← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وقال عكرمة، والحسن، والضحاك، وابن [¬١] زيد: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ وجه الأرض. وقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها - قال: و ﴿السَّاهِرَةِ﴾: المكان المستوي. وقال الثوري: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة [¬٢]: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: أرض بيت المقدس. وقال وهب بن مُنَبه: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جبل إلى جانب بيت المقدس. وقال قتادة أيضًا: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جهنم. وهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى. وقال ابن أبي حاتم (٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خَزَر [¬٣] بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، قال: أرض بيضاء عفراء كالخُبزَة النقي. وقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، يقول الله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٤] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يُهَراق عليها دم. ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ يخبر تعالى وسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇

стр. 6442

أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ أي: هل سمعت بخبره؟ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾، أي: كلمه نداءً، ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، أي: المطهر، ﴿طُوًى﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح، كما تقدم في سورة "طه". فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، أي تجبر وتمرد وعتا، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزَكَّى به. أي: تسلم وتطيع. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾، أي: أدلك إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشيًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير. ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾، يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحقّ حجة قوية، ودليلًا واضحًا على صدق ما جاءه به من عند الله، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾، أي: فكذب بالحق [¬١] وخالف ما أمره به من الطاعة. وحاصِلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُهُ بأن ما جاء به أنه حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له. وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جَمعُهُ السحرةَ ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزة الباهرة، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾، أي: في قومه ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ بأربعين سنة. قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالًا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، هذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، أي: الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بذلك كلمتاه [¬٢] الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه الأول. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ أي: لمن يتعظ وينزجر. ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)

стр. 6443

وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ يقول تعالى محتجًا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ يعني بل السماءُ أشدّ خلقًا منكم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾، أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. وقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: جعل ليلها مظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مشرقًا نيرًا واضحًا. قال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون. ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: أنار نهارها. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وقد تقدم في سورة "حم السجدة" أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله -يعني ابن عَمرو [¬١]- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عَمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿دَحَاهَا﴾: وَدَحْيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. وقد تقدم تقرير ذلك هنالك. وقوله: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾، أي: قررها وأثبتها [¬٢] وأكَّدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم: الرءوف بخلقه الرحيم. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي

стр. 6444

سليمان، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكةُ من خَلق الجبال فقالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها من [¬١] شماله". وقال أبو جعفر بن جرير (٤): حدثنا ابنُ حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السُلَمي، عن علي قال: لما خلق الله الأرض قمصت [¬٢] وقالت: تخلق عَلي آدم وذريته، يلقون عليّ نتنهم ويعملون عَلَيّ بالخطايا، فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون، ومنها ما لا ترون، وكان أول قَرَار الأرض كلحم الجزور إذا نُحِر، يختلج لحمه. غريب. وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها [¬٣]، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾

стр. 6445

يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وهو يوم القيامة. قاله ابن عباس، سميت بذلك لأنها تَطمّ على كل أمرٍ هائل مفظع، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾، أي: حينئذٍ يتذكرُ ابنُ آدم جميع عمله [¬١] خيره وشره، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾، أي: أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانًا. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾، أي: تَمَرّد وعتا، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، أي: فإن مصيرَه إلى الجحيم، وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: خاف القيامَ بين يدي الله وحكمَ الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدّها إلى طاعة مولاها، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء. ثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾، أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مَرَدّها ومَرجعها إلى الله فهو الذي يعلم وقتها على التعيين؛ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال هاهنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ولهذا [¬٢] لما سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن وقت الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل". وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾، أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك. وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مُدّة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضُحى من يوم. قال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أما عَشِيَّة فما بين الظهر إلى غروب الشمس، ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾، ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار. وقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة. [آخر تفسير سورة النازعات ولله الحمد والمنة].

