [¬٨] حسرة يوم القيامة". وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: إن الله لم يفرض [على عباده] [¬٩] فريضة إلا [جعل لها حدًّا معلومًا، ثم] [¬١٠] عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر [¬١١]، فإن الله لم يجعل له حدًّا [¬١٢] ينتهي إليه [¬١٣]، ولم يعذر أحدًا [¬١٤] في تركه، إلَّا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، [في البر والبحر] [¬١٥]، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر

стр. 5079

والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا [¬١] فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته. والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدًّا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك، وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنَّسائي [¬٢] والمَعمري وغيرهما، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب "الأذكار" للشيخ محيي الدين النووي ﵀ رحمه الله تعالى. وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال النبي ﷺ : "يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في مَلإ ذكرته في ملإ خير منهم" (١٤٥). والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم. وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [وَيُؤْمِنُونَ بِهِ] [¬٣] وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية. وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أي: بسبب رحمته بكم [¬٤] وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله

стр. 5080

غيرهم، وبَصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه مَن سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام (*). وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته [¬١] لهم ورأفته بهم. قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني! ابني! وَسَعَت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله ﷺ وقال: "لا والله لا يلقي حبيبه في النار". إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (١٤٦)، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًّا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ ". قالوا: لا. قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (١٤٧). وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، الظاهر أن المراد -والله أعلم- ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي: من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾، أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾. وزعم قتادة أن المراد أنهم يتحون [¬٢] بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. قلت: وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.

стр. 5081

وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾، يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ قال الإِمام أحمد (١٤٨): حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل [لست بفظٍّ] [¬١] ولا غليظ ولا سخاب [¬٢] [في الأسواق] [¬٣]، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضَه الله [¬٤] حتى [يقيمَ به] [¬٥] الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا. وقد رواه البخاري في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح- عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن [أبي سلمة] [¬٦] الماجشون به. وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام. وقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل - يقال له: شعياء -: "أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني [¬٧] منطق لسانك بوحي وأبعث أميًّا من الأميين، أبعثه

стр. 5082

ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب [¬١] [بالأسواق] [¬٢]، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه [¬٣]، أبعثه مبشرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا كُمهًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، أسَدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمدَ اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمَالة، وأعرف به بعد النَّكْرَة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيلَة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قيامًا وقعودًا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتى ألوفًا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الإنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين، والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم". هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني ﵀. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العَرزَميّ [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ - وقد كان أمر عليًّا ومعاذًا أن يسيرا إلى اليمن- فقال: "انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾. ورواه الطبراني (١٤٩) عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن

стр. 5083

صالح الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] [¬١] بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله، وقال في آخره: "فإنه قد أنزل عليّ: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أمتك ومبشرًا بالجنة، ونذيرًا من النار، وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجًا منيرًا بالقرآن". وقوله: ﴿شَاهِدًا﴾، أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، [كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾] [¬٢]. وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب. وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، أي: داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند. وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: لا تطعهم وتسمع [¬٣] منهم في الذي يقولونه، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة، منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وفيها دلالة لإِباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها. وقوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعليّ بن الحسين زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كبيرة [¬٤] من

стр. 5084

السلف والخلف رحمهم الله تعالى. وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه. فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس -يعني: ابن أبي إسحاق- سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [إذا قال] [¬١]: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية. وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق [¬٢]، عن ابن عباس، قال: إنما قال الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح. وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق [قبل النكاح] [¬٣]. وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك" (١٥٠). رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجة عن علي، والمشور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" (١٥١).

стр. 5085

وقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يكن دخل بها بالإِجماع أيضًا. وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة، إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسَيد أن بجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (١٥٢) (*). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: إن كان سمَّى لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صداقًا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ لِكَيلَا يَكُونَ عَلَيكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يقول تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي

стр. 5086

أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونَشَّا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم. إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي ﵀ أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبَّى خيبر، ثم [¬١] أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن. وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ﴾، أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵇، وكانتا من السراري، ﵄. وقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هذا عدل وَسَط بين الإِفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح [¬٢] بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما أفرّطت [¬٣] فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع فظيع. وإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإِناث لنقصهن، كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وله نظائر كثيرة. وقوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني [¬٤]، ثم أنزل الله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ [¬٥] مَعَكَ﴾، قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير (١٥٣) عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى به. ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه (١٥٤).

