← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151007

الإلمام بشرح عمدة الأحكام

إسماعيل الأنصاري

Полный текст (450 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وخالتها تحتى. وقال زيد: ابنة أخى. فقضى بها رسول اللَّه ﷺ خالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلى: أنت منى، وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خَلق وخُلقى. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا" (١). راويه البراء بن عازب بن الحارث بن عدى الأنصارى الأوسى صحابى بن صحابى نزل الكوفة، مات سنة اثنتين وسبعين. مفرداته خرج رسول اللَّه ﷺ : عام القضية. ابنة حمزة: ابن عبد المطلب عم النبى ﷺ واسمها عمارة على المشهور يا عم: خاطبت النبى ﷺ وهو ابن عمها بياعم إما لكون حمزة أخاه من الرضاعة وإن كان عمه من النسب أو إجلالا له. على: ابن أبى طالب الخليفة الراشد لفاطمة: بنت النبى ﷺ دونك: اسم فعل يدل على الأمر بأخذ الشئ المشار إليه. فيها: فى أيهم تكون عنده وجعفر: ابن أبى طالب أخو على صحابى مشهور. وزيد: ابن حارثة حب رسول اللَّه ﷺ وكان وصى حمزة وخالتها: أخت أمها أسماء بنت عميس. تحتى: زوجتى. وقال زيد ابنة أخى: بالإخاء الذى عقده النبى ﷺ بينى وبين حمزة لما آخى بين المهاجرين. فقضى: حكم الحالة: بمنزلة الأم: فى أحضانة لأنها تقرب منها فى الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح الولد

стр. 352

أنت منى وأنا منك: فى النسب والصهر والمتابعة وغير ذلك من المزايا لم يرد محض القرابة لأن جعفرًا شريكه فيها خلقى: بفتح الحاء صورتى خلقى: بضم الخاء أنت أخونا: فى الإيمان ومولانا: عتيقنا يستفاد منه ١ - أن الخالة بمنزلة الأم فى الحضانة وبإطلاق الحديث استدل أصحاب التنزيل على تنزيلها منزلة الأم فى الميراث إلا أن ما ذكرناه أولا أقوى فإن السياق يدل عليه وهو الطريق إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه. ٢ - حسن خلق النبى ﷺ فإنه خاطب كل واحد بما يطيب قلبه والأمر فى على وزيد ظاهر لأن حرمانهما من مرادها مناسب لجبرها بذكر ما يطيب قلوبهما وأما جعفر فإما جبر خاطره لأن الحكم بها لجعفر إنما هو بسبب خالتها لا بسبب نفسه فهو فى الحقيقة غير محكوم له بصفنه فناسب ذلك جبره بما قيل له. ٣ - منقبة على وجعفر وزيد رضى اللَّه عنهم.

стр. 353

كتاب القصاص ٣٢٨ - الحديث الأول: عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنى رسول اللَّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة". راويه عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه. مفرداته لا يحل دم امرئ مسلم: لا تحل إراقة دمه وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه. يشهد أن لا إله إلا اللَّه: وصف كاشف لا مقيد إذ لا يكون المسلم مسلما إلا بذلك. إلا بإحدى ثلاث: خصال يجب على الإمام القتل بها لما فيه من المصلحة العامة. الثيب الزانى: من تزوج ووطأ فى نكاح صحيح ثم زنى بعد ذلك فإنه يرجم حتى يموت. والنفس بالنفس: من قتل عمدًا بغير حق فإنه يقتل بشرط المكافأة فى الدين والحرية. والتارك لدينه: المرتد عن الإسلام. للجماعة: جماعة المسلمين. يستفاد منه ١ - النهى عن قتل المسلم الذى لم يرتكب ما يوجب قتله. ٢ - إباحة دم المسلم بأحد ثلاثة أمور: الزنى بعد الوطء فى نكاح صحيح وقتل النفس والارتداد، والحكمة فى إباحة دمه فى هذه الثلاثة ما فى ذلك من المصلحة العامة وهى حفظ الأنساب والنفوس والدين. * * *

стр. 354

٣٢٩ - الحديث الثانى: عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: . قال رسول اللَّه ﷺ : "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدماء". راويه عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه. مفرداته أول ما يقضى: أول انقضاء. بين الناس: فى ما يتعلق بحقوق الخلق. فى الدماء: فى الأمر المتعلق بالدماء التى وقعت بينهم فى الدنيا. يستفاد منه ١ - عظم أمر الدم فإن البداءة إنما تكون بالأهم والذنب يعظم بحسب عظم المفسدة وتفويت المصلحة وإعدام البنية الإنسانية غاية فى ذلك والجمع بين هذا الحديث وبين حديث أبى هريرة "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته" أن حديث الباب محمول على ما يتعلق بمعاملات الخلق وحديث الصلاة فى ما يتعلق بعبادة الخالق. وفى رواية النسائى الجمع بين الخبرين فقد أورده من طريق أبى وائل عن ابن مسعود رفعه "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس فى الدماء". * * * ٣٣٠ - الحديث الثالث: عن سهل بن أبى حثمة رضى اللَّه عنه قال: "انطلق عبد اللَّه بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر، وهى يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد اللَّه بن سهل -وهو يتشحط فى دمه قتيلا- فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبى ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال النبى ﷺ : كبر، كبر -وهو أحدث القوم- فسكت. فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون قاتلكم،

стр. 355

أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف، ولم نشهد ولم تر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا. قالوا: كيف بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبى ﷺ من عنده". وفى حديث حماد بن زيد: "فقال رسول اللَّه ﷺ : يقسم خمسون منكر على رجل منهم، فيدفع برمته، أأمر لم نشهده كيف تحالف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ قالوا: يا رسول اللَّه، قوم كفار". وفى حديث سعيد بن عبيد "فكره رسول اللَّه ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة" (١). راويه سهل بن أبى حتمة بن ساعدة بن عامر الأنصارى الخزرجى المدنى صحابى ولد سنة ثلاث من الهجرة ومات فى خلافة معاوية. مفرداته محيصة بن مسعود: بضم ميم "محيصة" وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية المكسورة. صلح: يتشحط فى دمه: يتخبط فيه ويضطرب ويتمرع. قتيلا: مقتولا. المدينة: مدينة النبى ﷺ . حويصة: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد التحتية المكسورة بعدها صاد مهملة

