← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قال مقاتل: " يعني من اليهود والنصارى" (١). قال الطبري: أي: " إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى، بل كان حنيفًا مسلمًا" (٢). قال البيضاوي: " تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون" (٣). قال ابن عطية: " ونفى عنه الإشراك، فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم: عزير ابن الله، والنصرانية لقولهم: المسيح ابن الله" (٤). قال ارازي: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، "تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وذلك شرك" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن أهل الباطل يدْعون إلى ضلالهم، ويدَّعون فيه الخير؛ ﴿كونوا هوداً أو نصارى هذه دعوة إلى ضلال؛ ﴿تهتدوا﴾: ادعاء أن ذلك خير؛ وهكذا أيضاً قد ورث هؤلاء اليهود من ضل من هذه الأمة، كأهل البدع في العقيدة، والقدر، والإيمان - الذين ادعوا أنهم على حق، وأن من سلك طريقهم فقد اهتدى؛ قال النبي ﷺ : «لتركبن سَنن من كان قبلكم» (٦). ٢ - ومن فوائد الآية: أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآن يقولون: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوها تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوها الحرية؛ وهكذا كل داع إلى ضلالة سوف يطلي هذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيه باليهود، والنصارى. ٣ - ومنها: مقابلة الباطل بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾؛ إذ لابد للإنسان من أن يسير على طريق؛ لكن هل هو حق، أو باطل؟ ! بين الله أن كل ما خالف الحق فهو باطل في قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٤ - ومنها: الثناء على إبراهيم ﵇ من وجوه ثلاثة: أولاً: إمامته؛ ووجهها: أننا أمرنا باتباعه؛ والمتبوع هو الإمام. ثانياً: أنه حنيف؛ والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام. ثالثاً: أنه ليس فيه شرك في عمله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. ٥ - ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. ٦ - ومنها: أن ملة إبراهيم ﵇ أفضل الملل؛ وهي التوحيد، والحنيفية السمحة؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٧ - ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنهما نوع من الشرك؛ كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك؛ لكن إن اتخذ إلهاً فهو شرك حقيقة، وواقعاً؛ وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.

стр. 1017

٨ - قد ذكر الرازي- من خلال تفسيره للآية -أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام منها: حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾ ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة: بأنه ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفا﴾ وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ﵇ وترك اليهودية والنصرانية أولى. فإن قيل: أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ﵇. قلنا: لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم (١). القرآن ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦] التفسير: قولوا -أيها المؤمنون- لهؤلاء اليهود والنَّصارى: صدَّقنا بالله الواحد المعبود بحق، وبما أنزل إلينا من القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه ورسوله محمد ﷺ ، وما أنزل من الصحف إلى إبراهيم وابنيه إسماعيل وإسحاق، وإلى يعقوب والأسباط -وهم الأنبياء مِن ولد يعقوب الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة- وما أُعطي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أُعطي الأنبياء جميعًا من وحي ربهم، لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، ونحن خاضعون لله بالطاعة والعبادة. في سبب نزول الآية أقوال (٢): أحدها: قال ابن عباس قال: "أتى رسول الله ﷺ نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط، ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٩] " (٣). الثاني: وقال قتادة: ﴿قُولُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿ونَحنُ له مسلمون﴾، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرِّقوا بين أحد منهم" (٤). الثالث: وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبْرَانيَّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تُكَذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا" (٥).

стр. 1018

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يَسار عن ابن عباس، قال، كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلى الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] " (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، "أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله" (٣). قال مقاتل: " بأنه واحد لا شريك له" (٤). قال الطبري: "أي: قولوا أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى-الذين قالوا لكم كونوا هُودًا أو نصارى تَهتدوا " -: صدَّقنا بالله. قال الشيخ السعدي: " فقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بأنه موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدم الإشراك به في شيء منها، بوجه من الوجوه" (٥). قال البيضاوي: " الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ " (٦). قال ابن عطية: " هذا الخطاب لأمة محمد ﷺ ، علمهم الله الإيمان" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: صدّقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبيّنا محمد ﷺ " (٨). قال مقاتل بن سليمان: " يعني قرآن محمد- ﷺ " (٩). قال الصابوني: أي: وآمنا بما "أنزل إِلينا من القرآن العظيم" (١٠). قال ابن عطية: " يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون المنهيون فيه" (١١). قال الطبري: " فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به (١٢). قال السعدي: "فقوله ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾: يشمل القرآن والسنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، من صفات الباري، وصفات رسله، واليوم الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية، وأحكام الجزاء وغير ذلك (١٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، "أي: صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط " (١٤). قال الطبري: " وهم الأنبياء من ولد يَعقوب" (١٥).

