وقال ابن أبي حاتم (٣٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال [¬١]، صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا". ثم أتى النساء فقال: "إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولًا سديدًا".
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري. حدثنا عيسى بن سَمُرة [¬٢]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية. غريب جدًّا.
وروي [من حديث] [¬٣] عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفًا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله.
قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله.
وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣﴾
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضَها عليهم قبل أن يعرضها على
стр. 5147
آدم، فلم يطقنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، وذلك [¬١] قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم [لله] [¬٢]، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرتُ لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت. فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة.
وقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبًا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض.
وقال آخرون: هي الطاعة.
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال أبي بن كعب: من الأمانة [أن المرأة] [¬٣] اؤتمنت على فرجها.
وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود.
وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة.
وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله، وبالله المستعان.
стр. 5148
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا حماد بن واقد -يعني أبا عمر الصفار- سمعت أبا معمر -يعني عون بن معمر- يحدث عن الحسن -يعني البصري- أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكُن عليَّ الفضل والكرامة والثواب في الجنة؛ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين (*). ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطعين (*)، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة؛ فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولَم ترْعَها حق رعايتها وأسأت؛ فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت رب.
وتَحَمَّلها، فقال الله : قد حَمَّلْتُكَهَا. فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج.
و [¬١] عن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضَجَجْنَ إلى الله ثلاثة أيام
стр. 5149
ولياليهن، وقلن: ربنا، لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى: إني مُعينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين [¬١]، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين [¬٢]، فإذا نازعك [¬٣] إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره.
ثم روى عن أبي حازم نحو هذا.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك [لا نريد ثوابًا ولا عقابًا] [¬٤]، قال: وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذْ تحملت هذا فسأعينك: أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت [¬٥] أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق. وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك [¬٦].
وقال ابن جرير (٣٠٧): حدثني سعيد بن عمرو السّكُوني [¬٧]، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول [الله، ومنهم نبي] [¬٨]، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس
стр. 5150
أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وعمل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس. وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا".
هذا حديث غريب جدًّا، وله شواهد من وجوه أخر [¬١].
ثم قال ابن جرير (٣٠٨): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خُلَيد العَصَري [¬٢]، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن [¬٣]، وأعطى الزكاة من ماله طَيّب النفس بها، وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، [وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلًا] [¬٤]، وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء؛ وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.
وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داور [¬٥] القطان به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء- إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أن أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به [¬٦] إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زَلّت، فيهوى [¬٧] في أثرها أبد الأبدين. قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد
стр. 5151
ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: ليحدثنا عياش [¬١] العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ ، بنحوه. ولم يذكر "الأمانة في الصلاة وفي كل شيء" (١). إسناده جيد، ولم يخرجوه.
ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢):
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر (٣) قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة". ثم حدثنا عن رفع الأمانة. فقال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل أثر [الوكت (٤)، فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها] [¬٢] مثل أثر المجل (٥) كجمر دحرجته [على رجلك، تراه مُنتبرا (٦) وليس فيه شيء" قال: ثم أخذ حصى فدحرجه] [¬٣] على رجله- قال: "فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه [¬٤] وأعقله، وما في قلبه حبة من خردل من إيمان." ولقد أتى عَلَيَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلمًا ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
стр. 5152
وقال الإمام أحمد (٣١١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طُعمة".
هكذا رواه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد قال الطبراني (٣١٢) في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حُجَيرة، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة". فزاد في الإسناد: "ابن حُجَيرة"، وجعله من مسند ابن عمر.
وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في "كتاب الزهد" (٣١٣): حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خُنَاس بن سُحَيم -أو قال: جَبَلَة [¬١] بن سُحَيم- قال: أقبلت مع زياد بن حُدير من الجابية فقلتُ في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكى ويبكى، فظننت أني أتيتُ أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ فقال: نعم. كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، قال أبو داود (٣١٤): حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بالأمانة فليس منا". تفرد به أبو داود، ﵀.
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة -وهي التكاليف- ليعذب الله [¬٢] المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك باللَّه ومخالفة رسله، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
стр. 5153
وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: وليرحم المؤمنين من الخلق [الذين آمنوا] [¬١] بالله وملائكته [¬٢] وكتبه ورسله العاملين بطاعته، وكان الله غفورًا رحيمًا.
* * *
стр. 5154
تفسير سورة سبأ وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾
يخبر تعالى عن نفسه الكريمة؛ أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.
