← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

في الصلاة- سَلَفٌ وخَلَفٌ كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسأله لا قديمًا ولا حديثًا، والله أعلم. ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود، والترمذي -صححه- والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيوة بن شُريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل [¬١] على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "عَجِل هذا". ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد [¬٢] الله والثناء عليه، ثم ليصل [¬٣] على النبي ثم ليدع بعد [¬٤] بما شاء" (٢٠٧). وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أنس، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم [¬٥] الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار" (٢٠٨). ولكن عبد المهيمن هذا متروك. وقد رواه الطبراني من رواية أخيه "أبي بن عباس"، ولكن في ذلك نظر (٢٠٩)، وإنما يعرف من رواية "عبد المهيمن"، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي

стр. 5112

داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؛ قال: "قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما جعلتها على إبراهيم [¬١] وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد". أبو داود الأعمى اسمه: نفيع بن الحارث متروك. (حديث آخر موقوف) رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي أن عليًّا ﵁ كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدْحُوات (١) وبارئ المسموكات (٢)، وجبار (٣) القلوب على فِطْرَتِها [¬٢] شقيها وسعيدها. اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك [¬٣]، على محمَّد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ (٤) جيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع (٥) بأمرك لطاعتك مستوفزًا (٦) في [¬٤] مرضاتك، غير نَكل في قَدَم (٧) ولا واهن في عزم (٨)، داعيًا [¬٥] برحيك [¬٦]، حافظًا لعهدك [¬٧]، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى [قيسًا لقايس] [¬٨]، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأقام [¬٩] موضحات الأعلام، ومُنيرات الإِسلام ونائرات الأحكام، فهو

стр. 5113

أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبَعِيثُك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم؛ أفسح له مُفسحات في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك [مهنآت له] [¬١] غير مكدرات من فوز ثوابك المعلول [¬٢]، وجزيل عطائك المجمول. اللهم؛ أعل [¬٣] على بناء البانين [¬٤] بنيانه، وأكرم مثواه لديك ونزله. وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له [مقبول الشهادة] [¬٥]، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخُطة فصل، وحجة وبرهان عظّم (٢١١). هذا مشهور من كلام على ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ ، إلا أن في إسناده نظرًا. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي (٢١٢) هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًّا -كذا قال- وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمَّد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان عليّ ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: "اللهم داحي المدحُوات … " وذكره (٢١٣). (حديث آخر موقوف) قال ابن ماجه (٢١٤): [حدثنا الحسين بن بيان] [¬٦]، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه؛ بأنكم لا تدرون لعل ذلك يعرَض عليه. قال: فقالوا له:

стр. 5114

فَعَلِّمنا. قال: قولوا: اللهم؛ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمَّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم؛ ابعثه مقاما محمودًا يَغْبِطُهُ به الأولون والآخرون. اللهم؛ صل [¬١] على محمَّد [وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي (٢١٥) عن عبد الله بن عمرو -أو: عمر، على الشك من الراوي- قريبًا من هذا. (حديث آخر) قال ابن جرير (٢١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل. فقلنا -أو: قالوا-: يا رسول الله، عَلِمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللهم؛ صل [¬٣] على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمَّد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، [وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] [¬٤] ". فيستدل [¬٥] بهذا الحديث مَنْ ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ : "لقد حجرت واسعًا" وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢١٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن

стр. 5115

عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:، من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فَلْيُقِل عبد من ذلك أو ليكثر". ورواه ابن ماجة من حديث شعبة به. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢١٨): حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ويونس -هو ابن محمَّد- قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت -أو: خشيت- أن يكون الله قد توفاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر. فرفع رأسه فقال: "ما لك يا عبد الرحمن؟ ". قال: فذكرت ذلك له. فقال: (إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه". (طريق أخرى) قال الإمام أحمد (٢١٩): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أسود عمرو، عن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف [قال: خرج] [¬١] رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ ". فقلت: عبد الرحمن. قال: "ما شأنك؟ ". قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون [¬٢] الله قبض نفسك فيها. فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني [¬٣] أن الله يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدتُ لله شكرًا". (حديث آخر) قال [الحافظ] [¬٤] أبو القاسم الطبراني (٢٢٠): حدثنا محمَّد بن عبد الرحيم [¬٥] ابن بَحير بن عبد الله بن معاوية بن بكير بن ريسان، [نا عمرو بن الربيع بن طارق] [¬٦] حدثنا