стр. 356

كبر كبر: دع الأسن يتكلم لأنه الأولى بالتقدم فى الكلام وتكرار "كبر" للمبالغة. وهو: عبد الرحمن. فتكلما: محيصة وحويصة بقضية عبد اللَّه بن سهل. ولم نشهد: ولم نحضر قتله. فتبرئكم يهود بخمسين يمينا: يخلصونكم من الأيمان بأن يحلفوا هم خمسين يمينًا فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شئ وخلصتهم من الأيمان. كيف بأيمان قوم كفار: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار وهم يقدمون على الكذب والأيمان الفاجرة؟ فعقله النبى ﷺ من عنده: أدى ديته من عنده من خالص مال النبى ﷺ أو من بيت المال لأنه عاقلة المسلمين وولى أمرهم. حماد بن زيد: الأزدى الجهضمى الثقة الثبت الفقيه. فيدفع برمته: بضم الراء المهملة وتشديد الميم المفتوحة يسلم للقتل وأصل "الرمة" بضم الراء حبل فى عنق البعير إذا قيد أعطى به أو حبل يكون فى عنق الأسير إذا أسلم للقتل سلم به. سعيد بن عبيد: الطائى الكوفى الثقة راوى هذا الحديث عن بشير بن يسار عن سهل بن أبى حثمة. يستفاد منه ١ - مشروعية القسامة بفتح القاف وهى اليمين التى يحلف بها المدعى للدم عند اللوث وموضع جريانها أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ولا تقوم عليه بينة ويدعى ولى القتيل قتله على واحد أو جماعة ويقترن بالحال ما يشعر يصدق الولى فيحلف على ما يدعيه وللفقهاء تفصيل فى الشروط المتعلقة بالقسامة. ٢ - وجود الدم وظهور الجراح فى هذه القضية وبذلك استدل من قال باشتراط ذلك فى اللوث وغيره يعتبر ما يقوم مقامهما بمثابتهما كالقتل بالخنق وعصر الخصية والقبض على مجرى النفس. ٣ - تقديم الأسن فى الأمر المهم إذا كانت فيه أهلية ذلك. ٤ - أن المدعى فى محل القسامة يبدأ به فى اليمين. ٥ - أن اليمين المستحقة فى القسامة خمسون يمينا تعظيما لشأن الدم. ٦ - أن المدعى فى محل القسامة إذا نكل تغلظ اليمين بالتعداد على المدعى عليه وتكون أيمان المدعى عليهم كأيمان المدعين.

стр. 357

٧ - القتل بالقسامة لأن قوله "يدفع برمته" إنما يستعمل فى دفع القاتل للأولياء للقتل ولو كان الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ فيها. ٨ - أنه لا يقتل بالقسامة إلا واحد لقوله فى الحديث: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته". فإنه لو قتل أكثر من واحد لم يتعين أن يقسم على واحد منهم. * * * ٣٣١ - الحديث الرابع: عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه: "أن جارية وجد رأسها مرضوضًا بين حجرين، فقيل: من فعل هذا بكِ: فلان، فلان؟ حتى ذكر يهودى، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودى فاعترف، فأمر النبى ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين" ولمسلم (١) والنسائى عن أنس: "أن يهوديا قتل جارية على أوضاح، فأقاده رسول اللَّه ﷺ ". راويه أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. مفرداته جارية: يحتمل أنها أمة ويحتمل أنها حرة دون البلوغ. مرضوضًا: مرضوخًا. فقيل لها: قال لها رسول اللَّه ﷺ كما صرح به فى رواية أخرى فلان فلان: محذف همزة الاستفهام. والتقدير: أفلان. أفلان. فأومأت: فأشارت إشارة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت فقالت نعم. فاعترف: فأقر. أن يرض: أن يدق.

стр. 358

على أوضاح: بسبب أوضاح وهى حلى الفضة سميت أوضاحًا لبياضها. فأقاده رسول اللَّه ﷺ : حكم بالقود بفتحتين وهو المماثلة فى القصاص. يستفاد منه ١ - أن القتل بالمثقل موجب للقصاص وهذا هو الذى تقتضيه صيانة الدماء من الإهدار. ٢ - اعتبار المماثلة فى طريق القتل فإن النبى ﷺ رض رأس اليهودى بين حجرين كما فعل اليهودى بالمرأة واستثنى العلماء من المماثلة ما إذا كان الطريق الذى حصل به القتل محرما كالسحر فأوجبوا الانتقال إلى السيف فى مثل هذا لأنه لا يحل قتله بالسحر. ٣ - قتل الرجل بالمرأة. ٤ - سؤال من اتهم بالقتل ولم تقم عليه بينة ليقر. ٥ - وجوب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى وبالإشارة. * * * ٣٣٢ - الحديث الخامس: عن أبى هريرة (١) رضى اللَّه عنه قال "لما فتح اللَّه تعالى على رسول اللَّه ﷺ مكة، قتلت هذيل رجلا من بنى ليث بقتيل كان لهم فى الجاهلية، فقام رسول اللَّه ﷺ ، فقال: إن اللَّه قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلى. ولا تحل لأحد بعدى وإنما أحلت لى ساعة من نهار، وإنها ساعتى هذه. حرام، لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تلتقط

стр. 359

ساقطها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يدى، فقام رجل من أهل اليمن -يقال له: أبو شاه- فقال: يا رسول اللَّه اكتبوا لى: فقال رسول اللَّه ﷺ : أكتبوا لأبى شاه، ثم قام العباس، فقال: يا رسول اللَّه، إلا الإذخر، فإنا نجعله فى بيوتنا وقبورنا. فقال رسول اللَّه ﷺ : إلا الإذخر". راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنه. مفرداته هذيل: قبيلة كبيرة تنتسب إلى هذيل وهم بنو مدركة بن إلياس بن مضر وكانت من سكان مكة فى ظواهرها خارجين من الحرم. رجلا: اسمه أحمر. من بنى ليث: قبيلة مشهورة تنتسب إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر. قد حبس عن مكة الفيل: حبس عنها أهله الذين جاءوا للقتال فى الحرم (١). ساعة من نهار: مقدارها ما بين طلوع الشمس إلى العصر والمأذون فى هذه الساعة القتال. لا يعضد: لا يقطع. ولا يختلى: ولا يقتطع.

стр. 360

خلاها: بفتح الحاء والقصر وفى رواية بالمد الرطب من نباتها. لمنشد: لمعرف. ومن قتل له قتيل: من قتل له قريب كان حيا فصار قتيلا بذلك القتل. يدى: يعطى القاتل أو أولياؤه لأولياء المقتول الدية. أبو شاه: صحابى فارسى من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن. اكتبوا لأبى شاه: هذه الخطبة. العباس: ابن عبد المطلب عم النبى ﷺ الصحابى المشهور. الإذخر: برفع "الإذخر" على البدل مما قبله ويجوز النصب على الاستثناء وهو المختار هنا للتراخى والإذخر نبت معروف طيب الرائحة. نجعله فى بيوتنا: للتسقيف فوق الخشب. وقبورنا: لنسد به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات. يستفاد منه ١ - تعظيم حرمة مكة وتحريم القتال فيها وعضد شجرها واختلاء خلاها وقطع شوكها والتقاط لقطتها إلا لمنشد. ٢ - أن فتح مكة كان عنوة فإن التسليط الذى وقع للرسول ﷺ مقابل الحبس الذى وقع للفيل وهو الحبس عن القتال. ٣ - تخير من قتل له قتيل بين القصاص وبين أخذ الدية. ٤ - جواز كتابة الحديث وذلك لأن النبى ﷺ أذن فيها لأبى شاه. * * * ٣٣٣ - الحديث السادس: عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه "أنه استشار الناس فى إملاص المرأة (١)، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبى ﷺ قضى فيه بغرة -عبد، أو أمه- فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة".

