← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أبٍ أو أم، أو خالٍ أو عمٍ. وقال ابن جرير (٨): حدثني [محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، حدثني] [¬١] أبي، عن جدي؛ أن النبي ﷺ قال له: "ما ولد لك؟ " قال: يا رسول الله، ما عسى أن يولَد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: "فمن يشبه؟ ". قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه واما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: "منه. لا تقولَنّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: سَلككَ. وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني (٩) من حديث مطهر بن الهيثم به [¬٢]. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت، لأن "مُطَهّر بن الهيثم" قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يَرْوي عن موسى بن عُليّ وغيره ما لا يُشبهُ [¬٣] حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين (١٠) عن أبي هُرَيرة أن رَجُلًا قال: يا رسولَ الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قال: "هل لك من [¬٤] إبل؟ ". قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ ". قال: حُمر. قال: "فهل فيها من أورَق؟ ". قال: نعم. قال: "فأنَّى أتاها ذلك؟ ". قال: عسى أن يكون نَزَعه عرْق. قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق". وقد قال عكرمة في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير. وقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: قادر -والله- ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من

стр. 6477

الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة. وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، أي: بل إنما يحملكم علي مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، يعني: وإن عليكم لملائكة حفَظة كرامًا كاتبين [¬١] فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم كتبون عليكم جميع أعمالكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد [¬٢]، عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدي حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه". وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار (١١)، فوصله بلفظٍ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم عن التعرّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يُفارقونكم إلا عند إحدي ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو جرم حائط، أو ببعيره". ثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه واحتمل حديثه. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٢): حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مُبَشر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام [¬٣] بن نجيح، عن الحسن -يعني البصري- عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال الله تعالى: "قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة". ثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث.

стр. 6478

قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبر زرعة، وابن أبي [¬١] حاتم، والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وقال الحافظ أبو بكر البزار (١٣): حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام، عن منصور [بن زاذان] [¬٢]، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن [لله ملائكة] [¬٣] يعرفون بني آدم -وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان". ثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلامًا المدائني، وهو لين الحديث. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله، ، ولم يقابلوه بالمعاصي. وقد روى ابن عساكر (١٤) في ترجمة "موسى بن محمد". عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء". ثم [¬٤] ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾، أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾، أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا.

стр. 6479

وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا﴾، أي: لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خَلاصه مما [¬١] هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. ونذكر هاهنا حديث: "يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم [من النار] [¬٢]، لا أملك لكم من الله شيئًا" (١٥). وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء؛ ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾، وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال قتادة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾، والأمر -والله- اليوم لله، ولكنه يومئذ لا ينازعه فيه [¬٣] أحد. [آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة]. * * *

стр. 6480

[تفسير] سورة المطففين [وهي مدنية] ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾ قال النسائي وابن ماجة (١): أخبرنا محمد بن عقيل -زاد ابن ماجة: وعبد الرحمن بن بشر- قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد -هو ابن أبي سعيد النحوي، مولى قريش- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر، فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاه كيلًا؟ أهل مكة أو المدينة؟ قال: حق لهم، أما سمعت الله يقول: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله : ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فالمراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل، بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، أي: من الناس ﴿يستوفون﴾، أي: يأخذون

стр. 6481

حقهم بالوافي والزائد، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، أي: ينقصون. والأحسن أن يجعل "كالوا" و "وزنوا" متعديًا، ويكون هم في محل نصب: ومنهم من يجعلها ضميرًا مؤكدًا للمستتر في قوله "كالوا" و "وزنوا"، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب. وقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾ وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان. ثم قال تعالى متوعدًا لهم: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يومٍ عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارًا حامية! وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: يقومون حفاة عراة غرلًا، في [¬١] موقف صعب [¬٢] حرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله ما تعجز [¬٣] القوى والحواس عنه. قال الإِمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه". رواه البخاري (٣) من حديث مالك، و [¬٤] عبد الله بن عون كليهما عن نافع به. ورواه مسلم من الطريقين أيضًا. وكذلك رواه صالح وأيوب بن يحيى، وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر، ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به. ولفظ الإِمام أحمد (٤): حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾: لعظمة الرحمن يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم". حديث آخر، قال الإِمام أحمد (٥): حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك،

