← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 151007

الإلمام بشرح عمدة الأحكام

إسماعيل الأنصاري

Полный текст (450 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٣ - المبالغة فى الاحتياط، وأن لا يجرى على اللسان ما صورته صورة الممنوع شرعًا لأن الحاكى عن غيره ليس عليه شئ. ٤ - فضيلة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه لشدة امتثاله أمر الرسول ﷺ . * * * ٣٥١ - الحديث الرابع: عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى ﷺ قال "قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل فى سبيل اللَّه. فقيل له: قل إن شاء اللَّه، فلم يقل، فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : لو قال إن شاء اللَّه: لم يحنث، وكان دركا لحاجته". راويه أبو هريرة رضى اللَّه عنه. مفرداته سليمان بن داود: نبى بن نبى ﵉. لأطوفن: اللام جواب قسم كأنه قال واللَّه لأطوفن بدليل الحنث فى قول النبى ﷺ لم يحنث لأن ثبوت الحنث ونفيه يدل على سبق اليمين. تلد كل امرأة: فيه حذف تقديره فتعلق فتحمل فتلد. يقاتل فى سبيل اللَّه: فى حذف تقديره فينشأ فيتعلم الفروسية فيقاتل. فقيل له: قال له الملك. فلم يقل: لم ينطق بلفظ إن شاء اللَّه بلسانه بل نسى بضم النون وتشديد السين وليس المراد أنه غفل عن التفويض إلى اللَّه بقلبه فإن ذلك مستمر له. لم يحنث: المراد بعدم حنثه وقوع ما أراده. دركا: بفتح المهملة والراء لحاقا، وقوله: وكان ذلك دركا لحاجته بمثابة التأكيد لقوله "لم يحنث".

стр. 387

يستفاد منه ١ - أن إتباع اليمين باللَّه بالمشيئة يرفع حكم اليمين إذا علقت المشيئة بالمحلوف عليه لا إذا أراد الاستثناء إلى نفس المين أو كان ذكره الاستثناء على سبيل الأدب فى تفويض الأمر إلى مشيئة اللَّه. ٢ - أن الكناية فى اليمين مع النية كالصريح فى حكم اليمين لأن لفظ "لأطوقن" ليس فيه التصريح باسم اللَّه لكنه مقدر لأجل اللام. ٣ - جواز الإخبار عن وقوع الشئ المستقبل بناءًا على الظن لقول سليمان "تلد كل إمرأة منهن غلاما" إلخ فإنه لو كان عن وحى لوجب وقوع مخبره. ٤ - أن الاستثناء إذا اتصل باليمين فى اللفظ ثبت حكمه وإن لم ينو من أول اللفظ وذلك أن الملك قال له قل: إن شاء اللَّه عتد فراغه من اليمين فلو لم يثبت حكمه لما أفاد ذلك وأقوى من ذلك فى الدلالة قول النبى ﵊ لو قال: "إن شاء اللَّه لم يحنث". ٥ - جواز قول "لو" فى ما ليس من قبيل الاعتراض على القدر. * * * ٣٥٢ - الحديث الخامس: عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقى اللَّه وهو عليه غضبان، ونزلت (٣: ٧٧ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية". راويه عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه. مفرداته يمن صبر: هى التى تلزم وتجبر عليها حالفها يقال أصبره اليمين إذا أحلفه بها فى مقاطع الحق والأكثر على تنوين "يمين" فى قوله "يمين صيره" وصبر: صفة له. يقتطع بها مال امرئ مسلم: يأخذ بها قطعة من مال امرئ مسلم.

стр. 388

فيها: فى الإقدام عليها. فاجر: كاذب يشترون (١) يستبدلون. بعهد اللَّه: ما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم. وأيمانهم: ما حلفوا به من قولهم واللَّه ليؤمنن به ولننصرنه. ثمنًا قليلا: متاع الدنيا من الإرتشاء والترؤس. يستفاد منه ١ - التشديد على من حلف باطلا ليأخذ حق مسلم وذلك لما فيه من الاستخفاف بحرمة اليمين باللَّه ومن أكل مال المسلم بالباطل ظلما وعدوانا. ٢ - تفسير الآية المذكورة فى الحديث وبيان سبب نزولها ومعرفة سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى الكتاب العزيز ويحصل الصحابة بقرائن تحف بالقضايا. ٣ - غلظ تحريم حقوق المسلمين. * * * ٣٥٣ - الحديث السادس: عن الأشعث بن قيس رضى اللَّه عنه قال "كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : شاهداك أو يمينه قلت: إذًا يحلف ولا يبالى، فقال رسول اللَّه ﷺ من حلف على يمين صبر (٢) يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقى اللَّه وهو عليه غضبان". راويه الأشعث بن قيس بن معدى كرب الكندى أبو محمد الصحابى نزل الكوفة مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين وهو ابن ثلاث وستين.

стр. 389

مفرداته شاهداك: المثبت لك ما تدعيه شهادة شاهدين لك أو يمينه: أو طلب يمين الخصم. إذا يحلف: بالنصب لوجود شرائطه من الاستقبال وغيره ويجوز الرفع يمين صبر: التى يصبر فيها نفسه على الجزم باليمين والصبر الحبس فكأنه يحبس نفسه على هذا الأمر العظيم وهى اليمين الكاذبة ويقال لمثل هذه اليمين الغموس. بقتطع بها مال امرئ مسلم: يأخذ بها قطعة من مال المرء المسلم. فاجر: كاذب. يستفاد منه ١ - سؤال الحاكم المدعى هل له بينة أم لا؟ ٢ - أن من رضى بيمين غريمه ثم أراد إقامة البينة بعد إحلافه لا يجاب إلى ذلك إلا أن يأتى بعذر يتوجه له فى ترك إقامتها قبل الاستحلاف لأن "أو" تقتضى أن ليس له إلا أحدها فلو جاز إقامة البينة بعد الاستحلاف لكان له الأمران. ٢ - توجه اليمين فى الدعاوى على من ليست له بينة. ٣ - بناء الأحكام على الظاهر وإن كان المحكوم له فى نفس الأمر مبطلا. ٤ - التشديد على من حلف باطلا ليأخذ مال مسلم. ٥ - أن يمين الفاجر تسقط عنه الدعوى. ٦ - أن حكم الحاكم لا يبيح للانسان ما لم يكن حلالا له. * * * ٣٥٤ - الحديث السابع: عن ثابت بن الضحاك الأنصارى رضى اللَّه عنه "أنه بايع رسول اللَّه ﷺ تحت الشجرة وأن رسول اللَّه ﷺ قال: من حلف على يمين بملة غير الإسلام، كاذبًا متعمدًا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشئ عذب به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملك". وفى رواية: "ولعن المؤمن كقتله".