стр. 361

راويه عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه مفرداته استشار الناس: طلب ما عندهم من العلم وهل سمع أحد منهم من الرسول ﷺ شيئًا. فى إملاص المرأة: أن تلقى جنينها ميتًا. المغيرة بن شعبة الثقفى: صحابى مشهور أسلم قبل الحديبية وولى إمرة البصرة ثم الكوفة قضى: حكم بغرة عبد: رواية العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين وهى أوجه لأن ما بعد قوله "بغرة" بيان للغرة. أو أمة: أو هنا للتنويع وهو الأظهر. محمد بن مسلمة: الأنصارى صحابى مشهور من فضلاء الصحابة مات بعد الأربعين. يستفاد منه ١ - سؤال الإمام عن الحكم إذا كان لا يعلمه أو كان عنده شك وأراد الاستثبات ٢ - أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الأكابر ويعلمها من هو دونهم وذلك بصد فى وجه من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث فقال: لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فإنه إذا جاز خفاء العالم الخاص عن أكابر الصحابة فهو على غيرهم أجوز. ٣ - إثبات غرة الجنين وكون الواجب فيه غرة عبد أو أمة وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجنابة. ٤ - طلب العدد فى الرواية لزيادة الاستظهار ولا يوجب ذلك اعتبار العدد فى كل رواية جمعًا بين صنيع عمر وبين الأحاديث الكثيرة التى نصت على قبول خبر الواحد. * * * ٣٣٤ - عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما فى بطنها، فاختصموا إلى النبى ﷺ فقضى رسول اللَّه ﷺ : أن دية جنينها غرق -عبد، أو وليدة- وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها

стр. 362

ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلى، فقال: يا رسول اللَّه، كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق ولا استهل. فمثل ذلك يطل؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : إنما هو من إخوان الكهان" من أجل سجعه الذى سجع. راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنه. مفرداته امرأتان: كانتا ضرتين وكانتا تحت حمل بن النابغة الهذلى اسم إحداهما مليكة والأخرى أم عطيف بحجر: صغير لا يقصد به القتل غالبا غرة: بالتنوين ويجوز إضافتها إلى ما بعدها وليدة: أمة وقضى بدية المرأة على عاقلتها: إجراءًا لهذا القتل مجرى العمد حمل: بفتح الحاء المهملة وفتح الميم، صحابى نزل البصرة ابن النابغة: نسب إلى جده لأن "حمل" هو ابن مالك ابن النابغة الهذلى: نسبة إلى هذيل من لا شرب ولا أكل: من لم يشرب ولم يأكل، أقيم الماضى مقام المضارع ولا استهل: ولا صوت عند ولادته. يطل: بضم المثناة التحتية وفتح الطاء وتشديد اللام يهدر ويلغى ولا يضمن ويروى بفتح الباء الموحدة وتخفف اللام على أنه ماض من البطلان. من إخوان الكهان: لمشابهة كلامه كلامهم سجعه: السجع تناسب آخر الكلمات لفظا يستفاد منه ١ - رفع الجناية إلى الحاكم. ٢ - وجوب الدية فى الجنين والحديث ورد فى جنين حرة محكوم بإسلامه. ٣ - أن الحكم المذكور فى الحديث مرتب على اسم الجنين فما تخلق فهو داخل فيه

стр. 363

ما كان دون ذلك فلا يدخل تحته إلا من حيث الوضع اللغوى فإنه مأخوذ من الاجتنان وهو الاختفاء فإن خالفه العرف العام فهو أولى منه وإلا اعتبر الوضع. ٤ - أنه لا فرق فى الغرة بين الذكر والأنثى فيجبر المستحق على قبول الرقيق من أى نوع كان إلا أنه تشترط فيه السلامة من العيوب المثبتة للرد فى البيع، لما يقتضيه لفظة "الغرة". ٥ - أنه لا يتقدر للغرة قيمة. ٦ - أنه إذا وجدت الغرة بالصفات المعتبرة فلا يلزم المستحق قبول غيرها لتعيين حقه فى ذلك فى الحديث، وأما إذا عدمت فليس فى الحديث ما اشعر بحكمه وقد اختلف العلماء فيه فقيل الواجب خمس من الإبل وقيل يعدل إلى القيمة عند الفقد. ٧ - إجراء القتل المذكور فى الحديث مجرى غير العمد. ٨ - ذم التشبه بالكفار فى ألفاظهم. ٩ - ذم السجع المتكلف فى معرض مدافعة الحق وأما ما يقع منه عفوًا بلا تكلف فى غير ذلك فقد دلت النصوص على جوازه. * * * ٣٣٥ - الحديث الثامن: عن عمران بن حصين رضى اللَّه عنه "أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فيه، فوقعت ثنيته فاختصما إلى النبى ﷺ ، فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك". راويه عمران بن حصين رضى اللَّه عنه مفرداته رجلا: هو يعلى بن أمية الصحابى المشهور يد رجل: هو أجيره. من فيه: من فمه. ثنيته: بالإفراد وفى رواية "ثنيتاه" بلفظ التثنية. فاختصما: يعلى وأجيره. يعض: بفتح أوله والعين المهملة بعدها ضاد معجمة ثقيلة أيعض؟ ـ

стр. 364

الفحل: الذكر من الإبل ويطلق على غيره من الدواب لا دية لك: فى رواية أبى نعيم فى مستخرجه على مسلم "إن شئت أمرناه فعض يدك ثم انزعها". يستفاد منه ١ - رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل ٢ - دفع الصائل ٣ - أنه إذا عض إنسان يد آخر فانتزعها فسقطت سنه لا ضمان على المنتزع وقيد العلماء عدم الضمان بما إذا لم يمكنه تخليص يده بأيسر ما يقدر عليه من فك لحييه أو بأيسر ما يقدر عليه من فك لحييه أو الضرب فى شدقيه ليرسلهما فإن أمكنه ذلك فالواجب الاقتصار عليه. ٤ - تشبه فعل الآدمى بفعل البهيمة تنفيرًا عن مثل ذلك الفعل. * * * ٣٣٦ - الحديث التاسع: عن الحسن بن أبى الحسن البصرى رحمه اللَّه تعالى قال: حدثنا جندب فى هذا المسجد، وما نسينا منه حديثًا، وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول اللَّه ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينًا فحز بها يده، فما رقأ الدَّم حتى مات قال اللَّه : عبدى بادرنى بنفسه، حرمت عليه الجنة". راويه الحسن بن أبى الحسن البصرى واسم أبيه يسار بالتحتانية والمهملة الأنصارى مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور مات سنة عشرة ومائة وقد قارب التسعين. مفرداته جندب: بضم الدال وفتحها ابن عبد اللَّه بن سفيان البجلى ثم العلقى بفتحتين ثم قاف أبو عبد اللَّه وربما نسب إلى جده صحابى مات بعد الستين. فى هذا المسجد: مسجد البصرة.

стр. 365

وما نسينا منه حديثا: أشار بهذا إلى تحققه لما حدث به وقرب عهده به واستمرار ذكره له. وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول اللَّه ﷺ : لأن الصحابة كلهم عدول والكذب مأمون من قبلهم ولا سيما على النبى ﷺ . جرح: بضم الجيم وسكون الراء بعدها مهملة. فجزع: فلم يصبر على ألم ذلك الجرح. سكينا: تذكر وتؤنث. فحز: فقطع بغير إبانة فما رقأ الدم: لم ينقطع و"رقأ" بالقاف والهمز. فحرمت عليه الجنة: أن يدخلها مع السابقين أو يحمل على من فعل ذلك مستحلا فيكفر به ويكون مخلدة بكفره لا بقتله نفسه. يستفاد منه ١ - الاحتياط فى الحديث وكيفية الضبط له والتحفظ فيه بذكر المكان والإشارة إلى ضبط المحدث وتوثيقه لمن حدثه ليركن السامع لذلك. ٢ - التحديث عن الأمم الماضية. ٣ - فضيله الصبر على البلاء وترك التضجر من الآلام لئلا يفضى إلى أشد منها ٤ - تحريم تعاطى الأسباب المفضية إلى قتل النفس ٥ - تعظم قتل النفس سواء كانت نفس الإنسان أو غيرها وذلك لأن نفسه ليست ملكه بل هى ملك خالقها فلا يجوز له أن يتصرف فيها إلا بما أذن فيه له الخالق.