стр. 6482

عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد -يعني ابن الأسود الكندي- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان يوم القيامة أديت الشمس من العباد، حتى تكون قيد ميل [¬١] أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا". رواه مسلم، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة -والترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك- كلاهما عن ابن جابر، به. حديث آخر، قال الإمام أحمد (٦): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح: أن أبا عبد الرحمن حدثة، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: "تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي [¬٢] منها الهوام كما تغلي [¬٣] القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق". انفرد به أحمد. حديث آخر، قال الإمام أحمد (٧): حدثنا حسن، حدثنا [¬٤] ابن لهيعة، حدثنا أبو عشَّانة حيّ بن يؤمن، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تدور الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عرقه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ [العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ] [¬٥] وسط فيه" وأشار بيده فألجمها فاه -رأيت رسول الله ﷺ يشير [¬٦] هكذا- "ومنهم من يغطيه عرقه". وضرب بيده إشارة. انفرد به أحمد. وفي حديث: أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون. وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة. وقيل: يقومون أربعين ألف سنة. ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، كما في صحيح مسلم

стр. 6483

عن أبي هريرة مرفوعًا (٨): ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري: "كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين، من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر". قال بشير: المستعان الله. قال: "فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة، وسوء الحساب". ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به (٩). وفي سنن أبي داود (١٠): أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رءوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة. رواهما ابن جرير (١١). وفي سنن أبي داود (١٢)، والنسائي، وابن ماجة، من [¬١] حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول: "اللهم، اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني". ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ

стр. 6484

أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) يقول: حقًّا ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، أي: إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين -فعيل من السجن، وهو الضيق- كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير، ونحو ذلك؛ ولهذا عظم أمره فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ؟﴾، أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم وعذاب أليم. ثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة. وقد تقدم في حديث البراء بن عازب (١٣)، في حديثه الطويل: يقول الله في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين: هي تحت الأرض السابعة. وقيل: صخرة [¬١] تحت السابعة خضراء. وقيل: بئر في جهنم. وقد روى ابن جرير (١٤) في ذلك حديثًا غريبًا منكرًا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسوس، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفلق [¬٢]: جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح". والصحيح أن "سجينًا" مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، [وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها] [¬٣] أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأطيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

стр. 6485

وقال هاهنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾. وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرًا لقوله، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلي سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد [¬١] فيه أحد ولا ينقص منه أحد، قاله محمد بن كعب القرظي. ثم قال: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله ﴿وَيلٌ﴾ بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك [] [¬٢] الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند (١٥) والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة [¬٣]، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك الناس، ويل له، ويل له". ثم قال تعالى مفسرًا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ [¬٤] يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾، أي: معتد في أفعاله، من تعاطى الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر. وقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله علي رسوله ﷺ ، وإنما حجب قلوبهم عن الإِيمان به [¬٥] ما عليها من الرين الذي قد

стр. 6486

لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين. وقد روى ابن جرير (١٦) والترمذي والنسائي وابن ماجة. من طرق، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ؛ قال: "إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل [¬١]، قلبه، وإن [¬٢] زاد زادت؛ فذلك قول الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال الترمذي: "حسن صحيح". ولفظ النسائي: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزغ واستغفر وتاب صقل [¬٣] قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال أحمد (١٧): حدثنا صفوان بن عيسى [¬٤]، أخبرنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال الحسن البصري: هو الذنب علي الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت. وكذا قال مجاهد [بن جبر] [¬٥] وقتادة، وابن [¬٦] زيد، وغيرهم. وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين، ثم هم [يوم القيامة] [¬٧] [مع ذلك] [¬٨] محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم.

стр. 6487

قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ. وهذا الذي قاله الإِمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وكما دلت علي ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان [¬١] الفاخرة. وقد قال ابن جرير (١٨): [حدثني محمد بن عمار الرازي] [¬٢]: حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث [¬٣] بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. أو كلامًا هذا معناه. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾، أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك [¬٤] على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ يقول تعالى: حقًّا ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾، وهم بخلاف الفجار، ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين. قال الأعمش (١٩) عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف؛ قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا

стр. 6488

حاضر عن سجين، قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار. وساعه عن عليين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يعني: الجنة. وفي رواية العوفي، عنه: أعمالهم في السماء عند الله. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون: عند سدرة المنتهى. والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع [¬١]، ولهذا قال معظمًا أمره ومفخمًا شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. ثم قال مؤكدًا لما كتب لهم: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، وهم الملائكة، قاله قتادة. وقال العوفي عن ابن عباس: يشهد من كل سماء مقربوها. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، وهي: السرر تحت الحجال، ﴿يَنْظُرُونَ﴾، قيل: معناه ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله . وهذا مقابلة لما وصف به أولئك الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين". وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾، أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم. وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾، أي: يسقون من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. قال الإمام أحمد (٢٠): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري -أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال: "أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة على ظمإٍ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق

стр. 6489

المختوم. وأيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيما مؤمن كسا مؤمنًا ثوبًا على عري كساه الله من خُضرِ الجنة". وقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، ختم بمسك. وكذا قال قتادة والضحاك. وقال إبراهيم والحسن: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: عاقبته مسك. وقال ابن جرير (٢١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة [¬١]، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط [¬٢]، عن أبي الدرداء: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به شرابهم. ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبقى ذو روح إلا وجد طيبها. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: طيبه مسك. وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون. كقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾. وقوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي: ومزاح هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له: تسنيم، وهو أشرف شراب اهل الجنة وأعلاه [¬٣]. قاله أبو [¬٤] صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، أي: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين [مزجًا] [¬٥]. [قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم] [¬٦]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ

стр. 6490

(٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ يخبر تعالى عن المجرمين؛ أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [¬١]﴾، أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم [¬٢]، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، أي: لكونهم على غير دينهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيهِمْ حَافِظِينَ﴾، أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم فلم اشتغلوا [¬٣] بهم، وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾، أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، أي: إلى الله في مقابلة من زعم فيهم أنهم صالون، ليسوا [¬٤] بضالين، بل هم من أولياء اللَّه المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته. وقول: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ؟﴾، أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. [آخر [تفسير سورة] [¬٥] المطففين]. * * *

стр. 6491

[تفسير] سورة الانشقاق [وهي مكية] قال مالك (١)، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة: إن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. رواه مسلم والنسائي، من طريق مالك به. وقال البخاري (٢): حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. ورواه أيضًا (٣) عن مسدد، عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد (٤)، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن بكر، عن أبي رافع، فذكره. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق، عن سليمان بن طرخان التيمي به. وقد روى مسلم (٥) وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة -زاد النسائي (٦): وسفيان

стр. 6492

الثوري -كلاهما- عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ يقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وذلك يوم القيامة، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، أي: استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، وذل له كل شيء. ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت، وفرشت ووسعت. قال ابن جرير (٧) ﵀: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين؛ أن النبيَّ ﷺ ، قال: "إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ؟ فيقول الله : صدق. ثم أشفع فأقول: يا رب؛ عبادك عبدوك في أطراف الأرض". قال: "وهو المقام المحمود". وقوله: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: ألقت ما في بطنها من الأموات، وتخلت منهم. قاله مجاهد، وسعيد، وقتادة، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ كما تقدم. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: ساع إلى ربك سعيًا، وعامل عملًا، ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، ثم إنك ستلقى ما عملتَ من خير أو شر. ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي (٨)، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله

стр. 6493

ﷺ : "قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه. واعمل ما شئت فإنك ملاقيه". ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾، أي: فملاق [¬١] ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلي هذا فكلا القولين متلازم. قال العوفي عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾. يقول: تعمل عملًا تلقى الله [¬٢] به، خيرًا كان أو شرًّا. وقال قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾: إن كدحك -يا بن آدم- لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله. ثم قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي؛ سهلًا. بلا تعسير، أي: لا تحقق عليه جميع دقائق أعماله فإن من حوسب كذلك يهلك لا محالة. قال الإِمام أحمد (٩): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ : "من نوقش الحساب عذب". قالت: فقلت: أليس قال الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟، قال: "ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب". وهكذا رواه البخاري (١٠) ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، من حديث أيوب السختياني به. وقال ابن جرير (١١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو [¬٣] عامر الخزاز [¬٤]، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 6494

"إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبًا". فقلت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟. قال: "ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب". وقال بيده على إصبعه كأنه [¬١] ينكت. وقد رواه أيضًا (١٢) عن عمرو بن عليّ عن ابن أبي عدي، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة .. فذكر الحديث. أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري، واسمه حاتم بن أبي صغيرة، به. و [¬٢] قال ابن جرير (١٣): وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم، عن الحريش بن الخريت أخي الزبير، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: من نوقش الحساب أو: من حوسب عذب. قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله وهو يراهم. وقال أحمد (١٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، [عن عباد بن عبد الله بن الزبير] [¬٣]، عن عائشة؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول في بعض صلاته: "اللَّهم؛ حاسبني حسابًا يسيرًا". فلما انصرف قلت: يا رسول الله؛ ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك". صحيح على شرط مسلم. [وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، أي: ويرجع إلى أهله في الجنة. قاله قتادة، والضحاك: ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: فرحان مغتبطًا بما أعطاه الله . وقد روى الطبراني (١٥) عن ثوبان -مولى رسول الله ﷺ أنه قال: "إنكم

стр. 6495

تعملون أعمالًا [لا تعرف] [¬١] يوشك العارف [¬٢] أن يثوب إلى أهله فمسرور [¬٣] ومكظوم". وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، أي: بشماله من وراء ظهره، تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك، ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾، أي: خسارًا وهلاكًا، ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، أي: فرحًا لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته. قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما. والحور: هو الرجوع. قال الله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ [¬٤] كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، يعني: بلى [¬٥] سيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به [¬٦] بصيرًا، أي: عليمًا خبيرًا. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ روي عن عليّ، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وشداد بن أوس، وابن عمر، ومحمد بن علي بن الحسين، ومكحول [¬٧]، وبكر بن عبد الله المزني [¬٨]، وبكير [¬٩] ابن الأشج، ومالك، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق: الحمرة. وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة [¬١٠]، عن أبي هريرة؛ قال: الشفق

стр. 6496

فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل [¬١] طلوع الشمس، كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها، كما هو معروف عند أهل اللغة. قال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق. وقال الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها [¬٢] في أول الليل [¬٣] إلى قريب [¬٤] من العتمة. وكذا قال عكرمة: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء. وفي صحيح مسلم (١٦) عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: "وقت المغرب ما لم يغب [¬٥] الشفق". ففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾: هو النهار كله. وفي رواية عنه أيضًا أنه قال: الشفق الشمس. رواهما ابن أبي حاتم. وإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: جمع. كأنه أقسم بالضياء والظلام. وقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مدبرًا، وبالليل مقبلًا. قال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض. وقالوا: هو [¬٦] من الأضداد. قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع -قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة. واستشهد ابن عباس بقول الشاعر: ............................. … مستوسقات لو تجدن سائقًا* و [¬٧] قال عكرمة: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾، يقول: ما ساق من ظلمة، إذا كان الليل

стр. 6497

ذهب كل شيء إلى مأواه. وقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير ومسروق، وأبو صالح، والضحاك، وابن زيد. ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا استوى، وقال الحسن: إذا اجتمع، إذا امتلأ. وقال قتادة إذا استدار. ومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر، جعله مقابلًا للّيل وما وسق. وقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال البخاري (١٧): أخبرنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالا بعد حال- قال هذا نبيكم ﷺ . هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ، وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم ﷺ ، فيكون قوله "نبيكم" مرفوعًا على الفاعلية من "قال" وهو الأظهر، والله أعلم، كما قال أنس (١٨): لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم ﷺ . وقال ابن جرير (١٩): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد: أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: يعني نبيكم ﷺ ، يقول: حالًا بعد حال. هذا لفظه. وقال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال وكذا قال عكرمة ومرة الطيب، ومجاهد، والحسن، والضحاك. ويحتمل أن يكون المراد: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال: قال هذا. يعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعًا على أن "هذا" و"نبيكم" يكونان مبتدأ وخبرًا [¬١]. والله أعلم، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة، كما

стр. 6498

قال أبو داود الطيالسي (٢٠) وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: محمد ﷺ . ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعامة أهل مكة والكوفة ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا﴾ بفتح التاء والباء. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن الشعبي: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود، ومسروق [¬١]، وأبي العالية: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: سماء بعد سماء. قلت: يعنون ليلة الإسراء. وقال أبو إسحاق، والسدي، عن رجل، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: منزلًا على منزل: وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس مثله -وزاد: "ويقال [¬٢]: أمرًا بعد أمر وحالًا بعد حال". وقال السدي نفسه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أعمال من قبلكم، منزلًا عن منزل. قلت: كأنه أراد معنى الحديث الصحيح (٢١): " لتركبن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه". قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " وهذا محتمل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا ابن جابر؛ أنه سمع مكحولًا يقول في قول الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. قال: في كل عشرين سنة تحدثون أمرًا لم [¬٣] تكونوا عليه. وقال الأعمش: حدثني إبراهيم؛ قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: السماء تنشق ثم تحمر، ثم تكون لونًا بعد لون. وقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: و [¬٤] السماء مرة كالدهان ومرة تنشق. وروى البزار (٢٢) من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن

стр. 6499

مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، يا محمد؛ يعني حالًا بعد حال. ثم قال: ورواه جابر عن مجاهد، عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم، فارتفعوا في [¬١] الآخرة. وآخرون كانوا أشرافًا [¬٢] في الدنيا، فاتضعوا [¬٣] في الآخرة. وقال عكرمة: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا [بعد حال] [¬٤] فطيمًا بعد ما كان رضيعًا وشيخًا بعد ما كان شابًّا. وقال الحسن البصري: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، يقول: حالًا بعد حال رخاءً بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرًا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقم بعد صحة. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الله بن زاهر، حدثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر -هو الجعفي- عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ ؛ يقول: "إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، اكتب أجله، اكتب أثره، اكتب شقيًّا أو سعيدًا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكًا فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك. ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره [¬٥]، الموت ارتفع ذالك الملكان. وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره رد الروح في جسده. ثم ارتفع ملك الموت وجاءه، ملكا القبر فامتحناه. ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فانتشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه: واحد سائقًا وآخر شهيدًا، ثم قال الله : ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال رسول الله ﷺ : " ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ". قال: "حالًا بعد حال". ثم قال النبي ﷺ : "إن قدامكم لأمرًا عظيمًا لا تقدرونه، فاستعينوا بالله العظيم". هذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء، ولكن معناه صحيح، والله أعلم. ثم قال ابن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين [¬٦]: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك- وإن كان الخطاب [¬٧] إلي رسول الله ﷺ موجهًا- جميع الناس، و [¬٨] أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا.

стр. 6500

وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي: فماذا يمنعهم من الإِيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟. وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الرحمن وكلامه- وهو هذا القرآن، لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟ وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: من سجيتهم التكذيب، والعناد والمخالفة للحق. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فأخبرهم -يا محمد- بأن الله قد أعد لهم عذابًا أليمًا. وقوله: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هذا استثناء منقطع، يعني لكن الذين آمنوا -أي: بقلوبهم- وعملوا الصالحات بجوارحهم، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾، أي: في الدار الآخرة. ﴿غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ - قال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. وحاصل قولهما أنه غير مقطوع، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾. وقال السدي: قال بعضهم: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال بعضهم: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾ عليهم. وهذا القول الآخر عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن [¬١] الله- له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخولها بفضله ورحمته لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائمًا سرمدًا، والحمد لله وحده أبدًا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. [آخر تفسير سورة الانشقاق، ولله الحمد والمنه وبه التوفيق والعصمة]. * * *

стр. 6501

[تفسير] سورة البروج [وهي مكية] قال الإِمام أحمد (١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا رزيق [¬١] بن أبي سلمى، حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء [¬٢] الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق. وقال أحمد (٢): حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم- حدثنا حماد بن عباد السدوسي، سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء. تفرد به أحمد. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ يقسم تعالى بالسماء وبروجها، وهي: النجوم والعظام. كما تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي: البروج: النجوم. وعن مجاهد أيضًا: البروج التي فيها الحرس. وقال يحيى بن رافع: البروج [¬٣]: قصور في السماء. وقال المنهال بن عمرو: ﴿وَالسَّمَاءِ

стр. 6502

ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: الخلق الحسن. واختار ابن جرير [¬١] أنها: منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجًا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرًا، ويسير القمر في كل واحد يومين وثلثًا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستسر ليلتين. وقوله ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: اختلف المفسرون في ذلك، وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد [¬٢] الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد [¬٣] الله -يعني ابن موسى- حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد [¬٤] الله ابن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة، ﴿وَشَاهِدٍ﴾ الجمعة. وما طلعت شمس ولا [¬٥] غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم [¬٦] يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة. وهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة [¬٧] من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي -وهو ضعيف الحديث- وقد روي موقوفًا [¬٨]- على أبي هريرة وهو أشبه. وقال الإِمام أحمد (٣): حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار -مولى بني هاشم- عن أبي هريرة -أما علي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسم، وأما يونس فلم يعد أبا هريرة- أنه قال في هذه الآية: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: يعني الشاهد يوم الجمعة، ويوم مشهود يوم القيامة.

