← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة، والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع. قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: يعني زاد الآخرة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (١١٣٧): حدَّثنا عبدان، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس عن [¬١] جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة". وقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال [¬٢]: يا رسول الله ما نجد زادًا نتزوده، فقال رسول الله ﷺ : "تزوذ مما تكفّ به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى"، رواه ابن أبي حاتم. وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.

стр. 877

﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ قال البخاري (١١٣٨): حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو [¬١]، عن ابن عباس قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة [¬٢]، وذر المجاز أسواقًا [¬٣] في الجاهلية، فتأثموا [¬٤] أن يتَّجررا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج. وهكذا رواه عبد الرزاق (١١٣٩)، وسعيد بن منصور، وغير واحد: عن سفيان بن عيينة، به [¬٥]. ولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله، ﷺ ، عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا [¬٦] رواه ابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان متَّجر الناس في الجاهلية عكاظ، ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية. وروى أبو داود رغيره (١١٤٠): من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

стр. 878

وقال ابن جرير (١١٤١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج). وقال علي بن أبي طلحة (١١٤٢): عن ابن عبَّاس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء، والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس. وقال وكيع (١١٤٣): حدَّثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج). ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمعت ابن الزُّبَير يقرأ [﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] [¬١] وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقَتَادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقال ابن جرير (١١٤٤): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا شبابة بن سوار، حدَّثنا شعبة، عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل بحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعًا.

стр. 879

قال أحمد (١١٤٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [¬١]، عن [أَبى] [¬٢] أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون [¬٣] بالبيت، وتأتون المعروف [¬٤]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى [¬٥] النبي، صلى الله عليه رسلم، فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتَّى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: "أنتم حجاج". وقال عبد الرزاق (١١٤٦): أخبرنا الثَّوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا قوم نكري، ويزعمون أنَّه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قال: بلى. قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عما سألت عنه فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ورواه عبد [بن حميد في تفسيره] [¬٦]: عن عبد الرزاق، به. وهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة: عن الثَّوري مرفوعًا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا (١١٤٧). فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا عباد بن العوام] [¬٧]، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا أناس نكري في هذا الوجه إلى

стр. 880

مكة، وإن أناسًا [¬١] يزعمون: أنَّه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى [¬٢]. قال: فأنتم حجاج، ثم قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه [¬٣]، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتَّى نزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدعا الرجل فتلاها عليه وقال: "أنتم حجاج". وكذا رواه مسعود [¬٤] بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي: عن العلاءِ بن المسيب به مرفوعًا. وقال ابن جرير (١١٤٨): حدثني طليق [¬٥] بن محمد الواسطي، حدَّثنا أسباط -هو ابن محمد- أخبرنا الحسن بن عمرو - وهو الفقيمي - عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف [¬٦]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قلنا: بلى. قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ : أنتم حجاج". وقال ابن جرير (١١٤٩): حدثني أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أَبو [¬٧] أحمد، [حدَّثنا مندل] [¬٨]، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين! كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلَّا في الحج؟ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. إنما صرف عرفات -وإن كان علمًا على مؤنث- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سُمِّيَ به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير. وعرفة: موضع الوقوف [¬٩] في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإِمام أحمد،

стр. 881

وأهل السنن بإسناد صحيح (١١٥٠): عن الثَّوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: "الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي، ﷺ ، وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس وقال لنا [¬١]: "لتأخذوا [¬٢] عني مناسككم (١١٥١). وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك"، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي ﵏، وذهب الإِمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتج [¬٣] بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، بالمزدلفة حين خرح إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من [جبلي طيئ] [¬٤] أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (*) إلا وقفت عليه فهل لي [¬٥] من حج؟ فقال رسول الله، ﷺ : "من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه".