стр. 390

وفى رواية "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده اللَّه إلا قلة". راويه ثابت بن الضحاك بن خليفة الأشهلى صحابى مشهور مات سنة أربع وستين. مفرداته تحت الشجرة: التى بايع الصحابة فى الحديبية النبى ﷺ تحتها بيعة الرضوان. بملة غير الإسلام: كان يقول: إن فعلت كذا فأنا يهودى أو نصرانى أو برئ من الإسلام أو من النبى ﷺ . كاذبا: فى تعظيم تلك الملة التى حلف بها. فهو كما قال: يحكم عليه بالذى نسبه لنفسه إن قصد تعظيم المحلوف عليه وإلا بأن قصد البعد عن المحلوف عليه أو أطلق فهو غير خارج عن ملة الإسلام، وكفره كفر دون كفر. به: بذلك الشئ من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية. لعن المؤمن: إذا وافق ساعة الإجابة. كقتله: فى إزالة الحياة فإن اللعنة دعاء بإزالة الحياة الباقية كما أن القتل إزالة للحياة الفانية فيجمعهما إزالة الحياة. يستفاد منها ١ - تحريم الحلف بملة غير الإسلام والوعيد الشديد على ذلك، ويفهم من الحديث أنه لا كفارة على مرتكب ذلك الذنب. ٢ - تعذيب قاتل نفسه يوم القيامة بما قتلها به فى الدنيا من باب مجانسة العقوبات الأخروية للجنايات الدنيوية. ٣ - أنه لا نذر على الشخص فيما لا يملك. ٤ - تحريم لعن المؤمن والوعيد الشديد عليه ٥ - تحريم الدعاوى الباطلة.

стр. 391

باب النذر ٣٥٥ - الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال "قلت: يا رسول اللَّه، إنى كنت نذرت فى الجاهلية أن أعتكف ليلة -وفى رواية يوما- فى المسجد الحرام قال: فأوف بنذرك". راويه عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. مفرداته نذرت: من النذر وهو التزام قربة غير لازمة بأصل الشرع. فى الجاهلية: قبل إسلامه لأن جاهلية كل أحد بحسبه وأصل الجاهلية ما قبل البعثة. ليلة: يفسرها رواية "يوما" فإن العرب تعبر بالليلة عن اليوم وجمع بعضهم بين الروايتين بأن من أطلق "ليلة" أراد يومها ومن أطلق "يوما" أراد بليلته. بنذرك: الذى نذرته فى الجاهلية. يستفاد منه ١ - الوفاء بالنذر المطلق وهو ما ينذر من الطاعة من غير تعليق شئ كقوله اللَّه على كذا وهو أحد أقسام النذر والثانى: ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة فوجد ذلك فيلزم الوفاء به والثالث: ما علق على شئ لقصد المنع أو الحث كقوله: إن دخلت الدار فلله على كذا فهذا القسم يخير فيه بين الوفاء بما نذر وبين كفارة اليمين. ٢ - أن الاعتكاف قربة تلزم بالنذر. ٣ - صحة نذر الكافر (١) والقائل بالبطلان بحمل الحديث على أن المراد بالوفاء بالنذر أن يأتى بعبادة تماثل ما التزم فى الصورة وهو اعتكاف يوم فأطلق عليها الوفاء بالنذر لمشابهتها إياه ولأن المقصود قد حصل وهو الإتيان بهذه العبادة. * * * ٣٥٦ - الحديث الثانى: عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما عن

стр. 392

النبى ﷺ "أنه نهى عن النذر، وقال: إن النذر لا يأتى بخير وإنما يستخرج به من البخيل". راويه عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما. مفرداته النذر: المراد به هنا ما يقصد به تحصيل غرض أو دفع مكروه. لا يأتى بخير: لم يكن مقدرة للناذر، وقيل: الباء سببية كأنه قال: لا يأتى بسبب خير فى نفس الناذر لأن سببه حصول غرضه لا مجرد التقرب إلى اللَّه. وإنما يستخرج به من البخيل: لأنه لا يعطى طاعة إلا فى عوض ومقابل يحصل له فيكون النذر هو السبب الذى استخرج منه تلك الطاعة. يستفاد منه ١ - النهى عن نذر المجازاة وهو النذر الذى يقصد به تحصيل غرض أو دفع مكروه والحكمة فى النهى عنه أن الناذر لم يمحض نيته للتقرب إلى اللَّه مع ما ينضم إلى ذلك من اعتقاد أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض أو أن اللَّه يفعل معه ذلك الغرض لأجل النذر. وكان أبو عبيد يقول فى توجيه هذا الحديث: النهى عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما ولو كان كذلك ما أمر اللَّه أن يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندى تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يتهاون به وكلامه هذا بعيد من ظاهر الحديث. ٢ - وجوب الوفاء بما التزمه الناذر لأن الحديث نص على ذلك بقوله "يستخرج به من البخيل". ٣ - الرد على القدرية. ٤ - أن ما يبتدئه المكلف من وجوه البر أفضل مما يلتزمه بالنذر. ٥ - الحث على الإخلاص فى عمل الخير. ٦ - ذم البخل وأن من اتبع المأمورات واجتنب المنهيات لا يعد بخيلا. * * *

стр. 393

٣٥٧ - الحديث الثالث: عن عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه قال "نذرت أختى أن تمشى إلى بيت اللَّه الحرام حافية (١)، فأمرتنى أن أستفتى لها رسول اللَّه ﷺ فاستفتيته، فقال لتمش ولتركب". راويه عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه. مفرداته حافية: غير منتعلة. لتمش: لتمش فى وقت قدرتها على المشى. ولتركب: إذا عجزت عن المشى أو لحقتها مشقة ظاهرة. يستفاد منه ١ - صحة نذر المشى إلى بيت اللَّه الحرام ولزومه. ٢ - أن لمن نذر ذلك أن يركب وظاهر الحديث الإطلاق ولكن فى رواية أبى داود ما يبين هذا الإجمال فإنها بلفظ "إن أختى نذرت أن تحج ماشية وإنها لا تطيق ذلك فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه غنى عن مشى أختك فلتركب ولتهد هديا". * * * ٣٥٨ - الحديث الرابع: عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال "استفتى سعد بن عبادة رسول اللَّه ﷺ فى نذر كان على أمه، توفيت قبل أن تقضيه، قال رسول اللَّه ﷺ : فاقضه عنها". راويه عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما.

стр. 394

مفرداته سعد بن عبادة: الأنصارى الخزرجى أحد النقباء وسيد الخزرج وأحد الأجواد مات بأرض الشام سنة خمس عشرة وقيل غير ذلك. نذر: كانت علقته على شئ حصل. أمه: عمرة بنت مسعود الأنصارية الخزرجية الصحابية. توفيت: ماتت. أن تقضيه: لتعذر القضاء بسرعة موتها. يستفاد منه ١ - استفتاء الأعلم فى أمور الدين. ٢ - فضل بر الوالدين بعد الوفاة، والحرص على براءة ما فى ذممهم. ٣ - قضاء النذر عن الميت ولم يبين فى هذه الرواية ما كان نذر أم سعد وظاهر الحديث أنه كان معينًا عند سعد واللَّه أعلم حقيقته. * * * ٣٥٩ - الحديث الخامس: عن كعب بن مالك رضى اللَّه عنه قال "قلت: يا رسول اللَّه، إن من توبتى: أن أتخلع من مالى، صدقة إلى اللَّه وإلى رسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك" (١). راويه كعب بن مالك بن أبى كعب الأنصارى السلمى بالفتح المدنى صحابى مشهور وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا فتابوا وتاب اللَّه عليهم مات فى خلافة على. مفرداته من توبتى: عن تخلفى عنك فى غزوة تبوك.

