← Тафсир

Тафсир · id 1509

تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ

ابن كثير

Полный текст (6 736 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

في أدبارهن". وقد رواه النسائي (١٣٠٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: لا تأتوا النساء في أدبارهنّ. وحدّثنا إسحاق بن إبراهيم (١٣٠٤)، حدَّثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. و [¬١] الموقوف أصح. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٣٠٥): حدثنا غندر، ومعاذ بن معاذ قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد، -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههنّ". وكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق: عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم. (حديث آخر): قال أبو بكر الأثرم في سننه (١٣٠٦): حدثنا أبو مسلم الحَرَمي، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ ، قال: "محاش النساء حرام". وقد رواه إسماعيل بن علية (١٣٠٧)، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم: عن أبي عبد الله

стр. 947

الشقري -واسمه: سلمة بن تمام، ثقة- عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح. (طريق أخرى): قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن يزيد [¬١] بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تأتوا [¬٢] النساء في أعجازهن" (١٣٠٨). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال: وقد روي من حديث أبي بن كعب (١٣٠٩)، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (١٣١٠)، وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم. وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليًّا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت سفل الله بك! ألم تسمع قول الله : ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾. وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما [¬٣]، أنه يحرمه. قال أبو محمد (١٣١١) [عبد الله بن عبد الرحمن] [¬٤] [الدارمي] [¬٥] في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب

стр. 948

قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمص [¬١] لهنّ؟ قال: وما التحميض [¬٢]؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!. وكذا رواه ابن وهب وقتيبة [¬٣]، عن الليث به، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه [¬٤] مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم [¬٥]. وقال ابن جرير (١٣١٢): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد [أحمد ابن] [¬٦] عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي [عبد الله] [¬٨]، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب [¬٩] سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نشتري الجواري أفنحمض [¬١٠] لهنّ؟ فقال: وما التحميض [¬١١]؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف! أف! [وهل يفعل] [¬١٢] ذلك مؤمن -أو قال: مسلم-؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني، عن أبي الحباب [¬١٣]، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع. وروى النسائي (١٣١٣): عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال [¬١٤]: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري

стр. 949

فَنُحمِّض [¬١] لهن، قال: وما التحميض [¬٢]؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف! أف! أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني [¬٣] عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به وروى النسائي أيضًا (١٣١٤) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عمر] [¬٤]: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها. وروى معمر بن عيسى عن مالك: أن ذلك حرام. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدّثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسماعيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي. فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء أهل المدينة حتى حكوه عن الإِمام مالك، وفي صحته عنه نظر. قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك [في] [¬٥] أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإِمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك. ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم. وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي، ﷺ ، في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك

стр. 950

أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول، فذكره. قال أبو نصر بن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشافعي في ذلك؟ لأن [¬١] الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم [¬٢] عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها [¬٣]. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم. وقال ابن جرير (١٣١٥): حدَّثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد [¬٤]، عن عطاء قال: أراه عن ابن عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول [¬٥] باسم الله، التسمية عند الجماع. وقد ثبت في صحيح البخاري (١٣١٦)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدكم [¬٦] إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا". ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾ يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ

стр. 951

وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فالاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخررج منها بالتكفير. كما قال البخاري: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وقال رسول الله ﷺ : "والله، لأن يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه". وهكذا رواه مسلم (١٣١٧)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به، ورراه أحمد عنه، به. ثم قال البخاري (١٣١٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية -هو ابن سلام-، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم: "من استلج في أهلة بيمين فهو أعظم إثما، ليس تغني [¬١] الكفارة". وقال علي بن [أبي] [¬٢] طلحة، عن ابن عباس [¬٣] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير. ولكن كفر عن يمينك واصنع [¬٤] الخير. وكذا [¬٥] قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي [﵏] ويؤيد ما قاله