стр. 5116

يحيى بن أيوب، حدثنا عبيد [¬١] الله بن عمر، عي الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدًا يتبعه، ففزع عمر، فأتاه بمطهَرة (١) من خلفه فوجد النبي ساجدًا في مشربة (٢)، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: "أحسنت [¬٣]، يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة، صلى الله عليه [عشرًا] [¬٤]، ورفعه عشر درجات". وقد اختار هذا الحديثَ الحافظُ الضياء المقدسي في كتابه "المستخرج على الصحيحين". وقد رواه إسماعيل القاضي، عن القعنبي، عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه (٣). ورواه أيضًا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، بنحوه (٤). (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (٥): حدثنا بن دار، حدثنا محمَّد بن خالد بن عَثْمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة". تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا [¬٥] حديث حسن غريب. (حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (٦): [حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان] [¬٦]، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرًا".

стр. 5117

فقام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال [¬١]: "إن شئت". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل دعائي [كله لك] [¬٢]؟ قال: "إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة". فقال شيخ -كان بمكة يقال له: منيع [¬٣]- لسفيان: عمن أسنده قال: لا أدري. (حديث آخر قال إسماعيل القاضي (٢٢٥): حدثنا سعيد بن سَلام العطار، حدثنا سفيان- يعني: الثوري -عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول: "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة جاء [¬٤] الموت بما فيه". قال أبي: يا رسول الله؛ إني أصلي من الليل أفأجعل [¬٥] لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ : "الشطر". قال: أفأجعل [¬٦] لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ : "الثلثان". قال: أفأجعل [¬٧] لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن يغفر الله لك ذنبك كله". وقد رواه الترمذي بنحوه (٢٢٦) فقال: حدثنا هَنّاد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس؛ اذكروا الله، [اذكروا الله] [¬٨]، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه" قال أبي: قلت [¬٩]: "رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت". قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالنصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن تكفى هَمّك، ويغفر لك ذنبك". ثم قال: هذا [¬١٠] حديث حسن. وقال الإمام أحمد (٢٢٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل،

стр. 5118

عن الطفيل بن أبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت أن جعلتُ صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهَمك من دنياك وآخرتك". (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٢٨): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم، والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله؛ أنا لنرى السرور في وجهك. فقال: "إنه أتاني الملك فقال: يا محمَّد؛ أما يرضيك أن ربك يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا؟ قال: بلى". ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به. وقد رواه إسماعيل القاضي (٢٢٩)، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، بنحوه. (طريق أخرى) قال أحمد (٢٣٠): حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: "أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله؛ أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر؟ قال: "أجل، أتاني آت من ربي فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتبَ الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه [¬١] مثلها". هذا أيضًا إسناد جيد ولم يخرجوه. (حديث آخر) روى مسلم (٢٣١) وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث إسماعيل بن

стр. 5119

جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :، من صلى عَلَي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب. وقال [¬١] الإِمام أحمد (٢٣٢): حدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب [¬٢] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "صلوا علي؛ فإنها زكاة لكم. وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في أعلى الجنة، لا [¬٣] ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو". تفرد به أحمد. وقد رواه البزار (٢٣٣) من طريق مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه فقال: حدثنا محمَّد بن إسحاق البَكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا ذَؤاد بن عُلبة، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة". فسألناه -أو: أخبرنا- فقال: "هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأنا أرجو أن فيكون ذلك الرجل". في إسناده بعض من تكلم فيهم [¬٤]. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (٢٣٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، [عن عبد الله بن هبيرة] [¬٥]، عن عبد الرحمن بن مريج [¬٦] الخولاني، سمعت أبا قيس -مولى عمرو بن العاص- سمعت عبد الله بن عمرو [¬٧] قوله: من صلى على رسول الله ﵊ صلاة، صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فَلْيقِل عبد من ذلك أو ليكثر.