стр. 882

رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي (١١٥٢). ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق (١١٥٣): أخبرني ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم [ ﷺ ] [¬١] فحج به، حتَّى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة. وقال ابن المبارك (١١٥٤): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة، لأن [¬٢] جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسميت [¬٣] عرفات. وروي نحوه عن ابن عبَّاس (١١٥٥)، [وابن عمر] [¬٤] وأبي مجلز فالله أعلم. وتسمى عرفات: المشعر الحرام [¬٥]، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أَبو طالب في قصيدته المشهورة: وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له … إلَّال إلى تلك [الشراج القوابل] [¬٦] وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا حمَّاد بن الحسن بن عنبسة، حدَّثنا أبو عامر، عن زمعة -هو

стр. 883

ابن صالح - عن سلمة -هو ابن وَهْرام [¬١]- عن عكرمة على أبي عبَّاس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتَّى إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كأنها العمائم على رءوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله، ﷺ ، الدفعة من عرفة حتَّى غربت الشمس. ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس حتَّى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن [¬٢] الإِسناد. وقال ابن جريج: عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، وهو بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد" - وكان إذا خطب خطبة قال: "أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الاكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، [وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها] [¬٣] وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك". هكذا رواه ابن مردويه وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه (١١٥٦)، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬٤]، عن عبد الوارث [¬٥] بن سعيد، عن ابن جريج به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله، ﷺ ، لا كما يتوهمه بعض [¬٦] أصحابنا أنَّه ممن له رؤية بلا سماع. وقال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي [¬٧]، عن المعرور بن سويد قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه، رجلًا [¬٨] أصلع على بعير له يُوضِع (٥) وهو يقول: إنا وجدنا الإِفاضة هي الإِيضاع. وفي حديث جابر بن عبد الله (الطويل) الذي في صحيح مسلم (١١٥٧) قال فيه: (فلم يزل

стр. 884

واقفًا -يعني بعرفة- حتَّى غربت [¬١] الشمس وذهبت [¬٢] الصفرة قليلًا حتَّى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله، ﷺ ، وقد شنق [¬٣] للقصواء الزمام، حتَّى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس! السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال آرخى لها قليلًا حتَّى تصعد، حتَّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع، حتَّى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحده فلم يزل واقفا حتَّى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس). وفي الصحيحين [¬٤] (١١٥٨) عن أسامة بن زيد أنَّه سئل: كيف كان يسير [¬٥] رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو انبساط السير، والنص [¬٦] فوقه. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أَبو محمد بن بنت الشَّافعي فيما كتب إليَّ، عن أبيه أو عمه [¬٧]، عن سفيان بن عيينة. قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا. وقال أَبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام فسكت، حتَّى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام. وقال عبد الرزاق (١١٥٩): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم؛ قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها.

стр. 885

وقال هُشَيم: عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله. وقال عبد الرزاق (١١٦٠): أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم؛ قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء؟ كل ما هاهنا مشعر. وروي عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس والحسن، وقَتَادة؛ أنَّهم قالوا: هو ما بين الجبلين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت [¬١] من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزمي [¬٢] عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس. (قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنَّما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلَّا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشَّافعي، منهم: القفال وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشَّافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك: عن سفيان الثَّوري، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرنة [¬٣]، وجمع كلها موقف إلَّا محسرًا". هذا حديث مرسل. وقد قال الإِمام أحمد (١١٦١): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان

стр. 886

ابن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي، ﷺ ، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرفة [¬١]، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة مَنْحَر، وكل أيام التشريق ذبح". وهذا أيضًا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا - وهو الأشدق - لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد -[ابن لجبير] [¬٢]- ابن مطعم، عن أبيه، [وقال سويد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه] [¬٣]، عن النبي، ﷺ ، فذكره، والله أعلم. وقوله: " ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله [¬٤] به عليهم، من الهداية والبيان، والإِرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإِبراهيم الخليل، ﵇؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدي، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول والكل متقارب ومتلازم وصحيح. ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته. وقال البخاري (١١٦٢): حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا محمد بن حازم، حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كانت [¬٥] قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحُمْس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله نبيه، ﷺ ، أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.

