← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (١٢١٧). وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك؛ فإنه إما أن يقتل، أو يجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم وذراريهم، وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاءُ العدو علي البلاد والحكم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ قال ابن أبي حاتم (١٢١٨): حدَّثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن رسول

стр. 912

الله، ﷺ ، بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [¬١]، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله، ﷺ ، فجلس [فحبسه] [¬٢]، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك"، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله، ﷺ ، بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي [¬٣] حليف لبني [¬٤] نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل [¬٥]، فلما نزل بطن ملل [¬٦] فتح الكتاب، فإذا فيه: "أن سر، حتى تنزل بطن نخله (*) "، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلي الله عليه رسلم، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا بحران [¬٧] يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] [¬٨] وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب [النبي] ﷺ . فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين [¬٩] وما أصابوا من المال أراد [¬١٠] أهل مكة أن يفادرا الأسيرين [فقال النبي ﷺ : "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر] [¬١١] عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله،

стр. 913

وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: [¬١] في أول [ليلة من] [¬٢] رجب وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، فأنزل [¬٣] الله يعير اُهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد، ﷺ ، وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا، ﷺ ، وأصحابه [¬٤] أكبر من القتل عند الله. وقال العوفي: عن ابن عباس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدّوا رسول الله، ﷺ ، وردوه عن المسجد في شهر حرإم، قال [¬٥]: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون علي رسول الله، ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا، ﷺ وبعث سرية، فلقوا عمرو [¬٦] بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد، ﷺ ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد، ﷺ ، والشرك أشد منه. وهكذا روى أبو سعيد البقال [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلي آخر الآية. وقال عبد الملك بن هشام -راوي السيرة- عن زياد بن عبد الله البكائي [¬٨]، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀ في كتاب السيرة له أنه قال: وبعث [¬٩] رسول الله، صلي الله

стр. 914

عليه وسلم، عبد الله بين جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية [¬١] رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش [] [¬٢] من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرْثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني [¬٣] زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني [كعب بن عدي بن] [¬٤]، عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز [¬٥] ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين [¬٦] بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه [¬٧] فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع! فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي [-واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصَّدِف-] [¬٨]، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد

стр. 915

حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به [¬١]، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهُمْ في الشهر الحرام، فتردّد القوم وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على [¬٢] قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان [وأفلت القوم نوفل بن عبد الله] فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير، والأسيرين حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، المدينة. قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله، ﷺ ، مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله [¬٣] الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله، ﷺ ، خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله، ﷺ ، قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام"، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله، ﷺ ، أسْقِط في أيدي القوم، وظنوا [¬٤] أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت اليهود [¬٥]- تفاءلوا بذلك على رسول الله ﷺ : عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، [عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله] [¬٦] وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله علي رسول [¬٧] الله ﷺ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن [¬٨] دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك

стр. 916

أكبر عند الله من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدّة [¬١]، قبض رسول الله، ﷺ ، [وآله وسلم] العير والأسيرين، وبعثت [¬٢] إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله، ﷺ : "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا" -يعني: سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان- "فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم"، فقدم سعد وعتبة، ففداهما [¬٣] رسول الله، ﷺ ، منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله، ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش، وأصحابه ما كانوا [¬٤] [فيه حين] [¬٥] نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أنّ تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؛ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فوضعهم [¬٦] الله من ذلك على أعظم الرجاء، قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة. وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه نحو ذلك. وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله، ﷺ ، بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (١٢١٩). ثم قال ابن هشام: عن زياد، عن ابن [¬٧] إسحاق، وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن الله

стр. 917

قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماسه [¬١] لمن أفاءه وخُمسًا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (١٢٢٠). قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (١٢٢١). قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش. تعدون [¬٢] قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلٌّ من القِدِّ [¬٣] عاند [¬٤] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ قال الإِمام أحمد (١٢٢٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا،

стр. 918

فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَي﴾، فكان منادي رسول الله، ﷺ ، إذا أقام الصلاة نادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا. وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن [] [¬١]، قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد [¬٢] صالح صحيح [¬٣]. وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: (انتهينا): إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآيات. فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل؛ كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار. وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم المام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا ينهنهها [¬٤] اللقاء وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كانُ يقمِّشُه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه، أو

стр. 919

عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين؛ ولهذا قال [الله تعال] [¬١]: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وسيأتي الكلام علي ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن عمر والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن [¬٢] هذه أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم [نزلت الآية] [¬٣] التي في [سورة] [¬٤] المائدة فحرمت الخمر. وقوله: ﴿[] [¬٥] يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب. قال ابن أبي حاتم (١٢٢٣): حدثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبان، حدَّثنا يحيي: أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله، ﷺ ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾. وقال الحكم [¬٦] عن مقسم، عن ابن عباس ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ما يفضل عن أهلك. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد أنهم قالوا في قوله: ﴿قل العفو﴾: يعني الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل.