стр. 6446

تفسير سورة عبس وهي مكية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾ ذكر غيرُ واحدٍ من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، ووَدّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك؛ ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبة في هدايته؛ وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله : ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (ض ٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يحصل له زكاة [¬١] وطهارة في نفسه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أي: أما الغنيّ فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة [¬٢]. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، أي: تتشاغل. ومن ها هنا أمر الله رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة [¬٣]، والحجة الدامغة [¬٤]. قال الحافظ أبو يعلى في مسنده (١): حدثنا محمد -هو ابن مهدي- حدثنا عبد الرزاق،

стр. 6447

أخبرنا معمر، عن قتادة عن أنس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يكرمه. وقال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك؛ قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم. وقال أبو يعلى (٢) وابن جرير (٣): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه [¬١] عليه عن عروة، عن عائشة؛ قالت: أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين- قالت: فجعل النبي ﷺ يُعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسًا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾. وقد روى الترمذي (٤) هذا الحديثَ، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده مثله، ثم قال: "وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أنزلَت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة". قلت: كذلك هو في الموطأ. ثم روى ابن جرير (٥) وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبَة بن ربيعة، وأبا جهل بنَ هشام، والعباس بن عبد المطلب -وكان يتصدى لهم كثيرًا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا -فأقبل إليه رجل أعمى- يقال له عبد الله بن أم مكتوم- يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله؛ علّمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، وعبس في وجهه، وتولى وكره كَلامَه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسولُ الله ﷺ نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَقَ برأسه، ثم أنزل الله. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. فلما نزل فيه ما

стр. 6448

نزل، أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له النبي ﷺ "ما حاجتك؟ هل تريد في شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده. وقال ابن أبي حاتم (٦): حدثنا أحمد بن منصور الرّمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب؛ قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، وكان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس -حين ينظرون إلى بزوغ [¬١] الفجر-: أذن. وهكذا ذكر عروة بن الزبير، ومجاهد، وأبو مالك، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغير واحد من السلف والخلف؛ أنها نزلت في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو، والله أعلم. وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم. وقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ يعني القرآن. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه. وقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، [أي: هذه السورة أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾] [¬٢]، أي: معظمة موقرة. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾، أي: عالية القدر، ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص. وقوله: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك وابن [¬٣] زيد: هي الملائكة. وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ . وقال قتادة: هم القراء.

стр. 6449

وقال ابن جرير، عن ابن عباس: السفرة بالنبطية: القراء. وقال ابن جرير: الصحيح أن السفرة الملائكة، [والسفرة] [¬١] يعني بين الله وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر: وما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغش إن مشيت وقال البخاري (٧): " سَفَرَة: الملائكة. سفرت: أصلحت بينهم. وجعلت الملائكةُ إذا نَزَلت بوحي الله وتأديته [¬٢] كالسفير الذي يصلح بين القوم [¬٣] ". وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أي: خُلقهم كريم حَسَن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد. قال الإمام أحمد (٨): حدثنا إسماعيل، حدثنا [¬٤] هشام، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ "الذي يقرأ القرآن -وهو ماهر به- مع السَفَرَة الكرام البررَة، والذي يقرؤه -وهو عليه شاق- له أجران". أخرجه الجماعة من طريق قتادة به. ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا

стр. 6450

فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ يقول تعالى ذامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: لعن الإنسان. وكَذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم. قال ابن جرير: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: ما أشد كفره! وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرًا؟ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد. وقال قتادة -وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي-: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما لعنه. ثم بين تعالى له كيف خَلَقَه الله من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم كسر عليه خروجه من بطن أمه. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد: هذه كقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. أي: بيّنا له ووضَّحناه وسَهلنا عليه علمه، وهكذا قال الحسن، وابن زيد. وهذا هو الأرجح، والله أعلم. وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: إنه بعد خلقه له ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله ذا قبر. والعرب تقول: "قبرتُ الرجل": إذا ولّى ذلك منه، وأقبره الله. "وعَضَبتُ [¬١] قرن الثور، وأعضبه [¬٢] الله، وبترت ذنب البعير وأبتره الله: وطردت عني فلانًا، وأطرده الله. أي: جعله طريدًا، قال الأعشى: لو أسْنَدتَ مَيتًا إلى نحرها [¬٣] … عَاش ولَم يُنقَل إلى قابر وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾. ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾. وقال ابن أبي حاتم (٩): حدثنا أبي، حدثنا أصبغُ بن الفَرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني

стр. 6451

عمرو بن الحارث: أن دراجًا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ ؛ قال: "يأكل الترابُ كل شيء من الإنسان إلا عَجبَ ذَنبِه [¬١] ". قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه ينشئون". وهذا الحديث ثابت في الصحيح (١٠) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عَجبُ الذنب، منه خلق وفيه يركب". وقوله: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ - قال ابن جرير: يقول: كلا، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد [¬٢] أدى حق الله عليه في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، يقول: لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض لربه . ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، قال: لا يقضي أحد أبدًا كل ما افتُرض عليه. وحكاه البغوي، عن الحسن البصري، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كَلامًا سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه، ﴿كَلَّا [¬٣] لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أن [¬٤] سيُوجَدُ منهم، ويخرج إلى الدنيا، وفد أمر [¬٥] به تعالى كونًا وقدرًا، فماذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. وقد روى ابنُ أبي حاتم، عن وهب بن مُنبه؛ قال: قال عُزَير ﵇: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور [¬٦] هي بطنُ الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدّ الله لها، انقطعت الدنيا ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبورُ ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله أعلم بالصواب. وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: فيه [امتنان وفيه] [¬٧] استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وترابًا ممزقًا [¬٨]: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ

стр. 6452

صَبًّا﴾، أي: أنزلناه من السماء علي الأرض، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، أي: أسكناه فيها فدَخَلَ [¬١] في تُخُومها، وتخَلّل [¬٢] في أجزاء الحب المودَع فيها، فنبت [¬٣] وارتفع، وظهر على وجه الأرض، ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾، فالحب: كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. ويقال لها: القت أيضًا. قال ذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك والسدي. وقال الحسن البصري: القضب: العلف. ﴿وَزَيتُونًا﴾، وهو معروف، وهو أدْمٌ وعصيره أدم، ويستصبح به، ويدهن به [¬٤]، ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحًا بسرًا [¬٥] ورطبًا، وتمرًا، ونيئًا، ومطبوخًا، ويعتصر منه رُبّ وخل. ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي بساتين. قال الحسن، وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾: نخل غلاظ كرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: الحدائق: كل ما التف [¬٦] واجتمع. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿غُلْبًا﴾: الشجر الذي يستظل به. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾، أي: طوال. وقال عكرمة: ﴿غُلْبًا﴾ أي: غلاظ الأوساط. وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب. رواه اين أبي حاتم، وأنشد ابن جرير للفرزدق: عوى فأثار أغلب ضيغميًّا … فويل ابن المراغة [¬٧] ما استثارا وقوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، أما الفاكهة فهو كل [¬٨] ما يتفكه به من الثمار. قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أكل رطبًّا، والأب ما أنبتت الأرض، مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس -وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك: الأب: الكلأ. وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو أبّ. وقال ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب: نبت الأرض مما [] [¬٩] تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير (١١) من ثلاث طرق، عن ابن

стр. 6453

إدريس، ثم قال: حدثنا [¬١] أبو كريب وأبو السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير؛ قال: عدَّ [¬٢] ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. هذا لفظ أبي كريب وقال أبو السائب: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام. وقال العوفي عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى. وكذا قال مجاهد والحسن، وقتادة وابن زيد وغير واحد. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (١٢): حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سُئِل أبو بكر الصديق ﵁ عني قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم. وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق. فأمَّا ما رواه ابن جرير (١٣) حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا إلي أبي عَدي، حدثنا حُمَيد، عن أنس؛ قال: قرأ عمر بين الخطاب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى علي هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد [¬٣] عرفنا ما الفاكهة؛ فما الأب؟ فقال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف. فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس (١٤)، به. وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلي يوم القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ

стр. 6454

وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾ قال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده. قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة [¬١] في الصور. وقال البغَويّ: ﴿الصَّاخَّةُ﴾. يعني صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تَصُخّ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصمّها. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، أي: يراهم، ويفر منهم، ويبتعد [¬٢] عنهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل. قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أيّ بعل كنتُ لك؟ فتقول: نعم البعل كنتَ! وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليومَ حسنةً واحدةً تهبينها [¬٣] لي لعلي أنجو مما ترين [¬٤]. فتقول له: ما أيسر ما طلبتَ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق [¬٥] به يقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثني بخير. فيقول له: يا بني؛ إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾. وفي الحديث الصحيح (١٥) - في أمر الشفاعة- أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق، يقول: نفسي نفسي، لا أسأله اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليومَ إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.