стр. 366

كتاب الحدود ٣٣٧ - الحديث الأول: عن أنس من مالك رضى اللَّه عنه قال "قدم ناس من عكل -أو عرينة- فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبى ﷺ بلقاح، وأمره أن يشربوا من أبوالها وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعى النبى ﷺ واستاقوا النعم، فجاء الخبر فى أول النهار. فبعث فى آثارهم، فلما ارتفع النهار جئ بهم فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف (١) وسمرت أعينهم، وتركوا فى الحرة يَسْتسقون فلا يُسْقون" قال أبو قلابة "هؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا اللَّه ورسوله" أخرجه الجماعة. راويه أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. مفرداته قدم ناس: على رسول اللَّه ﷺ . من عكل: بضم العين المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم الرباب يرجع نسبها إلى عدنان. أو عرينة: بضم العين المهملة وفتح الراء مصغرة حى بن بجيلة يرجع نسبها إلى قحطان و"أو" للشك من حماد بن زيد راوى الحديث عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس. فاجتووا المدينة: كرهوا المقام بها بلقاح: بكسر اللام النوق ذوات الألبان

стр. 367

فلما صحوا: فى السياق حذف تقديره فشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا واستاقوا من السوق وهو السير العنيف. فبعث: خلا من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهرى. فلما ارتفع النهار: فى السياق حذف تقديره: فأدركوا فى ذلك اليوم فأخذوا فلما ارتفع النهار. جئ بهم: إلى النبى ﷺ أسارى. من خلاف: مختلفة فقط من أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى. وسمرت: بتشديد الميم وتخفيفها كحلت بالمسامير المحماة. الحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة ألقوا فيها لأنها قرب المكان الذى فعلوا فيه ما فعلوا. يستسقون: يطلبون سقى الماء فلا يسقون: لكفرهم نعمة سقى ألبان الإبل التى حصل لهم بها الشفاء. قال أبو قلابة: راوى الحديث عن أنس وقتل "قال أبو قلابة" أيوب راوى الحديث عنه ولذلك كان من اللائق ذكره. سرقوا: لأنهم أخذوا اللقاح من حرز مثلها وقول أبى قلابة "فهؤلاء سرقوا" استنباط منه. وقتلوا: الراعى، واسمه يسار بياء تحتانية ثم مهملة خفيفة رآه النبى ﷺ يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه فى تلك اللقاح. يستفاد منه ١ - قدوم الوفود على الإمام ونظره فى مصالحهم. ٢ - مشروعية الطب والتداوى بألبان الإبل وأبوالها وفى ذلك دليل على طهارة أبوالها لحديث "إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فى ما حرم عليكم". ٣ - أن كل جسد يطب بما اعتاده. ٤ - بيان ما عقب به النبى ﷺ أولئك النفر وكان هو المشروع فى شأنهم ثم نزلت المحاربة "إنما جزاء الذين يحاربون اللَّه ورسوله" الآية فى عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم ورفع عنهم السمل (١) ولأبى قلابة فى هذه القضية الرأى الذى فى المتن.

стр. 368

٥ - أن المحارب المرتد لا حرمة له فى سقى الماء ولا غيره. * * * ٣٣٨ - الحديث الثانى: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى اللَّه عنهما، أنهما قال "إن رجلا من الأعراب أتى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه أنشدك اللَّه ألا قضيت بيننا بكتاب اللَّه. فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه- نعم، فاقض بيننا بكتاب اللَّه، وأئذن لى، فقال النبى ﷺ : قل، فقال. إن ابنى كان عسفيا على هذا، فزنى بامرأته، وإنى أخبرت أن على ابنى الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أنا على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه. الوليدة والغنم، رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- على امرأة هذا فإن اعترفت فارجها، فغدا عليها، فاعترفت فأمر بها رسول اللَّه ﷺ فرجمت". راويه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلى أبو عبد اللَّه المدنى تابعى ثقة فقيه ثبت مات سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثمانين وقيل غير ذلك. مفرداته أبا هريرة: صحابى مشهور. زيد بن خالد الجهنى: صحابى مشهور أنشدك اللَّه: أسألك باللَّه والأصل فى النشد رفع الصوت ثم استعمل فى كل مطلوب مؤكد ولو لم يكن هناك رفع صوت.

стр. 369

فلا يرد إذًا: أنه كيف رفع صوته بعد النهى. قضيت: حكمت بكتاب اللَّه: بحكمه (١) أفقه منه: حين لم يناشده وأذن لى: أن أتكلم عسيفا: أجيًرا. على هذا: عند هذا يريد زوج المرأة فزنى بامرأته: بزوجته وكان قد استخدمه فى ما تحتاج إليه امرأته من الأمور. فكان ذلك سببًا لما وقع له معها. فافتديت منه: من الرجم لظنى أن ذاك حق للخصم أن يعفو عنه على مال يأخذه ووليدة: أمة. جلد مائة: بالإضافة وقرأه بعضهم بتنوين "جلد" ونصب "مائة" على التمييز ولم يثبت رواية رد: مردودة. وتغريب. عام: لأن ابنك كان بكرة واعترف بالزنا واغد يا أنيس: اذهب وتوجه ليس المراد بالغد وهنا التأخير إلى أول النهار على امرأة هذا: لتعلمها بالقذف المذكور تتطالب بحد قاذفها إن أنكرت فإن اعترفت: فإن أقرت بالزنا. يستفاد منه ١ - حسن الأدب فى مخاطبة الأكابر وأنه يقتضى التقديم فى الخصومة ولو كان المتأدب مسبوقا. ٢ - الحث على إبعاد الأجنبى من الأجنبية مهما أمكن لأن العشرة قد تفضى إلى الفساد ويتسور بها الشيطان إلى الإفساد. ٣ - الرجوع إلى العلماء عند اشتباه الأحكام والشك فيها. ٤ - أن الصحابة كانوا يفتون فى عهد رسول اللَّه ﷺ وفى بلده

стр. 370

٥ - أن ما أخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب رده. ٦ - أن ما يستعمل من الألفاظ فى محل الاسفتاء يتسامح به فى إقامة الحد أو التعزير فإن هذا الرجل قذف المرأة بالزنا ولم يتعرض النبى ﷺ لأمر حده بالقذف وأعرض عن ذلك ابتداءًا. ٧ - شرعية التغريب مع الجلد فى البكر الزانى ٨ - استنابة الإمام فى إقامة الحدود. ٩ - أن الإقرار مرة واحدة يكفى فى إقامة الحد فإنه رتب رجمها على مجرد اعترافها ولم يقيده بعدد. ١٠ - عدم الجمع بين الجلد والرجم فإنه لم يعرفه أنيسا ولا أمره به. * * * ٣٣٩ - الحديث الثالث: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى رضى اللَّه عنهما قالا "سئل النبى ﷺ عن الأمَة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". قال ابن شهاب: ولا أدرى أبعد الثالثة أو الرابعة؟ راويه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود. مفرداته أبى هريرة: صحابى مشهور. زيد بن خالد الجهنى: صحابى مشهور. ولم تحصن: بالتزويج. فاجلدوها: نصف ما على الحرائر من الحد ولو بضفير: ولو انحطت قيمتها إلى ضفير فيكون ذلك إخبارًا متعلقًا بحال وجودى لا إخبارًا عن حكم شرعى. قال ابن شهاب: محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم

стр. 371

الراء الأسدى مولاهم أبو الزبير المكى صدوق إلا أنه يدلس والقائل "قال: ابن شهاب" إلخ مالك بن أنس راوى الحديث عن ابن شهاب عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ولا أدرى أبعد الثالثة أو الرابعة: شك هل الأمر ببيعها بعد الجلد فى الثالثة أو الرابعة، وفى الترمذى من حديث أبى صالح عن أبى هريرة "فاجلدوها ثلاثًا فإن عادت فليبعها". يستفاد منه ١ - إقامة الحد على المماليك ودلالته على إقامة السيد على العبد محتملة وليست بالقوية لأن قوله "فاجلدوها" يحتمل أن يكون خطابا للإمام أو نائبه ويحتمل أن يكون خطابا للمالكين. ٢ - جلد الأمة الزانية التى لم تحصن وفى الكتاب العزيز حكمها إذا أحصنت قال تعالى ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ٣ - أن المأمور به هو الحد المنوط بها دون ضرب التعزير والتأديب. ٤ - الأمر ببيع الأمة إذا زنت بعد المرة الثالثة. ٥ - أن من زنا فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه وهذا بخلاف من زنا مرارًا فإنه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرة واحدة. ٦ - أن العقوبات إذا لم تفد مقصودها من الزجر لم تفعل فإن كانت واجبة كالحد فيترك الشرط فى وجوبها على السيد وهو الملك لأن أحد الأمرين لازم إما ترك الحد ولا سبيل إليه لوجوبه وإما إزالة شرط الوجوب وهو الملك فتعين ولم يقل أتركوها أو حدوها كلما تكرر لأجل ما ذكرناه. * * * ٣٤٠ - الحديث الرابع: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه أنه قال "أتى رجل من المسلمين رسول اللَّه ﷺ -وهو فى المسجد- فناداه: يا رسول اللَّه، إنى زنيت. فأعرض عنه. فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول اللَّه إنى زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول اللَّه، فقال: أباك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال

стр. 372

رسول اللَّه ﷺ : إذهبوا به فارجموه" قال ابن شهاب: فأخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: "كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى. فلما أزلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة، فرجمناه". راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنه. مفرداته رجل: قال عبد الغنى: هو ماعز بن مالك روى قصته جابر بن سمرة وعبد اللَّه بن عباس وأبو سعيد الخدرى وبريدة بن الحصيب الأسامى. فتنحى: انتقل من الناحية التى كان فيها. تلقاء (١) وجهه: إلى الناحية التى يستقبل بها وجه النبى ﷺ ثنى: بمثلثة بعدها نون خفيفة كرر شهد: اعترف. أبك جنون: سأله عن هذا ليتبين بمخاطبته ومراجعته تثبقه وعقله فيبنى الأمر عليه لا على مجرد إقراره بالجنون. أحصنت: تزوجت قال ابن شهاب: محمد بن مسلم الأسدى الصدوق. وقائل قال ابن شهاب: هو عقيل الذى روى الحديث المذكور عن ابن شهاب عن أبى سلمة وسعيد بن المسيب عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه. أبو سلمة بن عبد الرحمن: بن عوف الزهرى المدنى قيل اسمه عبد اللَّه وقيل إسماعيل ثقة مكثر. جابر بن عبد اللَّه: ابن عمرو بن حرام بمهملة وراء الأنصارى ثم السلمى بفتحتين صحابى بن صحابى غزا تسع عشرة غزوة. بالمصلى: مصلى العيد والجنائز وهو من ناحية بقيع الغرقد. أزلقته: بلغت منه الجهد.

стр. 373

الحرة: أرض ذات حجارة سوداء معروفة بالمدينة. يستفاد منها ١ - منقبة عظيمة لماعز لأنه استمر على إقامة الحد عليه مع توبته ليتم تطهيره ولم يرجع عن إقراره. ٢ - التثبت فى إزهاق نفس المسلم والمبالغة فى صيانته لما وقع فى هذه القصة من ترديد ماعز والانتماء إليه بالرجوع. ٣ - تكرار الإقرار بالزنا أربعا فى هذه القضية وبذلك استدل من اشترط ذلك وغيره يعتبر هذا التكرار من باب الاستثبات والتحقيق بوجوب السبب لأن مبنى الحد على الاحتياط فى تركه ودرئه بالشبهات (١). ٤ - سؤال الحاكم فى الواقعة عما يحتاج إليه فى الحكم وذلك من الواجبات كسؤاله ﵇ عن الجنون ليتبين العقل وعن الإحصان ليثبت الرجم ولم يكن بد من ذلك فإن الحد متردد بين الجلد والرجم ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلا بعد تبين سببه. ٥ - أن إقرار المجنون بما يوجب عليه الحد لو كان عاقلا غير معتبر. ٦ - رجم الزانى المحصن. ٧ - تفويض الإمام الرجم إلى غيره. ٨ - عدم الحفر للمرجوم لأنه لم يذكر وقد وقع التصريح بعدمه فى حديث أبى سعيد عند مسلم قال: "فما حفرنا له ولا أوثقناه". * * * ٣٤١ - الحديث الخامس: عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنها قال "إن اليهود جاءوا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكروا له: أن امرأة منهم ورجلا زنيا، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : ما تجدون فى التوراة، فى شأن الرجل؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها،

стр. 374

فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد اللَّه ابن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال صدق يا محمد، فأمر بها النبى ﷺ فرجما قال: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة". قال رضى اللَّه عنه: "الذى وضع يده على آية الرجم هو عبد اللَّه ابن صوريا". راويه عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما. مفردات جاءوا إلى رسول اللَّه ﷺ : وسبب مجيئهم له أن بعضهم قال لبعض إذهبوا بنا إلى هذا النبى فإنه بعث بالتخفيف فإذا أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند اللَّه وقلنا فتيا نبى من أنبيائك. ما تجدون فى التوراة: سألهم ليخبروها بما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل اللَّه تعالى والتوراة كتاب اللَّه المنزل على موسى ﵇. نفضحهم: وقع بيان هذه الفضيحة فى رواية البخارى بلفظ "تسود وجوههما ونحممهما ويطاف بهما". عبد اللَّه بن سلام: الصحابى الجليل. فيها: فى التوراة. آية الرجم: وهى "المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البينة رجما وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما فى بطنها". فأتوا: بصيغة الفعل الماضى. فنشروها: ففتحوا التوراة. أحدهم: وهو عبد اللَّه بن صوريا. يجنأ: بفتح الياء وسكون الجيم وفتح النون ثم همزة، ينحنى. يقيها: يحفظها. يستفاد منه ١ - أن الإسلام ليس شرطا فى الإحصان فإذا حكم الحاكم على الذمى المحصن رجمه

стр. 375

واعتذار من اعتذر بأن رجمهما بحكم التوراة قبل نزول آية حد الزنا دعوى تحتاج إلى تحقيق التاريخ. ٢ - أن اليهود ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها ولو لم يكن ما أقدموا على تبديله. ٣ - إكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به. ٤ - أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت ذلك لنا بدليل قرآن أو حديث صحيح ما لم يثبت نسخه بشريعة نبينا أو نبيهم أو شريعتهم وعلى هذا فيحمل ما وقع فى هذه القضية على أن النبى ﷺ علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلا. * * * ٣٤٢ - الحديث السادس: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لو أن رجلا - أو قال: إمرأ اطَّلَع عليك بغير إذنك، فحذفته بعصاة، ففقأت عينه: ما كان عليك جناح". راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنهما. مفرداته اطلع عليك: نظر من علو إليك. خذفته: بالحاء المهملة ويروى بالخاء المعجمة وهو أصوب وأوجه رميته. ففقأت عينه: شققتها وقيل أطفأت ضوءها. جناح: حرج، وفى رواية مسلم من حديث أبى هريرة "من اطلع فى بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه". يستفاد منه ١ - مشروعية الاستئذان على من يكون فى بيت مغلق الباب ومنع التطلع عليه من خلل الباب. ٢ - أن المتطلع إذا رمى بشئ خفيف مثل الحصاة فقأ عينه لم يكن على راميه الضمان أما لو رماه بحجر يقتل أوسهم فهذا قتل يتعلق به القصاص أو الدية.