стр. 920

وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هوذة بن خلمِفة، عن عوف، عن الحسن، [في الآية] [¬١] ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ذلك ألا تجهد [¬٢] مالك ثم تقعد تسأل الناس. ويدل علي ذلك ما رواه ابن جرير (١٢٢٤): حدَّثنا علي بن مسلم، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: "أنفقه علي نفسك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي أهلك"، قال: عندي آخر، قال: "أنفقه علي ولدك"، قال: عندي آخر، قال: "فأنت أبصر". وقد رواه مسلم في صحيحه. وأخرج [¬٣] مسلم أيضًا عن جابر (١٢٢٥): أنّ رسول الله، ﷺ ، قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا". وعنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، واليد العليا خير من اليد [¬٤] السفلي، وابدأ بمن تعول" (١٢٢٦). وفي الحديث أيضًا: "ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا

стр. 921

تلام على كفاف" (١٢٢٧). ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني، والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده ووعيده لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يعني: في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها. وقال ابن أبي حاتم (١٢٢٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن محمد الطنافسي، حدَّثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي قال: شهدت الحسن، وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها؛ ليعلم أن الدنيا دار بلاءٍ ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء. وهكذا قال قتادة، وابن جريج وغيرهما. وقال عبد الرزاق (١٢٢٩)، عن معمر، عن قتادة: لتعلموا [¬١] فضل الآخرة علي الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى. وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية. قال ابن جرير (١٢٣٠): حدَّثنا سفيان بن وكيع، حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ انطلق

стр. 922

من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. وهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب، به. وكذا رواه علي بين أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية؛ كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف. قال وكيع [بن الجراح] [¬١] (١٢٣١): حدَّثنا هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرَّة (*) [¬٢] حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي. فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: علي حدة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإِفساد أو الإِصلاح. وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله [¬٣] لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطهم بالتي هي أحسن، [كما] [¬٤] قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف؛ إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر أو مجانًا كما سيأتي بيانه في

стр. 923

سورة النساء إن شاء الله وبه الثقة. ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ هذا تحريم من الله علي المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن [¬١] كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ] [¬٢]﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثني الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال [¬٣] مجاهد، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم. وقيل: بل المراد بذلك المشركون [¬٤] من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم. فأمّا ما رواه ابن جرير (١٢٣٢): حدّثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدَّثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله، ﷺ ، عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات والمهاجرات، وحرّم كل ذات دين غير الإِسلام. قال الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى هم أن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، لكني أنتزعهن منكم صَغَرة قَمَأة.

стр. 924

فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر [غريب عن عمر] [¬١] أيضًا. قال أبو جعفر بن جرير (١٢٣٣) ﵀ بعد حكايته الإِجماع علي إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في السلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، حدَّثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، [فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟] [¬٢] فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات [¬٣] منهن. وهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت نحوه. وقال ابن جرير (١٢٣٤): حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٤]، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان [¬٥] بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب [¬٦] قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة. قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول. ثم قال (١٢٣٥): وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرقي [¬٧]، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ : "نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا". ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة [علي صحة القول] [¬٨] به، كذا قال ابن جرير ﵀.

