← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ نبيت عنده؛ يطرقه من الليل أمر، وتبدو له حاجة؛ فلما كانت ذات ليلة كَثُر أهل النَّوب والمحتسبون، حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ ؛ فقال: "ما هذا النجوى؟ ألم تُنْهَوا عن النجوى؟ " قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله؛ إنا كنا في ذكر المسيح، فَرَقًا منه. فقال: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه! ". قلنا: بلى يا رسول الله؟ قال "الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل" (١٩). هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾.] [¬١] وهو ما يتعلق بغيرهم ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير عن الأعمش [عن مسلم] [¬٢] عن مسروق عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله ﷺ ، يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش" قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو ما سمعت أقول: وعليكم"؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢٠) وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله ﷺ قال: "إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا" (٢١).

стр. 6092

وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلّم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله ﷺ : "هل تدرون ما قال: "قالوا: سلم يا رسول الله. قال: "بل قال: سام عليكم" أي: تسامون دينكم. قال رسول الله: "ردوه". فردوه عليه، فقال نبي الله: "أقلت: سأم عليكم؟ " قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك" أي عليك ما قلت. وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح (٢٢)، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة نحوه [¬١] (٢٣). وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًّا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن، لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبيًّا حقًّا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: جهنم كفايتهم في الدار [¬٢] الآخرة ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٤). وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؛ أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٣] الْمَصِيرُ﴾. إسناد حسن ولم يخرجوه (٢٥). وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله إذا حَيّوه: سام عليك، قال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٤] الْمَصِيرُ﴾ ثم قال الله مؤدبًا عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة

стр. 6093

والمنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾، أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾، أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها. وقال الإِمام أحمد: حدثنا بَهز وعفان؛ قالا: أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز؛ قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفه ويستره من الناس، ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتابَ حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢٦). أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة (٢٧). ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنّما النجوى - وهي المُسَارّة - حيث [يتوهم منها مؤمن] [¬١] سوءًا ﴿مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: إنّما يصدر هذا من المتناجين [¬٢] عن تسويل الشيطان وتزيينه، ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء، بإذن الله. وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، حيث يكون في ذلك تأذ [¬٣] على مؤمن. كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو معاوية؛ قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن

стр. 6094

مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَيَن اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه" (٢٨). أخرجاه من حديث الأعمش (٢٩). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه" (٣٠). انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب، به (٣١). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ يقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين، وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾، وقريء: ﴿فِي [¬١] الْمَجْلِسِ﴾، ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل. كما جاء في الحديث الصحيح: "من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة" (٣٢). وفي الحديث الآخر: "ومن يَسَّر على معسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، [ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة] [¬٢]، والله في عون العبد ما كان العبد في عون

стр. 6095

أخيه" (٣٣). ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضَنوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض. وقال مقاتل ابن حيان: أنزلت هذه الآية يوم جُمُعة وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ ، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فرد النبي ﷺ عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يُفسَح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار، من غير أهل بدر: "قم يا فلان، وأنت يا فلان". فلم يزل يقيمهم بعدّة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبلُ عدلَ علن هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم واحبوا القرب لنبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عمه. فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله رجلًا فَسَح لأخيه". فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فَتَفَسَّحَ القومُ لإِخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه ابن أبي حاتم. وقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" (٣٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به (٣٥). وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقيمن أحدكم أخاه يوم

стр. 6096

الجمعة، ولكن ليقل: افسحوا" (٣٦) على شرط السنن، ولم [¬١] يخرجوه. وقال الإمام أحمد (٣٧): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم". ورواه أيضًا عن سُريج [¬٢] بن يونس، ويونس [¬٣] بن محمد المؤدب، عن فليح، به. ولفظه: "لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم" (٣٨). تفرد به أحمد. وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجًّا بحديث: "قوموا إلى سيدكم" (٣٩). ومنهم من منع من ذلك محتجًّا بحديث: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار" (٤٠).