ثم قال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فهو المعبود أبدًا، المحمود على طول المدى. وقال: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾، أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره، ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء.
وقال مالك عن [¬١] الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك. عدده وكيفيته وصفاته.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من قطر ورزق، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، أي [¬٢]: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
стр. 5155
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾
هذه إحدى الآيات الثلاث التي [¬١] لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لمَّا أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في "سورة يونس": ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والثانية هذه: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: والثالثة في "التغابن" ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره: ﴿عَالِمِ الْغَيبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾، لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى [¬٢] عليه منه شيء فالعظام -وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت- فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم.
ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [¬٣]﴾، أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.
وقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾، هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها. وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة
стр. 5156
ومجازاة الأبرار والفجار بالذي [¬١] كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، ويقال أيضًا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ - العزيز هو: المنيع الجناب، الذي لا يُغالب ولا يُمَانَع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله [¬٢] وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾
هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيامَ الساعة واستهزائهم بالرسول ﷺ في [¬٣] إخباره بذلك: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب، وتمزقت كل ممزق: ﴿إِنَّكُمْ﴾، أي: بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك. وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك. أو أنه لم يتعمد لكن لُبّس عليه كما يُلَبَّس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾، أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، من الحق في الدنيا.
ثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض- فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مُظلة مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا
стр. 5157
فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾.
قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض.
وقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك؛ لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، قال معمر، عن قتادة: ﴿مُنِيبٍ﴾ تائب.
وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله .
أي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فَطِن لبيب رَجَّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد، لأن من قدر على خلق [السماوات في] [¬١] ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ [يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ] [¬٢] بَلَى﴾ وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ [¬٣] النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود -صلوات الله وسلامه عليه- مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعُددَ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل،
стр. 5158
فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: "لقد أوتى هذا مِزمَارًا من مزامير آل داود" (١).
و [¬١] قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنج ولا بَربَط [¬٢] ولا وَتَر أحسنَ من صوت أبي موسى الأشعري ﵁.
ومعنى قوله: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.
وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبّحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه "الجُمل" في باب النداء منه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسار: سير الليل كله [¬٣]. وهذا لفظه، وهو غريب جدًّا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث [¬٤] اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: رَجّعي مُسَبّحة معه، كما تقدم، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾، وهي: الدروع- قال قتادة؛ وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن [¬٥] سماعة، حدثنا ابن ضمَرة، عن ابن شوذب؛ قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة ألاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحوارى.
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، هذا إرشاد من الله لنبيه، داود ﵇، في تعليمه صنعة الدروع.
قال مجاهد في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: لا تُدِق [¬٦] المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها [¬٧]، واجعله بقدر.
стр. 5159
وقال الحكم بن عُتيبة [¬١]: لا تُغَلظه فيفصم [¬٢]، ولا تدقه فيقلَق. وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَقُ [¬٣] الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة [¬٤]: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:
وَعَليهما مَسْرُودتَان قَضَاهُهما [¬٥] … "دَاوُد"، أو صَنَعُ السّوابغ "تُبّعُ"
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ (٢) من طريق إسحاق بن بشر [¬٦]- وفيه كلام- عن أبي إلياس، عن وهب بن مُنَبه ما مضمونه: أن داود ﵇ كان يخرج متنكرًا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثني عليه خيرًا في عبادته وسيرته ومعدلته -صلوات الله وسلامه عليه- قال وهب: حتى بعث الله ملكا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا. [قال: ما هي؟] [¬٧] قال: كل ويطعم عياله من مال المسلمين- يعني بيت المال- فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملًا بيده يستغني به [¬٨] ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع، وهو أول من عملها، فقال الله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، يعني مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يومًا [¬٩] بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارًا [¬١٠] في حلقه.
وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.
стр. 5160
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾
لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى سليمان بن داود، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر.
قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغدى بها، ويذهب [رائحا] [¬١] من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.
وقوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇.
قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره [¬٢]، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾، أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾، وهو الحريق.
وقد ذكر ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا فقال (٣): [حدثنا أبي] [¬٣]، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفَير، عن أبي ثعلبة الخُشَني؛ أن رسول
стр. 5161
الله ﷺ ؛ قال: "الجن ثلاثة أصناف: صنف له أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون". رفعه غريب جدًّا.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمَّد، عن ابن أنعم؛ إنّه قال: الجن ثلاثة: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.
قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال [¬١]: حدثني أن الإنس ثلاثة؛ صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وصنف في صُور الناس على قلوب الشياطين.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل- عن إسماعيل، عن الحسن؛ قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هبزلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان.
وقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾، أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.
وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور. وقال ابن زيد: هي المساكن.
وأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج.
وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:
تَرُوحُ عَلَى آل المحلَّق جَفْنَةٌ … كَجَابيَة الشيخ العرَاقي تَفْهَقُ
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿كَالْجَوَابِ﴾، أي: كالجَوبة من الأرض.
وقال العوفي، عنه: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم.
والقدور الراسيات: أي الثابتات في أماكنها [¬٢] لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها.
كذا قال مجاهد والضحاك، وغيرهما.
стр. 5162
وقال عكرمة: أثافيها منها.
وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين.
وشكرًا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال:
أفَادَتْكُمُ النّعْمَاء مني ثَلاثة … يدِي، ولسَاني، وَالضمير المُحَجَّبَا
قال أبو عبد الرحمن الحبلي [¬١]: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر.
وأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير.
وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمَّد بن كعب القرظي؛ قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح.
وهذا قال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵇ كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملًا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان- عن ثابت البُناني؛ قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي [¬٢] عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.
وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ ؛ أنه قال: "إن أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يومًا، ولا يَفر إذا لاقى" (٤).
وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سُنَيد بن داود، حدثنا يوسف بن محمَّد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "قالت أمّ سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة" (٥).
стр. 5163
وروى ابن أبي حاتم عن [عن أبي حاتم] [¬١] داود ﵇ ها هنا أثرًا غريبًا مطولًا جدًّا، وقال أيضًا:
حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو يزيد [¬٢] قبيصة بن إسحاق الرقي؛ قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. فقال داود: يا رب؛ كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: "الآن شكرتني حين علمت [¬٣] أن النعمة [¬٤] مني".
وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، إخبار عن الواقع.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾
يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه -وهي منسَأته -كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد- مدة طويلة نحوًا من سنة، فلما أكلتها دابةُ الأرض، وهي الأرضة، ضعفت [¬٥] وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة- تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر.
وقال ابن جرير (٦): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن [¬٦] السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي، ﷺ ، قال: "كان سليمان نبي الله ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِسَتْ، وإن كانت لدواء كُتبَتْ. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عَمِّ علي الجن موتي [¬٧] حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولًا ميتا، والجن تعمل. فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا [¬٨] في العذاب المهين".
стр. 5164
قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك. قال: فشكرت الجن الأرضة، فكانت تأتيها [¬١] بالماء).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم [¬٢] الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة.
وقال السدي (٧)، في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرة
الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ قال: كان سليمان يتحرَّد (*) في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبتَ دواء قالت: نَبَت دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. قال: ولأي شيء نبَتّ؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي؟ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها [¬٣] وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام [¬٤] يصلى متكئًا على عصاه، فمات ولا تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن [¬٥] يخلع يقول: ألست جلدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؛ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق. فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق. ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتًا. فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، [ففتحوا عليه] [¬٦] فأخرجوه، وَوَجدوا منسأته -وهي: العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات؟ فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود: (فمكثوا يدأبون [¬٧] له من بعد موته حولًا كاملًا) فأيقن
стр. 5165
الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب؛ لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب يعملون له سنة، وذلك قول الله : ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين [¬١] الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين -قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت- قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين، شكرًا لها (٨).
وهذا الأثر -والله أعلم- إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وَقفٌ، لا يصدق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.
وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾، قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا أمرتَ بي فأعلمني فأتاه فقال: يا سليمان؛ قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة؟ فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير، وليس له [¬٢] باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت، فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت- قال: والجن يعملون بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان -يقال لها: القادح- فدخلت فيها فأكلتْها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت، وثقل عليها فخر ميتًا، فلما رأت ذلك الجن انفضوا [¬٣] وذهبوا، قال: فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر.
وقد ذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، [والله أعلم] [¬٤].
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ وَبَينَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا
стр. 5166
فِيهَا السَّيرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾
كانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة [¬١] منهم، وبلقيس صاحبة سليمان منهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم، واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا [¬٢] كذلك ما شاء الله، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ؛ كما يأتي تفصيله وبيانه تركها أن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال الإِمام أحمد ﵀ (٩): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبَيرة، عن عبد الرحمن بن وَعلة [¬٣]؛ قال: سمعت ابن عباس يقول: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ: ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل، ولد عَشَرَة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمَذْحِجٌ، وكِندَةُ، والأزد، والأشعريون وأنمار، وحمير، وأما الشامية فلخم، وجُذام، وعاملة، وغسان".