стр. 925

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر ابن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾. [وقال البخاري (١٢٣٦): وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى] [¬١]. وقال [أبو بكر] [¬٢] الخلال الحنبلي: حدَّثنا محمد بن [أبي] [¬٣] هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ح. وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام [¬٤]. وقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله، ﷺ ، فأخبره خبرها [¬٥]، فقال له: "ما هي؟ "، قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: "يا [] [¬٦]، عبد الله، هذه مؤمنة"، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمته [¬٧]، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. وقال عبد بن حميد (١٢٣٧): حدَّثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، عن [عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو] [¬٨]، عن النبي ﷺ قال: "لا

стр. 926

تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ولا تنكحوهن على أموالهن؛ فعسي أموالهن أن تطغيهن [¬١]، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل"، والإِفريقي ضعيف. وقد ثبت في الصحيحين (١٢٣٨)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، [ولحسبها، ولجمالها] [¬٢]، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" ولمسلم عن جابر مثله (١٢٣٩)، وله عن [¬٣] ابن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (١٢٤٠). وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدًا حبشيًّا- خير من مشرك [¬٤]، وإن كان رئيسًا سريًّا، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطهم تبعث عل حب الدنيا، واقتنائها، وإيثارها علي الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشوعه، وما أمر به، وما نهي عنه ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ

стр. 927

وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ قال الإِمام أحمد (١٢٤١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا [¬١] إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي، ﷺ ، النبي، ﷺ ، فأنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله، ﷺ : "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله، ﷺ ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما [¬٢] هدية من لبن إلى رسول الله، ﷺ ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم بجد عليهما. رواه مسلم من حديث حماد [] [¬٣] بن سلمة. فقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: يعني الفرج؛ لقوله: "اصنعوا [¬٤] كل شيء إلا الجماع [¬٥] "، ولهذا ذهب كثير من العلماء -أو أكثرهم- إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج. قال أبو داود (١٢٤٢) [] [¬٦]: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي، ﷺ ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقي علي فرجها ثوبًا. وقال أبو داود (١٢٤٣) أيضًا [¬٧]: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله -يعني ابن عمر بن

стр. 928

غانم [¬١]- عن عبد الرحمن -يعني: ابن زياد- عن عمارة بن غُرَاب، أن [عمة له] [¬٢] حدّثته: أنها سألت عاشة فقالت [¬٣]: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ : دخل فمضى إلى مسجده -قال أبو داود: تعني مسجد بيتها- فما انصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد فقال: "ادني مني"، فقلت: إني حائض، فقال: "اكشفي عن فخذيك"، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه [حتى دفئ] [¬٤] ونام، ﷺ وقال أبو جعفر بن جرير (١٢٤٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهله. فقالت عائشة: [مرحبًا مرحبًا] [¬٥]. فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك، وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: له كل شيء إلا فرجها. ورواه أيضًا (١٢٤٥): عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن [¬٦]، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعكرمة. وروى ابن جرير أيضًا (١٢٤٦): عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار. (قلت) [¬٧]: ويحل [¬٨] مضاجعتها، ومؤاكلتها بلا خلاف. قالت عائشة (١٢٤٧): كان رسول الله، ﷺ ، يأمرني فأغسل رأسه، وأنا

стр. 929

حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وفي الصحيح (١٢٤٨) عنها قالت: كنت أتعرق (٥) العِرْقَ، وأنا حائض، فأعطيه النبي، ﷺ ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب، فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه [¬١]. وقال أبو داود (١٢٤٩): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، [] [¬٢] سمعت خلاسًا [¬٣] الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار (**) الواحد، وأنا [¬٤] حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه [¬٥]-يعني ثوبه- شيء [¬٦] غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه. فأما ما رواه أبو داود (١٢٥٠): حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن أبي اليمان، عن أم ذرة [¬٧]، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال [¬٨] على الحصير، فلم نَقْرُبْ [¬٩] رسول الله، ﷺ ، ولم نَدْنُ [¬١٠] منه حتى نطهر [¬١١]- فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي، ﷺ ، إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (١٢٥١). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة

стр. 930

نحوه (١٢٥٢). وروى الإِمام أحمد (١٢٥٣)، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري: أنه سأل رسول الله، ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: " [] [¬١] ما فوق الإِزار". ولأبي داود أيضًا (١٢٥٤) عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله، ﷺ ، عما يحل لي من امرأتي وهي حائض. قال: "ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل"، وهو رواية عن عائشة كما تقدم، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وشريح. فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل [] [¬٢] ما فوق الإِزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم. ومأخذهم [¬٣]: أنه حريم الفرج، فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر [¬٤] الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان: (أحدهما): نعم، لما رواه الإِمام أحمد (١٢٥٥)، وأهل السنن: عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار، أو نصف دينار. وفي لفظ الترمذي: "إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا [¬٥] كان دمًا أصفر فنصف دينار". وللإمام أحمد أيضًا عنه: أن رسول الله، ﷺ ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن [أصابها وقد] [¬٦] أدبر الدم [¬٧] عنها ولم تغتسل فنصف دينار.