стр. 5087

وهكذا قال أبو رزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: (واللاتي هاجرت [¬١] معك). وقوله: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: ويحل لك -يا أيها النبي- المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى [فيها شرطان] [¬٢]، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾. وكقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. وقد قال الإمام أحمد (١٥٥): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله؛ إني قد وَهَبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقال رجل فقال: يا رسول الله؛ زَوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة! فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من شيء تُصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا! فقال رسول الله ﷺ : "إن أعطيتها إِزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا". فقال: لا أجد شيئًا. فقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي ﷺ : "هل معك من القرآن شيء؟ ". قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا -لِسُور يسميها- فقال له رسول الله ﷺ : "زوجتكها بما معك من القرآن". أخرجاه من حديث مالك. وقال الإمام أحمد (١٥٦): حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتًا يقول: كنت مع أنس جالسًا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها! فقال: "هي خير منك، رغبت في

стр. 5088

النبي ﷺ ، فعرضت عليه نفسها". انفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [¬١]، عن ثابت البناني، عن أنس به. وقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الله بن بكر [¬٢]، حدثنا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنس بن مالك، أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك [¬٣] بها. فقال: "قد قبلتها". فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تَشْتَك شيئًا قطُّ، فقال: "لا حاجة لي في ابنتك". لم يخرجوه (١٥٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح -يعني محمد بن مسلم- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم (١٥٨). وقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سليم، كانت من اللاتي وهَبْنَ أنفسهن لرسول الله ﷺ (١٥٩).

стр. 5089

وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه، كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ ، وكانت امرأة صالحة (١٦٠). فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتان [¬١] من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وزينب أم المساكين، وامرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القَرطاء، وهي التي اختارت الدنيا. وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتان [¬٢] صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية (١٦١). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، قال: هي ميمونة بنت الحارث. فيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خُزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم. والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ كثير [¬٣]، كما قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال هشام بن عروة: حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار بن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ وأقول: أتهب امرأة نفسها؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (١٦٢). وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم

стр. 5090

يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له. ورواه ابن جرير (١٦٣)، عن أبي كريب عن يونس بن بكير. أي إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له [¬١]، وإن كان ذلك مباحًا له ومخصوصًا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: إن اختار ذلك. وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئًا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما. أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب لها عليه مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بَرْوَع بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفى عنها زوجها، والموت والدخرل سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ ، فأما هو ﵇ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، ﵂؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ . [وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [¬٢]، قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: منْ حَصرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإِماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئًا منه، ﴿لِكَيْلَا [¬٣] يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾

стр. 5091

قال الإمام أحمد (١٦٤): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها كانت تُعَيِّر النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، قالت: ألا تستحي المرأة أن [¬١] تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك. وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي [¬٢] أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: ﴿ترجي﴾، [أي: تؤخر] [¬٣] ﴿من تشاء منهن﴾، أي: من الواهبات، ﴿وتؤوي إليك من تشاء﴾، أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت [¬٤] فيها أيضًا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدتَ فيها فآويتها؛ ولهذا قال ﴿وَمَنِ [¬٥] ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾. قال عامر الشعبي في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ ، فدخل ببعضهن وأرجًا بعضهن لم يُنْكحن بعده، منهن أم شريك. وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القَسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت. هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رَزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان ﷺ يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من

стр. 5092

الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ واحتجوا بهذه الآية الكريمة. وقال البخاري (١٦٥): حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك- أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في اليوم [¬١] المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فلإني لا أريد يا رسول الله؛ أن أوثر عليك أحدًا. فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير [¬٢] فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك [¬٣] في ذلك، واعترفن بمنتك [¬٤] عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد [¬٥] (١٦٦): حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:

стр. 5093

"اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة- وزاد أبو داود بعد قوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب. وإسناده صحيح، و [¬١] رجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وكان الله عليمًا﴾، أي: بضمائر السرائر، ﴿حليمًا﴾، أي: يحلم ويغفر. ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾ ذكر غير واحد من العلماء -كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم- أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورصوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجًا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية. وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول ﷺ عليهن. قال الإمام أحمد (١٦٧): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء. ورواه أيضًا (١٦٨) من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة. ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني

стр. 5094

عمر بن أبي بكي، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة الأولى ناسخة للتي بعد بها، فالله [¬١] أعلم. وقال آخرون: بل معنى الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك، هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك -في رواية- وأبي رزين -في رواية عنه- وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية- والسدي، وغيرهم. قال ابن جرير (١٦٩): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد -رجل من الأنصار- قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ تُوُفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذك؟ قال: قلت: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾. ثم قيل له: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾. ورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود به. وروى الترمذي (١٧٠)، عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله: ﴿لا يحل [¬٣] لك

стр. 5095

النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، وحرم كل ذات دين غير الإِسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [¬١]﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء. وقال مجاهد: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾، أي: من بعد ما سمي لك، لا [¬٣] مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. وقال أبو صالح: ﴿لا يحل [¬٤] لك النساء من بعد﴾، أُمِرَ أن لا [¬٥] يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعدُ من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة. وقال عكرمة: ﴿لا يحل [¬٦] لك النساء من بعد﴾ أي: التي سمى الله. واختار ابن جرير ﵀ أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعًا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرًا منهم روى عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم. ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته هومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله: ﴿لا يحل [¬٧] لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية- صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن الآية إنما دلت على أنه [¬٨] لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم. فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ﵂ وهي سبب نزول قوله

стр. 5096

تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬١] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية (١٧١). وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حَي، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد قوي (١٧٢). وقال الحافظ أبو يعلى (١٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك؟ إنّه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. ورجاله على شرط الصحيحين. وقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه [¬٢]. وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا مناسبًا ذكره هاهنا، فقال: حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله القُرَشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي. أي: تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: فدخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ ، وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ : "فأين الاسئئذان؟ ". فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مُضَر منذ أدركت. ثم قال: من هذه الحُمَيراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ : "هذه عائشة أم المؤمنين". قال: أفلا أنزل لك على أحسن الخلق؟ قال: أيا عيينة إن الله قد حرم ذلك". فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: "هذا [¬٣] أحمقُ مطاع، وإنه -على

стр. 5097

ما ترين- لسيد قومه". ثم قال البزار (١٧٤): إسحاق بن عبد الله: لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول [¬١] عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله؛ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾: وقلت: يا رسول الله؛ إن نساءك ليدخل [¬٢] عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما [¬٣] تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت كذلك (١٧٥). وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة. وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك قال [¬٤]:

стр. 5098

قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب (١٧٦). وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط؛ أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله [¬١] أعلم. قال البخاري (١٧٧): حدثنا محمد بن عبد الله الرّقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجْلز، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو كأنه [¬٢] يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، [فلما قام قام] [¬٣] من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا. فانطلقت [¬٤] فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب [¬٥] بيني وبينه، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ … ﴾ الآية. وقد رواه أيضًا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به. ثم رواه البخاري متفردًا [¬٦] به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ [بنحوه (١٧٨). ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] [¬٧] قال: بنى [¬٨] النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم،

стр. 5099

فَأُرْسلْتُ على الطعام داعيًا، فيجيء القوم [¬١] فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم -أهل البيت- ورحمةُ الله وبركاته". فقالت [¬٢]: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فَتقَرى (*) حُجر نسائه كلهن، ويقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله ﷺ فإذا رهط ثلاثة [في البيت] [¬٣] يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حُجرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبِرَ أن القوم خَرَجوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفَّةِ (**) الباب داخله وأخرى خارجه، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب. انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة [¬٤] سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث (١٧٩). ثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور- عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حُميَد، عن أنس، بنحو ذلك (١٨٠)، وقال: "رجلان". انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليشكري- عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسًا (* * *) ثم وضعته في تَوْر (* * *)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، وأقرئه [¬٥] مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل -قال أنس: والناس يومئذ في جَهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله؛ بعثت بهذا أم سُليم إليك، وهي