стр. 6097

ومنهم من فصَّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي ﷺ حاكمًا في بني قريظة فرآه مقبلًا قال للمسلمين: "قوموا إلى سيدكم". وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم. فأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم. وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك (٤١). وفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله ﷺ كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة ﵃ يجلسون منه على مراتبهم، فالصِّديق يجلسه عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبًا عثمان وعلي، لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهم بذلك، كما رواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير [¬١]، عن أبي معمر، عن أبي مسعود: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله - صلوات الله وسلامه عليه - ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين، أو ليأخذ البدريون من العلم بنصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم، أو تعليمًا بتقديم الأفاضل إلى الإمام (٤٢). وقال الإمام أحمد (٤٣): حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عُمارة [¬٢] بن عمير التيمي [¬٣]، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: "استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم

стр. 6098

أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم". قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا. وكذا [¬١] رواه مسلم وأهل السنن - إلّا الترمذي - من طرق عن الأعمش به (٤٤). وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء ثم العلماء، فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة. وروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله" (٤٥). ولهذا كان أبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلًا يكون من أفناء [¬٢] الناس، ويدخل هو في الصف المقدم، ويحتج بهذا الحديث: "ليليني منكم أولو الأحلام والنهى". وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه، عملًا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه. ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع. وفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهبًا. فقال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بخبر [¬٣] الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه. وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" (٤٦)

стр. 6099

وقال الإمام أحمد: حدثنا عَتَّاب [¬١] بن زياد، [أخبرنا عبد الله] [¬٢]، أخبرنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما" (٤٧). ورواه أبو داود والترمذي من حديث أسامة بن زيد الليثي به (٤٨). وحسَّنه الترمذي. وقد رُوِيَ عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾، يعني: في مجالس الحرب. قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ [] [¬٣] انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي: انهضوا للقتال. وقال قتادة: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾، أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجًا من عنده، فربما يشق ذلك عليه ﵇ وقد تكون له الحاجة، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا، كقوله: ﴿[وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ] [¬٤] ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾. وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا تعتقدوا أنه إذا فَسَح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصًا في حقه، بل هو رفعة ومزية عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رَفَع الله قدره، ونشَرَ ذكره؛ ولهذا قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ [بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي:] [¬٥] خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن أبي الطفيل

стр. 6100

عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي [¬١] عمر بن الخطاب بعُسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. قال: [وما ابن أبزى؟ فقال] [¬٢]: رجل من موالينا. فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض. فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: "إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين" (٤٩). وهكذا رواه مسلم من غير وجه عن الزهري به (٥٠). ورُوي من غير وجه عن عمر بنحوه. وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، فلله [¬٣] الحمد والمنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾ يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أي: يسارّه فيما بينه وبينه أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾. ثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾، أي: إلا من عجز عن ذلك لفقده ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾، أي: أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فنسخ وجوب ذلك عنهم. وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 6101

قال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم دينارًا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي ﷺ ، فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: قال عليّ ﵁: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة [¬١] دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت ولم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً … ﴾ الآية (٥١). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنمارى، عن عليّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما ترى؟ دينار؟ " قال: [لا يطيقون] [¬٢]. قال: "نصف دينار؟ " قال: لا يطيقون [¬٣]. قال: "ما ترى؟ "؟ قال: شَعيرَة. فقال له النبي ﷺ : "إنك زهيد [¬٤] ". قال [¬٥]: قال علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٦]﴾ (٥٢). ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنمارى، عن عليّ بن أبي طالب قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال لي [¬٧] النبي ﷺ : "ما ترى؟ دينار؟ " قلت [¬٨]: لا يطيقونه [¬٩]. وذكره بتمامه، مثله (٥٣)، ثم قال: هذا

стр. 6102

حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. ثم قال: ومعنى قوله "شعيرة": يعني وزن شعيرة من ذهب. ورواه أبو يعلى عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم به (٥٤). وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخ هذا. وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﵇ فلما قال ذلك [صبر كثير] [¬١] من الناس وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٢] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فوسع الله عليهم ولم يضيق. وقال عكرمة والحسن البصري في قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: نسختها الآية التي بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٣]﴾ إلى آخرها. وقال سعيد عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم [¬٤] إذا كانت له الحاجة إلى [¬٥] نبي الله ﷺ فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال معمر: عن قتادة: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار. وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد، قال عليّ: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة.