ورواه عَبد، عن الحسن بن موسى، [عن ابن لهيعة] [¬٤] به. وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه. وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "القصد والأممُ، بمعرفة أصول [¬٥] أنساب العرب والعجم"، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روى نحوه من وجه آخر.
وقال الإمام أحمد [¬٦] أيضًا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حية [¬٧] الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مُسَيك؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: "نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم". فلما وليت دعاني فقال: "لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإِسلام". فقلت: يا رسول الله؛ أرأيت سبأ أواد هو، أو رجل، أو [¬٨] ما هو؟ قال: "بل رجل من العرب، ولد له عشرة فَتَيَامَنَ ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة [¬٩] وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة،
стр. 5167
وغسَّان" (١٠).
وهذا أيضًا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جَنَاب [¬١] الكلبي، وقد تكلموا فيه. لكن رواه ابن جرير (١١) عن أبي غريب، عن العنقزيّ، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط- قال: قدم فروة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ ، فذكره.
(طريق أخرى لهذا الحديث)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نَمر [¬٢]، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية فقال يومًا: ما أظن قومًا بأرض إلا هم من أهلها. فقال علي بن رباح: كلا، قد حدثني فلان أن فروة بن مُسَيك الغُطيفي قدم على رسول الله ﷺ فقال: بها رسول الله؛ إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإِسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: "ما أمرت فيهم بشيء بعد". فأنزلت هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي [مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ] [¬٣]﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله؛ ما سبأ؟ فذكر مثل [هذا الحديث الذي] [¬٤] قبله؛ أن رسول الله ﷺ سُئل عن سبأ: ما هو؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة؟ قال: "بل رجل، وَلَد عَشَرَة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة".
فيه غرابة من حيث [¬٥] ذكر الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله [¬٦] أعلم.
(طريق أخرى)، قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي؛ قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أخبرني عن [¬٧] سبأ: ما هو؟ أرض، أم امرأة؟ قال: "ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشره من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار". فقال رجل: ما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة".
стр. 5168
ورواه الترمذي في جامعه (١٢)، عن أبي غريب وعبد بن حميد؛ قالا: حدثنا أبو أسامة … فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير -هو عثمان بن كثير- عن الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري؛ أن رجلًا، أتي رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ … فذكر مثله، فقوى [¬١] هذا الحديث وحَسّن.
قال علماء النسب منهم محمَّد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وإنما سمى سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشًا ورياشًا. وذكروا أنه بشر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرًا:
سَيَمْلكُ بَعْدَنَا مُلْكًا عظيمًا … نَبيّ لا يُرَخّصُ في الحَرَام
وَيمْلك بَعْدَه منْهُم مُلوك … يدينون العبادَ بغَير ذام
وَيَمْلك بَعدهم منا مُلُوك … يَصير الملُك فينَا باقْتسَام [¬٢]
وَيمْلك بَعْدَ قَحْطَان نَبي … تقي خَبتَة [¬٣] خير الأنام
وسُمِّي أحْمَدًا يَا ليتَ أني … أعَمّر بَعْدَ مَبعَثه بعَام
فأعضُده وأحبوه بنَصْري … بكُل مُدَجّج وبكُلَ رام
متى يَظْهَرْ فَكُونُوا نَاصريه … وَمَنْ يَلْقَاهُ يبلغُهُ سَلامي
ذكر ذلك الهمداني في كتاب "الإكليل".
واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق.
والثاني: أنه من سلالة عَابر، وهو هود ﵊، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به [¬٤] على ثلاث طرائق أيضًا.
стр. 5169
والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ واختلفوا في كيفية [¬١] اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضًا.
وقد ذكر ذلك مستقصى الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀، في كتابه: "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواه".
ومعنى قوله ﵇: "كان رجلًا من العرب"، يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ﵇، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل ﵇، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم.
وفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ مر بنفر من "أسلَمَ" ينتضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا" (١٣).
فأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار [¬٢] أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل [¬٣] العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل: لهم: غَسَّان بماء نزلوا عليه؛ قيلَ: باليمن. وقيل: إنّه قرب من المشلل [¬٤]، كما قال حسان بن ثابت:
إمَّا سَألت فَإنا مَعْشَرٌ نُجُبٌ [¬٥] … الأزْدُ نِسبَتُنَا، والماء غَسانُ
ومعنى قوله: "ولد له [¬٦] عشرة من العرب"، أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه [¬٧] الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب.