стр. 395

أن أنخلع من مالى: أن أعرى من مالى كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه. صدقة إلى اللَّه: خالصة للَّه منه أرجو ثوابها وإلى رسوله: الحكم فيها أمسك: بكسر المهملة يستفاد منه ١ - أن إمساك ما يحتاج إليه من المال أولى من إخراج كله فى الصدقة وقد قسم العلماء ذلك بحسب أخلاق الإنسان فذكروا أن من كان لا يصبر على ذلك، يكره له أن يتصدق بكل ماله ومن كان يصبر لم يكره له ذلك وعلى ذلك يتنزل فعل أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه وإيثار الأنصار للمهاجرين وإن كان بهم خصاصة. ٢ - أن الصدقة لها أثر فى محو الذنوب لتقرير النبى ﷺ كعب على ما قال. ٣ - أن من نذر التصدق بكل ماله اكتفى منه بالثلث وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة ولكن نوزع فى ذلك بأن كعب بن مالك لم يصرح بلفظ النذر ولا معناه وإنما استشار وإستأذنه هل يفعل ما سأل عنه أم لا؟ ٤ - استحباب الصدقة شكرًا للنعم المتجددة لاسيما ما عظم منها

стр. 396

باب القضاء ٣٦٠ - الحديث الأول: عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ "من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفى لفظ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". راويه عائشة رضى اللَّه عنها. مفرداته أحدث: أنشأ واخترع. فى أمرنا: ديننا. ما ليس منه: من الدين: بأن لا يشهد له شئ من أدلة الشرع وقواعده العامة. فهو: الأمر الحدث. رد: مردود غير مقبول، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. يستفاد منها ١ - رد كل محدثة فى الدين لا توافق الشرع وفى الرواية الثانية التصريح بترك كل محدثه سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها؛ فإنه قد يحتج بعض المعاندين إذا فعل البدعة بأن يقول: ما أحدثت شيئا؛ فيحتج عليه بالرواية الثانية "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". وينبغى حفظ هذا الحديث واستعماله فى رد المنكرات. ٢ - أن كل ما شهد له شئ من أدلة الشرع أو قواعده العامة ليس برد بل هو مقبول. ٣ - إبطال جميع العقود المنهى عنها: وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها. ٤ - أن النهى يقتضى الفساد لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها. ٥ - أن حكم الحاكم لا يغير ما فى باطن الأمر؛ لقوله "ليس عليه أمرنا". والمراد به الدين. ٦ - أن الصلح الفاسد مننقض، والمأخوذ عنه مستحق للرد.

стр. 397

٣٦١ - الحديث الثانى: عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت "دخلت هند بنت عتبة -امرأة أبى سفيان- على رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطينى من النفقة ما يكفينى ويكفى بنى، إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل على فى ذلك من جناح؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : خذى من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفى بنيك". راويه عائشة رضى اللَّه عنها. مفرداته هند بنت عتبة: صحابية ماتت فى المحرم سنة أربع عشرة يوم موت أبى قحافة والد أبى بكر الصديق (١). امرأة أبى سفيان: زوجة أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية الصحابى الشهير أسلم عام الفتح ومات سنة اثنتين وثلاثين وقيل بعدها. شحيح: على وعلى أولادى ليس المراد بهذا وصفه بالبخل المطلق وإنما كان يقتر عليها وعلى أولادها كما يفعله كثير من الناس مع أهله. جناح: إثم خذى: أمر إباحة. بالمعروف: القدر الذى عرف بالعادة أنه الكفاية. يستفاد منه ١ - جواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم ونحو ذلك. ٢ - أن ما يذكر فى الاستفناء لأجل ضرورة معرفة الحكم إذا تعلق به أذى الغير لا يوجب تعزيرًا. ٣ - وجوب نفقة الزوجة والأولاد الصغار وأنها مقدرة بالكفاية لا بالأمداد. ٤ - أن للمرأة مدخلا فى كفالة أولادها والإنفاق عليهم من مال أبيهم.

стр. 398

٥ - أن من له على غيره حق وهو عاجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من مال الغير قدر حقه بغير إذنه. ٦ - اعتماد العرف فى تحديد الأمور التى لا تحديد فيها من قبل الشرع. ٧ - جواز إطلاق الفتوى ويكون المراد تعليقها بثبوت ما يقوله المستفتى ولا يحتاج المفتى إلى أن يقول إن ثبت كان الحكم كذا بل يجوز له الإطلاق كما أطلق النبى ﷺ ، واعتبر بعضهم هذا الحديث من القضاء على النائب، وليس الأمر كذلك فإن أبا سفيان حاضر فلا يكون قضاءة بل هو إفتاء. * * * ٣٦٢ - الحديث الثالث: عن أم سلمة رضى اللَّه عنها "أن رسول اللَّه ﷺ سمع جلبة خصم باب حجرته، فخرج إليهم، فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما يأتينى الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحْسِب أنه صادق، فأقضى له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من نار، فليحملها أو يذرها". راويه أم سلمة رضى اللَّه عنها. مفرداته جلبة خصم (١): إختلاط أصوات خصمين والمراد بالخصم هنا الجماعة فإنه من الألفاظ التى تقع على الواحد، والجمع، والمثنى. بباب حجرته: التى فيها أم سلمة. إنما أنا بشر: مشارك لكم فى البشرية بالنسبة لعلم الغيب الذى لم يطلعنى اللَّه عليه. أبلغ من بعض: أفصح فى كلامه منه وأقدر على إظهار حجته. فأحسب: بكسر السين وفتحها أظن. بحق مسلم: هذا التقييد خرج مخرج الغالب وليس المراد به الاحتراز من الكافر.

стр. 399

فإنما هى: القضية، والمراد ذلك الحق. فليحماها أو يذرها: أمر تهديد (١) لا تخيير نظير الأمر فى قوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾. يستفاد منه ١ - إجراء الأحكام على الظاهر وإعلام الناس بأن النبى ﷺ فى ذلك كغيره وإن كان يفترق مع الغير فى إطلاعه على ما يطلعه اللَّه عليه من الغيوب الباطنة فإن ذلك فى أمور خاصة لا فى الأحكام العامة. ٢ - أن حكم الحاكم لا يغير حكما شرعيا فى الباطن فلا يحل حرامًا فإذا شهد شاهدا زور لإنسان بمال فحكم له به الحاكم لم يحل للمحكوم له ذلك المال. * * * ٣٦٣ - الحديث الرابع: عن عبد الرحمن بن أبى بكرة رضى اللَّه عنهما قال "كتب أبى، وكتبت له إلى ابنه (٢) عبد اللَّه بن أبى بكرة وهو قاض بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". وفى رواية: "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان". راويه عبد الرحمن بن أبى بكرة الثقفى ثقة مات سنة ست وتسعين مفرداته كتب: أمر بالكتابة أبى: أبو بكرة الصحابى

стр. 400

وكتبت له: باشرت الكتابة التى أمر بها لأن الأصل عدم التعدد وهو قاض بسجستان: جملة حالية و"سجستان" بكسر السين المهملة والجسم على الصحيح بعدها مثناة ساكنة وهى إلى جهة الهند بينها وبين كرمان مائة فرسخ فإنى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: هذا من قول أبى بكرة لا ابنه لأن ابنه ليست له صحبة: والفاء فى "فإنى" سببية. وهو غضبان: لأن الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق والغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام منه. يستفاد منه ١ - النهى عن القضاء حالة الغضب وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجب لاختلال النظر وعدم استيفائه على الوجه المطلوب وأما قضاء النبى ﷺ فى شراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير فإنما يدل على أن النهى عن القضاء فى حالة الغضب لا يتناول النبى ﷺ وذلك لعصمته من أن يقول فى الغضب غير الحق. ٢ - أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيخ فى وجوب العمل وأما فى الرواية فقد اختلفوا فى ذلك والصواب أن يقال إن أدى الرواية بعبارة مطابقة للواقع جاز كقوله كتب إلى فلان بكذا وكذا. * * * ٣٦٤ - الحديث الخامس: عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا. قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: الإشراك باللَّه، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس، وقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" (١). راويه أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كلده بفتحتين بن عمرو الثقفى صحابى مشهور بكنيته