стр. 5120

وسمعت عبد الله ابن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع فقال: "أنا محمد النبي الأمي -قاله ثلاث مرات- ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعَلمْتُ كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعُوفيت وعُوفِيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه". (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سَلَمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذُكرتُ عنده فَليُصَلّ عليّ، ومن صلي عليّ مرة واحدة [¬١]- صلى الله عليه عشرًا". ورواه النسائي في "اليوم والليلة"، من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة -وهو المغيرة بن مسلم الخراساني- عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس به (٢٣٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد [¬٢] بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلي علي صلاة واحدة، صلي الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات" (٢٣٦). (حديث آخر) قال الإمام أحمد (٢٣٧): حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد؛ قالا [¬٣]: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن [¬٤] غزية، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن [أبيه

стр. 5121

علي بن الحسين عن] [¬١] أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل عليّ". وقال أبو سعيد: "فلم يصل عليّ". ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. و [¬٢] من الرواة من جعله من مسند "الحسين بن علي"، ومنهم من جعله من مسند "عليّ" نفسه. (حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (٢٣٨): حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن هلال العَنْزي، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أبخل الناس من ذُكرت عنده فلم يصلِّ علي". (حديث آخر مرسل) قال إسماعيل (٢٣٩): وحدثنا سُليمان بن حرْب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : "بحسب امرئ من البخل أن أذْكر عنده فلا يُصَلِّي عليّ". صلوات الله عليه. (حديث آخر) قال الترمذي (٢٤٠): حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربْعيّ بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ. [ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له] [¬٣]، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة". ثم قال: حسن غريب. قلت: وقد رواه البخاري في "الأدب" (٢٤١) عن محمد بن عبيد الله، حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، [بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] [¬٤]، به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس. قلت: وابن عباس، وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب

стр. 5122

الصيام، وعند قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾. وهذا الحديث والذي قبله دليل علي وجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذُكر، وهو مذهب طائفة من العلماء. ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة (٢٤٢): حدثنا جُبَارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة". جُبَارة ضعيف. ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه (٢٤٣)، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله ﷺ : "من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة". وهذا مرسل يتقوي بالذي قبله. وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب. نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي (٢٤٤): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً (*)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". تفرد به الترمذي من هذا الوجه. ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد [¬١] بن هارون، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، مرفوعًا مثله [¬٢]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي هريرة (٢٤٥)، عن النبي ﷺ ، من غير وجه. وقد رواه

стр. 5123

إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون علي النبي ﷺ ، إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب. وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه ﵇ في العمر مرة واحدة، امتثالًا لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال. وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكي الإجماع [¬١] على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال: وقد حكي الطبري [¬٢] أن محمل الآية علي الندب، وادعي فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد علي المرة، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد علي ذلك فمندوب مُرَغَّب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله. قلت: وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه: فمنه [¬٣] بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢٤٦): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلي علَيّ صلي الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو [¬٤]، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة". وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث كعب بن علقمة. (طريق أخرى) قال إسماعيل القاضي (٢٤٧): حدثنا محمد بن أبي بكر [¬٥]، حدثنا عمرو [¬٦] ابن علي، عن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "من [¬٧] سأل الله لي الوسيلة، حلت [¬٨] عليه شفاعتي يوم القيامة".