стр. 1019

قال مقاتل بن سليمان: " وهم بنو يعقوب يوسف وإخوته فنزل على هؤلاء صحف إبراهيم" (١). قال البيضاوي: "وهي-أي الصحف- وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضاً منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا" (٢). قال الصابوني: " أي وآمنا بما أنزل إِلى إِبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبديون بها وكذلك حفدة إِبراهيم وإِسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم" (٣). قال ابن عطية: أي" إنا نؤمن بجميع الأنبياء، لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع" (٤). واختلف في قوله تعالى: ﴿الْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، على وجهين (٥): احدها: أن (السبط) في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، و (الأسباط): القبائل من اليهود، سموا بذلك، ليفرق بين ولد إسماعيل الذين يقال لهم: قبائل، وولد إسحاق الذين يقال لهم: أسباط (٦). وهذا قول أبي عبيدة وجماعة من العلماء (٧). الثاني: أن (الأسباط) جمع (سِبْط) -بكسر السين وسكون الباء-: ابن الابن، أي: الحفيد، والمراد أسباط إسحاق، أي: أولاد يعقوب، وهم الذين تشعبت منهم قبائل بني إسرائيل، وسمّوا بذلك؛ لأنه وُلِد لكل رجل منهم أمة من الناس فسموا بذلك (٨). وهذا قول أبي العالية (٩)، وقتادة (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، والسدي (١٢)، واختاره الثعلبي (١٣) والزجاج (١٤)، وآخرون (١٥). قال الثعلبي: " وسبط الرّجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين ﵉ سبطا رسول الله ﷺ " (١٦). وقال الزمخشري: "السبط: الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول اللَّه ﷺ ، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ حفدة يعقوب ذرارىّ أبنائه الاثني عشر" (١٧).

стр. 1020

قال الحافظ ابن حجر: الأسباط: " اسم إخوة يوسف: رُوْبِيْل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم، وشمعون بالشين المعجمة، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي بفاء ومثناة، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين (١)، وهم الأسباط" (٢). وقد اختلف في (الأسباط) هل كان فيهم أنبياء، وفيه قولان: أحدهما: أنه كان فيهم أنبياء (٣). والثاني: أنه لم يكن فيهم نبيّ. والراجح أنه كان فيهم أنبياء، يدل عليه ظاهر هذه الآية، وقوله تعالى ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهذه الآيات تدل على نبوة الأسباط إذ عطفهم في نسق واحد على الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، ولا يوجد ما يمنع هذا الظاهر لغة أو شرعاً حتى يقال إن الأسباط في هذه الآيات قبائل بني إسرائيل وأن هناك حذفاً تقديره: أنبياء الأسباط أو نحو ذلك، على أن القول بوجود حذف خلاف الأصل. أما ما قيل: من أن كيد إخوة يوسف ليوسف يتنافى مع القول بنبوتهم، فيقال: ذاك قبل النبوة، بل قد قيل إنه قبل البلوغ، والعصمة للأنبياء إنما تكون بعد الإيحاء إليهم على الصحيح، على أن ظواهر النصوص الثابتة لا ينبغي ردها بمثل ذلك. أما ما قيل من أنه لم تأت نصوص صحيحة تثبت نبوتهم، فيقال إن ظواهر تلك الآيات كاف في ذلك، ولابد من القول بها حتى تأتي نصوص صحيحة صريحة تفيد عدم نبوتهم، فيلجأ عندها إلى القول بالحذف ونحوه جمعاً بين النصوص وإعمالاً لها كافة، أما هكذا فلا. وأما قوله- -عن بني إسرائيل في زمن موسى ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] فالمراد به قبائل بني إسرائيل المنحدرة من أبناء يعقوب ﵈، ولا يوجد مانع يمنع أن يراد بلفظ في سياق معنى، ويراد به في سياق آخر معنى آخر، والله أعلم. و﴿الأسباط﴾: مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل، كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (٤). وقال أبو العباس: "سألت ابن الأعرابي، ما معنى (السبط)، في كلام العرب؟ فقال: السِّبط والسِّبطان والأسباط: خاصة الأولاد، أو المُصاص منهم" (٥) قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: "وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم" (٦). قال مقاتل: " ﴿وما أوتي موسى﴾، يعني التوراة (و) ﴿ما أوتى عيسى﴾، يعني: الإنجيل، يقول ما أنزل على موسى وعيسى وصدقنا وما أوتي النبيون من ربهم وأوتي داود وسليمان الزبور" (٧). قال الطبري: أي" وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته" (٨).