стр. 401

وقيل اسمه مسروح بمهملات أسلم بالطائف ثم نزل البصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنتين وخمسين. مفرداته أنبئكم: أخبركم بأكبر الكبائر: أعظم الكبائر والكبيرة كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب أو علق عليه حد أو شدد النكير عليه. ثلاثا: ثلاث مرات على عادته ﷺ فى تكرير الشئ ثلاث مرات، لينبه السامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذى يذكره الإشراك باللَّه: المراد بالإشراك هنا مطلق الكفر وتخصيص الإشراك بالذكر لغلبته فى الوجود لاسيما فى بلاد العرب فذكر تنبها على غيره وإلا فبعض الكفر أقبح من الشرك وهو التعطيل. وعقوق الوالدين: صدور ما يتأذى به أحدهما من ولده من قول أو فعل إلا فى شرك أو معصية ما لم يتعنت الوالد. فجلس: إظهارًا لاهتمامه بشهادة الزور لتهاون الناس بها مع عظم مفسدتها بخلاف الشرك فإنه ينبو عنه المسلم والعقوق فإنه ينبو عنه الطبع. وشهادة الزور: هى بمعنى قول الزور لأن قول الزور لو حمل على غير ذلك لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة. ليته سكت: تمنينا أن يسكت إشفاقا عليه لما رأينا من انزعاجه فى ذلك. يستفاد منه ١ - استحباب إعادة الموعظة ثلاثا لتفهم. ٢ - إزعاج الواعظ فى وعظه ليكون ذلك أبلغ فى الوعى عنه والزجر عن فعل ما ينهى عنه. ٣ - انقسام الذنوب إلى كبار وصغائر وعلى ذلك يدل قول اللَّه تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية ٤ - انقسام الكبائر إلى كبير وأكبر وذلك بحسب تفاوت مفاسدها. ولا يلزم من كون ما ذكر فى الحديث أكبر الكبائر استواء رتبها فى نفسها فإن الإشراك باللَّه أعظم كبيرة من كل ما عداه. ٥ - أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر ولاشك فى عظم مفسدته لعظم حق الوالدين

стр. 402

٦ - التحذير من شهادة الزور لاهتمام النبى ﷺ بأمرها. حيث جلس بعد أن كان متكئًا وكررها زجرًا عنها * * * ٣٦٥ - الحديث السادس: عن ابن عباس ﵄ أن النبى ﷺ قال: "لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه". راويه عبد اللَّه بن عباس ﵄. مفرداته بدعواهم: بمجرد إخبارهم عن لزوم حق لهم على آخرين عند حاكم. لادعى ناس دماء رجال وأموالهم: فلا يتمكن المدعى عليه من صون دمه وماله. اليمين على المدعى عليه: إذا أنكر لأن الأصل براءة ذمته مما طلب منه وهو متمسك به. يستفاد منه ١ - أنه لا يقبل قول الإنسان فى ما يدعيه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه. ٢ - أنه لا يجوز الحكم إلا بما رتبه الشرع وإن غلب على الظن صدق المدعى ٣ - أن اليمين على المدعى عليه مطلقًا.

стр. 403

كتاب الأطعمة ٣٦٦ - الحديث الأول: عن النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه- إن الحلال بين، والحرام بين. وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات: استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع فى الشبهات، وقع فى الحرام (١)، كالراعى يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، إلا وإن لكل ملك حمى، إلا وإن حمى اللَّه محارمه، إلا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهى القلب". راويه النعمان بن بشير رضى اللَّه عنهما مفرداته الحلال: وهو ما نص اللَّه ورسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله، أو لم يعلم فيه منع. بين: ظاهر. الحرام: وهو ما نص أو أجمع على تحريمه، أو على أن فيه حدًا أو تعزيرًا أو وعيدًا. أمور: شئون وأحوال. مشتبهات: ليست بواضحة الحل ولا الحرمة.

стр. 404

لا يعلمهن كثير من الناس: فى رواية الترمذى "لا يدرى كثير من الناس أمن الحلال هى أم من الحرام". اتقى الشهات: تركها وحذر منها. وفيه إيقاع الظاهر موقع المضمر تفخيما لشأن اجتناب الشبهات، إذ هى المشتبهات بعينها. استبرأ لدينه: طلب البراءة له من الذم الشرعى وحصلها له وعرضه: بصونه عن كلام الناس فيه بما يشينه ويويه والعرض موضع المدح والذم من الإنسان. ومن وقع فى الشبهات: وقع فى الحرام، أى إذا اعتادها واستمر عليها أدته إلى التجاسر على الوقوع فى الحرام. حول الحمى: المحمى المحظور عن غير مالكه. يوشك: بكسر الشين يقرب يرتع فيه: تأ كل ماشيته منه فيعاقب وأن لكل ملك: من ملوك العرب حمى: موضعًا يحميه عن الناس، ويتوعد من دخل إليه أو قرب منه، بالعقوبة الشديدة. محارمه: جمع محرم وهو فعل المنهى عنه، أو ترك المأمور به الواجب. إلا: حرف استفتاح يدل على تحقق ما بعدها. وفى تكريرها دليل على عظم شأن مدخولها وعظم موقعه مضغة: قطعة لحم صلحت: بفتح اللام وضمها، والفتح أشهر، وقيد بعضهم الضم بالصلاح الذى صار سجية. يستفاد منه ١ - الحث على فعل الحلال ٢ - اجتناب الحرام والشبهات ٣ - أن للشبهات حكمًا خاصًا بها، عليه دليل شرعى يمكن أن يصل إليه بعض الناس وإن خفى عن الكثير. ٤ - المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة. ٥ - أن من لم يتوق الشبهة فى كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه. ويعتبر هذا الحديث من أصول الجرح والتعديل لما ذكر.

стр. 405

٦ - سد الذرائع إلى المحرمات وأدلة ذلك فى الشريعة كثيرة. ٧ - ضرب الأمثال للمعانى الشرعية العملية. ٨ - التنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على إصلاحه، فإنه أمير البدن بصلاحه يصلح, وبفساده يفسد ٩ - أن لطيب الكسب أثرًا فى إصلاحه. * * * ٣٦٧ - الحديث الثانى: عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: "أنفجنا أرنبًا بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة، فذبحها، وبعث إلى رسول اللَّه ﷺ بوركها وفخذيها، فقبله". راويه أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. مفرداته أنفجنا: بالفاء والجيم أثرنا وأذعرنا للاصطياد. أرنبًا: دابة معروفة تشبه العناق لكن فى رجلها طول بخلاف يديها. بمر الظهران: بفتح الميم فى "مر" والظاء فى "الظهران" موضع قريب من مكة. فسعى القوم: خلفه ليصطادوه فلغيوا: بفتح الغين المعجمة فى اللغة الفصيحة المشهورة وفى لغة ضعيفة بكسرها تعبوا. أبا طلحة: زوج أم سلم والدة أنس فقبله: قبل المبعوث إليه. يستفاد منه ١ - جواز استثارة الصيد والعدو فى طلبه أما ما أخرجه أبو داود والنسائى من حديث ابن عباس رفعه "من اتبع الصيد غفل" فمحمول على من واظب على ذلك حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها.