ومعنى قوله: "فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة"، أي: بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح [¬٨] عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضًا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعَمَد [¬٩] ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدًّا عظيمًا محكمًا حتى ارتفع الماء، وحُكمَ على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن. كما ذكره غير واحد من
стр. 5170
السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه [¬١] من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قُطَّاف، لكثرته ونضجه واستوائه. وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.
وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية اللَّه بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ [¬٢] آيَةٌ﴾، ثم فسرها بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، أي: من ناحيتَيْ [¬٣] الجبلين والبلدة بين ذلك، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، أي: غفور لكم إن استمررتم [¬٤] على التوحيد.
وقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، أي: عن توحيد اللَّه وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن مُنبه: بعث اللَّه إليهم ثلاثة عشر نبيًّا.
وقال السّدّي: أرسل اللَّه إليهم اثني عشر ألف نبي. واللَّه أعلم.
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ﴾، قيل المراد بالعرم المياه. وقيل: الوادي. وقيل: الجُرَذ: وقيل الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: "مسجد الجامع" و "سعيد [¬٥] كُرْز"، حكى ذلك السهيلي.
وذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك: أن اللَّه لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: "الجُرَذ" نقبته [¬٦]. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجُرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السَّدّ فنقبته، فانهار عليهم.
وقال قتادة وغيره: الجُرَذ: هو الخَلْد، نقبت أسافله حتى إذا ضَعف ووَهَى، وجاءت أيام
стр. 5171
السيول، صَدمَ الماءُ البناءَ فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرّبَ [¬١] ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال اللَّه [¬٢] تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن، وقتادة، والسدي: وهو الأراك، وأُكُلُه البرير.
﴿وَأَثْلٍ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطَّرْفاء.
وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل: هو السَّمرُ. فاللَّه أعلم.
وقوله: ﴿وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، لما كان أجودَ هذه الأشجار البدل بها هو السَّدرُ قال: ﴿وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، فهذا الذي صار أمر تَيْنك [¬٣] الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل.
ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلا الْكَفُورَ﴾؟ أي: عاقبناهم بكفرهم.
قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.
وقال الحسن البصري: صدق اللَّه العظيم. لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور.
وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبى [¬٤]، عن ابن خيرة -وكان من أصحاب علي ﵁ قال: جزاء المعصية الوهن في العبادهّ، والضيق في العيشة، والتعسر في اللذة. قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلالًا إلا جاءه من يُنَغّصه إياها.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ
стр. 5172
ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾
يذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حَمل زاد، لا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرًا، ويَقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ وَبَينَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ - قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك.
وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، وغيرهم: يعني قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من [¬١] اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة [¬٢].
وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس.
وقال العوفي، عنه أيضًا: هي قرى عربية بين المدينة والشام.
﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يَقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيرَ﴾، أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلًا ونهارًا.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ - وقرأ آخرون: ﴿بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ - وذلك أنهم بَطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد- وأحبُّوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحَرُور والخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج اللَّه لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في مَنّ وسلوى وما يشتهون من [مآكل ومشارب] [¬٣] وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. وقال تعالى: ﴿وَ [¬٤] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ [الْجُوعِ وَالْخَوْفِ] بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقال في حق هؤلاء: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: بكفرهم، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي: جعلناهم حديثًا للناس، وسَمَرًا يتحدثون به من
стр. 5173
خبرهم، وكيف مكر اللَّه بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: "تفرقوا أيدي سبأ" "وأيادي سبأ" و"تفرقوا شَذَرَ مَذَرَ".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب ابن الشهيد، سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ [¬١] آيَةٌ جَنَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ﴾: وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خُبّر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم. فلم يدر كيف يصنع، لأنه كان له مال كثير من عقار [¬٢]، فقال لرجل من بنيه -وهو أعزهم أخوالًا-: إذا كان غدًا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال: يا أبت؛ لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد. قال: يا بني؛ قد حديث أمر لا بد منه.
فلم يزل به [¬٣] حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال: يا بني؛ افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابنى يلطمني؟. عَلَي بالشفرة، قالوا: وما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه. قالوا: تذبح ابنك؟! الطمه [¬٤] أواصنع ما بدا لك. قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم [¬٥] ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه. قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضى. فلم يزل حتى باع دوره وأراضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه [¬٦]، قال: أي قوم؛ إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارًا جديدًا، وجملًا شديدًا، وسفرًا بعيدًا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخمر والخَمير والعَصير وكلمة، -قال إبراهيم: لم أحفظها- فليلحق ببصْرَى، ومن أراد الراسخات في الوحل، والمطعمات في المحل، القيمات في الضحل [¬٧]، فليلحق بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال: فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلًا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة؛ لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى.