стр. 952

هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين (١٣١٩)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم: "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها"، وثبت فيهما أيضًا (١٣٢٠): أن رسول الله، ﷺ ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن [¬١] غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك". وروى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمنه، وليفعل الذي هو خير" (١٣٢١). وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فَتَرْكُها كفارتها" (١٣٢٢). ورواه أبو داود بن طريق عبيد [¬٢] الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها" (١٣٢٣). ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي، ﷺ ، كلها: "فليكفر عن

стр. 953

يمينه"، وهي الصحاح. وقال ابن جرير (١٣٢٤): حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين قَطِيعَة رحم أو معصية، فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن [¬١] يمينه". وهذا حديث ضعيف؛ لأن حارثة هذا [¬٢] هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، متروك الحديث، ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن جبير، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي: أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها. وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين (١٣٢٥) من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله". فهذا قاله لقوم حديثي عهد [¬٣] بجاهلية، قد أسلموا، وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإِخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الآية، وفي [¬٤] الآية الأخرى [في المائدة] [¬٥] ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾. قال أبو داود (١٣٢٦): (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان -

стр. 954

يعني ابن إبراهيم -حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ - عن عطاء: في [¬١] اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إنّ رسول الله، ﷺ ، قال: " [] [¬٢] هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى [¬٣] والله". ثم قال أبو داود: رواه داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري، وعبد الملك، ومالك بن مغول كلهم، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، أيضًا (قلت): وكذا رواه ابن جريج، وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير (١٣٢٧): عن هناد [¬٤]، عن وكيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٥]: لا والله، وبلى [¬٦] والله. ثم رواه: عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها. وبه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عنها. وبه عن سلمة [¬٧]، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عنها. وقال عبد الرزاق (١٣٢٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٨]: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله وكلا والله. يتدارءون في الأمر: لا تعقد عليه قلوبهم. وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٢٩): حدَّثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدَّثنا عبدة -يعني ابن

стр. 955

سليمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله. وحدَّثنا أبي (١٣٣٠)، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وابن عباس -في أحد أقواله- والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعطاء، والقاسم بن محمد، ومجاهد في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، نحو ذلك. (الوجه الثاني): قُرئ على يونس بن عبد الأعلى (١٣٣١)، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثفة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو [¬١] الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه. ثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس. ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك. وقال ابن جرير (١٣٣٢): حدثنا محمد بن موسى الحرَشي [¬٢]، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن ميمون المرادي [¬٤]، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون [¬٥]-يعني يرمون- ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى [¬٦] رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله! فقال الذي مع النبي، ﷺ ، للنبي، ﷺ : حنث الرجل يا رسول الله. قال: "كلا، أيمان

стр. 956

الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة". هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا. حدثنا عصام بن رواد (١٣٣٣)، أخبرنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله: بلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك. (أقوال أخر): قال عبد الرزاق (١٣٣٤): عن هُشَيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل: يحلف على [¬١] الشيء ثم ينساه. وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله [¬٢] بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي [¬٣] إن لم آتك غدًا؛ فهو هذا. قال ابن أبي حاتم (١٣٣٥): وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد [] [¬٤]، حدثنا خالد، أخبرنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. وأخبرني أبي (١٣٣٦)، أخبرنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة. وكذا روي عن سعيد بن جبير. وقال أبو داود (١٣٣٧): (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من

стр. 957

الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال [¬١]: إن عدت تسألني عن [¬٢] القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال [له عمر] [¬٣]: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ولا في قطيعة الرحم، وفيما لا تملك". وقوده: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء ومحو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ الآية. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي غفوو لعباده حليم عليهم [¬٤]. ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ الإِيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدّة، فلا يخلو: إما أن تكون [¬٥] أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين (١٣٣٨) عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ وآلي من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر [يكون] [¬٦] تسع وعشرون"، ولهما (١٣٣٩) عن عمر بن الخطاب نحوه. فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر. إما أن يفيء -أي: يجامع-، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا، أو هذا، لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم. فيه دلالة على أن الإِيلاءَ يختص بالزوجات دون الإِماء، كما هو مذهب الجمهور. ﴿تَرَبُّصُ