стр. 376

باب حد السرقة ٣٤٣ - الحديث الأول: عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما: "أن النبى ﷺ قطع فى مجنّ، قيمته -وفى لفظ ثمنه- ثلاثة دراهم". راويه عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما. مفرداته قطع: أمر بالقطع لأن النبى ﷺ لم يكن يباشر القطع بنفسه. مجن: بكسر الميم وفتح الجيم الترس. قيمته: قيمة الشئ ما تنتهى إليه الرغبة فيه. ثمنه: الثمن ما يقابل به البيع عند البيع والظاهر أن المراد بالثمن هنا القيمة وأن من رواه بلفظ الثمن إما تجوز أو كانت القيمة والثمن حينئذ مستويين. يستفاد منه ١ - وجوب قطع السارق فى الجملة وهو مجمع عليه ونص عليه القرآن الكريم وشرعه اللَّه صيانة للأموال. ٢ - اعتبار النصاب فى المسروق وأنه ثلاثة دراهم، وحديث "لا تقطع اليد إلا فى ربع دينار (١) فصاعدًا" أصرح لأن حديث الباب حكاية فعل ولا يلزم من القطع فى المقدار المذكور فيه فعلا عدم القطع فيما دونه نطقا. ٣ - أن الأصل فى التقويم الفضة فإن المسروق لما كان غير الذهب والفضة وقوم بالفضة دون الذهب دل ذلك على أن الفضة هى الأصل فى التقويم. * * * ٣٤٤ - الحديث الثانى: عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدًا"

стр. 377

راويه عائشة رضى اللَّه عنها. مفرداته تقطع اليد فى ربع دينار: فى رواية مسلم "لا تقطع اليد إلا فى ربع دينار" بالحصر والدينار كان اثنى عشر درهما وصرف ربعه ثلاثة دراهم. فصاعدًا: فزائدًا. يستفاد منه ١ - بيان مقدار النصاب الذى تقطع فيه اليد فى السرقة ولا منافاة بين هذا الحديث وبين حديث القطع فى المجن المتقدم لأن الدينار كان اثنى عشر درهما وربعه ثلاثة دراهم أعنى صرفه. ولذلك قومت الدية باثنى عشر ألفا من الورق وألف دينار من الذهب. ٢ - الرد على الظاهرية الذين يرون القطع فى القليل والكثير لمفهوم العدد فى هذا الحديث وهو أقوى من مفهوم اللقب وأصرح منه رواية مسلم "لا تقطع اليد إلا فى ربع دينار" ورواية أحمد "إقطعوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فى ما هو أدنى من ذلك". * * * ٣٤٥ - الحديث الثالث: عن عائشة رضى اللَّه عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التى سرقت. فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبّ رسول اللَّه ﷺ فكلمه أسامة، فقال: أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ ثم قام فاحتطب، فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم اللَّه: لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

стр. 378

وفى لفظ (١): "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبى ﷺ بقطع يدها". راويه عائشة رضى اللَّه عنها. مفرداته قريشًا: القبيلة المعروفة المنتسبة إلى فهر بن مالك والمراد بهم هنا من أدرك القصة. أهمهم: جلب إليهم الهم شأن المخزومية: فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسود بن عبد اللَّه بن عمرو ابن مخزوم وشأنها ما نسب إليها من السرقة. من يكلم فيها رسول اللَّه: يشفع عنده فيها أن لا تقطع، إما عفوا وإما بفداء. ومن يجترئ عليه: يتجاسر عليه بادلال إلا أسامة بن زيد: والسبب فى اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه ابن سعد من طريق جعفر بن محمد بن على بن الحسين عن أبيه أن النبى ﷺ قال: لأسامة لا تشفع فى حد وكان إذا شفع شفعة بتشديد الفاء أى قبل شفاعته. حب رسول اللَّه ﷺ : بكسر حاء "حب" بمعنى محبوب وفيه تلميح بقول النبى ﷺ : "اللهم إنى أحبه فأحبه". فكلمه أسامة: فى الكلام شئ مطوى تقديره فجاءوا إلى أسامة فكلموه فى ذلك فجاء أسامة إلى النبى ﷺ فكلمه. اتشفع فى حد من حدود اللَّه: إستفهام إنكارى لأنه كان سبق له منع الشفاعة فى الحد قبل ذلك. قال: رسول اللَّه ﷺ . إنما أهلك الذين من قبلكم: ليس هذا الحصر عاما فإن فى بنى إسرائيل أمورًا

стр. 379

كثيرة تقتضى الإهلاك فيحمل هذا على حصر مخصوص وهو الإهلاك بسبب المحاباة فى الحدود. وأيم اللَّه: من ألفاظ القسم وهمزتها همزة وصل. يستفاد منه ١ - إمتناع الشفاعة فى الحد بعد بلوغه السلطان. ٢ - تعظيم أمر المحاباة للأشراف فى حقوق اللَّه تعالى. ٣ - فضيلة أسامة بن زيد رضى اللَّه عنهما. ٤ - عظم منزلة فاطمة رضى اللَّه عنها عند النبى ﷺ . ٥ - ضرب المثل بكبير القدر للمبالغة فى الزجر عن الفعل ومراتب ذلك مختلفة وينبغى لمن ذكر قول النبى ﷺ "لو أن فاطمة الخ" أن يقول قد أعاذها اللَّه من ذلك لما روى ابن ماجه عن محمد بن رمح قال سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث "قد أعاذها اللَّه من أن تسرق وكل مسلم ينبغى له أن يقول هذا". ووقع للشافعى أنه لما ذكر هذا الحديث قال: "فذكر عضوًا شريفًا من امرأة شريفة" واستحسنوا ذلك عنه لما فيه من الأدب البالغ. ٦ - الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم ولا سيما من خالف أمر الشرع. ٧ - دخول النساء مع الرجال فى حد السرقة وهو ظاهر فى الرواية الأولى وأما رواية "كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده" الخ. فإنما يستفاد منها أن من استعار قدر نصاب السرقة وجحده ثم ثبت ذلك عليه بينه أو إقرار قطع به ولكن هذه الرواية شاذة مخالفة لرواية الجمهور.

стр. 380

باب حد الخمر ٣٤٦ - الحديث الأول: عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه "أن النبى ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر (١)، فجلده بجريدة نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر". راويه أنس بن مالك رضى اللَّه عنه: مفرداته الخمر: ما خامر العقل. بجريدة: سعف النخل سمى بذلك لأنه جرد عن الخوص. قال: أنس. أبو بكر: الصديق خليفة النبى ﷺ . كان عمر: كان زمن ولاية عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. استشار الناس: الصحابة حين احتقر الناس العقوبة وانهمكوا وكان الصحابة يفهمون من ضرب النبى ﷺ شارب الخمر أنه تعزير وإلا لما قالوا فيه بالرأى كما لم يقولوا به فى غيره. عبد الرحمن بن عوف: القرشى الزهرى أحد العشرة المبشرين بالجنة أسلم قديمًا ومناقبه شهيرة. أخف الحدود: المذكورة فى القرآن وهى حد الزنا وحد السرقه للقطع وحد القذف أخفها عقوبة.