стр. 5124

(حديث آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن [زيد، عن] [¬١] ليث، عن كعب -هو كعب الأحبار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا عليّ، فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة" قال: فإما حَدّثنا وإما سألناه؛ فقال: "الوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل". ثم رواه (٢٤٨) عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- به. وكذا الحديث الآخر. قال الإمام أحمد (٢٤٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن وفاء [¬٢] الحضرمي، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى على محمد وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة؛ وجبت له شفاعتي". وهذا إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه. (أثر آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولي، كما آتيت [إبراهيم وموسي] [¬٣] ﵉. إسناد جيد قوي صحيح (٢٥٠). ومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه، للحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢٥١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن الحسن [¬٤]، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدته فاطمة [¬٥] بنت رسول الله ﷺ قالت [¬٦]: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلي علي محمد وسلم وقال: "اللهم اغفر

стр. 5125

لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرج صلي علي محمد وسلم، ثم قال: "اللهم؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك". وقال إسماعيل القاضي (٢٥٢): حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن عليّ بن الحسين قال: قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا علي النبي ﷺ . وأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة؛ فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي ﵀. وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولًا واحدًا وهل تستحب؟ علي قولين للشافعي. ومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي علي النبي ﷺ ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. قال الشافعي ﵀ (٢٥٣): حدثنا مُطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن السنة في الصلاة علي الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب لعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم صلي علي النبي ﷺ ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرًّا في نفسه. ورواه [¬١] النسائي (٢٥٤) عن أبي أمامة نفسه أنه قال: من السنة … فذكره. وهذا من الصحابي في حكم المرفوع علي الصحيح. ورواه إسماعيل القاضي (٢٥٥)، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن [¬٢] سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السنة في الصلاة علي

стр. 5126

الجنازة … فذكره. وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي. ومن ذلك في صلاة العيد، قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة [يومًا قبل العيد] [¬١] فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا [¬٢] فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ ، ثم تدعو، وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر و [¬٣] تفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر، وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. إسناد [¬٤] صحيح. ومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ ، قال الترمذي (٢٥٦): حدثنا أبو داود، أخبرنا النضر بن شميل، عن أبي قُرّة الأسدي، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي علي نبيك. وهكذا رواه أيوب بن موسى عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب -قوله-. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا (٢٥٧). وكذا رواه رزين بن معاودة في "كتابه" مرفوعًا، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد حتى يصلي عليّ، فلا تجعلوني كَغُمَر [¬٥] (*) الراكب، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره" (٢٥٨).

стр. 5127

وهذه الزيادة إنما تروي من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكَشي" قال (٢٥٩): حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ : "لا تجعلوني كقدح الراكب، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب، وإلا أهراق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء، وفي وسط الدعاء، وفي آخر الدعاء". فهذا حديث غريب، وموسي بن عبيدة ضعيف الحديث. ومن ذلك دعاء القنوت، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، من حديث أبي الجوزَاء، عن الحسن بن عليّ ﵄ قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضي عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا [¬١]، وتعاليت" (٢٦٠). وزاد النسائي في سننه بعد هذا: "وصلي الله [¬٢] علي النبي محمد [¬٣] ". ومن ذلك أنه يستحب الإِكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة. قال الإِمام أحمد (٢٦١): حدثنا حسين بن عليّ الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي [¬٤]

стр. 5128

الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ". قالوا: يا رسول الله؛ وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمْتَ؟ -يعني: وقد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء". ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث حسين بن علي الجعفي. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والنووي في "الأذكار". (حديث آخر) قال أبو عبد الله بن ماجة (٢٦٢): حدثنا عمرو بن سوّاد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد [¬١]- بن أبي هلال، عن زيد بن أبيمن، عن عبادة بن نُسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة. وإن أحدًا لن يصلي عليَّ إلا عرضت [عَلَيّ صلاته] [¬٢] حتى يفرغ منها". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: " [وبعد الموت] [¬٣]. إن الله حرم علي الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" [فنبي الله حي يرزق] [¬٤]. هذا حديث غريب [¬٥] من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسيّ وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، واللَّه أعلم. وقد روي البيهقي (٢٦٣) من حديث أبي أمامة وابن مسعود، عن النبي ﷺ في الأمر بالإِكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، واللَّه أعلم. ورُوي مرسلًا عن الحسن البصري فقال إسماعيل القاضي (٢٦٤): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسنَ -هو البصري- يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا تأكل الأرض جسدَ من كَلَّمهُ روحُ القدس". مرسل حسن. وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلي الله عليه