стр. 958

أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر [¬١] الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة [¬٢] أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي- أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في [الحديث عند] [¬٣] الآية التي قبلها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها". كما رواه أحمد (١٣٤٠)، وأبو داود، [] [¬٤] والذي عليه الجمهور وهو الجدبد من مذهب الشافعي-: أن عليه الكفارة؛ لعموم وجوب التكفير على كل حافط، كما تقدّم أيضًا في الأحاديث الصحاح. والله أعلم. [وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فيه دلالة على [أن الطلاق لا يقع] [¬٥] بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور [من المتأخرين] [¬٦]، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة [¬٧] أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين، ومسروق [¬٨]، والقاسم، وسالم، والحسن، وأبو سلمة، وقتادة،: شريح القاضي، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن طرخان التيمي، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسدي. ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومكحول، وربيعة، والزهري، ومروان [¬٩] بن الحكم. وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء، وجابر [¬١٠] بن زيد، ومسروق، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم، وقبيصة ابن ذؤيب، وأبو حنيفة،

стр. 959

والثوري، والحسن بن صالح، فكل [¬١] من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدّة، إلا ما روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء: إنها أن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدّة عليها وهو قول الشافعي. و [¬٢] الذي عليه الجمهور من [¬٣] المتأخرين [¬٤]: أنه يوقف فيطالب إمّا بهذا، وإمّا بهذا، ولا يقع عليها [¬٥] بمجرد مضيها طلاق. و [¬٦] روى مالك (١٣٤١)، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليها [¬٧] طلاق، وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإمّا أن يفيء. وأخرجه البخاري. وقال الشافعي ﵀ (١٣٤٢): أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار [¬٨] قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ ، كلهم يوقف المولي. قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر. ورواه الشافعي عن علي ﵁ (١٣٤٣): أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وعثمان، وزيد بن ثابت، وبضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ . هكذا قال الشافعي، ﵀. قال ابن جرير: حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. ورواه الدارقطني (١٣٤٤) من طريق سهيل [¬٩].

стр. 960

(قلت): وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، زألي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين، وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس، ومحمد بي كعب والقاسم، وهو مذهب مالك، والشافي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم ﵏. وهو اختيار ابن جرير أيضًا. وهو قول الليث، وإسحق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالصلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطقة تكون رجعية، له رجعتها في العدة. [وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة] [¬١]، وهذا غريب جدًّا] [¬٢]. وقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه الإمام مالك ابن أنس ﵀ في الموطأ، عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع امرأة تقول. تطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني ألا خليل ألاعبه فو اللَّه، لولا الله أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر (١٣٤٥) ابنته حفصة ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك. وقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير -مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب النبي، صلى اللَّه عليه وصلم، قال: ما زلت أسمع حديث عمر: أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ [¬٣] مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها [وهي] [¬٤] تقول: تطاول هذا الليل وازورّ جانبُهْ … وأرَّقَنِي ألُّا ضجيعَ أُلاعِبُهْ أُلاعِبُه طورًا وطورًا كأنَّما … بدا [قمرًا في] [¬٥] ظلمة الليل حاجبُهْ يسز به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربُهْ فواللَّه لولا اللَّه لا شيء غيره … لنتض من هذا السرير جوانبُهْ

стр. 961

ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبُهْ [مخافةَ رَبِّي والحياءُ يصدُّني … وإكرام بعلي أن تُنَال مراكبُهْ] [¬١] ثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه (١٣٤٦). وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات [¬٢]. وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) هذا أمر من اللَّه للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت. وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرءين؛ لأنها على النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض، فكمل [¬٣] لها قرءان، ولما رواه ابن جرير، عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة: أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها [¬٤] حيضتان". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة (١٣٤٧)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية. وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح [¬٥] أنه من قول القاسم بن محمد نفسه.