стр. 6103

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ يقول تعالى منكرًا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾، يعني اليهود، الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن. ثم قال: ﴿مَا [¬١] هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾، أي: هؤلاء المنافقون، ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين تولوهم وهم اليهود. ثم قال: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: المنافقين يحلفون على الكذب وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين - عياذًا بالله منه - فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا بالله أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقًا. ولهذا شهد الله بكذبهم في إيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم [¬٢]، ومعاداة المؤمنين وغشهم، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض

стр. 6104

الناس، ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ثم قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾، أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسًا إذا جاءهم، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدًا ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ﴾ أي: يحلفون لله [¬١] أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا: لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ﴾ أي: حلفهم ذلك لربهم ثم قال منكرًا عليهم حسبانهم [ذلك] [¬٢]: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فأكد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، حدثنا [¬٣] سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جُبَير: أن ابن عباس حَدثه: أن النبي ﷺ كان في ظل حجرة من حُجَره، وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظل، قال: "إنه سيأتيكم إنسان [¬٤] ينظر بعيني شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه". فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فكلمه، فقال: "علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ " - نفر دعاهم بأسمائهم - قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل الله : ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾. وهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين عن سماك، به (٥٥). ورواه ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، به نحوه (٥٦). وأخرجه أيضًا من حديث سفيان الثوري عن سماك بنحوه إسناد جيد ولم يخرجوه (٥٧).

стр. 6105

وحال هؤلاء كما أخبر تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ثم قال: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾، أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه. ولهذا قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا السائب بن حُبَيش، عن معدان بن أبي طلحة اليَعْمُري، عن أبي الدرداء قال [¬١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية"، قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة (٥٨). ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ﴾، يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني: الذين هم في حَد

стр. 6106

والشرع في حَد، أي: مجانبون للحق مشاقون له، هم في ناحية والهدى في ناحية، ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾، أي: في الأشقياء المبعَدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقَدَره الذي لا يُخالف ولا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. وقال هاهنا: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم، أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، أي لا يوادون المحادين ولوكانوا من الأقربين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ … الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، حين قتل أباه يوم بدر. ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة ﵃: ولو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته. وقيل في قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾: نزلت في أبي عبيدة، قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾: في الصديق، هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾: في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾: في عمر، قتل قريبًا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم. قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين [¬١] في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم

стр. 6107

والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم، وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأقتله، وتُمكن [¬١] عليًّا من عقيل، وتُمكن [¬٢] فلانًا من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين … القصة بكمالها (٥٩). وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته. قال السدي: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أي [¬٣]: جعل في قلوبهم الإيمان. وقال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: قواهم. وقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: كل هذا تقدم تفسيره غير مرة. وفي قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله عَوَّضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم. وقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: هؤلاء حزب الله أي: عباد الله وأهل كرامته. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرهم في الدنيا والآخرة، في مقابلة ما أخبر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان، ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة، عن رجل قد سماه -يقال: هو عبد الحميد بن سليمان، انقطع من كتابي-، عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو [¬٤] حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان، جاه يجريه الله على أيدي أوليائه لأوليائه. وإنهم الخامل ذكرهم، الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله ﷺ : "إن الله يحب الأخفياء الأتقياء، الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يُدعَوا، قلوبهم مصابيح الهدى،

стр. 6108

يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة. فهؤلاء أولياء الله الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ " (٦٠). وقال نُعيم بن حماد: حدثنا محمد بن ثور، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهم، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته [¬١] إلي: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان (٦١). ورواه أبو أحمد العسكري. [آخر تفسير سورة المجادلة. ولله الحمد]. * * *

стр. 6109

تفسير سورة الحشر وهي مدنية قال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير. ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر، عن هشيم، به (١). ورواه البخاري (٢) من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل [¬١]: سورة النضير. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾ يخبر تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه، ويصلي له ويوحده، كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ

стр. 6110

وإن من شيء إلا يسبح بحمده" وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي منيع الجناب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قدره وشرعه. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس، ومجاهد والزهري، وغير واحد. كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا مَرَدَّ له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يُصَدّ، فأجلاهم النبي ﷺ وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها [¬١] المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئًا، وجاءهم ما لم يكن ببالهم، وسيَّرهم رسول الله وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر. وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم ولهذا قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله، وكذب كتابه، كيف يحل به من بأسه الخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن [¬٢] سفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن كفار قريش كتبوا إلى ابن [أبيّ ومن] [¬٣] كان معه يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم [¬٤] صاحبنا، وإنا [¬٥] نقسم بالله لتقاتلنه [أو لتخرجنه] [¬٦]، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك [] [¬٧] عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا [¬٨] لقتال النبي ﷺ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟ " فلما سمعوا ذلك