стр. 1021

قال أبو السعود: أي: " من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرة الظاهرة بأيديهما حسبما فُصّل في التنزيل الجليل وإيرادُ الإيتاء لما أشير إليه من التعميم وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى، ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون﴾ أي جملةُ المذكورين وغيرُهم، ﴿مّن رَّبّهِمُ﴾ من الآيات البيناتِ والمعجزاتِ الباهراتِ" (١). قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله" (٢). وقال سليمان بن حبيب المحاربي: " إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل ولا نعمل بما فيها" (٣). وقد يسأل سائل: لِمَ عبر الله تعالى بقوله: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل﴾، وفي موسى وعيسى قال تعالى: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾؛ فهل هناك حكمة في اختلاف التعبير؟ فالجواب: أن نقول - والله أعلم-: إن هناك حكمة لفظية، وحكمة معنوية: فالحكمة اللفظية: لئلا تتكرر المعاني بلفظ واحد؛ لو قال: (ما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وما أنزل إلى موسى ... وما أنزل إلى النبيين) تكررت أربع مرات؛ ومعلوم أن من أساليب البلاغة الاختصار في تكرار الألفاظ بقدر الإمكان. وأما الحكمة المعنوية: فلأن موسى وعيسى دينهما باقٍ إلى زمن الوحي، وكان أتباعهما يفتخرون بما أوتوا من الآيات؛ فالنصارى يقولون: عيسى بن مريم يُحيي الموتى، ويفعل كذا، ويفعل كذا؛ وهؤلاء يقولون: إن موسى فلق الله له البحر، وأنجاه، وأغرق عدوه، وما أشبه ذلك؛ فبين الله في هذا أن هذه الأمة تؤمن بما أوتوا من وحي وآيات (٤). قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: " لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض" (٥). قال قتادة: " أمر الله المؤمنين أن لا يفرقوا بين أحد منهم" (٦). قال مقاتل: " فنؤمن ببعض النبيين، ونكفر ببعض، كفعل أهل الكتاب" (٧). قال الثعلبي: " فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى" (٨). قال ابن عطية: " أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون" (٩). قال الواحدي: أي: " أي: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض كما فعلت اليهود والنصارى" (١٠). قال الطبري: "بل نشهد لجميعهم أنّهم كانوا رسلَ الله وأنبياءَه، بعثوا بالحق والهدى" (١١). قال أبو السعود: " كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وإنما اعتبروا عدمُ التفريق بينهم مع أن الكلامَ فيما أوتوه لاستلزام عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريقِ بين ما أوُتوه" (١٢). قال السعدي: أي: "بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين، التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين، فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب، بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم

стр. 1022

تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا، أنهم قد آمنوا به، قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد ﷺ ، فإذا كذبوا محمدا، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به، فيكون كفرا برسولهم" (١). وفي قوله تعالى: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وجهان (٢): الأول: إنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز. قال الفراء: "أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى" (٣). الثاني: لا نفرق بين أحد منهم، أي لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]. والصواب الوجه الأول، لأنه أليق بسياق الآية، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: "ونحنُ له خاضعون بالطاعة، مذعنون له بالعبودية" (٤). قال الصابوني: " أي منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه" (٥). قال أبو السعود: " أي مخلصون له ومُذعنون، حالٌ أُخرى منْهُ أو عطفٌ على ﴿آمنا﴾ " (٦). الفوائد: ١ - فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده، كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون. ٢ - ومنها: أن الكتب التي أوتيها الرسل قد نزلت من عند الله؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥]. ٣ - ومنها: الإشارة إلى البداءة بالأهم - وإن كان متأخراً؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ مع أن ما أنزل إلينا متأخر عما سبق. ٤ - ومنها: الإيمان بما أوتي النبيون من الآيات الكونية، والآيات الشرعية. ٥ - ومنها: أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، على حد سواء في أصل الإيمان؛ وأما الشرائع فلكلٍّ منهم جعل الله شرعة ومنهاجاً، كما قال تعالى: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨]؛ فنحن مأمورون باتّباع شريعة محمد ﷺ التي نسخت جميع الأديان؛ أما في الإيمان بأنهم رسل من عند الله، وأنهم صادقون بما جاءوا به فإنا لا نفرق بين أحد منهم؛ لقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾، وقوله تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ٦ - ومن فوائد الآية: وجوب الإخلاص لله ؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾.

стр. 1023

٧ - ومنها: أن الرسل ليسوا مستقلين بهذه الآيات؛ فلا يملكون أن يأتوا بهذه الآيات، أو بهذا الوحي؛ فهم يتلقون من الله؛ حتى الرسول ﷺ إذا طُلب منه الآيات لا يستطيع أن يأتي بها؛ ولهذا لما اقترح المكذبون عدة آيات قال تعالى: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]، وقال تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين﴾ [العنكبوت: ٥٠]، أي فلا أملك أن آتي بالآيات. ٨ - ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يشعر أنه هو وإخوانه كنفس واحدة، كما قال النبي ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (١) وشبّك بين أصابعه؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾: فأتى بضمير الجمع: ﴿قولوا آمنا بالله ... ونحن ... ﴾. ٩ - ومنها: أن الإسلام لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والجوارح؛ لإطلاقه في قوله تعالى: ﴿مسلمون﴾؛ فيستسلم قلب المرء لله ﵎ محبة، وتعظيماً، وإجلالاً؛ ويستسلم لسانه لما أمره الله أن يقول؛ وتستسلم جوارحه لما أمره الله تعالى أن يفعل. القرآن ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧] التفسير: فإنْ آمن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم بمثل الذي آمنتم به، مما جاء به الرسول، فقد اهتدوا إلى الحق، وإن أعرضوا فإنما هم في خلاف شديد، فسيكفيك الله -أيها الرسول- شرَّهم وينصرك عليهم، وهو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم. في سبب نزول الآية: قال مقاتل: " لما نزلت هذه الآية [﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه﴾]، قرأها النبي- ﷺ على اليهود والنصارى، فقال: إن الله- أمرني أن أوصي بهذه الآية، فإن انتم آمنتم يعني صدقتم بالنبي- ﷺ والكتاب، فقد اهتديتم وإن توليتم وأبيتم عن الإيمان فإنما أنتم في شقاق، فلما سمعت اليهود ذكر عيسى- ﷺ قالوا: لا نؤمن بعيسى. وقالت النصارى: وعيسى بمنزلتهم مع الأنبياء، ولكنه ولد الله. يقول: إن أبوا أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به فسيكفيكهم الله يا محمد يعني أهل الكتاب ففعل الله- ذلك فقتل أهل قريظة، وأجلى [بني] النضير من المدينة إلى الشام" (٢). ونقله عنه ابن حجر ملخصا (٣). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]، " أي: فإِن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنم به معشر المؤمنين، فقد اهتدوا إِلى الحق كما اهتديتم" (٤). قال ابن عباس: " أخبر الله سبحانه أن الإيمان هو العروة الوثقى، وأن لا يقبل عملا إلا به، ولا يحرم الجنة إلا على من تركه" (٥). وعن الربيع: " ثم قال: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، فقال: من تكلم بهذا صدقا من قلبه- يعني- الإيمان فقد اهتدى" (٦).