стр. 5174
هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد روُساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر [عمرو بن] [¬١] عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن، بسبب استشعاره بإرسال العَرم فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن -فيما حدثني أبو زيد الأنصاري- أنه رأى جرذًا يَحفرُ [¬٢] في سد مأرب، الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النَّقْلة عن اليمن فكاد [¬٣] قومه، فأمر أصغر أولاده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لَطَم وجهى فيها [¬٤] أصغر ولدي. وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غَضْبَةَ عمرو. فاشتروا منه أمواله. وانتقل في ولده وولد ولده. وقالت الأزد [¬٥]: لا نتخلف عن عمرو بن عامر. فباعوا أموالهم، وخرجوا [معه فساروا] [¬٦] حتى نزلوا بلاد "عك" [¬٧] مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت [¬٨] حربهم سجَالًا. ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي:
وَعَكّ بنُ عَدنَانَ الذين تَغَلَّبُوا … بَغَسَّانَ، حتى طُرّدُوا كُلّ مَطْرَد
وهذا البيت من [¬٩] قصيدة له.
قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل [¬١٠] آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مَرَّا. ونزلت أزد السواة السراة [¬١١]، ونزلت أزد عُمَان عُمَان، ثم أرسل اللَّه على السد السيل فهدمَه، وفي ذلك أنزل اللَّه هذه الآيات (١٤) [¬١٢].
وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو ما [¬١٣] ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: "فأمر ابن أخيه"، مكان "ابنه"، إلى قوله: "فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا". رواه ابن أبي حاتم.
стр. 5175
وقال ابن جرير (١٥): حدثنا ابن [¬١] حميد، أخبرنا سلمة [¬٢]، عن ابن إسحاق؛ قال: يزعمون أن عمرو بن عامر، وهو عم القوم كان كاهنًا، فرأى في كهانته أن قومه سَيمزَّقون ويباعَدُ بين أسفارهم. فقال لهم: إني قد [¬٣] علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد وجمل شديد، ومَزَاد جَديد [¬٤]- فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو. ومن كان منكم ذا هَمٍّ مُدْن، وأمر دَعْن، فليلحق بأرض شَنّ. فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق. ومن كان منكم يريد عيشًا آنيا، وحرمًا آمنًا، فليلحق بالأرزين [¬٥]. فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل، والمطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار. ومن كان منكم يريد خمرًا وخَميرا، وذهبًا وحريرًا، وملكا وتأميرًا، فليلحق بكُوثى وبُصرى، فكانت غسان بنو جَفنة ملوكُ الشام. ومن كان منهم بالعراق.
قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت [¬٦] هذه المقالة طريفةُ امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك [¬٧]، فاللَّه أعلم أي ذلك كان.
وقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم اللَّه كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة؛ قال: قال الأعشى -أعشى بني قيس بن ثعلبة- واسمه: ميمون بن قيس.
وَفي ذَاكَ [¬٨] للمُؤْتَسي [¬٩] أسْوَةٌ … ومَأربُ عَفَّى عليها العَرمْ
رُخَام بَنَتْهَ لَهْمُ حِمْيرُ … إذا جاءَ مَوَّارهُ لم يَرِمْ
فَأرْوَى الزّرُوعَ وَأعنَابَها … عَلَى سَعَةٍ مَاؤهُمْ إذْ قُسِمْ
فَصَارُوا أيَادي مَا يَقْدرُو … نَ منْه علَى شُربِ طِفْلٍ فُطِم (١٦)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: إن في هذا الذي حل
стр. 5176
بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام- لعبرةً ودَلالةً لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم.
قال الإمام أحمد (١٧): حدثنا عبد الرحن وعبد الرزاق المعنى، قالا: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيْث عن عمر بن سعد، عن أبيه -هو سعد بن أبي وقاص، ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "عجبت من قضاء اللَّه للمؤمن، إن أصابه خير حَمدَ رَبَّه وشكر، وإن أصابته مصيبة حَمد ربه وصَبَر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته".