стр. 6111

من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفارَ قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدَم نسائكم شيء -[وهي الخلاخيل] [¬١]- فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أجمعت [¬٢] بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إلينا في [¬٣] ثلاثين رجلًا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون [حبرًا، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك،] [¬٤] فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب [¬٥] فحصرهم، فقال لهم: "إنكم والله لا تأمنون [¬٦] عندي إلا بعهد تُعاهدُني [¬٧] عليه". فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغدَ على بني قريظة بالكتائب، وترك [¬٨] بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف [¬٩] عنهم. وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم، حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلَّت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها وخصه بها، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، [يقول: بغير قتال] [¬١٠]. فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، قسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار وكانا ذوي حاجة، ولم يقسم من الأنصار، غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة (٣) ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وبالله المستعان. وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسيَر -أنه لما- قُتِل أصحابُ بئر [¬١١] معونة من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا سبعين-، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعًا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما

стр. 6112

عهد من رسول الله ﷺ ، وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : "لقد قتلت رجلين لأدينَّهما" (٤)، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها. قال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة (٥): ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما، فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عَقد وحلف؛ فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين؛ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم - فمَن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب - أحدهم - فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ ﵃، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما استلبثَ النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلًا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتَّحريق فيها، فنادوه: أن [¬١] يا محمد؛ قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل [¬٢]، وسُوَيد، وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وَتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتُم خرجنَا [¬٣] معكم فتربصوا ذلك من

стр. 6113

نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجاف [¬١] بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وخَلّوا الأموال لرسول الله ﷺ فكانت لرسول الله خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنَيف وأبا دُجانة سماك بن خَرشَة ذكرا فقرًا، فأعطاهما رسول الله ﷺ . قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير [¬٢] بن كعب ابن [عم] [¬٣] عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين؛ أن رسول الله ﷺ ، قال ليامين: "ألم تر ما لقيتُ من ابن عمك، وما هَم به من شأني". فجعل يامين بن عمَير لرجل جعلًا على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها. وهكذا روى يونس بن بُكَير [¬٤] عن ابن إسحاق، بنحو ما تقدم. فقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. قال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من شك في أن أرض المحشر هاهنا -يعني الشام- فَلْيَتْل هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، قال لهم رسول الله ﷺ : "اخرجوا". قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر". وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن؛ قال: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير، قال: "هذا أول الحشر، وأنا على الأثر".

стр. 6114

ورواه ابن جرير (٧) عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن به. وقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي: في مدة حصاركم لهم وقصَرها، وكانت ستة أيام، مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ [¬١] اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، أي: الخوف والهلع والجزع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نُصر بالرعب مسيرةَ شهر، صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم، وتَحَمُّلها على الإبل. وكذا قال عروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وقال مقاتل بن حيان (٨): كان رسول الله ﷺ يقاتلهم، فإذا ظهر على دَرب أو دار، هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا عَلَوا مكانًا أو غلبوا على دَرب أو دار نقبوا من أدبارها [¬٢] ثم حصنوها ودَرّبوها [¬٣]، يقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾، أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء، وهو النفي من ديارهم وأموالهم، لكان [¬٤] لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي، ونحو ذلك، قاله الزهري عن عروة، والسديُّ وابن [¬٥] زيد، لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب في نار جهنم. قال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح - كاتب الليث - حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب؛ قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ قال: ثم كانت وقعة