стр. 5129

وسلم قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة عليّ". هذا مرسل. وهكذا يجب علي الخطيب أن يصلي علي النبي ﷺ يوم الجمعة علي المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك، لأنها عبادة، و [¬١] ذكر الله فيها شرط، فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة. هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله. ومن ذلك أنه [¬٢] يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه، قال أبو داود (٢٦٥): حدثنا [¬٣] ابن عوف -هو محمد- حدثنا المقريّ، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي حتى أود ﵇". تفرد به أبو داود، وصححه النووي في "الأذكار"، ثم قال أبو داود (٢٦٦): حدثنا أحمد بن صالح؛ قال: قرأت علي عبد الله بن نافع، أخبرني إلي أبي ذئب، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قُبُورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم". تفرد به أبو داود أيضًا. وقد رواه الإمام أحمد (٢٦٧) عن سُريج [¬٤]، عن عبد الله بن نافع -وهو الصائغ- به. وصححه النووي أيضًا. وقد روي من وجه آخر عن علي ﵁ قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة علي النبي ﷺ " (٢٦٨): حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر إلي أبي طالب [عمن أخبره] [¬٥] من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن [¬٦] علي؛ أن رجلًا كان

стр. 5130

يأتي كل [¬١]- غداة فيزور قبرَ النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له عليُّ بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي ﷺ . فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثًا عن أبي؛ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيدًا ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم". في إسناده رجل مبهم [¬٢] لم يُسمّ. وقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، قال عبد الرزاق في "مصنفه" (٢٦٩)، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل -يقال له: سهيل- عن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه [¬٣] رأي قومًا عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم، فنهاهم. وقد رُوي أنه رأي رجلًا ينتاب القبر فقال: يا هذا؛ ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. أي: الجميع يبلغه. صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلي يوم الدين. وقال الطبراني (٢٧٠) في "معجمه الكبير": حدثنا أحمد بن رشدين [¬٤] المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عن أبيه أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". ثم قال الطبراني (٢٧١): حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون [أنا] [¬٥] شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن خُطّاف [¬٦]، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها؛ قال: [قالوا: يا] [¬٧] رسول الله صلي الله عليه

стр. 5131

وسلم: أرأيت قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ فقال: "إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك. وقال [¬١] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين ولا يصلي أحد إلا قال ذالك الملكان: لا غفر الله لك. وقال [¬٢] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين". غريب جدًّا، وإسناده فيه ضعف شديد. وقد قال الإمام أحمد (٢٧٢): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ ؛ يقول [¬٣]: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني عن [¬٤] أمتي السلام". وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب به. فأما الحديث الآخر: "من صلي عَلَيّ عند قبري سمعته، ومن صلي علي من بعيد بُلغته" (٢٧٣). ففي إسناده نظر. تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ ، لما روي [] [¬٥] الشافعي (٢٧٤) والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ علي كل حال. وقال إسماعيل القاضي (٢٧٥): حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ يقول: إذا قدمتم

стр. 5132

فطوفوا بالبيت سبعًا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرًا بين حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النبي علي الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك، وعلي المروة مثل ذلك. إسناد جيد حسن قوي. وقالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: "لا أذكر إلا ذكرت معي". وخالفهم في ذلك الجمهور، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى، كما عند الأكل، والدخول، والوقاع وغير ذلك، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي ﷺ . (حديث آخر) قال [القاضي إسماعيل] (٢٧٦): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني". في إسناده ضعيفان، وهما عمر بن هارون وشيخه، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق (٢٧٧)، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الرّبَذي به. ومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن، إن صح الخبر في ذلك، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه (٢٧٨)؛ فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن [¬١] علي بن أبي رافع، عن أبيه [¬٢] أبي رافع؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا طنت أذن أحدكم فَلْيذكرني وليصل عليّ، وَلْيَقُلْ: ذَكَر الله مَن ذكرني بخير". إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله أعلم. [مسألة]