وقد رواه النسائي في "اليوم والليلة"، من حديث أبي إسحاق السَّبيعي به وهو حديث عزيز -من رواية عمر بن سعد، عن أبيه. ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "عجبًا للمؤمن، لا يقضى اللَّه له قضاء إلا كان خيرًا، إن أصابته سراء شكر فكان [¬١] خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له؛ وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" (١٨).
قال عبد: حدثنا يونس، عن شيبان. عن قتادة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، قال: كان مطرِّف يقول: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر.
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾
لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.
قال ابن عباس وغيره: هذه الآية [¬٢] كقوله تعالى إخبارًا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم، ثم قال: ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
стр. 5177
إلا قَلِيلًا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ … والآيات في هذا كثيرة.
و [¬١] قال الحسن البصري: لما أهبط اللَّه آدم من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فَرحًا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنًّا من إبليس، فأنزل اللَّه : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال عند ذلك إبليس: "لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعدُه وأُمَنِّيه وأخدعه". فقال اللَّه: "وعزتي، لا أحجب عنه التوبة ما لم يُغَرغِر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر لي إلا غفرت له". رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ - قال ابن عباس: أي من حجة.
وقال الحسن البصري: واللَّه ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه.
وقوله: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، أي: إنما سلطاه عليهم ليظهرَ أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيُحسنَ عبادة ربه في الدنيا، ممن هو منها في شك.
وقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ﴾، أي: ومع حفظه ضَلَّ من ضلَّ من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سَلِم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾
يبيِّن [¬٢] تعالى أنه الإله [¬٣] الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده، من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: من الآلهة التي عبدت من دونه [﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ] [¬٤] مَا
стр. 5178
يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، أي: لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا على سبيل الشركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، أي: وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه.
قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، من عون يعينه بشيء.
وقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، أي: لعظمته وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء، إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
ولهذا ثبت في الصحيحين (١٩)، من غير وجه عن رسول اللَّه ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند اللَّه- أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلّهم أن يأتي ربّهم لفصل القضاء، قال: "فأسجد للَّه فيدعني ما شاء اللَّه [¬١] أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد؛ ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعطَه، واشفع تشفع" … الحديث بتمامه.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾. وهذا أيضًا مقام رفيع في العظمة. وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه، أرْعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي. قاله ابن مسعود ومسروق، وغيرهما.
﴿[حَتَّى إِذَا] [¬٢] فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: زال الفزع عنها، قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو عبد الرحمن السلمي، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والضحاك والحسن، وقتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يقول: جُلّي عن قلوبهم. وقرأ بعض السلف -وجاء مرفوعًا-: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ بالغين المعجمة، ويرجع إلى الأول.
فإذا كان كذلك يسأل [¬٣] بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش الذين [¬٤] يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾، أي: أخبروا [¬٥] بما قال من غير زيادة ولا نقصان، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ
стр. 5179
الْكَبِيرُ﴾.
وقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يعني المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة حتى إذا استيقظوا كما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق. وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا.
قال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، كشف عنها الغطاء يوم القيامة.
وقال الحسن: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: ما فيها من الشك والتكذيب.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أيعني: ما فيها من الشك،] [¬١] قال: فزع الشيطان عن قلوبهم ومآربهم [¬٢] وأمانيهم وما كان يضلهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال: و [¬٣] هذا في بني آدم، هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار.
وقد اختار ابن جرير القول الأول (٢٠): أن الضمير عائد على الملائكة. هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفًا يدل على غيره.
قال البخاري عند تفسيو هذه الآية الكريمة في صحيحه (٢١). حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة، سمعت أبا هُرَيرة يقول: إن نبي اللَّه ﷺ قال: "إذا قضى اللَّه الأمرَ في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله: كأنه سلسلة على صفوانٍ، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مُسْتَرق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بيده فحَرّفها وبَدّد بين أصابعه- فيَسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيَها على لسان الساحر [¬٤] أو الكاهن. فربما أدركه الشّهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذْبَة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا
стр. 5180
وكذا، كذا وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء".
انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه.
وقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة به.
حديث آخر، قال الإمام أحمد (٢٢): حدثنا محمد بن جعفر [ثنا معمر] [¬١] وعبد الرزاق أخبرنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا [¬٢] في نفر من أصحابة -قال عبد الرزاق: من الأنصار- فَرُمَي بنجم فاستنار، قال [¬٣]: "ما كنتم تقولون إذا كان مثلُ هذا في الجاهلية؟ " قالوا: كنا نقول يُولدَ عظيم، أو [¬٤] يموت عظيم - قلت للزهري: أكان رمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكن غُلّظت حين بعث النبي ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ : "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎، إذا قضى أمرًا سبح حَمَلةُ العرش، [ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه الدنيا، ثم يستخير أهل السماء الذين يَلونَ حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش] [¬٥]: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون".