стр. 6115

بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقَلَّت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة، وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله ﷺ قِبَل الشام. قال: والجلاء أنه كُتب عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبلما سلط عليهم رسول الله ﷺ ، وأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال عكرمة: الجلاء: القتل، وفي رواية عنه الفناء. وقال قتادة: الجلاء: خروج الناس من البلد إلى البلد. وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرًا وسقاء، فهذا الجلاء. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي (١٠): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعد [¬١] العوفي، حدثني أبي، عن عمي، حدثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس؛ قال كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء، والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى. وروى أيضًا (١١) من حديث يعقوب بن محمد الزهري [¬٢]، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة [¬٣]، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة [¬٤]؛ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم [¬٥] في الجلاء ثلاث ليال. وقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أي: حتم لازم لا بد لهم منه. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: إنما فَعَل الله بهم ذلك وسَلَّط

стр. 6116

عليهم رسوله وعباده المؤمنين، لأنهم خالفوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ﷺ ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، اللين: نوع من التمر، وهو جيد. قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبَرْنيَّ من التمر. وقال كثيرون من المفسرين: اللينة: ألوان التمر سوى العجوة. قال ابن جرير: هو جميع النخل، ونقله عن مجاهد: وهو البويرة. أيضًا، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم، وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم. فروى محمد بن إسحاق (١٢)، عن يزيد بن رومان، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: [فبعث بنو النضير] [¬١] يقولون لرسول الله ﷺ : إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار. فأنزل الله هذه الآية الكريمة، أي: ما قطعتم وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه، وفيه نكاية العدو، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم. [وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده (١٣): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم، [فأتوا النبي] [¬٢] ﷺ فقالوا [¬٣]: يا رسول الله، علينا إثم فيما قطعنا؟ أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾] [¬٤]. وقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه.

стр. 6117

وقد روي نحو هذا مرفوعًا، فقال النسائي (١٤): أخبرنا الحسن بن محمد، عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال: يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحكَّ [¬١] في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾. وقال الإمام أحمد (١٥): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحَرّق. وأخرجه صاحبا الصحيح (١٦) من رواية موسى بن عقبة، بنحوه، ولفظ البخاري (١٧) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: حاربت النضيرُ وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومَنّ عليهم حتى حاربت قريظة فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة. ولهما (١٨) أيضًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ حَرق نخْل بني النضير وقطع -وهي [¬٢] البُوَيرةُ- فأنزل الله - عز

стр. 6118

وجل- فيه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ وللبخاري (١٩) ﵀ من رواية جُوَيرية [¬١] بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع البويرة ولها يقول حسان [ابن ثابت] [¬٢]﵁: وهَانَ عَلى سَراة بني لُؤيّ … حَريق بالبُوَيرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث [¬٣] يقول: أدَام الله ذَلكَ من صَنيع … وَحَرّقَ في نَوَاحيها السَّعير سَتَعلم [¬٤] أيُّنا منْها بنُزْهٍ [¬٥] … وتعلم أي أرضينا نضيرُ كذا رواه البخاري، ولم يذكره ابن إسحاق، وقال محمد بن إسحاق (٢٠): وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف: لَقَد خَزيت بغَدْرَتها الحُبُور … كَذَاكَ الدهرُ ذو صَرْف يَدُورُ وَذَلك أنَّهم كَفَرُوا برَبٍّ … عَظيم أمرُهُ أمْرٌ كَبيِرُ وقَد أُوتوا معًا فَهمًا وعلمًا … وجَاءَهُمُ مِن الله النَّذيرُ نَذير صَادق أدّى كتابًا … وَآيات مُبَيَّنةَ تُنيرُ فقالوا [¬٦]: مَا أتيتَ بأمرِ صدقٍ … وأنت بمنكر منا جَدير فَقال [¬٧]: بلى، لَقد أديتُ حقًّا … يصدّقني به الفَهِمُ الخبَيرُ فَمن يتَبعه يُهد لكُل رُشدٍ … وَمَن يكفُر به يُجزَ الكَفُور فَلَمَّا أشْربُوا غَدْرًا وكُفْرًا … وَجَدّ بهم عَن الحَق النّفور أرَى اللهُ النبيّ بِرَأي صدْق … وَكَان الله يَحكُم لا يَجُورُ فَأيَّدَه وَسَلَّطَه عَلَيهم … وَكَان نَصيرَه نعْمَ النَّصيرُ فَغُودرَ مِنْهمُو كَعب صريعًا … فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعه النَّضيرُ