стр. 887

وكذا قال ابن عبَّاس ومجاهد وعطاء قَتَادة والسدي وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإِجماع [﵏] [¬١]. وقال الإمام أحمد (١١٦٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي، ﷺ واقف، قلت: إنَّ هذا من الحُمْس ما شأنه هاهنا؟. أخرجاه في الصحيحين ثم رواه [¬٢] البخاري (١١٦٤)، من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبَّاس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم. وحكاه ابن جرير عَن الضحاك بن مزَاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم ﵇. وفي رواية عنه: الإِمام [¬٣]. قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح. وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله، ﷺ ، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله [¬٤] ثلاثًا (١١٦٥). وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين (١١٦٦). وقد روى ابن جرير (١١٦٧) ها هنا حديث [العباس] [¬٥] بن مرداس السلمي في استغفاره ﷺ ، لأمّته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة.

стр. 888

وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ : "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم؛ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة" (١١٦٨). وفي الصحيحين (١١٦٩) - عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ لقال [¬١]: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". والأحاديث في الاستغفار كثيرة. ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ يأمر تعالى بذكره والإِكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبيه أمّه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمّه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله

стр. 889

على محمد ﷺ : ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. قال ابن أبي حاتم: [وروي السدي، عن] [¬١] أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى روايتيه، ومجاهد والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا [¬٢] عن جماعة، والله أعلم. والمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله، ؛ ولهذا كان انتصاب قوله أو أشدّ ذكرًا على التمييز: تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و "أو"هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ [¬٣] إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فليست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإِجابة، وذمّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: [﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾] [¬٤] مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] [¬٥] فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة [¬٦] فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن [¬٧] الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من [¬٨] الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير

стр. 890

الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام. وقال القاسم أبو عبد الرحمن: من أُعْطِي قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار. ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال [¬١] البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي، ﷺ ، يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (١١٧٠). وقال الإمام أحمد (١١٧١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب [] [¬٢] [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ ؟ قال: يقول] [¬٣]: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه، و] [¬٤] رواه مسلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السهلام بن شداد -يعني أبا طالوت- قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم ربنا [¬٥]؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وتحدّثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال: يا أبا حمزة، إنّ إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم، فقال: أتريدون [¬٦] أن أشقق لكم [] [¬٧] الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله.

стр. 891

وقال أحمد أيضًا (١١٧٢): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد [عبد الله بن بكر السهمي حدثنا حميد] [¬١] عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله، ﷺ : "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم كنت أقول: اللهم، ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ "سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه [¬٢] فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " قال: فدعا الله فشفاه. انفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث ابن أبي عدي، به. وقال الإِمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القدّاح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله [بن السائب] [¬٣]؛ أنه سمع النبي، ﷺ ، يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: " ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١١٧٣). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجة (١١٧٤)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، نحو ذلك، [وفي سنده ضعف، والله أعلم] [¬٤]. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

стр. 892

وقال الحاكم في مستدركه (١١٧٥): أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم [¬١] البطين، عن سعيد بن جبير؛ قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال [¬٢]: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر. وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير في [¬٣] أيام التشريق بعد الصلوات المكتوباب: الله أكبر الله أكبر. وقال الإمام أحمد (١١٧٦): حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : "يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي [¬٤] أيام أكل وشرب [] [¬٥]. وقال الإمام [¬٦] أحمد أيضًا (١١٧٧): حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله". ورواه [¬٧] مسلم أيضًا، وتقدّم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام

стр. 893

التشريق كلها ذبح". وتقدم أيضًا [¬١] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". وقال ابن جرير (١١٧٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وخلاد بن أسلم؛ قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو [¬٢] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الذ عليه رسلم، [قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر الله". وحدثنا خلّاد بن أسلم (١١٧٩)، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم،] [¬٣] بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: "لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ". وحدثنا يعقوب (١١٨٠)، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري؛ قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه رسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق، فقال: "إن هذه الأيام [¬٤] أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي". زيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هشيم (١١٨١): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار، أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم، بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام [¬٥] أكل وشرب وذكر الله".