стр. 5133

وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلي عليّ في كتاب، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (٢٧٩). وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة. وقد رُوي من حديث أبي هرووة، ولا يصح أيضًا (٢٨٠)، قال الحافظُ أبو عبد الله الذهبي شيخُنا: أحسبه موضوعًا. وقد رُوي نَحوُه عن أبي بكر، وابن عباس (٢٨١). ولا يصح من ذلك شيء. والله أعلم. وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: "الجامع لآداب الراوي والسامع [¬١] "، قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرًا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا (٢٨٢). [فصل] وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت [¬٢] على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: "اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته"، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صلّ عليهم". وأتاه أبي بصدمته فقال: "اللهم صلِّ علي آل أبي أوفى". أخرجاه في الصحيحين.

стр. 5134

وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله؛ صل عليّ وعلي زوجي. فقال: "صلي الله عليك وعلي زوجك" (٢٨٣). وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: قال أبو بكر صلي الله عليه. أو قال علي صلي الله عليه. وإن كان المعنى صحيحًا. كما لا يقال: قال محمد ، وإن كان عزيزًا جليلًا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله . وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة علي الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن. وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت [¬١] من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدي بهم في ذلك، والله أعلم. ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة [¬٢] التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب "الأذكار". ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم -كما أن قولنا. ، مخصوص بالله ، فكما لا يقال: محمد ، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر -أو: علي - صلى الله عليه. هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليٌّ ﵇، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهي ما ذكره (٢٨٤). قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي ﵁ بأن يقال: ﵇ من دون سائر الصحابة، أو: كرم الله وجهه وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يُسَاوي بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان [¬٣] وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه، ﵃ أجمعين.

стр. 5135

قال إسماعيل القاضي (٢٨٥): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، [حدثنا عبد الواحد] [¬١] بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصلح [¬٢] الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار [¬٣]. وقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (٢٨٦)، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن بَرْقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد، فإن أناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسًا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ الصلاة علي النبي ﷺ ، فإذا جاءك كتابي هذا فَمُرْهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن. قال إسماعيل القاضي (٢٨٧): حدثنا معاذ بن أسد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبَيه بن وهب: أن كعبًا دخل علي عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ ، سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه. [فرع] قال النووي: إذا صلى على النبي صبي الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقل [¬٤]: صلى الله عليه فقط، ولا: ﵇ فقط. وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فالأولى أن يقال: ﷺ تسليمًا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ

стр. 5136

احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾. يقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره علي ذلك، وآذى رسوله بعيب أو تنقص، عياذًا بالله من ذلك. قال عكرمة: في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في المصوّرين. وفي الصحيحين (٢٨٨)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره". ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر؛ فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ، فنهى عن ذلك. هكذا قرره [¬١] الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء ﵏. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في الذين طعنوا في تزويجه صفية بنت حُيي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد (٢٨٩): حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عَبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي [¬٢]، عن عبد الرحمن [بن زياد] [¬٣]، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال النبي ﷺ :

стр. 5137

"الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه". وقد رواه الترمذي من حديث عُبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل به. ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وهذا هو البهت البيّن أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه [¬١]، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا [¬٢] الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون [¬٣] الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرَّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو [¬٤] القلوب، يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين. وقال أبو داود: (٢٩٠) حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرُكَ أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول لقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه". وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، به. [ثم] [¬٥] قال: حسن صحيح. وقد قال ابن أبي حاتم (٢٩١): حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئ مسلم"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.