стр. 931

(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث؛ فإنه قد روي مرفوعًا، كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع. [] [¬١]. وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب، وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول: منهم من يقول: إنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاءِ يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإِباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر. والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، [فإذا كان] [¬٢] واجبًا فواجب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو مباحًا فمباح كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرّد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم. وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم. وقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج،

стр. 932

ولا تعدوه [¬١] إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك هذا [¬٢] فقد اعتدى. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: أن تعتزلوهن. وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا [إن شاء الله تعالى] [¬٣]. وقال أبو رَزين، وعكرمة، والضحاك، وغير واحد. ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى. وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي [¬٤]: [كيف شئتم] [¬٥] مقبلة، ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث. قال البخاري (١٢٥٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر [¬٦] قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ورواه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان الثوري به [¬٧]. وقال ابن أبي حاتم (١٢٥٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك ابن أنس، وابن جريج، وسفيان بن سعيد الثوري: أنّ محمد بن المنكدر [¬٨] حدثهم: أن [¬٩] جابر بن عبد الله أخبره: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.

стр. 933

قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ : "مقبلة، ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج". وفي [¬١] حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير ألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في المبيت"، الحديث (١٢٥٨) رواه أحمد وأهل السنن. حديث آخر: قال ابن أبي حاتم (١٢٥٩): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش [¬٢] بن عبد لله، عن عبد الله بن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله، ﷺ ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب (*) النساء، فكيف ترى [في ذلك] [¬٣]؟ فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ] [¬٤] [أَنَّى شِئْتُمْ﴾. ورواه الإِمام أحمد (١٢٦٠): حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا، رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ ، فسألوه، فقال النبي ﷺ : "ائتها على كل حال إذا كان في الفرج"] [¬٥]. (حديث آخر): قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد

стр. 934

ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله [¬١]: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، ورواه ابن جرير، عن [يونس و] [¬٢] عن يعقوب به (١٢٦١). [ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (١٢٦٢) عن الحارث بن سريح، عن عبد الله بن نافع، به] [¬٣]. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة بنت [¬٤] عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت: إني سائلك عن أمر، وإني أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستح يا ابن أخي. قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبَّى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله، ﷺ ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله، ﷺ ، فلما جاء رسول الله، ﷺ ، استحيت الأنصارية أن [تسأل رسول ﷺ ] [¬٥]، فخرجت فحدثت أمّ سلمة رسول لله، ﷺ ، فقال: "ادعي الأنصارية"، فدعتها [¬٦]، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا". ورواه الترمذي: عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن خثيم، به (١٢٦٣)، وقال: حسن. (قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن ابن [¬٧] خثيم [¬٨]، عن

стр. 935

يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين: أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة، فكرهته. فبلغ ذلك [رسول الله] [¬١] ﷺ فقال: "لا بأس إذا كان في صمام واحد" (١٢٦٤). (حديث آخر): قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب -يعني القُمِّي- عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "ما الذي أهلكك؟ " قال: حوّلت رحلي البارحة، قال [¬٢] فلم يردّ عليه شيئًا، [] [¬٣] فأوحى الله إلى رسول الله، ﷺ ، هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، "أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة". و [¬٤] رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب، به (١٢٦٥). وقال: حسن غريب. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن، عن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافرى، عن حنش [¬٥]، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ ، فسألوه، فقال النبي ﷺ : "ائتها [¬٦] على كل حال إذا كان في الفرج" (١٢٦٦). وقال الحافظ أبو يعلى (١٢٦٧): حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: أثفر رجل امرأته

стр. 936

على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: أثفر [¬١] فلان امرأته، فأنزل الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقال أبو داود (١٢٦٨): حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد -يعني: ابن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، إنما كان أهل [¬٢] هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرًا [¬٣] من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنّ [¬٤] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك [¬٥] [رسول الله] [¬٦]، ﷺ ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني: بذلك موضع الولد. تفرّد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم [] [¬٧] من الأحاديث، ولا سيما رواية أمّ سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق. وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني (١٢٦٩) من طريق [¬٨] محمد بن إسحاق،