стр. 406

٢ - أن آخذ الصيد يملكه بأخذه ولا يشاركه من أثاره معه. ٣ - جواز أكل الأرنب فإنه إنما ينتفع بعضها إذا ذبحت للأكل. ٤ - إهداء الشئ اليسير للكبير القدر إذا علم من حالة الرضا بذلك. * * * ٣٦٨ - الحديث الثالث: عن أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنهما قالت: "نحرنا على عهد رسول اللَّه ﷺ فرسًا فأكلناه" وفى رواية "ونحن بالمدينة". راويه أسماء بنت أبى بكر الصديق زوج الزبير بن العوام من كبار الصحابيات عاشت مائة سنة وماتت سنة ثلاث أو أربع وسبعين مفرداته نحرنا: ضمير الفاعل عائد على الذى باشر النحر منهم وإنما أتت بضمير الجمع لكونه عن رضا منهم. عهد: زمن. فأكلناه: زاد الدارقطنى "نحن وأهل بيت النبى ﷺ ". يستفاد منه ١ - جواز أكل الخيل لأن فعل الصحابة فى عهد النبى ﷺ له حكم الرفع وفى زيادة الدارقطنى المتقدمة ما يشعر إشعارًا قويًا أنه ﷺ اطلع على ذلك مع أنه لا يظن بآل الصديق أنهم يقدمون على فعل شئ فى زمن النبى ﷺ إلا وعندهم العلم بجوازه لشدة اختلاطهم بالنبى ﷺ وعدم مفارقتهم له فالظاهر إطلاعه على ذلك وتقريره. ٢ - جواز نحر الفرس وفى رواية أخرى "ذبحنا" فجمع النووى بينهما بأنهما قضيتان مرة نحروها ومرة ذبحوها ثم قال: ويجوز أن تكون قصة واحدة وأحد اللفظين مجاز والأول أصح (١).

стр. 407

٣٦٩ - الحديث الرابع: عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما "أن النبى ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن فى لحوم الخيل" ولمسلم وحده قال: "أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبى ﷺ عن الحمار الأهلى". راويه جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما. مفرداته نهى: نهى تحريم لأنها رجس الأهلية: المملوكة التى لها أهل نرجع إليهم. ويرجعون إليها ضد الوحشية وأذن: ورخص. زمن خيبر: زمن حصار خيبر. يستفاد منه ١ - تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية ٢ - جواز أكل الخيل وحديث النهى عن أكل لحوم الخيل ضعيف لا يقاوم هذا الحديث كما أن الاستدلال بمفهوم آية الأنعام ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ يسرى عليه بيان الحديث الصحيح وذكر الركوب والزينة إنما هو لأنهما معظم ما يبتغى من الخيل لا لقصر الخيل عليهما دون الكل. ٣ - جواز أكل لحم الحمار الوحشى. * * * ٣٧٠ - الحديث الخامس: عن عبد اللَّه بن أبى أوفى رضى اللَّه عنه قال "أصابتنا مجاعة ليالى خير، فلما كان يوم خيبر: وقعنا فى الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت بها القدور: نادى منادى رسول اللَّه ﷺ : أن أكفئوا القدور، وربما قال: ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئًا".

стр. 408

راويه عبد اللَّه بن أبى أوفى الأسلمى صحابى شهد الحديبية وعمر بعد النبى ﷺ دهرًا مات سنة سبع وثمانين وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. مفرداته مجاعة: جوع شديد فانتحرناها: فى رواية الواقدى "أن عدة الحمر التى ذبحوها كانت عشرين أو ثلاثين" كذا رواه بالشك. منادى رسول اللَّه ﷺ : أبو طلحة. أكفئوا: أميلوا للاراقة. يستفاد منه ١ - النهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. وأمره ﵊ بإكفاء القدور ورد فيه علتان إحداهما: أنه لكون الحمر أخذت قبل المقاسم: الثانية: أنه لأجل كونها من جوال القربة لكن المشهور والسابق إلى الفهم أنه من أجل التحريم فإن صحت رواية عن النبى ﷺ بغير ذلك تعين الرجوع إليها. * * * ٣٧١ - الحديث السادس: عن أبى ثعلبة رضى اللَّه عنه قال: "حرم رسول اللَّه ﷺ لحوم الحمر الأهلية". راويه أبو ثعلبة الخشنى بضم المعجمة وفتح الشين المعجمة بعدها نون صحابى مشهور بكنيته مات سنة خمس وسبعين وقيل قبل ذلك بكثير فى أول خلافة معاوية بعد الأربعين. مفرداته حرم رسول اللَّه ﷺ : فى رواية النسائى "أمر النبى ﷺ عبد الرحمن ابن عوف فنادى ألا إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل". الأهلية: المملوكة، ضد الوحشية. يستفاد منه ١ - تحريم لحوم الحمر الأهلية ودلالة لفظ "حرم" على التحريم أقوى من لفظ النهى.

стр. 409

٣٧٢ - الحديث السابع: عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال "دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول اللَّه ﷺ بيت ميمونة، فأُتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول اللَّه ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتى فى بيت ميمونة: أخبروا رسول اللَّه ﷺ بما يريد أن يأكل فرفع رسول اللَّه ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول اللَّه؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومى فأجدنى أعافُه، قال خالد: فاجتررته فأكلته، والنبى ﷺ ينظر". راويه عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما مفرداته خالد بن الوليد: صحابى مشهور بيت ميمونة زوج النبى ﷺ وهى خالة ابن عباس وخالد (١). محنوذ: مشوى بالحجارة المحماة فأهوى: فأمال بعض النسوة: هى ميمونة كما عند الطبرانى. فقلت: قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما. لم يكن بأرض قومى: لم يكن أكله شائعة بأرض قومى وبهذا يندفع استشكال وجود الضباب بمكة أعافه: أكرهه تقذرًا فاجتررته: برائين جررته والنبى ينظر: وذلك يدل على حله والجملة حالية وأصرح منه رواية "كلوه فإنه حلال".