стр. 5100

تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل فنظر إليه ثم قال: "ضعه" فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: "اذهب فادع لي فلالًا وفلانًا"، وسمى رجالًا كثيرًا، و [¬١] قال: "ومن لقيت من المسلمين". [فدعوتُ مَن قال لي، ومن لقيت من المسلمين] [¬٢]، فجئت والبيت والصفة والحجرة مَلأى من الناس - فقلت: يا أبا عثمان؛ كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة- قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ : "جِئ به". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: ما شاء الله. ثم قال: "ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ : "ارفعه". قال [¬٣]: فجئتُ فأخذت التَور فما أدري أهو حين وضعتُ أكثر أم حين أخذتُ؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزوج رسول الله ﷺ [التي دخل بها] [¬٤] معهم مُولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ [وكان أشد الناس حياء- ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا] [¬٥]- فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلي الله عليه وسم حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرًا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إلى قوله: ﴿بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس [¬٦]، فأنا أحدث الناس بهن عهدًا. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به (١٨١). وقال الترمذي: حسن صحيح. وعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال: وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه (١٨٢). ورواه مسلم أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد به (١٨٣).

стр. 5101

وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن بيان بن بشر عن أنس بنحوه. [وروى البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس، بنحوه (١٨٤)] [¬١]. ورواه ابن أبي حاتم أيضًا، من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه. ورواه ابن جرير (١٨٥) من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهريّ، عن أنس بنحو ذلك. وقال الإمام أحمد (١٨٦): حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ [لزيد] [¬٢]: "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلق زدد حتى أتاها، قال: وهي تُخمر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري … وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ به [¬٣]. وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث [سليمان بن المغيرة] [¬٤]. قال ابن جرير (١٨٧): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك. فلم يكن رسول الله صلى

стр. 5102

الله عليه وسلم ليفعل. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب. هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم (١٨٨)، من حديث هشام بن عروة، عن أنس، عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمة لا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة؛ أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين؟. قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنّه ليتعشى، وفي يده عَرق (*)، فدخلت فقالت [¬١]: يا رسول الله؛ إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العرق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد [¬٢] أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن". لفظ البخاري. فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإِسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى على هذه الأمة؛ ولهَذا قال رسول الله ﷺ : "إياكم والدخول على النساء! " (١٨٩). ثم استثنى من ذلك فقال: ﴿إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفين [¬٣]، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها. ثم قال تعالى: ﴿[وَلَكِنْ إِذَا] [¬٤] دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا

стр. 5103

دعا أحدكم أخاه فَلْيُجِب، عُرسًا كان أو غيره" (١٩٠). وأصله في الصحيحين. وفي الصحيح أيضًا (١٩١)، عن رسول الله ﷺ : "لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إلي كُرَاع لقبلت. فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض". ولهذا قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونشوا أنفسهم، حتى شَق ذلك على رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي [¬١] مِنْكُمْ﴾. وقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي [¬٢] مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: ولهذا نهاكم عن ذلكم وزجركم عنه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت أكل مع النبي ﷺ حَيسًا في قَعْب [¬٣] (*) فمر عمر فدعاه فأصابت إصبعه إصبعي فقال: حس (**) -أو: أوه [¬٤]- لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب (١٩٢). ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ

стр. 5104

ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمَّد بن أبي [¬١] حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال: نزلت في رَجُل هَمَّ أن يتزوج بعضَ نساء النبي ﷺ . قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك. وكذا قال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على [¬٢] تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل [¬٣] لغيره أن يتزوجها؟ على قولين: مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه- نزاعًا. والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني [محمد] [¬٤] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر: أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني ابن قيس- فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة؛ فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخيّرها رسول الله ﷺ ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر ﵄ وسكن (١٩٣). وقد عظم ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، ثم قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾، أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، بأنه لا تخفى عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى

стр. 5105

كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾. لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، لكن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في "سورة النور"، عند قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ إلى آخرها، وفيها زيادات على هذه. وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته، وقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما. قال ابن جرير: حدثني محمَّد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾، قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا: هما ينعتانها [¬١] لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها. وقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ يعني به أرقاؤهن من الذكور والإناث كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه (١٩٤). قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا﴾، أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ قال البخاري (١٩٥): قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. هكذا علقه البخاري عنهما.