стр. 381

ثمانون: التى هى حد القذف، و"ثمانون" بالرفع ويروى بالنصب على تقدير إجعله أو ما يقارب ذلك. يستفاد منه ١ - المشاورة فى الأحكام والقول فيها بالاجتهاد. ٢ - ضرب شارب الخمر أربعين وجواز الزيادة على الأربعين إلى نهاية الثمانين ولو رأى الإمام أن يكون ضربه بالنعال وأطراف الثياب والأيدى كما فعل النبى ﷺ فله ذلك. * * * ٣٤٧ - الحديث الثانى: عن أبى بردة -هانئ بن نيار (١) - البلوى رضى اللَّه عنه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا فى حد من حدود اللَّه". راويه أبو بردة هانئ بن نيار بكسر النون بعدها تحتانية حفيفة البلوى حليف الأنصار صحابى مات سنة إحدى وأربعين وقبل بعدها. مفرداته لا يجلد: بضم أوله بصيغة النفى ولبعضهم بالجزم وتؤبده رواية "لا تجلدوا" بصيغة النهى. حد: الحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو ضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة. من حدود اللَّه: التى بينها الشرع وهى حد الزنا وحد السرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص فى النفس والأطراف والقتل فى الارتداد. يستفاد منه ١ - إثبات التعزير فى المعاصى التى لا حد فيها لما يقتضيه الحديث من جواز العشرة فما دونها.

стр. 382

٢ - أنه لا يزاد فى التعزير على عشرة أسواط وذلك لأن المراد من التعزير ما يحصل به الردع وذلك ممكن فى العشر بأن يختلف الحال فى صفة الجلد أو الضرب تخفيفًا وتشديدًا واعتذر بعضهم عن هذا الحديث بما وقع من الصحابة فى التعزيرات من الزيادة على العشرة كما فى قصة عمر مع صبيغ وما روى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى لا يجيد فى التعزير أكثر من عشرين وعن عثمان ثلاثين وعن ابن مسعود أنه بلغ فى التقرير مائة والقول بأنه لم يبلغهم حديث الباب بعيد وحمل المستدل بهذا الحديث على أنه لا يزاد على العشر فى التأديبات التى لا تتعلق بمعصية كتأديب الأب ولده الصغير بخلاف التأديبات المتعلقة بالمعصية.

стр. 383

كتاب الأيمان والنذور ٣٤٨ - الحديث الأول: عن عبد الرحمن بن سمرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر عن يمينك وائت الذى هو خير". راويه عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس العبشمى أبو سعيد صحابى من مسلمة الفتح يقال كان اسمه عبد كلال افتتح سجستان ثم سكن البصرة ومات بها سنة خمسين أو بعدها. مفرداته لا تسأل: لا تطلب الإمارة: الولاية مسألة: سؤال. وكلت: بضم الواو وكسر الكاف خففا صرفت إليها ويروى بتشديد الكاف بمعنى أسلمت إليها ولم يكن معك إعانة. أعتت عليها: أعانك اللَّه على أعبائها وأثقالها فتصيب الصواب فى فعلك وقولك. على يمين: على محلوف عليه أطلق عليه لفظ اليمين للملابسة أو "على" هنا بمعنى الباء أى يمين. فرأيت: رؤية اعتقاد لا بصرية غيرها: غير المحلوف عليه وتأنيث الضمير مع عوده على "يمين" باعتبار المعنى (١).

стр. 384

خيرًا منها: فى دنياك وآخرتك أو أوفق لما لم يكن إثما من مرادك وشهوتك. يستفاد منه ١ - النهى عن سؤال الولاية مطلقًا وقيد الفقهاء ذلك بما إذا لم يتعين الطلب عليه لعدم من يتولاها أو لكونه أفضل الموجودين. ٢ - ألطاف اللَّه بعبده بالإعانة على إصابة الصواب فى فعله وقوله تفضلا زائدًا على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين. ٣ - جواز التكفير قبل الحنث لقوله ﵊ "فكفر عن يمينك وائت الذى هو خير" وضعف ابن دقيق العيد الاستدلال بذلك معلا بأن الواو تقتضى الترتيب. ٤ - تأخير مصلحة الوفاء بمقتضى العين إذا كان غيره خبرًا. ٥ - أن الوفاء بمقتضى اليمين عند عدم رؤية الخير فى غيرها مطلوب. * * * ٣٤٩ - الحديث الثانى: عن أبى موسى رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إنى واللَّه -إن شاء اللَّه- لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذى هو خير، وتحللتها". راويه أبو موسى عبد اللَّه بن قيس بن سليم الأشعرى صحابى مشهور، أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين مات سنة خمسين وقيل بعدها. مفرداته على يمين: على محلوف يمين أطلق عليه يمين الملابسة ويحتمل أن يكون "على" هنا بمعنى الباء فقد وقع فى رواية النسائى "إذا حلفت بيمين". غيرها: غير المحلوف عليه وتأنيث الضمير مع عوده على "يمين" باعتبار المعنى. خيرًا منها: بأن يكون فعله أفضل من المضى فى مقتضى اليمين المذكورة وتحللتها: أتيت بخلاف مقتضاها أو المعنى كفرت عنها. يستفاد منه ١ - جواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر ولو كان مستقبلا. ٢ - الاستثناء بـ "إن شاء اللَّه".

стр. 385

٣ - أن من حلف على فعل شئ أو على تركه وكان الحنث خيرًا من التمادى على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة وتعمد الحنث فى هذه الحالة يعتبر طاعة لا معصية ٤ - تقديم ما يقتضى الحنث على الكفارة بناء على أن معنى قوله ﵇ "وتحللتها" التكفير عنها. * * * ٣٥٠ - الحديث الثالث: عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم". ولمسلم (١): "فمن كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت". وفى رواية قال عمر: "فواللَّه ما حلفت بها منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ ينهى عنها، ذاكرًا ولا آثرًا". راويه عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه مفرداته باللَّه: بهذا الاسم أو بغيره من أسماءه وصفاته. ليصمت: ليسكت عمر: ابن الخطاب الخليفة الراشد ذاكرًا: عامدًا قائلًا لها من قبل نفسى ولا آثرا: ولا حاكيًا عن غيرى أنه حلف بها. يستفاد منه ١ - النهى عن الحلف بالآباء وبكل مخلوق والسر فى ذلك أن الحلف بالشئ يقتضى تعظيمه والعظمة فى الحقيقة إنما هى للَّه وحده. ٢ - مشروعية الحلف باللَّه وليس المراد لفظ "اللَّه" بخصوصه بل المراد كل ما يطلق على اللَّه من أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

стр. 386

٣ - المبالغة فى الاحتياط، وأن لا يجرى على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعًا لأن الحاكى عن غيره ليس عليه شئ. ٤ - فضيلة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه لشدة امتثاله أمر الرسول ﷺ . * * * ٣٥١ - الحديث الرابع: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل فى سبيل اللَّه. فقيل له: قل إن شاء اللَّه، فلم يقل، فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : لو قال إن شاء اللَّه: لم يحنث، وكان دركا لحاجته". راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنه. مفرداته سليمان بن داود: نبى بن نبى ﵉. لأطوفن: اللام جواب قسم كأنه قال واللَّه لأطوفن بدليل الحنث فى قول النبى ﷺ لم يحنث لأن ثبوت الحنث ونفيه يدل على سبق اليمين. تلد كل امرأة: فيه حذف تقديره فتعلق فتحمل فتلد. يقاتل فى سبيل اللَّه: فى حذف تقديره فينشأ فيتعلم الفروسية فيقاتل. فقيل له: قال له الملك. فلم يقل: لم ينطق بلفظ إن شاء اللَّه بلسانه بل نسى بضم النون وتشديد السين وليس المراد أنه غفل عن التفويض إلى اللَّه بقلبه فإن ذلك مستمر له. لم يحنث: المراد بعدم حنثه وقوع ما أراده. دركا: بفتح المهملة والراء لحاقا، وقوله: وكان ذلك دركا لحاجته بمثابة التأكيد لقوله "لم يحنث".