стр. 410

يستفاد منه ١ - جواز أكل الضب لقوله ﷺ -لما سئل أحرام هو؟ - "لا" ولتقرير النبى ﷺ على أكله مع العلم بذلك. ٢ - الإعلام بما يشك فى أمره فيتضح الحال فيه. ٣ - أن الطباع تختلف فى النفور عن بعض المأكولات. ٤ - أن مطلق النفرة وعدم الاستطابة ليس دليلا على التحريم. * * * ٣٧٣ - الحديث الثامن: عن عبد اللَّه بن أبى أوفى رضى اللَّه عنه قال "غزونا مع رسول اللَّه ﷺ سبع غزوات، نأكل الجراد". راويه عبد اللَّه بن أبى أوفى رضى اللَّه عنه مفرداته غزونا: من الغزو وهو السير لمقاتلة العدو سبع غزوات: هى الحديبية وعمرة القضاء وخيبر وذات الرقاع والفتح وحنين وتبوك. نأكل الجراد: فى رواية أبى نعيم فى الطب "ويأكل معنا" فإن صحت ففيها رد على من زعم أن النبى ﷺ عاف الجراد كما عاف الضب. يستفاد منه ١ - إباحة أكل الجراد وليس فى الحديث التعرض لاشتراط الزكاة ولا عدم الاشتراط ولا بيان كيفية الأكل ولكن عند أحمد والدارقطنى من حديث ابن عمر مرفوعا "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال" قال الدارقطنى إن الوقف أصح. ورجح البيهقى الوقف إلا أنه قال إن له حكم الرفع. * * *

стр. 411

٣٧٤ - الحديث التاسع: عن زهدم بن مضرب الجرمى قال: كنا عند أبى موسى الأشعرى فدعا بمائدة، وعليها لحم دجاج، فدخل رجل من بنى تيم اللَّه، أحمر شبيه بالموالى، فقال: هلم، فتلكأ. فقال: هلمّ فإنى رأيت رسول اللَّه ﷺ يأكل منه". راويه زهدم بوزن جعفر بن مضرب الجرمى بفتح الجيم (١) أبو مسلم البصرى ثقة مفرداته أبى موسى الأشعرى: عبد اللَّه بن قيس صحابى مشهور أمره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين. دجاج: اسم جنس مثلث الدال والواحد ديك. رجل من بني تيم اللَّه: هو زهدم المذكور أبهم نفسه وهو من بنى تيم اللَّه ولده بنى جرم. فلا منافاة بين كونه جرميا وبين كونه من بنى تيم اللَّه". أحمر: اللون. بالموالى: بالعجم. هلم: كلمة استدعاء. فتلكأ: تردد وتوقف لأنه رأى الدجاج تأكل قذرًا. يستفاد منه ١ - إباحة أكل لحم الدجاج. ٢ - البناء على الأصل لأنه قد بين برواية أخرى أن هذا الرجل علل تأخره بأنه رآه يأكل شيئًا فقذره ولم يمنعه من الاستمساك بهذا الأصل إلا استدلال أبى موسى بفعل النبى ﷺ المقدم على كل شئ. * * * ٣٧٥ - الحديث العاشر: عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى

стр. 412

صلى اللَّه عليه وسلم قال "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يُلعقها". راويه ابن عباس رضى اللَّه عنهما. مفرداته فلا يمسح: بالجزم لأن لا ناهية حتى يعلقها: بفتح الياء والعين بينهما لام ساكنة حتى يلمسها هو أو يعلقها: يلحسها غيره ممن لا يتقذر ذلك و"يعلقها" بضم أوله وكسر ثالثه يستفاد منه ١ - النهى عن مسح الآكل يده بشئ قبل لعقها أو إلعاقها. ٢ - استحباب لعق اليد أو إلعاقها محافظة على بركة الطعام وتنظيفها وفى ذلك رد على من كره لعقها استقذارًا.

стр. 413

باب الصيد ٣٧٦ - الحديث الأول: عن أبى ثعلبة الخشنى رضى اللَّه عنه قال "أتيت رسول اللَّه ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه، إنا بأرض قوم أهل كتاب أفتأكل فى آنيتهم؛ وفى أرض صيد، أصيد بقوسى وبكلبى الذى ليس بمعلم، وبكلبى المعلم، فما يصلح لى؟ قال: أما ما ذكرت -يعنى من آنية أهل الكتاب- فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها. وما صدت بقوسك فذكرت اسم اللَّه عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم اللَّه عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكائه فكل". راويه أبو ثعلبة الخشنى رضى اللَّه عنه. صحابى جليل مشهور بكنيته مفرداته إنا: أنا وقبيلتى خشين وهى بطن من قضاعة بأرض قوم أهل كتاب: فى رواية من أهل الكتاب بالشام أفنأكل فى آنيتهم: وهم يطبخون فى قدورهم ويشربون فى آنيتهم الحمر وفى أرض صيد: من باب إضافة الموصوف إلى صفته لأن التقدير بأرض ذات صيد خذفت الصفة وأقيم المضاف إليه مقامه بقوس: بسهم قوس فما يصلح لى: أكله من ذلك قال: النبى ﷺ أما: بتشديد الميم حرف تفصيل ذكرت: صلة "ما" والعائد محذوف والتقدير ذكرته.

стр. 414

وجدتم: أصبتم غيرها: غير آنية أهل الكتاب فلا تأكلوا فيها: إذ هى مستقذرة ولو غسلت. وإن لم تجدوا: غيرها المعلم: ما ينزجر بالانزجار وينبعث بالإشلاء. يستفاد منه ١ - أن استعمال أوانى أهل الكتاب يتوقف على الغسل ٢ - جواز الصيد بالقوس والكلب معًا ٣ - اشتراط التسمية عند الإرسال لأنه وقف الإذن فى الأكل على التسمية والمعلق بالوصف ينتفى بانتفائه. ٤ - أن الصيد بالكلب المعلم لا يتوقف حله على الذكاة لأنه فرق بينه وبين غير المعلم فى إدراك الذكاة. ٥ - أن غير المعلم يشترط فيه إذا صاد أن تدرك ذكاة الصيد وذلك بأمرين أحدهما الزمن الذى يمكن فيه الذبح فإن أدركه ولم يذبح فهو ميتة ولو كان ذلك لأجل العجز عن ما يذبح به لم يعذر فى ذلك. الثانى: الحياة المستقرة فإن أدركه وقد أخرج حشوته فلا اعتبار بالذكاة حينئذ. * * * ٣٧٧ - الحديث الثانى: عن همام بن الحارث عن عدى بن حاتم قال "قلت: يا رسول اللَّه إنى أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن على، واذكر اسم اللَّه؟ فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه فكل ما أمسك عليك. قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها. قلت: فإنى أرمى بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق، فكله، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله، وحديث الشعبى عن عدى نحوه، وفيه: "إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وإن خالطها

стр. 415

كلاب من غيرها فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره (١) " وفيه "إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم اللَّه عليه. فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته"، وفيه أيضا "إذا رميت بسهمك فاذكر اسم اللَّه عليه"، وفيه "وإن غاب عنك يومًا أو يومين"، وفى رواية "اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، فإن وجدته غريقًا فى الماء فلا تأكل. فإنك لا تدرى: الماء قتله، أو سهمك؟ ". راويه همام بن الحارث بن قيس بن عمرو النخعى الكوفى ثقة عابد. مفرداته عدى بن حاتم: صحابى شهير أرسل: للصيد الكلاب المعلمة: بفتح لام "المعلمة" المشددة وهى التى إذا أغراها صاحبها على الصيد طابته وإذا زجرها انزجرت وإذا أخذت الصيد حيسته على صاحبها فلا تأكل من لحمه أو نحوه كجلده وحشوته قبل قتله أو عقبه مع تكرر لذلك. بالمعراض: بكسر الميم وبالعين المهملة خشبة ثقيلة أو عصًا محدد رأسها وقد تكون