стр. 962

ورواه ابن ماجة من طريق عطية العوفي، عن ابن عمر مرفوعًا (١٣٤٨). قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع، عن ابن عمر قوله. وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف. وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء [والله أعلم] [¬١]. حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين، وبعض أهل الظاهر، وضعفه. وقد قال ابن أبي حاتم (١٣٤٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش- عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه: أن أسماء بنت نريد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول اللَّه، ﷺ ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل اللَّه ، حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والحلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو؟ على قولين:. (أحدهما): أن المراد بها [¬٢] الأطهار، وقال مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللَّه تعالى يقول في كتاب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (١٣٥٠). وقال مالك: عن ابن شهاب، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك- يريد قول عائشة. وقال مالك: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ

стр. 963

منها. و [¬١] قال مالك: وهو الأمر عندنا. وروي مثله عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم والقاسم، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعطاء بن أبي رباح وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي [وغير واحد وداود وأبي ثور وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي في الأطهار. ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاءِ: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأتل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] [¬٢]. واستشهد أبو عبيدة وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى: ففي كل عام أنت جاشِمُ غزوة … تشد لأقصاها عَزِيمَ عزائكا مُوَرِّثة عدًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها. (والقول الثاني): أن المراد بالأقراء: الحيض فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: تغتسل منها. وأقل وقت تصدق [¬٣] فيه المرأة [¬٤] في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة. قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين، فجاءني [وقد وضعت مائي] [¬٥] وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي. فقال عمر لعبد اللَّه يعني [¬٦]: بن مسعود-: [ما ترى؟ قال:] [¬٧] أراها امرأته، ما دون أن تحل لها الصلاة، قال عمر [¬٨]: وأنا أرى ذلك (١٣٥١). وهكذا روي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري،

стр. 964

وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، والشعبي، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، ومكحول والضحاك، وعطاء الخراساني، أنهم قالوا: الأقراء: الحيض. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ ، يقولون: الأقراء: الحيض. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن صالح بن حَيّ [¬١] وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه. ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي (١٣٥٢): من طريق المنذر بن المغيرة [¬٢]، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال لها: "دعي الصلاة أيام أقرائك". فهذا لو صح لكان صريحًا، في أن القرء هو الحيض، [ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. وذكره ابن حبان في الثقات]. وقال ابن جرير (١٣٥٣): أصل القرء في كلام العرب: الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم. وهذا قول الأصمعي: إن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاءِ: العرب تسمى الحيض: قرءًا، وتسمي الطهر: قرءًا، وتسمي الطهر والحيض جميعًا قرءًا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب، والفقهاء أن القرء يراد به: الحيض، ويراد به: الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو؟ على قولين.

стр. 965

وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل، أو حيض. قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عُتَيبَة، والربيع بن أنس، والضحاك وغير واحد. وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على قول خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر [¬١] إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر [¬٢] بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: و [¬٣] زوجها الذي طلقها أحق بردتها [¬٤] ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها [¬٥] الإِصلاح والخير. وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطقة بائن، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات [¬٦]، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف [¬٧] ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصًا [¬٨] لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟ -: بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق [¬٩] لما ذكروه، واللَّه أعلم. وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (١٣٥٤)، عن جابر، أن رسول اللَّه، ﷺ ، قال في خطبته في حجة الوداع: "فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان [¬١٠] اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، ولكم عليهنّ ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مرح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف".

стр. 966

وفي حديث بهز بن حكيم، بن [¬١] معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: "أن [¬٢] تطعهما إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (١٣٥٥). وقال وكيع: عن بشير بن سليمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١٣٥٦). وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: فما الفضيلة، وفي الخَلْق والخُلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره. الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) هذه الآية الكريمة [¬٣] رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجال كان أحق برجعة امرأته، وإن حلقها [مائة مرّة] [¬٤] ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات

стр. 967

قصرهم اللَّه إلى ثلاث طلقات [¬١]، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة: فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال أبو داود ﵀ في سننه (١٣٥٧): (باب: [] [¬٢] نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث) حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. ورواه النسائي: عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين- به. وقال ابن أبي حاتم (١٣٥٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عمدة -يعني: ابن سليمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا، ولا أؤويك [¬٣] أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللَّه، ﷺ ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره: من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس. ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار تغضب [¬٤] على امرأته فقال: واللَّه لا أؤويك [¬٥] ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول اللَّه، ﷺ ، فأنزل اللَّه : ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، [ .... ] [¬٦] عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير- عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- فذكره بنحو ما تقدم.