стр. 5138

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَينَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾. يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليمًا أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله [¬١] ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة [¬٢]، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت [¬٣] امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها: تَمْشي النّسور إليه وَهْي لاهيَةٌ … مَشْيَ العَذَارَي عَلَيهنّ الجَلابيبُ (٢٩٢) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنات [¬٤] إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة. وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدَةَ السلماني عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى. وقال عكرمة: تغطي ثُغْرَة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وقال ابن أبي حاتم (٢٩٣)؛ أخبرنا أبو عبد الله الطَّهراني [¬٥] فيما كتب إليّ، حدثنا [¬٦] عبد

стр. 5139

الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سُود يلبسنها. و [¬١] قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يونس يزيد قال: وسألناه -يعني الزهري-: هل علي الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهي عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، إنما ينهي عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن. واستدل بقوله تعالى: ﴿ونساء المؤمنين﴾. وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، أي: إذا فعلن ذلك عُرفْن أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضَيِّقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها. وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: لا سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك. ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ - قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا. ﴿والمرجفون في المدينة﴾، يعني: الذين يقولون: "جاء الأعداء"، "وجاءت الحروب". وهو كذب وافتراء -لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لنغْرينك بهم﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لنسلطَّك عليهم.

стр. 5140

وقال قتادة ﵀: لنحرشَنّك [¬١] بهم. وقال السدي: لنعلمنك بهم. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا﴾، أي: في [¬٢] المدينة ﴿إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، ﴿أَينَمَا ثُقِفُوا﴾، أي: وجدوا، ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم، ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه. إن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير. ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾ يقول تعالى مخبرًا لرسوله ﷺ : أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله -كما قل له في "سورة الأعراف". وهي مكية وهذه مدنية، فاستمر الحال في رَدّ علمها إلى الذي يقيمها، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، أي: في الدار الآخرة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه. ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، أي:

стр. 5141

يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يَوَدون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. وقال طاوس: سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم. أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء [فإذا هم ليسوا على شيء] [¬١]، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٢]﴾ قرأ بعض القراء (*) بالباء الموحدة. وقرأ آخرون (**) بالثاء المثلثة، وهما [قريبًا المعنى] [¬٣]، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". أخرجاه في الصحيحين (٢٩٤)، يروى "كبيرًا" و"كثيرًا" وكلاهما بمعنى صحيح. واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر. بل الأولى أن يقول هذا تارة. وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم. وقال أبو القاسم الطبراني (٢٩٥): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم [¬٤]، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، في تسمية من شهد مع علي ﵁: الحجاج بن عمرو بن غَزيّة [¬٥]، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر

стр. 5142

الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬١]﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ قال البخاري عند تفسير هذه الآية (٢٩٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد [¬٢] وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حَييًّا، وذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ". هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرًا جدًّا، وقد رواه في أحاديث"الأنبياء" بهذا السند بعينه (٢٩٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵇ كان رجلا حييًّا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاهُ من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدْرَة (*) وإما آفة". وإن الله أراد أن يبرّئه مما قالوا لموسى ﵇، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر. ثم اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدبًا (**) من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا- قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وهذا سياق حسن مطول. وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم. وقال الإمام أحمد (٢٩٨): حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى اللَّه عليه

стр. 5143

وسلم. وخلاس ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، قال: قال النبي ﷺ : "إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه … ". ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولًا. ورواه (*) في تفسيره عن روح، عن عوف، به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه بنحو هذا (٢٩٩). وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: قال قومه له: إنك آدر، فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. وهكذا روى [¬١] العوفي، عن ابن عباس سواء. وقال الحافظ أبو بكر البزار (٣٠٠): حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الأدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس عن النبي ﷺ ؛ قال: "كان موسى ﵇ رجلا حييًّا، وإنه أتى -أحسبه قال: الماء- ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر أو به آفة يعنون أنه لا يضع ثيابه -فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال، أو كما قال، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، حدثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾. قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون ﵇، فقال بنو إسرائيل لموسى عليه