стр. 416

بغير حديدة. فخزق: جرح ونفذ وطعن فيه بعرضه: بغير طرفه المحدد فلا تأكله: فإنه وقيفا. الشعبى: عامر بن شراحيل الثقة المشهور الفقيه الفاضل الذى قال فيه مكحول ما رأيت أفقه منه. المكلب: المعلم فإن أخذ الكلب: الصيد وقتله إياه ذكاته: ذكاة شرعية بمنزلة ذبح الحيوان الإنسى. يستفاد منه ١ - إباحة الاصطياد بالكلاب المعلمة. ٢ - اشتراط التسمية عند الصيد. ٣ - جواز أكل ما أمسكه الكلب المعلم بالشروط المذكورة فى الحديث ولو لم يذبح لقوله "فإن أخذ الكلب ذكاته". ٤ - أن شرط ذلك أن لا يجده حيًا حياة مستقرة فإذا وجده كذلك وأدرك ذكاته لم يحل بالتذكية بقوله فى الحديث "فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه". ٥ - أنه لا يحل أكل ما شارك فيه كلب آخر فى اصطياده ومحله إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة حل ثم ينظر فإن أرسلاها معًا فهو لهما وإلا فللأول. ٦ - تحريم أكل الصيد الذى أكل الكلب منه. ٧ - أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحده حل وإن قتله بعرضه لم يحل ٨ - أنه إذ أثر فيه السهم فغاب عنه فوجده ميتا وليس فيه أثر غير سهمه حل ٩ - أنه إذا حصل الشك فى الذكاة المبيحة للحيوان لم يحل لأن الأصل التحريم ولذلك إذا وجد غريقا لا يؤكل لأنه قد يكون الغرق سبب هلاكه. * * * ٣٧٨ - الحديث الثالث: عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه رضى اللَّه عنهما قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "من

стр. 417

اقتنى كلبا -إلا كلب صيد أو ماشية، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان" قال سالم (١): وكان أبو هريرة يقول "أو كلب حرث"، وكان صاحب حرث. راويه سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى أبو عمر أو أبو عبد اللَّه المدنى أحد الفقهاء السبعة كان ثبتًا عابدًا فاضلا يشبه بأبيه فى الهدى والصمت. مفرداته اقتنى: اتخذ وادخر عنده. أو ماشية: أو كلبا معدًا لحفظ الإبل والبقر والغنم. كل يوم: فى كل يوم. قيراطان: قيل هما كالقيراطين المذكورين فى الصلاة على الجنازة واتباعها سواءًا وقيل دونهما لأن المذكورين هنا ذكرا بصدد العقوبة وهناك فى الفضل والفضل أوسع. سالم: بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب وقائل "قال سالم" إلخ حنظلة بن أبى سفيان راوى الحديث عنه. أبو هريرة: الدوسى الصحابى الجليل الحافظ. يقول: فى روايته لهذا الحديث. حرث: زرع. وكان صاحب حرث: ولذلك اعتنى بهذا الحكم لأن المحتاج إلى الشئ أكثر اهتماما بمعرفة حكمه من غيره فالقصد بهذه الكلمة "وكان صاحب حرث" تثبيت رواية أبى هريرة لا التشكيك فيها. يستفاد منه ١ - بيان ما يترتب على اقتناء الكلب لما سوى الأغراض المذكورة فى الحديث من الوعيد والحكمة فى ذلك ما فى اقتنائه من مفاسد الترويع والعقر للمارة ومجانية الملائكة لمحله. ٢ - جواز اقتناء الكلب للصيد والماشية والحرث.

стр. 418

٣٧٩ - الحديث الرابع: عن رافع بن خديج رضى اللَّه عنه قال "كنا مع رسول اللَّه ﷺ بذى الحليفة من تهامة، فأصاب الناسَ جوعٌ؟ فأصابوا إبلًا وغنما، وكان النبى ﷺ فى أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبى ﷺ بالقدور فأكفئت، ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير فند منها بعير فطلبوه فأعياهم، وكان فى القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه اللَّه، فقال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا، قلت: يا رسول اللَّه، إنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن: فعظم، وأما الظفر فهدى الحبشة". راويه رافع بن خديج رضى اللَّه عنه. مفرداته بذى الحليفة: مكان بالقرب من ذات عرق بين الطائف ومكة وهو غير ميقات أهل المدينة من تهامة: اسم لكل ما نزل من بلاد الحجاز سميت بذلك من التهم بفتح المثناة والهاء وهو شدة الحر وركود الرمح وقيل تغير الهواء. فأصاب الناس جوع: قال هذا ممهدًا لعذرهم فى ذبحهم الإبل والغنم التى أصابوا. وكان النبى فى أخريات القوم: صوفا للعسكر وحفظًا لأنه لو تقدمهم لخشى أن ينقطع الضعيف منهم دونه لشدة حرصهم على مرافقته. فعجلوا: فاستعجلوا من الجوع الذى كان بهم. وذبحوا: ما غنموه قبل القسم. فأكفئت: قلبت وأفرغ ما فيها. قسم: قسمة تعديل بالقيمة.

стр. 419

فعدل عشرة من الغنم ببعير: لكون الإبل قليلة أو نفيسة والغنم كثيرة أو هزيلة فلا يخالف ذلك القاعدة فى الأضاحى من إجزاء البعير عن سبع شياه لأن ذلك هو الغالب. فى قيمة الشاة والبعير المعتدلين. فند: بفتح النون وتشديد الدال شرد. منها: من الإبل المقسومة. فأعياهم: أتعبهم، ولم يقدروا على تحصيله. وكان فى القوم خيل يسيرة: تمهيد لعذرهم فكأنه يقول: لو كان فيهم خيول كثيرة لأحاطوا به وأخذوه. فأهوى رجل: قصد نحوه ورماه. فحبسه اللَّه: فأصابه السهم فوقف. البهائم: جمع بهيمة وهى كل ذات أربع قوائم. أوابد: جمع آبدة أى متوحشة من الإنس. إنا لاقوا العدو غدًا: عرف ذلك بخبر من صدقه أو بالقرائن. وليس معنا مدى: سكاكين. والمراد أننا سنحتاج إلى دع ما نأكله لتتقوى به على العدو ولا نريد أن نذع بسيوفنا لئلا يضر ذلك بحدها. أنهر: أسال وصب بكثرة. وسأحدثكم (١) عن ذلك: سأخبركم عن حكمة منع الذبح بهما. أما السن: المنتزعة، لأن ما ذبح بالثابتة يعتبر منخنقه وقيل المراد مطلق السن. الظفر: ظفر الإنسان. واستظهر الشافعى أن المراد به الظفر الذى هو طيب من بلاد الحبشة وهو لا يقرى فيكون فى معنى الخنق. فمدى الحبشة: وهم كفار قد نهينا عن التشبه بهم. يستفاد منه ١ - تحريم التصرف فى الأموال المشتركة من غير إذن ولو قلت ولو وقع الاحتياج إليها. ٢ - انقياد الصحابة لأمر النبى ﷺ حتى فى ترك ما بهم إليه الحاجة الشديدة.

стр. 420

٣ - أن قسمة الغنيمة يجوز فيها التعديل والتقويم ولا يشترط قسمة كل شئ منها على حدة. ٤ - أن ما توحش من المستانس يكون حكمه حكم الوحش كما أن ما استأنس من الوحش يكون حكمه حكم المستأنس. ٥ - جواز عقر الحيوان الناد لمن عجز عن ذبحه كالصيد البرى والمتوحش من الإنسى وأنه إذا مات من ذلك حل، أما المقدور عليه فلا يباح إلا بالذبح أو النحر إجماعا. ٦ - جواز الذبح بما يحصل به المقصود من غير توقف على كونه حديدًا بعد أن يكون محددًا. ٧ - اشتراط التسمية فإن المعلق على شيئين ينتفى بانتفاء أحدهما. ٨ - منع الذبح بالسن والظفر. واستثناؤها من إباحة الذبح بكل ما يحصل به المقصود.