стр. 6503

وقال أحمد أيضًا (٤): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس سمعت عمارًا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة وأنه قال في هذه الآية ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة. وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة. وكذلك قال الحسن، وقتادة، وابن زيد. ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد. [ثم قال ابن جرير (٥): حدثنا محمَّد بن عوف، حدثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره الله لنا"] [¬١]. ثم قال ابن جرير (٦): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة". وهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب. ثم قال ابن جرير (٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف المكي، عن ابن عباس قال: الشاهد هو محمَّد ﷺ ، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. وحدثنا ابن حميد (٨)، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك [¬٢] قال: سأل رجل الحسن بن علي عن: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير، فقالا: يوم الذبح ويوم الجمعة. فقال: لا، ولكن الشاهد محمَّد صلى الله عليه

стр. 6504

وسلم. ثم قرأ: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. وهكذا قال الحسن البصري. وقال سفيان الثوري، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب: ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم القيامة. وقال مجاهد وعكرمة، والضحاك: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وعن عكرمة أيضًا: الشاهد محمَّد ﷺ ، والمشهود يوم الجمعة. [وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة] [¬١]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد الإنسان. والمشهود يوم الجمعة. هكذا رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير (٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن [ابن أبي نجيح] [¬٢]، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، الشاهد: يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة. وبه عن سفيان -هو الثوري- عن مغيرة، عن إبراهيم قال: يوم الذبح، ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود. قال ابن جرير: وقال آخرون: المشهود يوم الجمعة. ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن (١٠)، حدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود، تشهده [¬٣] الملائكة". وعن سعيد بن جبير: الشاهد الله، وتلا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، والمشهود نحن، حكاه البغوي، وقال: الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.

стр. 6505

وقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفير في الأرض. وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودًا وأججوا فيه نارًا، وأعدوا لها وقودًا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، أي: مشاهدون [¬١] لما يفعل بأولئك المؤمنين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، أي: وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه، المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس. ثم قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض، ولا تخفى عليه خافية. وقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة. من هم؟ فعن علي ﵁ أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قومًا باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها. وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾، قال: ناس من بني إسرائيل، خدوا أخدودًا في الأرض، ثم أوقدوا فيه نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالًا ونساء، فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد (١١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن

стр. 6506

صهيب: أن رسول الله ﷺ قال: "كان ملك [¬١] فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت [¬٢] سني وحضر أجلي، فادفع إليَّ غلامًا لأعلمه السحر. فدفع إليه غلامًا فكان [¬٣] يعلمه السحر، وكان بين الساحر و [بين] [¬٤] الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إن الراهب، فيال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي. وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر. قال: فبينما هو ذات يوم، إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة، قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله [¬٥] أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس. ورماها فقتلها، ومضى الناس. فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني، أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ. فكان [¬٦] الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم [¬٧]، وكان جليس للملك فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع. فقال: ما أنا أشفي أحدًا، إنما يشفى الله فإن آمنت به دعوت الله فشفاك. فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان، من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي؟ فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله. قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله. فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بُني، بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟. قال: ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله . قال: أنا؟ قال: لا. قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه أيضًا بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب [¬٨] فقال: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسم حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به، فلما علوا به [¬٩] الجبل قال: اللَّهم، اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال [¬١٠]: كفانيهم الله.