стр. 6119

عَلى الكَفَّين ثم وقَدْ عَلَتْهُ … بأيدينَا مُشَهَّرَة ذكُورُ بأمرِ محمَّدٍ إِذْ دَسَّ لَيلًا … إلى كعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ فَمَاكَرَه فَأنزَلَه بمَكر … وَمحمودٌ أخُو ثقَة جَسُورُ فَتلْكَ بَنُو النَّضير بدار سَوء … أبَارَهمُ بما اجترموا المُبِيرُ غَداةَ أتَاهُمُ فِي الزَّحْفِ رَهْوًا [¬١] … رَسُولُ الله، وَهْوَ [بهمِ بَصيرُ] [¬٢] وَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه … عَلَى الأعدَاءِ، وَهْوَ لهم وَزيرُ فَقَال: السِّلم [¬٣]، ويحكمُ فَصَدّوا … وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ فَذَاقُوا غبّ أمْرِهِمُ دَبَالا … لِكلِّ ثَلَاثةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ وَأجْلُوا عامدين لقينُقَاعِ … وغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ ودُورُ قال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لُقَيم العَبسيّ -ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام (٢١): الأشجعي-: أهلي فداءٌ لامرِئ غَيرِ هالكٍ … أحلَّ اليهودَ بالحسيِّ المُزَنَّم يَقيلُونَ [¬٤] في جَمْر الغَضَاة وبُدِّلوا … أهَيضِبَ عودًا بالوادي المكممِ فإن يَكُ ظني صَادقًا بمُحَمد … يَرَوا خَيلَه بيَن الصّلا وَيَرَمْرِم يَؤمّ بها عَمرو بن بُهثَةَ، إنَّهُمْ … عَدُوّ، و [¬٥] ماحَيّ صَديق كمُجْرم عَلَيهنّ أبطالٌ مَسَاعيرُ في الوغى … يهزون أطراف الوشيج المُقَوّم وكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ … تُوُرِّثْنَ من [¬٦] أزْمان عاد وَجُرْهُم فمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة … فَهَلْ بَعدَهُم في المَجْد من مُتَكرّم بأنّ أخاكُم فاعلَمُنّ مُحَمَّدًا … تَلِيدُ النَّدَى بينَ الحَجُون وزَمْزَمِ فَدينُوا له بالحقّ تَجْسُمْ [¬٧] أمُورُكم … وتَسْمُوا منَ الدنْيا إلى كُلّ مُعْظَمِ نبي تلافته [¬٨] من الله رحمة … ولا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم فَقَدْ كانَ في بَدْر لَعَمْريَ عِبرَةٌ … لَكُم يا قرَيش والقَليب المُلَمَّمَ غَدَاةَ أتَى في الخَزْرَجِيَّةِ عامِدًا … إليكم مُطِيعًا للعَظِيم المُكرّمِ

стр. 6120

مُعَانّا برُوح القُدْس يَنْكى عدوه … رسولًا من الرحمن حقًّا بَمعْلم رسولًا من الرحمن يتلو كتابه … فَلَمّا أنارَ الحَقّ لم يَتَلَعْثَم أرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ في كُلّ مَوْطن … عُلُوًّا لأمْر حَمَّه اللهُ محكمَ وقد أورد ابن إسحاق ﵀ هَاهنا أشعارًا كثيرة، فيها آداب ومواعظ وحكم، وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصارًا واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة. قال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد [وقعة أحد وبعد بئر معونة. وحكى البخاري (٢٢) عن الزهري، عن عروة؛ أنه قال: كانت وقعة بني النضير بعد] [¬١] بدر بستة أشهر. ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ يقول تعالى مبينًا لمال الفيء، وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: كل مال أخذ من الكفار بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نَزَل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هَيبَة رسول الله ﷺ فأفاءه الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما شاء، فردّه على المسلمين في وجوه البر والمصالِح التي ذكرها الله في هذه الآيات، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾، أي: من بني النضير، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، يعني: الإبل، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قدير لا يُغالب ولا يُمانع، بل هو القاهر لكل شيء. ثم قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، أي: جميع البلدان التي تُفتَح