стр. 6455

قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم. وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، أي: هو في شُغُل شاغل عن غيره. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني، عن هلال بن خَبَّاب [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحشرون حفاة عراة مشاة غُرلًا". قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى بعضنا عورة بعض؟ قال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. أو قال: "ما أشغله عن النظر". وقد رواه النسائي (١٦) منفردًا به، عن أبي داود، عن [¬٢] عارم، عن ثابت بن يزيد -وهو أبو زيد الأحول البصري، أحد الثقات- عن هلال بن خَبَّاب [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وقد رواه الترمذي عن عَبد [¬٤] بن حُميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد [¬٥]، عن هلال بن خَبَّاب [¬٦]، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ؛ قال: "تحشرون حفاة عراة غُرلًا". فقالت امرأة: أيبصر -أو: يرى- بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة؛ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". ثم قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵁. وقال النسائي (١٧): أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ ، قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلًا". فقالت عائشة: يا رسول الله؛ فكيف بالعورات؟ فقال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". انفرد به النسائي من هذا الوجه. ثم قال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٧]: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ [¬٨] بن شرَيح، عن أنس بن مالك؛ قال: سألَتْ عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ بأبي أنتَ وأمي، إني سائلتك عن

стр. 6456

حديث فتخبرني أنتَ به. قال: "إن كان عندي منه علم". قالت: يا نبي الله؛ كيف يُحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة". ثم انتظرتْ ساعة فقالت: يا نبي الله؛ كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة". قالت: وا سوأتاه من [¬١] يوم القيامة! قال: "وعن أبي ذلك تسألين، إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون". قالت: أيةُ آية هي يا رسول الله؟ قال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ [¬٢] شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشّريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ ؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : "يبعث الناس حفاة عراة غُرلًا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان". فقلت: يا رسول الله، وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وهكذا رواه ابن جرير (١٨) عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، به. ولكن قال أبو حاتم الرازي: عائذ [¬٣] بن شريح ضعيف، في حديثه ضعف. وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾، [أي: يكون الناس هنالك فريقين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾، أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾] [¬٤]، أي: مسرورة فرحة من سرور قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء أهل الجنة. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾، أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم". قال: "فهو قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ﴾. وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه. وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، أي: الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. [آخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة].

стр. 6457

تفسير سورة التكوير وهي مكية قال الإِمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول الله ﷺ : "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وهكذا رواه الترمذي (٢) عن العباس بن عبد العظيم العنبري عن عبد الرزاق، به. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يعني أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كورت: غورت. وقال الربيع بن خُثيم: كورت يعني رمى بها. وقال أبو صالح: كورت: ألقيت، وعنه أيضًا نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على [¬١] بعض، ومنه تكوير العمامة، [وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكاره وهي] [¬٢] وجمع الثياب بعضها إلى [¬٣] بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.

стр. 6458

وقال ابن أبي حاتم (٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فتضرمها [¬١] نارًا. وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم (٤): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال: "كورت في جهنم". وقال الحافظ أبو يعلى (٥) في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حيان [¬٢]، حدثنا دُرُسْتُ [¬٣] بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الشمس والقمر ثوران [¬٤] عقيران في النار". هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري (٦): حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ : "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة". انفرد به البخاري وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب "بدء الخلق"، وكان جديرًا أن يذكره هاهنا أو يكرره، كما هي عادته في أمثاله! وقد رواه البزار فجود إيراده، فقال: حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد اللَّه الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن [عبد الله] [¬٥] القسريَّ في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن الشمس والقمر نوران في النار يوم القيامة". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول -

стр. 6459

أحسبه قال [¬١]-: وما ذنبهما. ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث. وقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: انتثرت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. واصل الانكدار [¬٢]: الانصباب. قال الربيع بن أنس (٧)، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب؛ قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: اختلطت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، قال: أهملها أهلها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر. قال: فانطقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. رواه ابن جرير (٨) - وهذا لفظه- وابن أبي حاتم، ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم، والحسن البصري وأبو صالح، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك في قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: تناثرت. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم (٩)، عن النبي ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، قال: "انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يُعْبَدَا لدخلاها". رواه ابن أبي حاتم بالإِسناد المتقدم. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أي: زالت عن أماكنها ونسفت، فتركت الأرض قائعًا صفصفًا. وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، قال عكرمة، ومجاهد: عشار الإِبل. قال مجاهد:

стр. 6460

﴿عُطِّلَتْ﴾: تركت و [¬١] سُيِّبت. وقال أبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها. وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصرّ، تخلى منها أربابها. وقال الضحاك أيضًا [¬٢]: تركت لا راعي لها. والمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإِبل -وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر، واحدها: عشراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع- قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها، بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها. وقيل: بل [¬٣] يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب يعطل عن المسير بين السماء والأرض، لخراب الدنيا، وقيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت [¬٤] تسكن تعطل لذهاب أهلها، حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه "التذكرة"، ورجح أنها الإِبل، وعزاه إلي أكثر الناس. قلتَ: بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم. وقوله. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جمعت. كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ - قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب [¬٥]. رواه ابن أبيِ حاتم. وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي، وغير واحد. وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه [الخلائق موافية [¬٦] فيقضي] [¬٧] الله فيها ما يشاء. وقال عكرمة: حشرها موتها. وقال ابن جرير (١٠): حدثني علي [بن مسلم] [¬٨] الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس؛ فإنهما يوقفان يوم القيامة. حدثنا أبو كريب (١١)، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن

стр. 6461

خثيم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة، فقال: قال ابن عباس: حشرها موتها. وقد تقدم عن أبي بن كعب أنه قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: اختلطت. قال ابن جرير: والأولى قول من قال: ﴿حُشِرَتْ﴾: جمعت، قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً﴾، أي: مجموعة. وقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، قال ابن جرير (١٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة، عن داود، عن سعيد بن المسيب؛ قال: قال علي ﵁ لرجل من اليهود: أين جهنم؛ قال: البحر. فقال [¬١]: ما أراه إلا صادقًا. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مخففة [¬٢]. وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الدبور فتسعرها، وتصير [¬٣] نارًا تأجج. وقد تقدم الكلام علي ذلك عند قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط -شيخ صالح يشبه بمالك [¬٤] بن أنس- عن معاوية بن سعيد؛ قال: إن هذا البحر بركة -يعني بحر الروم- وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير [¬٥] يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر. وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود (١٣): " لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا". الحديث. وقد تقدم الكلام عليه في "سورة فاطر". وقال مجاهد، والحسن بن مسلم: ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت. وقال الحسن: يبست. وقال الضحاك، وقتادة: غاض ماؤها فذهب ولم يبق فيها قطرة. وقال الضحاك أيضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فجرت. وقال السدي: فتحت وسيرت. وقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فاضت.

стр. 6462

وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [أي: جمع كل شكل إلى نظيره، كقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وقال ابن أبي حاتم (١٤): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾] [¬١]، قال: الضرباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله". وذلك بأن الله يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، قال: "هم الضرباء". ثم [¬٢] رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير أن عمر خطب الناس فقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلي شيعتهم. وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به [¬٣] الجنة أو النار. وفي رواية عن النعمان (١٥) قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾؟ فسكتوا. قال: ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل في يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: ذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال: الأمثال من الناس جمع بينهم. وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير، وهو الصحيح. (قول آخر) في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل [] [¬٤] واد من أصل

стр. 6463

العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عامًا، فينبت منه كل خلق بلى، من الإِنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم علي الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾. وكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري أيضًا في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، أي: زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة". وقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ هكذا قراءة [¬١] الجمهور ﴿سئلت﴾. والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذًا؟! وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾، أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى (سألت [¬٢]، أي: طلبت بدمها. وعن السدي، وقتادة، مثله. وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فقال الإمام أحمد (١٦): حدثنا عبد الله بن يزيد [¬٣]، [حدثنا سعيد] [¬٤] بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود -وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل- عروة عروة، عن عائشة، عن جدامة [¬٥] بنت وهب- أخت عكاشة؛ قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا". ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : "ذلك [¬٦] الوأد الخفي، وهو [¬٧] الموءودة سئلت". ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ -وهو عبد الله بن يزيد- عن سعيد بن [¬٨]

стр. 6464

أبي أيوب. ورواه أيضًا ابن [¬١] ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب. ورواه مسلم (١٧) أيضًا وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث مالك بن أنس، ثلاثتهم عن أبي الأسود، به. وقال الإِمام أحمد (١٨): حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي؛ قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله؛ إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف، وتفعل [وتفعل] [¬٢]، هلكت في الجاهلية، فهل، لك نافعها شيئًا؟ قال: "لا". قلنا: فإنها كانت وأدت أختًا لنا [¬٣] في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإِسلام، فيعفو الله عنها". رواه النسائي من حديث داود بن أبي هند، به. وقال ابن أبي حاتم (١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الوائدة والموءودة في النار". وقال أحمد (٢٠) أيضًا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء [¬٤] ابنة معاوية الصريميّة، عن عمها [¬٥].