هكذا [¬٦] رواه الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم في صحيحه (٢٣)، من حديث صالح بن كيسان، والأوزاعي، ويونس ومعقل بن عبيد [¬٧] الله، أربعتهم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس عن رجل من الأنصار به. ورواه [¬٨] وقال يونس: عن رجال من الأنصار.
وكذا رواه النسائي (٢٤) في "التفسير" من حديث الزبيدي، عن الزهري به.
стр. 5181
ورواه الترمذي فيه (٢٥) عن الحُسَين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عُبيَد [¬١] الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن رجل من الأنصار ﵁ والله أعلم.
حديث آخر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي [¬٢]-والسياق لمحمد بن عوف- قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد، هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكرياء، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمْعان؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماوات منه [¬٣] رجفة -أو قال: وعدة شديدة من خوف الله. فإذا سمع بذلك أهل المساوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مَرّ بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال: الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض".
وكذا رواه ابن جرير وابن خُزَيمة (٢٦)، عن زكريا بن أبان المصري، عن نعيم بن حماد به.
قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالشام عن الوليد بن مسلم ﵀.
وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العَوفي، عن ابن عباس عن قتادة: أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله سبحانه إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى. ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا
стр. 5182
كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
يقول تعالى مُقَررًا [تفردَه بالخلق] [¬١] والرزق، وانفراده بالإلهية أيضًا، فكما كانوا يعترفون بأنه لا يرزقهم من السماء [¬٢] والأرض -أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع-[إلا الله] [¬٣]، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره.
وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد.
وقال عكرمة، وزياد بن أبي مريم: معناه: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.
وقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، معناه التبري منهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بُرآء منكم وأنتم برآء منا. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.
وقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا﴾، أي: يوم القيامة، كجمع الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزى كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وستعلمون يومئذ لمن [العزة والنصرة] والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾، أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا وصَيَّرتموها له عدلًا؟ كلا، أي: ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل؛ ولهذا
стр. 5183
قال: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾، أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له العزيز الحكيم، أي: ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وَغَلَبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: [تبشر من] [¬١] أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، يعني إلى الناس عامة.
وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله محمدًا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على الله أطوعهم لله .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن [¬٢] عمر العدني، حدثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة؛ قال: سمعت ابن عباس، يقول: إن الله فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا بن عباس؛ فيم فضله الله على الأنبياء؟ قال: إن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال للنبي ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فأرسله الله إلى الجن والإنس.
وهذا الذي قاله ابن عباس قد ثبت في الصحيحين (٢٧) رَفعهُ عن جابر؛ قال: قال رسول الله
стр. 5184
ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة".
وفي الصحيح أيضًا أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "بعثت إلى الأسود والأحمر" (٢٨).
قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم. والكل صحيح.
ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ … الآية.
ثم قال: ﴿قُلْ: لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾، أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزداد ولا ينتقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كمال قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ وقال ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
﴿قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾
يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد؛ ولهذا قال: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾، قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا، ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منهم وهم
стр. 5185
الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، وهم قادتهم وسادتهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، أي: لولا أنتم تصدونا لكنا [¬١] اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به. فقال لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، أي: نحن ما فعلنا بكم ذلك [¬٢] أكثر من أنَّا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الأنبياء، لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، وتَغُرّونا وتُمَنونا، وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكَذبٌ ومَين [¬٣].
وقال قتادة، وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، يقول: بل [¬٤] مكرهم بالليل والنهار. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم: مكرهم بالليل والنهار.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، أي: نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياءَ من المحال، تضلونا بها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾، أي: الجميع من السادة والأتباع، كُلُّ نَدم على ما سَلَف منه.
﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا [كَانُوا يَعْمَلُونَ] [¬٥]﴾، أي: إنما نجازيكم بأعمالكم، كُلُّ بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم؛ قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضبرار بن صُرد، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تَلَقَّاهم لهبها، لم لَفَحتهم [¬٦] لَفحةً فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب" (٢٩).
وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخُشُني؛ قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا سلسلة ولا قيد، إلا اسم صاحبها عليه مكتوب. قال: فحدثتُه أبا سليمان -يعني الداراني، رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك! فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغُلّ في يديه، والسلسلة في عنقه،