стр. 6121

هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير؛ ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخرها والتي بعدها، فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه. قال الإمام أحمد (٢٣): حدثنا سفيان، عن عمرو، ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة [¬١]، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته -وقال مَرّة: قوت سنته- وما بقي جعله في الكُرَاع والسلاح في سبيل الله . هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه الجماعة (٢٤) في كتبهم -إلا ابن ماجة- من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به. وقد رويناه مطوّلًا فقال [¬٢] أبو داود (٢٥) ﵀: حدثنا الحسن بن عليّ، ومحمد بن يحيى بن فارس -المعنى واحد- قالا: حدثنا بشر بن عُمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ حين تعالى النهار، فجئته فوجدته جالسًا على سرير مُفضيًا إلى رُماله، فقال حين دخلت عليه: يا مالِ؛ إنه قد دفّ أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم بشيء، فاقسم فيهم. قلت: لو أمرت غيري بذلك؟ فقال: خذه. فجاءه يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين؟ هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؟ فقال: نعم. فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هل لك في العباس وعليّ؟ قال: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين؛ اقض بيني وبين هذا -يعني عليًّا- فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين؛ اقض بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خُيِّل إليَّ أنهما قَدّما أولئك النفر

стр. 6122

لذلك. فقال عمر ﵁: اتئدا [¬١]، ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوُم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورث، ما تركنا صدقة"؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدُكُما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل [¬٢] تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة"؟ فقالا: نعم. فقال: فإن الله خَصَّ رسوله بخاصة لم يخص بها أحدًا من الناس، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. فكان الله أفاء على رسوله أموال [¬٣] بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها نفقة سنة -أو: نفقته ونفقة أهله سنة- ويجعل ما بقي أسوة المال، ثم أقبل عَلَى أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدُكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما تُوفي رسول الله ﷺ ؟ قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر، تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "لا نورث، ما تركنا صدقة". والله يعلم إنه لصادق بار راشد متابع [¬٤] للحق. فوليها أبو بكر، فلما توفي قلتُ: أنا وَليّ رسول الله ﷺ ووليّ أبي بكر، فَوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئتَ أنت وهذا، وأنتما جميع وأمركما واحد، فسألتمانيها، فقلت: إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عَجَزتُما عنها فَرُدّاها إليّ. أخرجوه (٢٦) من حديث الزهري [¬٥] به.

стр. 6123

وقال الإمام أحمد (٢٧): حدثنا عارم وعفان؛ قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبي الله ﷺ ؛ أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء الله، حتى فُتحت عليه قريظة والنضير. قال: فجعل يَرُدّ بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، أو كما شاء الله، قال: فسألتُ النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوبَ في عنقي، وجعلت تقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو لا يُعطيكهن وقد أعطانيهن [¬١]-أو كما قالت- فقال نبي الله: "لك كذا وكذا". قال: وتقول: كلا، والله. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". قال: وتقول: كلا والله. قال: ويقول: "لك كذا وكذا". قال: حتى أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثاله، أو قال: قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال. رواه البخاري ومسلم (٢٨) من طرق [¬٢] عن معتمر، به. وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خُمس الغَنيمة. وقد قدمنا الكلام عليها في "سورة الأنفال" بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد. وقوله: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء لئلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها، بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء. وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر. قال ابن أبي حاتم (٢٩): حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد [¬٣]، عن قتادة، عن الحسن العُرني [¬٤]، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق؛ قال:

стр. 6124

جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله ﷺ ؟ [قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ [¬١]. قالت: والله لقد تصفحتُ ما بين دفتي المصحف فما وجدت الذي تقول! قال: فما وجدتِ فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة. قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري. فدخلَت فنَظَرت [¬٢] ثم خرجت، قالت: ما رأيت بأسًا. فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال الإمام أحمد (٣٠): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن [إبراهيم عن [¬٣] علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتُفَلجات للحُسن، المغَيِّرات خلق الله . قال: فبلغ امرأة في البيت يقال لها "أم يعقوب" فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيتَ وكيتَ. قال: ما لي لا ألعن مَن لعن رسول الله ﷺ ، وفي كتاب الله. فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحَيه فما وجدته. فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإن النبي ﷺ نهى عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه. قال: اذهبي فانظري، فذهَبتْ فلم تر من حاجتها شيئًا، فجاءت فقالت: ما رأيتُ شيئًا. قال: لو كانت كذلك لم تُجامعنا. أخرجاه في الصحيحين (٣١) من حديث سفيان الثوري. وقد ثبت في الصحيحين (٣٢) أيضًا عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه".