стр. 6465

قال [¬١]: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة". وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة؛ قال: سمعت الحسن؛ يقول: قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: "الموءودة [¬٢] في الجنة". هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني [¬٣] أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله : ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، قال ابن عباس: هي المدفونة. وقال عبد الرزاق (٢١): أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة". قال: يا رسول الله؛ إني صاحب إبل؟ قال: "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة". قال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إليّ- قال: حدثنا عبد الرزاق … فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية. وقال في آخره: "فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة". ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين؛ قال: قدم قيس بن عاصم علي رسول الله ﷺ ؛ فقال: يا رسول الله، إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية -أو: ثلاث عشرة- قال: "أعتق عددهن نسمًا". قال: فأعتق عددهن نسمًا، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي

стр. 6466

طالب: فكنا [¬١] نريحها، ونسميها القيسية. وقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته [¬٢] بيمينه أو بشماله. وقال قتادة: صحيفتك [¬٣] يا بن آدم، تملي فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر [¬٤] رجل ماذا يملي في صحيفته. وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾، قال السدي: أحميت. وقال قتادة: أوقدت. قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم. وقوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قال الضحاك وأبو مالك، وقتادة والربيع بن خثيم: أي: قربت إلى أهلها. وقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾: هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك [¬٥] لها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾. قال ابن أبي حاتم (٢٢): حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾، قال: لهذا أجري [¬٦] الحديث. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى

стр. 6467

الْغَيبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَينَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٩)﴾ روى مسلم (٢٣) في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية، من حديث مسعر بن كدام، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح، فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. ورواه النسائي (٢٤) عن بندار [¬١]، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث، به نحوه. قال ابن أبي حاتم وابن جرير (٢٥)، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [¬٢]﴾، قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل. وقال ابن جرير (٢٦): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن [جعفر؛ قال: حدثنا] [¬٣] شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليًّا وسئل عن ﴿لَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، فقال: هي النجوم، تَخنس بالنهار وتكنس بالليل. وحدثنا أبو كريب (٢٧)، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي؛ قال: هي النجوم.

стр. 6468

وهذا إسناد جيد صحيح إلي [¬١] خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روي عن علي، وروي عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، والله أعلم. وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم. وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم، أنها النجوم. وقال ابن جرير (٢٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، قال: هي النجوم الدراري، التي تجري تستقبل المشرق. وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم "الخنس"، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها "كُنَّس"، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسة، إذا تغيب فيه. وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾، [قال: بقر الوحش. وكذا قال الثوري (٢٩)، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [¬٢] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، ما هي يا عمرو [¬٣]؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك. وكذا روي يونس بن أبي [¬٤] إسحاق عن أبيه. وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: [﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، قال: البقر تكنس إلى الظل. وكذا قال سعيد بن جبير. وقال العوفي عن ابن عباس] [¬٥]: هي الظباء. وكذا قال سعيد أيضًا، ومجاهد والضحاك. وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد هي الظباء والبقر. وقال ابن جرير (٣٠): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد:

стр. 6469

أنهما تذاكرا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾، فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا [¬١] نسمع فيها شيئًا، وناس يقولون: إنها النجوم. قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها. قال: فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل. وتوقف ابن جرير في قوله: ﴿الْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادًا. وقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فيه قولان: أحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وقال الحسن البصري: إذا غشي [¬٢] الناس. وكذا قال عطية العوفي. وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدبر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾، أي: إذا ذهب فتولى. وقال أبو داود الطيالسي (٣١): حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري سمع أبا عبد الرحمن السلمي؛ قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثَوَّب المثوِّبُ بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ هذا حين أدبر [¬٣] حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدبر. قال: لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضًا: حتى إذا الصبح له تنفسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا أي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله. ﴿عسعس﴾: إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإِدبار، لكن الإِقبال هاهنا [¬٤] أنسب، كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقال: [﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا] [¬٥] سَجَى﴾، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬٦] اللَّيلَ سَكَنًا﴾، وغير ذلك من