стр. 387

يستفاد منه ١ - أن إتباع اليمين باللَّه بالمشيئة يرفع حكم اليمين إذا علقت المشيئة بالمحلوف عليه لا إذا أراد الاستثناء إلى نفس المين أو كان ذكره الاستثناء على سبيل الأدب فى تفويض الأمر إلى مشيئة اللَّه. ٢ - أن الكناية فى اليمين مع النية كالصريح فى حكم اليمين لأن لفظ "لأطوقن" ليس فيه التصريح باسم اللَّه لكنه مقدر لأجل اللام. ٣ - جواز الإخبار عن وقوع الشئ المستقبل بناءًا على الظن لقول سليمان "تلد كل إمرأة منهن غلاما" إلخ فإنه لو كان عن وحى لوجب وقوع مخبره. ٤ - أن الاستثناء إذا اتصل باليمين فى اللفظ ثبت حكمه وإن لم ينو من أول اللفظ وذلك أن الملك قال له قل: إن شاء اللَّه عتد فراغه من اليمين فلو لم يثبت حكمه لما أفاد ذلك وأقوى من ذلك فى الدلالة قول النبى ﵊ لو قال: "إن شاء اللَّه لم يحنث". ٥ - جواز قول "لو" فى ما ليس من قبيل الاعتراض على القدر. * * * ٣٥٢ - الحديث الخامس: عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقى اللَّه وهو عليه غضبان، ونزلت (٣: ٧٧ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية". راويه عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه. مفرداته يمن صبر: هى التى تلزم وتجبر عليها حالفها يقال أصبره اليمين إذا أحلفه بها فى مقاطع الحق والأكثر على تنوين "يمين" فى قوله "يمين صيره" وصبر: صفة له. يقتطع بها مال امرئ مسلم: يأخذ بها قطعة من مال امرئ مسلم.

стр. 388

فيها: فى الإقدام عليها. فاجر: كاذب يشترون (١) يستبدلون. بعهد اللَّه: ما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم. وأيمانهم: ما حلفوا به من قولهم واللَّه ليؤمنن به ولننصرنه. ثمنًا قليلا: متاع الدنيا من الإرتشاء والترؤس. يستفاد منه ١ - التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حق مسلم وذلك لما فيه من الاستخفاف بحرمة اليمين باللَّه ومن أكل مال المسلم بالباطل ظلما وعدوانا. ٢ - تفسير الآية المذكورة فى الحديث وبيان سبب نزولها ومعرفة سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى الكتاب العزيز ويحصل الصحابة بقرائن تحف بالقضايا. ٣ - غلظ تحريم حقوق المسلمين. * * * ٣٥٣ - الحديث السادس: عن الأشعث بن قيس رضى اللَّه عنه قال "كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : شاهداك أو يمينه قلت: إذًا يحلف ولا يبالى، فقال رسول اللَّه ﷺ من حلف على يمين صبر (٢) يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقى اللَّه وهو عليه غضبان". راويه الأشعث بن قيس بن معدى كرب الكندى أبو محمد الصحابى نزل الكوفة مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين وهو ابن ثلاث وستين.

стр. 389

مفرداته شاهداك: المثبت لك ما تدعيه شهادة شاهدين لك أو يمينه: أو طلب يمين الخصم. إذا يحلف: بالنصب لوجود شرائطه من الاستقبال وغيره ويجوز الرفع يمين صبر: التى يصبر فيها نفسه على الجزم باليمين والصبر الحبس فكأنه يحبس نفسه على هذا الأمر العظيم وهى اليمين الكاذبة ويقال لمثل هذه اليمين الغموس. بقتطع بها مال امرئ مسلم: يأخذ بها قطعة من مال المرء المسلم. فاجر: كاذب. يستفاد منه ١ - سؤال الحاكم المدعى هل له بينة أم لا؟ ٢ - أن من رضى بيمين غريمه ثم أراد إقامة البينة بعد إحلافه لا يجاب إلى ذلك إلا أن يأتى بعذر يتوجه له فى ترك إقامتها قبل الاستحلاف لأن "أو" تقتضى أن ليس له إلا أحدها فلو جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف لكان له الأمران. ٢ - توجه اليمين فى الدعاوى على من ليست له بينة. ٣ - بناء الأحكام على الظاهر وإن كان المحكوم له فى نفس الأمر مبطلا. ٤ - التشديد على من حلف باطلا ليأخذ مال مسلم. ٥ - أن يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى. ٦ - أن حكم الحاكم لا يبيح للانسان ما لم يكن حلالا له. * * * ٣٥٤ - الحديث السابع: عن ثابت بن الضحاك الأنصارى رضى اللَّه عنه "أنه بايع رسول اللَّه ﷺ تحت الشجرة وأن رسول اللَّه ﷺ قال: من حلف على يمين بملة غير الإسلام، كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشئ عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملك". وفى رواية: "ولعن المؤمن كقتله".

стр. 390

وفى رواية "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده اللَّه إلا قلة". راويه ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلى صحابى مشهور مات سنة أربع وستين. مفرداته تحت الشجرة: التى بايع الصحابة فى الحديبية النبى ﷺ تحتها بيعة الرضوان. بملة غير الإسلام: كان يقول: إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى أو برئ من الإسلام أو من النبى ﷺ . كاذبا: فى تعظيم تلك الملة التى حلف بها. فهو كما قال: يحكم عليه بالذى نسبه لنفسه إن قصد تعظيم المحلوف عليه وإلا بأن قصد البعد عن المحلوف عليه أو أطلق فهو غير خارج عن ملة الإسلام، وكفره كفر دون كفر. به: بذلك الشئ من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية. لعن المؤمن: إذا وافق ساعة الإجابة. كقتله: فى إزالة الحياة فإن اللعنة دعاء بإزالة الحياة الباقية كما أن القتل إزالة للحياة الفانية فيجمعهما إزالة الحياة. يستفاد منها ١ - تحريم الحلف بملة غير الإسلام والوعيد الشديد على ذلك، ويفهم من الحديث أنه لا كفارة على مرتكب ذلك الذنب. ٢ - تعذيب قاتل نفسه يوم القيامة بما قتلها به فى الدنيا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية. ٣ - أنه لا نذر على الشخص فيما لا يملك. ٤ - تحريم لعن المؤمن والوعيد الشديد عليه ٥ - تحريم الدعاوى الباطلة.
следующие страницы →