стр. 5106

وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروى مثله عن الربيع أيضًا: وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء. رواهما ابن أبي حاتم. وقال أبو عيسى الترمذي: و [¬١] روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو [¬٢] الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال: صلاته ﵎: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي. والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ، الأعلى، بأنه [¬٣] يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه. ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر -يعني: ابن المغيرة- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇ هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: "يا موسى، سألوك: هل يصلي ربك؟ فقل: نعم، إنما أصلي أنا [¬٤] وملائكتي علي أنبيائي ورسلي". فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقد أخبر أنه يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وفي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (١٩٦). وفي الحديث الآخر: "اللهم، صل على آل أبي أوفى" (١٩٧).

стр. 5107

وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر -وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها-: "صلى الله عليك، وعلى زوجك" (١٩٨). وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، وبالله [¬١] المستعان. قال البخاري عند تفسير هذه الآية (١٩٩): حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مسعر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: "قولوا: اللهم؛ صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، [كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وقال الإمام أحمد (٢٠٠): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا -أو: عرفنا- كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل [¬٣] إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وهذ الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم -وهو [ابن عتيبة] [¬٤]- زاد البخاري: وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم بن بُشير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا السلام، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا؛ اللهم؛ صل

стр. 5108

على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على [إبراهيم و على] [¬١] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى [¬٢] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: "وعلينا معهم". ورواه الترمذي بهذه الزيادة (٢٠١). ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". حديث آخر، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله؛ هذا السلام، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم". [قال أبو صالح، عن الليث: على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم] [¬٣]. حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوَردِي، عن يزيد -يعني ابن الهاد [¬٤]- قال [¬٥]: "كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمَّد وآل محمَّد، كما

стр. 5109

باركت على إبراهيم وآل إبراهيم". وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن الهاد [¬١] به (٢٠٢). حديث آخر، قال الإِمام أحمد (٢٠٣): قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: "يا رسول الله؛ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم، صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صلىت على آل [¬٢] إبراهيم، وبارك على محمَّد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وقد أخرجه بقية الجماعة سوى الترمذي من حديث مالك به. حديث آخر، قال مسلم (٢٠٤): حدثنا يحيى بن يحيى التيمي قال: قرأت على مالك، عن نُعيم بن عبد الله، المجمر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري -قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُري [¬٣] النداء بالصلاة- أخبره عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عُبادَةَ، فقال له بَشير بن سَعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : قولوا: "اللهم، صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما [قد علمتم] [¬٤] ". وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح.

стр. 5110

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد … ". وذكره (٢٠٥). ورواه الشافعي (٢٠٦) ﵀ في مسنده"عن أبي هريرة، بمثله. ومن ها هنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإِمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماعَ على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم فيما نقله القاضي عياض. وقد تعسّف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك. فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله. ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضًا، وإليه ذهب أحمد أخيرًا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقيُّ [] [¬١]. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمَّد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، ﵏، حتى أن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم [¬٢] أن يقولوا لما سألوه، وحتى أن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البَنْدَنيجِي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولًا عن الشافعي، والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه [ظواهر الحديث] [¬٣]، والله أعلم. والغَرَض أن الشافعي ﵀ لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ

стр. 5111

في الصلاة- سَلَفٌ وخَلَفٌ كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسأله لا قديمًا ولا حديثًا، والله أعلم. ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود، والترمذي -صححه- والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيوة بن شُريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل [¬١] على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عَجِل هذا". ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد [¬٢] الله والثناء عليه، ثم ليصل [¬٣] على النبي ثم ليدع بعد [¬٤] بما شاء" (٢٠٧). وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أنس، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم [¬٥] الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار" (٢٠٨). ولكن عبد المهيمن هذا متروك. وقد رواه الطبراني من رواية أخيه "أبي بن عباس"، ولكن في ذلك نظر (٢٠٩)، وإنما يعرف من رواية "عبد المهيمن"، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي

стр. 5112

داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؛ قال: "قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما جعلتها على إبراهيم [¬١] وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". أبو داود الأعمى اسمه: نفيع بن الحارث متروك. (حديث آخر موقوف) رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي أن عليًّا ﵁ كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدْحُوات (١) وبارئ المسموكات (٢)، وجبار (٣) القلوب على فِطْرَتِها [¬٢] شقيها وسعيدها. اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك [¬٣]، على محمَّد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ (٤) جيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع (٥) بأمرك لطاعتك مستوفزًا (٦) في [¬٤] مرضاتك، غير نَكل في قَدَم (٧) ولا واهن في عزم (٨)، داعيًا [¬٥] برحيك [¬٦]، حافظًا لعهدك [¬٧]، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى [قيسًا لقايس] [¬٨]، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأقام [¬٩] موضحات الأعلام، ومُنيرات الإِسلام ونائرات الأحكام، فهو

стр. 5113

أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبَعِيثُك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم؛ أفسح له مُفسحات في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك [مهنآت له] [¬١] غير مكدرات من فوز ثوابك المعلول [¬٢]، وجزيل عطائك المجمول. اللهم؛ أعل [¬٣] على بناء البانين [¬٤] بنيانه، وأكرم مثواه لديك ونزله. وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له [مقبول الشهادة] [¬٥]، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخُطة فصل، وحجة وبرهان عظّم (٢١١). هذا مشهور من كلام على ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ ، إلا أن في إسناده نظرًا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي (٢١٢) هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًّا -كذا قال- وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمَّد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان عليّ ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: "اللهم داحي المدحُوات … " وذكره (٢١٣). (حديث آخر موقوف) قال ابن ماجه (٢١٤): [حدثنا الحسين بن بيان] [¬٦]، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه؛ بأنكم لا تدرون لعل ذلك يعرَض عليه. قال: فقالوا له:

стр. 5114

فَعَلِّمنا. قال: قولوا: اللهم؛ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمَّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم؛ ابعثه مقاما محمودًا يَغْبِطُهُ به الأولون والآخرون. اللهم؛ صل [¬١] على محمَّد [وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي (٢١٥) عن عبد الله بن عمرو -أو: عمر، على الشك من الراوي- قريبًا من هذا. (حديث آخر) قال ابن جرير (٢١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل. فقلنا -أو: قالوا-: يا رسول الله، عَلِمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللهم؛ صل [¬٣] على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمَّد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، [وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] [¬٤] ". فيستدل [¬٥] بهذا الحديث مَنْ ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "لقد حجرت واسعًا" وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢١٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن

стр. 5115

عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:، من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فَلْيُقِل عبد من ذلك أو ليكثر". ورواه ابن ماجة من حديث شعبة به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢١٨): حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ويونس -هو ابن محمَّد- قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت -أو: خشيت- أن يكون الله قد توفاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر. فرفع رأسه فقال: "ما لك يا عبد الرحمن؟ ". قال: فذكرت ذلك له. فقال: (إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه". (طريق أخرى) قال الإمام أحمد (٢١٩): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أسود عمرو، عن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف [قال: خرج] [¬١] رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ ". فقلت: عبد الرحمن. قال: "ما شأنك؟ ". قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون [¬٢] الله قبض نفسك فيها. فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني [¬٣] أن الله يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدتُ لله شكرًا". (حديث آخر) قال [الحافظ] [¬٤] أبو القاسم الطبراني (٢٢٠): حدثنا محمَّد بن عبد الرحيم [¬٥] ابن بَحير بن عبد الله بن معاوية بن بكير بن ريسان، [نا عمرو بن الربيع بن طارق] [¬٦] حدثنا
следующие страницы →