стр. 968

ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب - به. ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه - مرسلًا. وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه (١٣٥٩): من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب [¬١]، عن يعلى بن شبيب به وقال: صحيح الإِسناد. ثم قال ابن مردويه: [حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله] [¬٢]، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض [¬٣] ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت [¬٤] العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقَّت الطلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلًا. وذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية [¬٥]. وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإِصلاح بها والإِحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضارَّ بها. و [¬٦] قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله [في ذلك أي] [¬٧] في الثالثة، فإمّا أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان، فلا يظلمها من حقها شيئًا. وقال ابن أبي حاتم (١٣٦٠): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع قال: سمعت أبا رَزين يقول: جاء رجل إلى النبي،

стр. 969

ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان". ورواه عبد بن حميد في تفسيره (١٣٦١)، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن [¬١] أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة". ورواه الإمام أحمد أيضًا (١٣٦٢)، وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، و [¬٢] [إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية [¬٣] عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين - به. وهكذا [¬٤] رواه [ابن مردويه أيضًا: من طريق] [¬٥] قيس بن الربيع، عن إسماعيل ابن سميع، عن أبي رزين - به مرسلًا. ورواه ابن مردويه أيضًا [¬٦] (١٣٦٣): من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ ، فذكره. ثم قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن [¬٧] عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك

стр. 970

قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (١٣٦٤). وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾. فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته [¬١]، ولم تقدر على معاشرته - فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له [¬٢]، [ولا حرج] [¬٣] عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية. فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير (١٣٦٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب ح [¬٤]. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، [عمن حدثه] [¬٥]، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها [في غير ما بأس] [¬٦]، فحرام عليها رائحة الجنة". وهكذا رواه الترمذي (١٣٦٦): عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - به.

стр. 971

وقال: حسن. قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإِسناد، ولم يرفعه. وقال الإِمام أحمد (١٣٦٧): [حدثنا عبد الرحمن] [¬١] حدثنا حماد بن زيد، عن أبوب، عن أبي قلابة قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير [ما] [¬٢] بأس، فحرام عليها رائحة الجنة". وهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن جرير من حديث حماد بن زيد - به. (طريق أخرى): قال ابن جرير (١٣٦٨): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ ، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة". وقال: "المختلعات هنّ المنافقات". ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا (١٣٦٩): عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد [¬٣] بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث -[هو ابن أبي سليم] [¬٤]- عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "المختلعات هنّ المنافقات". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. (حديث آخر): قال ابن جرير (١٣٧٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا

стр. 972

قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات". غريب من هذا الوجه ضعيف. [(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (١٣٧١): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ ، قال [¬١]: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات"] [¬٢]. (حديث آخر): قال ابن ماجة (١٣٧٢): حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ ، قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه [¬٣] فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا". ثم قد [¬٤] قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، قالوا: فلم يشرع الخلع [¬٥] إلا في هذه الحالة [¬٦]، فلا [يجوز في غيرها] [¬٧] إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن [¬٨] والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعيًّا.

стр. 973

قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له، في بكر بن عبد الله المزني أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾. ورواه ابن جرير عنه (١٣٧٣). وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله. وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس [¬١] وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها [¬٢] واختلاف ألفاظه. قال الإِمام مالك في موطئه (١٣٧٤): عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس [¬٣]، وأنّ رسول الله، ﷺ ، خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ : "من هذه؟ "، قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: "ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (*) - لزوجها - فلما جاء زوجها [¬٤] ثابت بنن قيس قال له رسول الله ﷺ : "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر"، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ : "خذ منها"، فأخذ منها، وجلست في أهلها. وهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده مثله. ورواه أبو داود (١٣٧٥)، عن القعنبي، [عن مالك. والنسائي] [¬٥] عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك - به. (حديث آخر): عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير (١٣٧٦). حدَّثنا محمد بن معمر،