стр. 6470

الآيات. وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عسعس﴾ تستعمل في الإِقبال والإِدبار على وجه الاشتراك، فعلي هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن ﴿عسعس﴾: دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتًا: عسعس حتى لو يشاء ادّنا … كان له من ضوئه مقبس يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء: وكانوا يَرَون أن هذا البيت مصنوع. وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، ﵁. وقال ابن جرير: يعني: وضوء النهار إذا أقبل وتبين. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: إن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل ﵊. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مهران، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم. ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل، ﴿عند ذي العرش مكين﴾، أي: له مكانة عند الله ومنزلة رفيعة. قال أبو صالح في قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال: جبريل يدخل في سبعين حجابًا من نور بغير إذن. ﴿مطاع ثم﴾ أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملإِ الأعلى. قال قتادة: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾، أي: في السماوات، يعني: ليس هو من أفناء [¬١] الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة [¬٢]. وقوله: ﴿أَمِينٍ﴾: صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًّا أن الرب يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.

стр. 6471

قال الشعبي، وميمون بن مهران، وأبو صالح، ومن تقدم [¬١]، ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، يعني: محمدًا، ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى﴾، كما تقدم تفسير ذلك وتقريره. والدليل أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر -والله أعلم- أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء، لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾، فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد الإسراء. وقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيبِ بِضَنِينٍ﴾ [أي: وما محمد علي ما أنزله الله إليه بِظَنِينٍ] [¬٢]، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ [¬٣] ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد. قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل. وقال قتادة: كان القرآن غيبًا، فأنزله الله على محمد، فما [¬٤] ضَنَّ به على [¬٥] الناس، [بل بَلغَه ونشره وبذله لكل من أراده] [¬٦]. وكذا قال عكرمة، وابن [¬٧] زيد، وغير واحد. واختار ابن جرير قراءة الضاد. قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم. وقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ﴾، أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا يريده [¬٨]، ولا ينبغي له، كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾. وقوله: ﴿فأين تذهبون﴾ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره

стр. 6472

ووضوحه، وبيان كونه جاء من عند الله -كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم. أين يُذهب بعقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من إله (٣٢). وقال قتادة: [﴿فَأَينَ تَذْهَبُونَ﴾] [¬١] أي: عن كتاب الله وعن طاعته. وقوله: ﴿إِنْ هُوَ [¬٢] إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه منجاةٌ له وهداية، ولا هداية فيما سواه، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدي ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله ربِّ العالمين. قال سفيان الثوري (٣٣)، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. [آخر تفسير سورة التكوير، ولله الحمد والمنة]. * * *

стр. 6473

تفسير سورة الانفطار وهي مكية قال النسائي (١): أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر؛ قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول، فقال النبي ﷺ : "أفتان يا معاذ؛ [أفتان يا معاذ؛] [¬١] أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟! ". و [¬٢] أصل الحديث مخرج في الصحيحين (٢). ولكن ذُكرَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ في أفراد النسائي: وتقدم من رواية عبد الله بن عمر (٣)، عن النبي ﷺ قال: "من سَرّه أن يَنْظُرَ إلي القيامة رأيَ عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ". بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت. كما قال تعالى: ﴿السماء منفطر به﴾.

стр. 6474

﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط مالحها بعذبها، وقال الكلبي: ملئت. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾، قال ابن عباس: بحثَت. وقال السدي: تبَعثر: تحرك فيخرج من فيها. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي: إذا كان هذا حصل هذا. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال ﴿الكريم﴾، حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا بن آدم بربك الكريم -أي: العظيم- حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: "يقول الله يوم القيامة: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبتَ المرسلين؟ " (٤). قال ابن أبي حاتم (٥): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان [أن عمر] [¬١] سمع رجلًا يقرأ [¬٢]: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، فقال عمر: الجهل. وقال أيضًا: حدثنا عمر بن شَبَّة [¬٣]، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيي [¬٤] البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، قال ابن عمر: غره -واللَّه- جهله. قال: روي عن ابن عباس والربيع بن خثيم، والحسن مثل ذلك. وقال قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: شيءٌ ما غَرَّ ابن آدم [] [¬٥]، وهذا العدو الشيطان. وقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر

стр. 6475

الوراق: لو قال لي ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، لقلت: غرني كرم الكريم. قال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بربك الكريم﴾ دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة. وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه ﴿الكريم﴾، لينبه على أنه لا ينبغي أن يُقَابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء. وحكي البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس [¬١] بن شَريق، ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة [¬٢]، فأنزل الله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، أي: ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، أي: جعلك سَويًّا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات [¬٣] والأشكال. قال الإمام أحمد (٦): حدثنا أبو النضر [¬٤]، حدثنا حَريزُ [¬٥]، حدثني عبد الرحمن بن مَيسرة، عن جُبَير بن نُفير، عن بُسْر [¬٦] بن جحَاش القرشي،: أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: "قال الله : ابنَ [¬٧] آدم، أنَّى تُعجزِني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سَوّيتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض مَنك وَئيدٌ، فجَمَعت ومَنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدقُ، وأنَّى أوان الصدقة". وكذا رواه ابن ماجة (٧)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حَريز [¬٨] بن عثمان به. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة.

стр. 6476

وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أبٍ أو أم، أو خالٍ أو عمٍ. وقال ابن جرير (٨): حدثني [محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، حدثني] [¬١] أبي، عن جدي؛ أن النبي ﷺ قال له: "ما ولد لك؟ " قال: يا رسول الله، ما عسى أن يولَد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: "فمن يشبه؟ ". قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه واما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: "منه. لا تقولَنّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: سَلككَ. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني (٩) من حديث مطهر بن الهيثم به [¬٢]. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت، لأن "مُطَهّر بن الهيثم" قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يَرْوي عن موسى بن عُليّ وغيره ما لا يُشبهُ [¬٣] حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين (١٠) عن أبي هُرَيرة أن رَجُلًا قال: يا رسولَ الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قال: "هل لك من [¬٤] إبل؟ ". قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ ". قال: حُمر. قال: "فهل فيها من أورَق؟ ". قال: نعم. قال: "فأنَّى أتاها ذلك؟ ". قال: عسى أن يكون نَزَعه عرْق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". وقد قال عكرمة في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير. وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: قادر -والله- ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من

стр. 6477

الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة. وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، أي: بل إنما يحملكم علي مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، يعني: وإن عليكم لملائكة حفَظة كرامًا كاتبين [¬١] فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم كتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد [¬٢]، عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدي حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه". وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار (١١)، فوصله بلفظٍ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم عن التعرّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يُفارقونكم إلا عند إحدي ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو جرم حائط، أو ببعيره". ثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه واحتمل حديثه. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٢): حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مُبَشر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام [¬٣] بن نجيح، عن الحسن -يعني البصري- عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال الله تعالى: "قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة". ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث.

стр. 6478

قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبر زرعة، وابن أبي [¬١] حاتم، والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٣): حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام، عن منصور [بن زاذان] [¬٢]، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن [لله ملائكة] [¬٣] يعرفون بني آدم -وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان". ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلامًا المدائني، وهو لين الحديث. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله، ، ولم يقابلوه بالمعاصي. وقد روى ابن عساكر (١٤) في ترجمة "موسى بن محمد". عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء". ثم [¬٤] ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾، أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾، أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا.

стр. 6479

وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا﴾، أي: لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خَلاصه مما [¬١] هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. ونذكر هاهنا حديث: "يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم [من النار] [¬٢]، لا أملك لكم من الله شيئًا" (١٥). وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء؛ ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾، وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال قتادة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾، والأمر -والله- اليوم لله، ولكنه يومئذ لا ينازعه فيه [¬٣] أحد. [آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة]. * * *

стр. 6480

[تفسير] سورة المطففين [وهي مدنية] ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾ قال النسائي وابن ماجة (١): أخبرنا محمد بن عقيل -زاد ابن ماجة: وعبد الرحمن بن بشر- قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد -هو ابن أبي سعيد النحوي، مولى قريش- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر، فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاه كيلًا؟ أهل مكة أو المدينة؟ قال: حق لهم، أما سمعت الله يقول: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله : ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فالمراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل، بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، أي: من الناس ﴿يستوفون﴾، أي: يأخذون
следующие страницы →