стр. 6125

وقال النسائي (٣٣): أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عُمَر، وابن عباس؛ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ ؛ أنه نهى عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمزَفَّت، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره؛ فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زَجَره ونهاه. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ يقول تعالى مبينًا حال الفقراء، المستحقين لمال الفيء إنهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاءَ مرضاة الله ورضوانه، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أي: هؤلاء الذين صدَّقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحًا للأنصار، ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حَسَدهم، وإيثارهم مع الحاجة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين، وآمنوا قبلَ كثير منهم.

стр. 6126

قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تَبوّءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أيضًا (٣٤). وقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ﴾، أي: مِن كَرَمهم وشرف أنفسهم، يحُبُّون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. قال الإمام أحمد (٣٥): حدثنا يزيد، أخبرنا حميد، عن أنس؟ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسنَ مواساةً في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المُؤْنَةَ، وأشركونا في المهنأ [¬١]، حتى لقد خَشينا أن يذهبوا بالأجر كله! قال: "لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم". لم أره في الكتب من هذا الوجه. وقال البخاري (٣٦): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد؛ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يُقطِعَ لهم البحرين، قالوا: لا، إلا أن تُقطع لإِخواننا من [¬٢] المهاجرين مثلها. قال: "إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي [¬٣] أثرة". تفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال البخاري (٣٧): حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤنَةَ ونَشركُكم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به دون مسلم.

стр. 6127

﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: ولا يجدون في أنفسهم حسَدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة. قال الحسن البصري: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾، يعني الحسد. ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم. وكذا قال ابن زيد. ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإِمام أحمد حيث قال: حدثنا عبد الرزاق (٣٨)، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس؛ قال: كنا جُلوسًا مع رسول الله ﷺ ؛ فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة". فطلع رجل من الأنصار تَنطُف لحيته من وضوئه، قد تَعَلَّق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل [¬١] المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل، مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسولُ الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلتُ [¬٢]. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعار وتقلب على فراشه، ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر [¬٣]، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة". فطلعت أنت الثلاث المرات [¬٤]، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتديَ به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله ﷺ ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غيبر أني لا [¬٥] أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسُد أحدًا على خير أعطاه الله! إياه. قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق. ورواه النسائي (٣٩) في اليوم والليلة عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، به.

стр. 6128

وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري، عن رجل، عن أنس (٤٠)، فالله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٤١) في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يعني مما أوتوا: المهاجرون. قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار، فعاتبهم الله في ذلك، فقال: (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسول الله: "إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم". فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله ﷺ : "أو غير ذلك؟ ". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر". فقالوا: نعم يا رسول الله. وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: حاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. وقد ثبت في الصحيح (٤٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الصدقة جهد المقل". وهذا المقام أعلى من حال الذين وَصَفَ الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. وقوله: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ لجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. وهذا الماء الذي عُرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم، ﵃ وأرضاهم.

стр. 6129

وقال البخاري (٤٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فُضَيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هُرَيرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فقال النبي ﷺ : "ألا رجل يُضَيِّفُ هذا الليلة، ﵀؟ " فقام رجل في الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبيةُ العَشاءَ فنوِّميهم وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه، سلم - فقال: "لقد عجب الله أو: ضحك من فلان وفلانة". وأنزل الله : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وكذا رواه البخاري في موضع آخر (٤٤)، ومسلم (٤٥) والترمذي (٤٦) والنسائي (٤٧) من طرق، عن فضيل بن غزوان، به، نحوه. وفي رواية لمسلم (٤٨) تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة، ﵁. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح. قال أحمد (٤٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء عن [¬١] عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا [¬٢] دماءهم واستحلوا محارمهم". انفرد بإخراجه مسلم (٥٠)، فرواه عن

стр. 6130

القعنبي عن داود بن قيس، به. وقال الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح؛ فإنه أهلَكَ من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا". ورواه أحمد (٥١) وأبو داود (٥٢)، من طريق شعبة. والنسائي (٥٣) من طريق الأعمش كلاهما عن عمرو بن مرة، به. وقال الليث (٥٤) عن يزيد [بن الهاد] [¬١] عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج [¬٢]، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يجتمع غبار في سبيل الله ودُخانُ جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبدًا". وقال ابن أبي حاتم (٥٥): حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك،
следующие страницы →