стр. 421

باب الأضاحى ٣٨٠ - الحديث الأول: عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال "ضحى النبى ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما". راويه أنس بن مالك رضى اللَّه عنه. مفرداته ضحى: تقرب إلى اللَّه تعالى يوم عيد الأضحى. بكبشين: تثنية كبش وهو فحل الضأن. أملحين: تثنية أملح وهو الذى فيه سواد وبياض. أقرنين: تثنية أقرن وهو الكبير القرن. والمراد أن لكل واحد قرنين كبيرين معتدلين. وسمى: قال: بسم اللَّه. وكبر: وقال: اللَّه أكبر. صفاحهما: صفاح كل منهما عند ذبحه والصفاح الجوانب والمراد الجانب الواحد من وجه الأضحية يستفاد منه ١ - مشروعية الأضحية ولا خلاف أنها من شعائر الدين. ٢ - تقديم الغنم فى الأضاحى على الإبل عكس الهدايا لإختيار النبى ﷺ فى الأضاحى للغنم ولاختيار اللَّه تعالى إياها فى فداء الذبيح. ٣ - استحباب التضحية بالكبش الأملح الأقرن. ٤ - مشروعية التسمية والتكبير معها عند ذبح الأضحية. ٥ - استحباب وضع الرجل على صفحة عنق الأضحية الأيمن، وقد اتفق العلماء على أن إضجاعها يكون على الجانب الأيسر فيضع رجله على الجانب الأيمن ليكون أسهل على الذابح فى أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها بيدها اليسرى ٦ - اختيار تعداد الأضحية. ٧ - استحباب تولى المضحى بنفسه أضحيته إذا قدر على ذلك.

стр. 422

كتاب الأشربة ٣٨١ - الحديث الأول: عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن عمر قال على منبر رسول اللَّه ﷺ : "أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهى من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل، ثلاث وددت أن رسول اللَّه ﷺ كان عهد إلينا فيها عهدًا تنتهى إليه (١): الجد، والكلالة، وأبواب من الربا". راويه عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما. مفرداته قال: فى خطبته بحضرة أكابر الصحابة. أيها الناس: يا أيها الناس. إنه نزل تحريم الخمر: فى قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. وهى من خمسة: جملة حالية أى فى حال كونها تصنع من خمسة والمراد أن الخمر فى الآية غير مختص بالمتخذ من العنب. والخمر: الذى حرمه الشارع. ما خامر العقل: ما ستر العقل أو خالطه فلم يتركه على حاله. ثلاث: صفة موصوف محذوف أى أمور أو أحكام. وددت: بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية تمنيت. عهد إلينا فيهن: بين لنا حكمها لأن ذلك أبعد من محذور الاجتهاد ولو كان مأجورًا عليه.

стр. 423

الجد: هل يحجب الأخ أو يحجب به أو يقاسمه وقد اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا وكان أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه ينزله منزلة الأب عند عدم الأب. والكلالة: من لا أب له ولا ولد. وأبواب من أبواب الربا: ربا الفضل لأن ربا النسيئة متفق عليه بينهم وهذا السياق يدل على أن عند عمر نصًا فى بعض من أبواب الربا دون بعض. يستفاد منه ١ - ذكر أما بعد فى الخطبة. ٢ - التنبيه بالنداء. ٣ - تحريم الخمر وأن اسمه لا يقتصر على ما اعتصر من العنب. ٤ - تمنى البيان للأحكام الشرعية. ٥ - صعوبة المسائل الثلاثة وهى الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا. ٦ - أن إخبار صحابى شهد التنزيل عن سبب نزول الآية فى حكم المرفوع ولذلك أورد الشيخان هذا الحديث فى صحيحهما. * * * ٣٨٢ - الحديث الثانى: عن عائشة رضى اللَّه عنها "أن رسول اللَّه ﷺ سئل عن البتع؟ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام" راويه عائشة رضى اللَّه عنها. مفرداته البتع: بكسر الباء وسكون التاء وقد تفتح نبيذ العسل. فقال: رسول اللَّه ﷺ . أسكر: فيه صلاحية للاسكار ولو لم يسكر القدر المتناول منه. يستفاد منه ١ - أن المفتى يجيب السائل بزيادة عن ما سأل عنه إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل ٢ - تحريم البتع. ٣ - تحريم كل مسكر من أى نوع سواء كان متخذًا من عصير العنب أو غيره. ٤ - أنه لا فرق بين قليل المسكر وكثيره فى التحريم. ٥ - تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابا فيدخل فى ذلك الحشيشة وغيرها.

стр. 424

٣٨٣ - الحديث الثالث: عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال "بلغ عمر: أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل اللَّه فلانًا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: قال اللَّه اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها؟ ". راويه عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما. مفرداته عمر: بن الخطاب الخليفة الراشد. فلانا: سمرة بن جندب الصحابى رضى اللَّه عنه. باع خمرًا: وكان سمرة يعلم تحريم الخمر ولا يعلم تحريم بيعها. فقال: أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. قاتل اللَّه فلانًا: لم يرد بها عمر ظاهرها بل هى كلمة تقولها العرب عند إرادة الزجر، فقالها فى حقه تغليظًا عليه. قاتل اللَّه اليهود: لعنهم. حرمت عليهم الشحوم: حرم عليهم أكلها إذ لو حرم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها. فجملوها: بفتح الجيم وتخفيف الميم أذابوها. يستفاد منه ١ - إقالة ذوى الهيئات زلاتهم لأن عمر اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبة ونحوها. ٢ - تحريم بيع الخمر. ٣ - استعمال الصحابة القياس فى الأمور لأن عمر قاس تحريم بيع الخمر عند تحريمها على بيع الشحوم عند تحريمها.

стр. 425

كتاب اللباس ٣٨٤ - الحديث الأول: عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ "لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه فى الدنيا لم يلبسه فى الآخرة". راويه عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. مفرداته الحرير: معروف وهو عربى سمى بذلك لخلوصه يقال لكل خالص محرر. من لبسه: من الرجال. لم يلبسه فى الآخرة: تبين معنى هذه الجملة رواية أحمد والنسائى والحاكم وصححه من طريق داود السراج عن أبى سعيد فذكر الحديث المرفوع مثل حديث عمر هذا وزاد "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو". يستفاد منه تحريم لبس الحرير على الرجال وهو عند الجمهور محمول على الخالص منه أما الممتزج بغيره فللفقهاء فيه اختلاف كثير منهم من يعتبر الغلبة فى الوزن ومنهم من يعتبر الظهور فى الرؤية والمحرم يقول إن الحديث يدل على تحريم مسمى الحرير فما خرج منه بالإجماع حل ويبقى ما عداه على التحريم. * * * ٣٨٥ - الحديث الثانى: عن حذيفة بن اليمان رضى اللَّه عنهما قال سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا فى آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا فى صحافهما، فإنها لهم فى الدنيا ولكم فى الآخرة".
следующие страницы →