стр. 1024

قال مقاتل: " يقول فإن صدق أهل الكتاب بالذي صدفتم به يا معشر المسلمين من الإيمان بجميع الأنبياء والكتب، فقد اهتدوا من الضلالة" (١). قال ابن عطية: أي: " إن صدقوا تصديقا مثل تصديقكم" (٢). قال الطبري: أي" فإن صدّق اليهودُ والنصارَى بالله، ومَا أنزل إليكم، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، ومَا أوتي مُوسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، وأقروا بذلك، مثلَ ما صدّقتم أنتم به أيّها المؤمنون وأقررتم، فقد وُفِّقوا ورَشِدوا، ولزموا طريق الحق، واهتدوا، وهم حينئذ منكم وأنتم منهم، بدخولهم في ملتكم بإقرارهم بذلك. فدلّ تعالى ذكره بهذه الآية، على أنه لم يقبل من أحد عَملا إلا بالإيمان بهذه المعاني التي عدَّها قَبلها" (٣). قال الزجاج: " فإِن قال قائل: فهل للإيمان مِثْلٌ هو غير الِإيمان؟ قيل له: المعنى واضح بين، وتأويله: فإِن أتَوْا بتصديق مثل تصديقكم وإِيمانكم - بالأنبياءِ، ووحَّدوا كتوحيدكم - فقد اهتدوا، أي فقد صاروا مسلمين مثلكم" (٤). وقوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧]، اختلف المعربون في الباء، وفي (مثل) أيهما الزائد، وفيه قولان (٥): أحدهما: أن (مثل) هي الزائدة، وأن التقدير: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا؛ وأن (مثل) زائدة إعراباً لا معنًى؛ وأن المعنى: أنهم إن آمنوا بما آمنتم به إيماناً مماثلاً لإيمانكم؛ فعلى هذا تكون الزيادة في كلمة (مثل). وقد روي عن ابن عباس: لا تقولوا: ﴿فإن آمنوا بمثل مَا آمنتم به فقد اهتدوا﴾، فإنه ليس لله مثل، ولكن قولوا: " فإن آمنوا بالذي آمنتم به فَقد اهتدوا " - أو قال: " فإن آمنوا بما آمنتم به " (٦). وهذه القراءة جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافها، وأجمعت قَرَأة القرآن على تركها. قال الطبري: " فكأن ابن عباس - في هذه الرواية إن كانت صحيحة عنه - يوجِّه تأويل قراءة من قرأ: ﴿فإن آمنُوا بمثل مَا آمنتم به﴾، فإن آمنوا بمثل الله، وبمثل ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل. وذلك إذا صرف إلى هذا الوجه، شِركٌ لا شكَّ بالله العظيم. لأنه لا مثل لله تعالى ذكرُه، فنؤمن أو نكفر به" (٧). الثاني: أن الزائد هو (الباء) حرف الجر؛ وأن التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم - أي مثل إيمانكم -؛ والباء الثانية أيضاً زائدة. وقد اتفق الجميع على أن المراد الزيادة الإعرابية؛ وليست الزيادة المعنوية؛ لأنه ليس في القرآن ما هو زائد معنى - أي لا فائدة فيه -؛ والمعروف أن الأسماء لا تزاد؛ وأما الزيادة في الحروف فكثيرة؛ لأن الاسم كلمة جاءت لمعنى في نفسها؛ والحرف كلمة جاءت لمعنى في غيرها؛ ومعلوم أننا لو وزنا بالميزان المستقيم لكان ما يجيء لمعنى في غيره أولى بالزيادة مما يجيء لمعنى في نفسه؛ ولهذا أنكر بعض النحويين زيادة الأسماء، وقالوا: لا يمكن أن تزاد الأسماء؛ لأنها جاءت لمعنى في ذاتها؛ بخلاف الحرف؛ فعلى هذا تكون الزيادة في الباء - أي فإن آمنوا مثل ما آمنتم -؛ أي مثل إيمانكم؛ وعلى كلا الاحتمالين من حيث الإعراب فالمعنى واحد - أي إن آمنوا إيماناً مطابقاً لإيمانكم مماثلاً له من كل الوجوه فقد اهتدوا -. و(الهداية) هنا هداية العلم، والتوفيق؛ لأنهم آمنوا عن علم فوفِّقوا، واهتدوا؛ والهداية هنا مطلقة كما أن المسلمين الذين آمنوا على الوصف المذكور مهتدون هداية مطلقة (٨).