стр. 894

وقال هشيم (١١٨٢)، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة؛ قالت: نهى رسول الله، ﷺ ، عن صوم أيام التشريق، قال: "هي [¬١] أيام أكل وشرب وذكر الله". وقال محمد بن إسحاق (١١٨٣)، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني [¬٢] أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله، ﷺ ، البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار، وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله [¬٣]. وقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام [¬٤] بعده. وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، وإبراهيم النخعي، [ويحيى بن أبي كثير] [¬٥] والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، مقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم مثل ذلك. وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها. والقول الأوّل هو المشهور، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر.

стр. 895

ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم أن [¬١] الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات والمطلق في سائر الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء؛ أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني (١١٨٤) ولكن لا يصح مرفوعًا، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرًا. ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره (١١٨٥): " إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمى الجمار، لإِقامة ذكر الله ". [ولما ذكر الله تعالى النفر الأوّل والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾] [¬٢]. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله، ﷺ ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه- الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في [¬٣] ذم المنافقين ومدح خبيب [¬٤]

стр. 896

وأصحابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. [وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح. وقال ابن جرير (١١٨٦): حدّثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف -وهو البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون ولي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية. وحدّثني محمد بن أبي معشر (١١٨٧)، أخبرني أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله، قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح. وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (ويَشهد الله) بفتح الياء وضم الجلالة، ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أن هذا لان أظهر لكم الحيل، لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ] [¬١]

стр. 897

مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (١١٨٨)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف، وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد، والله أعلم. وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة: الأعوج. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر كما ثبت في الصحيح (١١٨٩) عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". وقال البخاري (١١٩٠): حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان، عن ابنِ جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم". قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدَّثنا سفيان، حدَّثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ ، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (١١٩١). وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم" (١١٩٢). وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب] [¬١]

стр. 898

[واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. والسعي ها هنا هو القصد كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلي الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار". فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار،] [¬١] والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما. وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا [¬٢] منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك. وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق- امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ [¬٣] عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي هي كافيته عقوبة في ذلك. وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال [¬٤] ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فعل، فتخلص [¬٥] منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع! فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه

стр. 899

الآية، ويروى أنّ رسول الله، ﷺ ، قال له: "ربح البيع صهيب! ربح البيع صهيب! ". قال ابن مردويه (١١٩٣): حدَّثنا محمد بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن عبد الله [بن رسته،] [¬١] حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدَّثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلي النبي، ﷺ ، قالت لي قريش: يا صهيب، قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني؟ قالو!: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي، ﷺ ، فقال: "ربح صهيب! ربح صهيب! " مرتين. وقال حماد بن سلمة (١١٩٤)، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي، ﷺ ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل (*) [¬٢] ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش؛ قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي كل [¬٣] سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي [¬٤] بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي، ﷺ ، قال: "ربح البيع! ربح البيع! "، قال: ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وأمّا الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.

стр. 900

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ يقول الله [¬١] تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك. قال العوفي: عن ابن عباس ومجاه د، وطاوس والضحاك، وعكرمة وقتادة، والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإِسلام. وقال الضحاك -عن ابن عباس- وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْم﴾ يعني: الطاعة، وقال قتادة أيضًا: الموادعة [¬٢]. وقوله: (كافة) قال ابن عباس ومجاهد، وأبو العالية وعكرمة، والربيع [بن أنس] [¬٣]، والسدي ومقاتل بن حيان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: اي: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر. وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر [¬٤] ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله، ﷺ ، في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإِسلام، والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، [إذ يبعد] [¬٥] أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإِسلام. ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم أمروا كلهم [¬٦] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإِسلام، وهي كثيرة جدًّا، ما استطاعوا منها، كما قال [¬٧] ابن أبي حاتم (١١٩٥): أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل

стр. 901

ابن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين [¬١] ببعض أمور [¬٢] التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد، صلي الله عليه رسلم، ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم الإِيمان [¬٣] بالتوراة وما فيها. وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، و ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال مطرف: أغش [¬٤] عباد الله لعبيد الله الشيطان. وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز [] [¬٥] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾ يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني يوم القيام؛ لفصل القضاء بين الأوّلين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية. وقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير -ها هنا- حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة عن رسول الله، صلي الله عليه رسلم، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد

стр. 902

وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا [¬١] لموقفهم في العرصات، تشفعوا [¬٢] إلي ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعد [¬٣]، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ فإذا جاءوا إليه قال: "أنا لها، أنا لها"، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل [¬٤] القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشقّ السماء الدنيا، وينزل من فيها من [¬٥] الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلي السابعة، وينزل حملة [¬٦] العرش والكروبيون. قال: وينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من [¬٧] تسبيحهم يقولون: سبحان [ذي الملك والملكوت!] [¬٨] سبحان رب العرش والجبروت سبحان الحى الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه، أبدًا أبدًا (١١٩٦). وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه -هاهنا- أحاديث فيها غرابة، والله أعلم، فمنها ما رواه: من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة [¬٩]، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ ، قال: "يجمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا، شاخصة أبصارهم إلي السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (١١٩٧). وقال [¬١٠] ابن أبي حاتم (١١٩٨): حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا

стр. 903

معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدّث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب. قال (١١٩٩): وحدّثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام: منظوم [من الياقوت] [¬١] مكلل بالجوهر والزبرجد. وقال ابن أبي نجيح (١٢٠٠): عن مجاهد ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا. وقال أبو جعفر الرازي (١٢٠١): عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات [¬٢]: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)، وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَينَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم [¬٣] شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه [¬٤] فيما جاءهم به، كـ: يده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربة الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير

стр. 904

منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرًا [¬١] أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها [¬٢] والإِعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تَعالي إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾. ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن [¬٣] مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه [¬٤] ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد، والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم، ومنشرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقرّوا في الدرجات في أعلي عليين، وخلد اُولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاءً كثيرًا جزيلًا بلا حصر، ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: "ابن آدم أنفق، أنفق عليك" (١٢٠٢)، وقال النبي ﷺ : "أنفق بلال [¬٥] ولا تخش من ذي العرش إقلالًا [¬٦] " (١٢٠٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وفي الصحيح: "أن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] [¬٧]، كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا [¬٨] خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا [¬٩]، تلفًا"، وفي الصحيح (١٢٠٤): " يقول ابن آدم: مالي مالي،

стр. 905

[وهل لك من مالك] [¬١] إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". وفي مسند الإِمام أحمد عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (١٢٠٥). ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ قال ابن جرير (١٢٠٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم علي شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا). ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث بندار، [] [¬٢] محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإِسناد [¬٣] ولم يخرجاه. وكذا روى أبو جعفر الرازي (١٢٠٧): عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).

стр. 906

وقال عبد الرزاق (١٢٠٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ فكان أوّل نبي بُعِثَ نوحًا، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولًا. وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأوّل عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇ حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم [¬١] على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال عبد الرزاق (١٢٠٩): حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [في قوله]: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية، قال: قال النبي، ﷺ : "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [¬٢]، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى". ثم رواه عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال ابن وهب (١٢١٠): عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ

стр. 907

الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾: فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ ، ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا [¬١]، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ ، للحق من ذلك. وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأوّل الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم. وفي قراءة أبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن. وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم [وبما هداهم] [¬٢] له؛ قاله [¬٣] ابن جرير ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة [¬٤] والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم [¬٥] عن عائشة (١٢١١): أن رسول الله، ﷺ ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات

стр. 908

والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وفي الدعاء المأثور: "اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا". ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا، وتختبروا، وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض، والأسقام، والآلام، والمصائب، والنوائب. قال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومرّة الهَمداني [¬١]، والحسن [¬٢] وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الففر [] [¬٣] ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم. ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت (١٢١٢) قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا فقال: "إن من كان قبلكم [كان أحدهم] [¬٤]، يوضع المنشار [¬٥] علي مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، [ويمشط بأمشاط] [¬٦]، الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم قال [¬٧]: "والله، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على