стр. 937

عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه [] [¬١] عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهنّ … فذكر القصة بتمام سياقها. وقول [¬٢] ابن عباس: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، كأنه [¬٣] يشير إلى ما رواه البخاري (١٢٧٠): حدثنا إسحاق، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه [¬٤]، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن [¬٥] يأتيها في. [. … ] [¬٦]. هكذا رواه البخاري (١٢٧١)، وقد تفرّد به من [هذا الوجه] [¬٧]. وقال ابن جرير (١٢٧٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ. وحدثني أبو قلابة (١٢٧٣)، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب،

стр. 938

عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر. روي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ولا يصح (١٢٧٤). وروى النسائي (١٢٧٥): عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس [¬١]، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. قال أبو حاتم الرازي (١٢٧٦): لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع. وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد الله بن نافع، [الصائغ] [¬٢] عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر فذكره. وهذا الحديث [¬٣] محمول على ما تقدّم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي أيضًا، عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر: أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى [¬٤] النساء في أدبارهنّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال: يا نافع، هل تعلم [¬٥] من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهنّ مثلما كنا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١٢٧٧).

стр. 939

وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه: عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب [¬١] العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره. وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإِمام مالك في كتاب السر [¬٢]، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة (١٢٧٨): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا يحل [أن تأتوا] [¬٤] النساء في حشوشهن". قال الإِمام أحمد (١٢٧٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شدّاد [¬٥]، عن خزيمة بن ثابت أنّ رسول الله، ﷺ ، نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها. (طريق أخرى): قال أحمد (١٢٨٠): حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه، أن هرمي بن عبد الله الواقفي [¬٦] حدثه، أن خزيمة بن ثابت الخطمي حدثه، أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا يستحى الله من الحق، لا يستحيى الله من الحق -ثلاثًا- لا تأتوا

стр. 940

النساء في أعجازهن"، ورواه النسائي، وابن ماجة من طرق عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده اختلاف كثير. (حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي والنسائي (١٢٨١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى. الله عليه وسلم: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر"، ثم قال الترمذي [¬١]: هذا حديث حسن غريب. وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه ابن حزم أيضًا. ولكن رواه النسائي (١٢٨٢) أيضًا [¬٢]، عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا. وقال [] [¬٣]: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال [¬٤]: تسألني عن الكفر؟! [إسناده صحيح] [¬٥]، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك، عن عكرمة به [¬٦] نحوه. [وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لُكَع، إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن، لا تعدوا ذلك إلى غيره] [¬٧].

стр. 941

(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٨٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام [¬١]، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي، ﷺ ، قال: "الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى". وقال عبد الله بن أحمد (١٢٨٤): حدثني هدبة، حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي أمرأته في دبرها، فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: "هي اللوطية الصغرى". قال قتادة: وحدثني عقبة بن وَسَّاج، عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟. وقد روى هذا الحديث (١٢٨٥): يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي [¬٢] أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من [¬٣] قوله. وهذا أصح، والله أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد (١٢٨٦)، عن [¬٤] يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا من قوله. (طريق أخرى): قال جعفر الفريابي [¬٥] (١٢٨٧): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ : "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح

стр. 942

البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي [¬١] جاره حتى يلعنه". ابن لهيعة وشيخه ضعيفان. (حديث آخر) قال الإِمام أحمد (١٢٨٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان [¬٢]، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله، ﷺ ، أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحيي من الحق. وأخرجه أحمد أيضًا (١٢٨٩)، عن أبي معاوية. وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول، به. وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن. ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإِمام أحمد بن حنبل (١٢٩٠)، والصحيح أنه علي بن طلق. (حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٢٩١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ] [¬٤]: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه".

стр. 943

[وقال أحمد أيضًا] [¬١] (١٢٩٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن الحارث ابن [¬٢] مخلد، عن أبي هريرة ورفعه [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها". [وكذا رواه ابن ماجة من طريق سهيل] [¬٤]. [وقال أحمد أيضًا (١٢٩٣)] [¬٥]: حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى امرأته [¬٦] في دبرها"] [¬٧]. و [¬٨] هكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع، به. "طريق أخرى": قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني [¬٩]: أخبرنا أحمد [بن القاسم] [¬١٠] بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل [¬١١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ملعون من أتى امرأة في دبرها". ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه [عن سهيل] [¬١٢]، عن الحارث بن مخلد، كما تقدم. قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه، وقد ضعفوه.