стр. 5144

السلام: أنت قتلته، كان ألين [لنا منك] [¬١] وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله جعله أصم أبكم. وهكذا رواه ابن جرير (٣٠١)، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به. ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله . قلت: يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم. قال الإمام أحمد (٣٠٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة [¬٢] ما أريد بها وجه الله. قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت. قال: فذكر ذلك [¬٣] للنبي ﷺ فاحمرّ وجهُه، ثم قال: "رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد (٣٠٣): حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم -مولى الهمداني- عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [¬٤] [سليم الصدر] [¬٥]، فأتى رسول الله ﷺ مال [¬٦] فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فَتَثبّتُّ حتى سمعتُ ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: "لا يبلغني أحد [¬٧] في أصحابي شيئًا"، وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرّ وجهُ رسول الله ﷺ

стр. 5145

وشَقَّ عليه، ثم قال: "دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر". وقد رواه أبو داود (٣٠٤) في الأدب، عن محمد [بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل عن الوليد] [¬١] بن أبي هاشم به مختصرًا: "لا يبلغني أحد [من أصحابي] [¬٢] عن أحد شيئًا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر". وكذا رواه الترمذي (٣٠٥) في "المناقب" عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: "زيد بن زائدة". ورواه أيضًا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد، كلاهما عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به مختصرًا أيضًا، فزاد في إسناده السدى، ثم قال: غريب من هذا الوجه. وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. أي: له وجاهة وجاه عند ربه . قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء الله . وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة: أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤله، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾، أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم [¬٣] أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم [¬٤] في المستقبل يلهمهم التوبة منها [¬٥]. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وذلك أنه يجار من النار، ويصير إلى النعيم المقيم.

стр. 5146

وقال ابن أبي حاتم (٣٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال [¬١]، صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا". ثم أتى النساء فقال: "إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولًا سديدًا". وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري. حدثنا عيسى بن سَمُرة [¬٢]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية. غريب جدًّا. وروي [من حديث] [¬٣] عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفًا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله. قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله. وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق. ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضَها عليهم قبل أن يعرضها على

стр. 5147

آدم، فلم يطقنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، وذلك [¬١] قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم [لله] [¬٢]، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرتُ لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت. فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة. وقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبًا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض. وقال آخرون: هي الطاعة. وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال أبي بن كعب: من الأمانة [أن المرأة] [¬٣] اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود. وقال بعضهم: الغسل من الجنابة. وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله، وبالله المستعان.

стр. 5148

قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا حماد بن واقد -يعني أبا عمر الصفار- سمعت أبا معمر -يعني عون بن معمر- يحدث عن الحسن -يعني البصري- أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. وقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكُن عليَّ الفضل والكرامة والثواب في الجنة؛ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين (*). ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطعين (*)، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة؛ فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولَم ترْعَها حق رعايتها وأسأت؛ فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت رب. وتَحَمَّلها، فقال الله : قد حَمَّلْتُكَهَا. فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. رواه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج. و [¬١] عن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضَجَجْنَ إلى الله ثلاثة أيام

стр. 5149

ولياليهن، وقلن: ربنا، لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى: إني مُعينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين [¬١]، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين [¬٢]، فإذا نازعك [¬٣] إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روى عن أبي حازم نحو هذا. وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك [لا نريد ثوابًا ولا عقابًا] [¬٤]، قال: وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذْ تحملت هذا فسأعينك: أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت [¬٥] أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق. وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك [¬٦]. وقال ابن جرير (٣٠٧): حدثني سعيد بن عمرو السّكُوني [¬٧]، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول [الله، ومنهم نبي] [¬٨]، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس

стр. 5150

أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وعمل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس. وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا". هذا حديث غريب جدًّا، وله شواهد من وجوه أخر [¬١]. ثم قال ابن جرير (٣٠٨): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خُلَيد العَصَري [¬٢]، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن [¬٣]، وأعطى الزكاة من ماله طَيّب النفس بها، وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، [وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلًا] [¬٤]، وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء؛ وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره. وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داور [¬٥] القطان به. وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء- إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أن أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به [¬٦] إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زَلّت، فيهوى [¬٧] في أثرها أبد الأبدين. قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد
следующие страницы →