стр. 6507

فبعث به مع نفر في قرقور فقال: إذا لججتم به [¬١] البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر. فلججوا به البحر فقال الغلام: اللَّهم، اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع، و [¬٢] تأخذ سهمًا من كنانتي ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل، ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه، وقال: باسم الله رب الغلام. فوقع السهم بن صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد -والله- نزل بك، قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها. قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون [¬٣]، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه، فإنك على الحق. وهكذا رواه مسلم (١٢) في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة [به نحوه. ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة] [¬٤] ومن طريق حماد بن زيد، كلاهما بين ثابت به، واختصروا أوله. وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي، فرواه (١٣) في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان [¬٥] وعبد بن حميد -[المعنى واحد] [¬٦]- قالا: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر همس -والهمس في [قول بعضهم] [¬٧]: تحريك شفتيه كأنه يتكلم- فقيل له: إنك [¬٨]-يا رسول الله- إذا صليت العصر همست؟ قال: "إن نبيًّا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم [¬٩]، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت، فمات

стр. 6508

منهم في يوم سبعون ألفًا". قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، [حدث بهذا الحديث] [¬١] الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهمًا -[أو قال: فطنًا لقنًا] [¬٢]- فأعلمه علمي هذا .. فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: "يقول الله : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. قال: فأما الغلام فإنه دفن قال [¬٣]: فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب، وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل". ثم قال الترمذي: "حسن غريب" … وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه قال عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم. وقد أورد محمَّد بن إسحاق (١٤) بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم، فقال: حدثني يزيد بن زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي -وحدثني أيضًا بعض أهل نجران، عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبًا من نجران- ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد- ساحرٌ يعلم غلمان أهل نجران، السحر، فلما نزلها فيمون- ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم [¬٤] إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان [¬٥] إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه [¬٦] إيَّاه وقال له: يا بن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه. والثامر أبو عبد الله لا يظنن إلا أن [¬٧] ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى أقداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قدح، وكل اسم في قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارًا ثم جعل يقذفها فيها قدحًا قدحًا، حتى إذا مر بالاسم الاعظم قذف فيها بقدحه،

стр. 6509

فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي كتمه فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. قال: أي ابن أخي، قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضر إلا قال: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم. فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فأتبعه على أمره ودعا الله [¬١] له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت عليَّ أهل قريتي، وخالفت ديني وكان آبائي، لأمثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك. قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنكَ -والله- لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت عليَّ فقتلتني. قال: فوحد الله ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده فشجه شجة غير كبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه. واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر - وكان على ما جاء له عيسى ابن مريم ﵇ من الإِنجيل وحكمه - ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق: فهذا حديث محمَّد بن كعب القرظي وبعضُ أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أي ذلك كان. قال: فسار إليهم ذو نواس بجنده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا. ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله ﷺ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾. هكذا ذكر محمَّد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو [¬٢] ذو نواس، واسمه: زرعة، وتسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن [تبان أسعد أبي كرب] [¬٣]، وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة، واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، وكان [¬٤]

стр. 6510

تهود [من تهود] [¬١] من أهل اليمن على يديهما، كما ذكره ابن إسحاق مبسوطًا، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفًا، ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان [¬٢]، ذهب فارسًا، وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه [¬٣]، فذهب إلى قيصر ملك الشام، فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشًا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة، فاستنقذوا [¬٤] اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هاربًا فلجج في البحر؛ فغرق. واستمر مُلكُ الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى، لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون، وكانوا قريبًا من سبعمائة، ففتح بهم اليمن، ورجع الملك إلى حمير. وسنذكر طرفًا من ذلك -إن شاء الله- في تفسير سورة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. وقال ابن إسحاق (١٥): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو [¬٥] بن حزم؛ أنه حُدِّث أن رجلًا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب، حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعدًا، واضعًا يده على ضربة في رأسه، ممسكًا [¬٦] عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها ثعبت [¬٧] دمًا، وإذا أرسلت [¬٨] يده ردت عليها، فأمسكت دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربيَ الله. فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن [¬٩] الذي كان عليه؛ ففعلوا. وقد قال أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي الدنيا ﵀: حدثنا أبو بلال الأشعري، حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم، أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطًا من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط [¬١٠]، ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلًا صالحًا. فحفر الأساس فوجد فيه رجلًا قائمًا معه سيف، مكتوب فيه أنا الحارث بن مضاض، نقمت على أصحاب الأخدود. فاستخرجه أبو موسى، وبنى الحائط، فثبت. قلت: هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي، أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد نبت [¬١١] بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو

стр. 6511

ابن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة، لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام: إنه أول شعر قاله العرب: كَأن لَم يَكُن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس، ولم يَسْمُر بمكَّةَ سَامرُ بَلَى [¬١]، نَحنُ كُنَّا أهلَها فَأبادَنَا … صُروفُ اللَّيَالى والجدُود العَوَاثِرُ [¬٢] وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديمًا بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب [¬٣] من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم [¬٤] كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد - عليهما من الله السلام - وهو أشبه، والله أعلم. وقد يحتمل أن ذلك قد [¬٥] وقع في العالم كثيرًا، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير؛ قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع، وفي القسطنطنية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أَتونًا [¬٦]، ولقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد. وفي العراق في أرض بابل بُخْتَنَصَّر، الذي وضع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه: عزم وميشائيل، فأوقد لهم أَتونًا وألقى فيه [¬٧] الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله عليهما بردًا وسلامًا، وأنقذهما منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة وهي، فأكلتهم النار. وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، قال: كانت [¬٨] الأخدود ثلاثة [¬٩]: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن، رواه ابن أبي حاتم. وعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، أما التي بالشام فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله فيهم قرآنًا، وأنزل في التي كانت بنجران. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أنس، عن الربيع -هو ابن أنس- في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ

стр. 6512

الْأُخْدُودِ﴾، قال: سمعنا أنهم كانوا قومًا في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾، اعتزلوا إلى قرية سكنوها، وأقاموا على عبادة الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين، وحدث حديثهم، فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم، وقالوا: لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له. فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم. فأبوا عليه، فخد أخدودًا من نار، وقال لهم الجبار -ووقفهم عليها- فقال [¬١]: اختاروا هذه أو [¬٢] الذي نحن فيه. فقالوا: هذه أحب إلينا. وفيهم نساء وذرية، ففزعت الذرية، فقالوا لهم: لا نار من بعد اليوم. فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها، وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين، فأحرقهم الله بها، ففي ذلك أنزل الله : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾. ورواه ابن جرير (١٦): حُدّثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: حرقوا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن أبزى. ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: لم يقلعوا عَمّا فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا. ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وذلك أن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ

стр. 6513

(٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾. يخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾، بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر، أو هو أقرب؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، أي: من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه، بلا ممانع ولا مدافع. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيء كان. والودود -قال ابن عباس وغيره-: هو الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، أي: [صاحب العرش] [¬١] المعظم العالي على جميع الخلائق. و ﴿الْمَجِيدُ﴾: فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ؛ والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح. ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، أي: مهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له -وهو في مرض الموت-: هل نظر إليك الطيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال [¬٢]: قال لي: إني فعال لما أريد (١٧). وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾، أي: هل بلغك ما أحل الله [¬٣] بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟. وهذا تقرير لقوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: إذا أخذ الظالم أخذه أخذًا أليمًا شديدًا، أخذ عزيز مقتدر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون؛ قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾، فقام يسمع، فقال: "نعم، قد جاءني". وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، أي: هم في شك وريب وكفر وعناد، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أي: هو قادر عليهم، قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، ﴿بَلْ

стр. 6514

هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾، أي: عظيم كريم، ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، أي: هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل. قال ابن جرير (١٨): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ﴾، في جبهة إسرافيل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح: أن أبا الأعبس -هو عبد الرحمن بن سلمان- قال: ما من شيء قضى الله -القرآن مما [¬١] قبله وما بعده- إلا وهو في اللوح المحفوظ. واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل، لا يؤذن له بالنظر فيه. وقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه. وقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج [¬٢]، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله. أدخله الجنة- قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. قال مقاتل: اللوح المحفوط عن يمين العرش. وقال الطبراني (١٩): حدثنا محمد بن عثمان [بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث] [¬٣]، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن [¬٤] عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله خلق لوحًا محفوظًا من دوة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء". [آخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد].

стр. 6515

[تفسير] سورة الطارق [وهي مكية] قال عبد الله بن الإمام أحمد (١): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد -قال: عبد الله وسمعته أنا منه- حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه، أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس -أو: عصى- حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، حتى ختمها- قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام- قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لاتبعناه. وقال النسائي (٢): حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: صلي معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي ﷺ : "أفتان يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن قرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا! ". بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ يقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة؛ ولهذا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، ثم فسره لقوله ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾. قال قتادة وغيره: إنما سمى النجم طارقًا، لأنه إنما يرى بالليل ويختفى بالنهار. ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: نهي أن يطرق الرجل أهله طروقًا (٣). أي: يأتيهم فجأة بالليل.
следующие страницы →