стр. 944

(طريق أخرى): رواها [¬١] مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "ملعون من أتى النساء في أدبارهن". ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم. (طريق أخرى) رواها الإمام أحمد وأهل السنن (١٢٩٤): من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا لصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد". وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث. والذي قاله البخاري في حديث [¬٢] الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع [¬٣] في حديثه (١٢٩٥). (طريق أخرى): قال النسائي (١٢٩٦): حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن أبي سلمة ﵁ عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ". تفرَّد به النسائي من هذا الوجه. قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري، ومن حديث أبي سلمة، ومن حديث سعيد، فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاط، وقد رواه الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، فلا، انتهى كلامه (١٢٩٧).

стр. 945

وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك [بن محمد] [¬١] الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم، وأبو حاتم، وابن حبان وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله [¬٢] أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين، عن أبي سلمة، ولا يصح منهما شيء. (طريق أخرى): قال النسائي (١٢٩٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهنّ كفر. ثم رواه عن بندار، عن عبد الرحمن، به، قال: من أتى امرأة [¬٣] في دبرها ملك كفره (١٢٩٩). هكذا رواه النسائي (١٣٠٠): من طريق الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا. وكذا رواه من طريق علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا. ورواه بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال: "من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" (١٣٠١). والموقوف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون. (حديث آخر): قال محمد بن أبان البلخي (١٣٠٢): حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء

стр. 946

في أدبارهن". وقد رواه النسائي (١٣٠٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: لا تأتوا النساء في أدبارهنّ. وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم (١٣٠٤)، حدَّثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. و [¬١] الموقوف أصح. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٣٠٥): حدثنا غندر، ومعاذ بن معاذ قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد، -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههنّ". وكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق: عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم. (حديث آخر): قال أبو بكر الأثرم في سننه (١٣٠٦): حدثنا أبو مسلم الحَرَمي، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: "محاش النساء حرام". وقد رواه إسماعيل بن علية (١٣٠٧)، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم: عن أبي عبد الله

стр. 947

الشقري -واسمه: سلمة بن تمام، ثقة- عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح. (طريق أخرى): قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن يزيد [¬١] بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأتوا [¬٢] النساء في أعجازهن" (١٣٠٨). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال: وقد روي من حديث أبي بن كعب (١٣٠٩)، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (١٣١٠)، وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم. وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليًّا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت سفل الله بك! ألم تسمع قول الله : ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾. وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما [¬٣]، أنه يحرمه. قال أبو محمد (١٣١١) [عبد الله بن عبد الرحمن] [¬٤] [الدارمي] [¬٥] في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب

стр. 948

قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمص [¬١] لهنّ؟ قال: وما التحميض [¬٢]؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!. وكذا رواه ابن وهب وقتيبة [¬٣]، عن الليث به، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه [¬٤] مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم [¬٥]. وقال ابن جرير (١٣١٢): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد [أحمد ابن] [¬٦] عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي [عبد الله] [¬٨]، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب [¬٩] سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نشتري الجواري أفنحمض [¬١٠] لهنّ؟ فقال: وما التحميض [¬١١]؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف! أف! [وهل يفعل] [¬١٢] ذلك مؤمن -أو قال: مسلم-؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني، عن أبي الحباب [¬١٣]، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع. وروى النسائي (١٣١٣): عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال [¬١٤]: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري

стр. 949

فَنُحمِّض [¬١] لهن، قال: وما التحميض [¬٢]؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف! أف! أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني [¬٣] عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به وروى النسائي أيضًا (١٣١٤) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عمر] [¬٤]: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك: أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدّثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسماعيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي. فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء أهل المدينة حتى حكوه عن الإِمام مالك، وفي صحته عنه نظر. قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك [في] [¬٥] أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإِمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم. وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي، ﷺ ، في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك

стр. 950

أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول، فذكره. قال أبو نصر بن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشافعي في ذلك؟ لأن [¬١] الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم [¬٢] عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها [¬٣]. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير (١٣١٥): حدَّثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد [¬٤]، عن عطاء قال: أراه عن ابن عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول [¬٥] باسم الله، التسمية عند الجماع. وقد ثبت في صحيح البخاري (١٣١٦)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدكم [¬٦] إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا". ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ
следующие страницы →