стр. 909

غنمه، ولكنكم قوم [¬١] تستعجلون". وقال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. وقد حصل من هذا جانب عطيم للصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ الآيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان (١٢١٣): هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت [¬٢] الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة [¬٣]. وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج، والمخرج عند ضيق الحال والشدّة. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، [وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقُرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب" (١٢١٤) - الحديث] [¬٤]. ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى

стр. 910

وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوّع، وقال السدي: نسختها الزكاة وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس، ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: اصرفوها في هذه الوجوه، كما جاء في [¬١] الحديث: "أمّك، وأباك، [وأختك، وأخاك] [¬٢] ثم أدناك أدناك" (١٢١٥) وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدًا [¬٣] مثقال ذرة. ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإِسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب [¬٤] علي كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد. (قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو - مات ميتة جاهلية" (١٢١٦)، وقال ﵇ يوم الفتح: "لا هجرة [بعد الفتح] [¬٥]،

стр. 911

ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (١٢١٧). وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك؛ فإنه إما أن يقتل، أو يجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم وذراريهم، وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاءُ العدو علي البلاد والحكم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ قال ابن أبي حاتم (١٢١٨): حدَّثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن رسول

стр. 912

الله، ﷺ ، بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [¬١]، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله، ﷺ ، فجلس [فحبسه] [¬٢]، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك"، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله، ﷺ ، بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي [¬٣] حليف لبني [¬٤] نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل [¬٥]، فلما نزل بطن ملل [¬٦] فتح الكتاب، فإذا فيه: "أن سر، حتى تنزل بطن نخله (*) "، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلي الله عليه رسلم، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا بحران [¬٧] يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] [¬٨] وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب [النبي] ﷺ . فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين [¬٩] وما أصابوا من المال أراد [¬١٠] أهل مكة أن يفادرا الأسيرين [فقال النبي ﷺ : "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر] [¬١١] عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله،

стр. 913

وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: [¬١] في أول [ليلة من] [¬٢] رجب وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، فأنزل [¬٣] الله يعير اُهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد، ﷺ ، وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا، ﷺ ، وأصحابه [¬٤] أكبر من القتل عند الله. وقال العوفي: عن ابن عباس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدّوا رسول الله، ﷺ ، وردوه عن المسجد في شهر حرإم، قال [¬٥]: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون علي رسول الله، ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا، ﷺ وبعث سرية، فلقوا عمرو [¬٦] بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد، ﷺ ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد، ﷺ ، والشرك أشد منه. وهكذا روى أبو سعيد البقال [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلي آخر الآية. وقال عبد الملك بن هشام -راوي السيرة- عن زياد بن عبد الله البكائي [¬٨]، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀ في كتاب السيرة له أنه قال: وبعث [¬٩] رسول الله، صلي الله

стр. 914

عليه وسلم، عبد الله بين جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية [¬١] رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش [] [¬٢] من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرْثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني [¬٣] زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني [كعب بن عدي بن] [¬٤]، عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز [¬٥] ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين [¬٦] بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه [¬٧] فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع! فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي [-واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصَّدِف-] [¬٨]، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد

стр. 915

حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به [¬١]، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهُمْ في الشهر الحرام، فتردّد القوم وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على [¬٢] قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان [وأفلت القوم نوفل بن عبد الله] فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير، والأسيرين حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، المدينة. قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله، ﷺ ، مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله [¬٣] الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله، ﷺ ، خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله، ﷺ ، قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله، ﷺ ، أسْقِط في أيدي القوم، وظنوا [¬٤] أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت اليهود [¬٥]- تفاءلوا بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، [عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله] [¬٦] وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله علي رسول [¬٧] الله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن [¬٨] دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك
следующие страницы →