стр. 974

حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا أبو عمرو السدوسي، عن [عبد الله] [¬١] يعني: ابن أبي بكر - عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نُغْضَها (*) [¬٢]، فأتت [رسول الله] [¬٣] ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله، ﷺ ، ثابتًا فقال: "خذ بعض مالها وفارقها". قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم"، قال: فإني [¬٤] أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ : "خذهما وفارقها"، ففعل. وهذا لفظ ابن جرير. وأبو عمرو السدوسي -هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام-. (حديث آخر) فيه، عن ابن عباس ﵁. قال البخاري (١٣٧٧): حدثنا أزهر بن جميل [¬٥]، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ما أعْتِبُ [¬٦] عليه في خلق ولا دين، ولكني [¬٧] أكره الكفر في الإِسلام. فقال [¬٨] رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة". وكذا رواه النسائي (١٣٧٨) عن أزهر بن جميل [¬٩] سناده مثله. ورواه البخاري (١٣٧٩) أيضًا به [¬١٠] عن إسحاق الواسطي، عن خالد -هو ابن عبد الله

стр. 975

الطحان - عن خالد -هو ابن مهران الحذاء - عن عكرمة، [عن ابن عباس] [¬١] به نحوه. وهكذا رواه البخاري أيضًا (١٣٨٠) من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به، وفي بعضها أنها قالت: (لا أطيقه) تعني: بغضًا. وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه. ثم قال (١٣٨١): حدثنا سليمان بن [¬٢] حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن جميلة ﵂ كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم. قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول [¬٣] أتت النبي، ﷺ ، فقالت: والله، ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني [¬٤] أكره الكفر بعد الإسلام، ولا أطيقه بغضًا. فقال النبي ﷺ : "تردين [¬٥] عليه حديقته؟ " قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ ، أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد. وهكذا رواه ابن ماجة (١٣٨٢) عن أزهر بن مروان بإسناده - مثله سواء، وهذا إسناد جيد مستقيم، ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي، عن عبيد الله القواريري عن عبد الأعلى - مثله. لكن قال ابن جرير (١٣٨٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت [عبد الله بن] [¬٦] أبي ابن سلول: أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي، ﷺ فقال: "يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ "، قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: "أتردين عليه [¬٧] الحديقة؟ "، قالت: نعم، فردت الحديقة،

стр. 976

وفرق بينهما. و [¬١] قال ابن جرير أيضًا (١٣٨٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال قرأت على فضيل، عن أبي جرير: أنه سأل عكرمة: هل [¬٢] كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله، ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد [¬٣] أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامه، وأقبحهم وجهًا. فقال [¬٤] زوجها: يا رسول الله، إني قد [¬٥] أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما. (حديث آخر): قال ابن ماجة (١٣٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت [¬٦] في وجهه، فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق رسول الله، ﷺ ، بينهما. وقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾. وقال [¬٧] ابن جرير (١٣٨٦): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كَثِير مولى سَمُرَةَ، أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزِّبل، ثم دعا بها فقال:

стр. 977

كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي [¬١] التي كنت [¬٢] حبستني. فقال لزوجها: اخلعها ولو من قُرْطِها. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن كثير [مولى سمرة] [¬٣] فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه [¬٤] ثلاثة أيام. وقال [¬٥] سعيد بن أبي عروبة (١٣٨٧)، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: إن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف [¬٦] وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة، فقال: خذ ولو عِقَاصها. وقال البخاري (١٣٨٨): وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها. وقال [¬٧] عبد الرزاق (١٣٨٩): أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء حدّثته قالت: كان لي زوج يُقلّ [¬٨] [علي الخير] [¬٩] إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة [¬١٠] يومًا، فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه؟ قال: نعم. قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان [بن عفان] [¬١١]، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس. ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وبه يقول ابن عمر وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتّيّ، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي

стр. 978

ثور، واختاره ابن جرير. وقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز فى القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء. وقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها [¬١] أكثر مما أعطاها. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري وطاوس، والحسن والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس. وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها. (قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدّم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله، ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد (١٣٩٠) حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي، ﷺ ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها -يعني: المختلعة- وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (١٣٩١)، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. (فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فى رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوّجها إن

стр. 979

شاء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. قال الشافعي، وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق. وروى غير الشافعي (١٣٩٢): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أيتزوّجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ [¬١] من [¬٢] أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة. والقول الثاني في الخلع أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك. قال مالك (١٣٩٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان [¬٣] مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان فى ذلك فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت. قال الشافعي: ولا أعرف جُمْهان [¬٤]. وكذا ضعف أحمد [ابن حنبل] [¬٥] هذا الأثر، والله أعلم. وقد روي نحوه [¬٦] عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن، وعطاء وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعي، وعثمان البتي [¬٧]، والشافعي في الجديد، غير أن

стр. 980

الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق -فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث. وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية- فليس هو بشيء بالكلية. [مسألة] وذهب [مالك] [¬١] وأبو حنيفة، والشافعي وأحمد، وإسحاق [بن راهويه] [¬٢] في رواية عنهما، وهي المشهورة إلى أن المختلعة عدّتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك. عن عمر وعلي وابن عمر. وبه يقول سعد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخِلَاس بن عمرو [¬٣]، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتدّ كسائر المطلقات. والقول الثاني أنها تعتدّ بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها. قال ابن أبي شيبة (١٣٩٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع؛ أن الرُّبَيِّع اختلعت من زوجها، فأتى عمُّها عثمانَ، ﵁؛ فقال: تعتد بحيضة [¬٤]، قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا. وحدثنا عبدة (١٣٩٥)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: عدّة المختلعة حيضة. وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [¬٥] (١٣٩٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: عدّتها حيضة. وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان، وكل من تقدم ذكره ممن يقول: "إن الخلع فسخ" يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي (١٣٩٧)؛ حيث قال

стр. 981

كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي، ﷺ ، فأمرها النبي، ﷺ ، أن تعتد بحيضة. ثم قال الترمذي [¬١]: حسن غريب. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا. (حديث آخر): قال الترمذي (١٣٩٨): حدّثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن -وهو مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء؛ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرها النبي، ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة. (طريق أخرى): قال ابن ماجة (١٣٩٩): حدّثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن [] [¬٢]، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت فسألت [] [¬٣]: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون [¬٤] حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي [¬٥] حيضة. قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله، ﷺ ، في مريم

стр. 982

المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيسٍ، فاختلعت منه. وقد روى ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن أبى سلمة. وعن [¬١] محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع [¬٢] بنت معوذ [¬٣]؛ قالت: سمعت رسول الله، ﷺ ، يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة. [مسألة] وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب والزهري؛ أنهم قالوا: إن ردّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي [¬٤] ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمَّى [¬٥] طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة. وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوّجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فِرْقَةٍ أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود. [مسالة] وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها [¬٦] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه. وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور. (والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقًا [¬٧] من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما لم يقع. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁. (والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعى، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء،

стр. 983

قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما. وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (١٤٠٠): " إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [¬١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها". وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [¬٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [¬٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [¬٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [¬٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.

стр. 984

وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها". هكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (١٤٠٣)؛ فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [¬١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [¬٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ : "حتى تذوق [¬٣] العسيلة". وهكذا رواه النسائى (١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [¬٤]، كلاهما عن محمد [بن] [¬٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [¬٦] هذا الحديث (١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم

стр. 985

يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟ قال: "لا، حتى تذوق [¬١] العسيلة". وهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين. (حديث آخر): قال الإمام أحمد (١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [¬٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا، حتى يكون [¬٣] الآخر قد [¬٤] ذاق [من] [¬٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته". وهكذا [¬٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره. (قلت): ومحمد بن دينار "بن صندل" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [¬٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وذكر [¬٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم. (حديث آخر): قال ابن جرير (١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: "لا حتى يذوق [] [¬٩] عسيلتها". ثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.
следующие страницы →