стр. 1025

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، " أي وإِن أعرضوا عن الإِيمان بما دعوتهم إِليه، فاعلم أنهم إِنما يريدون عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء" (١). قال مقاتل: " يقول: إن أبوا أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به، أي وإن كفروا بالنبيين وجميع الكتب، فإنما هم في ضلال واختلاف، نظيرها: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾، يعني لفي ضلال واختلاف" (٢). قال ابن عطية: " أي أعرضوا، يعني به اليهود والنصارى، فإنما هم في شقاق لك، هم في شق وأنت في شق" (٣). قال الطبري: "أي: وإن تولى هؤلاء الذين قالوا لمحمد ﷺ وأصحابه: ﴿كونوا هودًا أو نصارَى﴾ فأعرضوا، فلم يؤمنوا بمثل إيمانكم أيّها المؤمنون بالله، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابتُعِثت به الرسل، وفرّقوا بين رُسُل الله وبين الله ورسله، فصدّقوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ فاعلموا، أيها المؤمنون، أنهم إنما هُمْ في عصيان وفِرَاق وحَربٍ لله ولرسوله ولكم" (٤). قال الواحدي: " أي: [في] خلاف وعداوة، وتأويله: أنهم صاروا في شِقّ غير شَقّ المسلمين" (٥). قال الربيع: " ﴿وإن تولوا﴾ عنه يعني عن الإيمان" (٦). قال محمد بن إسحاق: " ﴿وإن تولوا﴾ على كفرهم" (٧). و(الشقاق): من (شَقَّ عليه هذا الأمر)، إذا كرَبه وآذاه، ثم قيل: (شاقَّ فلانٌ فلانًا)، بمعنى: نال كل واحد منهما من صاحبه ما كرَبه وآذاه، وأثقلته مَساءَته، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] بمعنى: فراقَ بينهما (٨). و(الشقاق) في اللغة: له ثلاثة معان: أحدها: العداوة، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]. قال الواحدي: والعداوة تسمى شقاقًا؛ لأنّ كلّ واحد من المعادين يأتي بما يشقّ على صاحبه، أو لأنّ كل واحد صار في شقّ غير شق صاحبه للعداوة والمباينة" (٩). والثاني: الخلاف، مثل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. والثالث: الضلالة، مثل قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣]. وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجوها (١٠): أولها: أن معناه: في خلاف. قاله ابن عباس (١١)، وأبو العالية (١٢)، وقتادة (١٣) والربيع بن أنس (١٤)، وعطاء (١٥)، والأخفش (١٦).

стр. 1026

ودليل هذا القول، قوله: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ [هود: ٨٩]، أي خلافي (١)، ومنه قول الشاعر (٢): فكان إليها والّذي اصطاد بكرها ... شقاقا وبعضهن أو لطم وأهجرا وثانيها: أي: في ضلال. قاله أبو عبيدة (٣)، ومقاتل (٤).ودليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء: ٣٥]، أي اختلاف بينهما، قال الشاعر (٥): إلى كم نقتل العلماء قسرا ... ونفجر بالشّقاق وبالنفاق أي بالضلال والاختلاف (٦). وثالثها: أن الشقاق: الفراقُ والمحاربة. إذا شَاقَّ فقد حارب، وإذا حَارب فقد شاقَّ، وهما واحدٌ في كلام العرب، ومنه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [سورة النساء: ١١٥]. قاله ابن زيد (٧). ورابعها: أي: في عداوة. قاله الحسن (٨)، وابن سلمة (٩) والسدي (١٠). يقال: كان كلّ واحد منهما أخذ في شقّ صاحبه، أي في جهده وما يشق عليه من قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، ودليله قوله: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، أي عادوا الله ورسوله (١١). ومنه قول بشر بن أبي حازم (١٢): وإلّا فاعلموا انّا وأنتم ... بغاة ما حيينا في شقاق أي في عداوة (١٣). قال الزجاج: ﴿هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾: " أي في مشاقة وعداوة ومن هذا قول الناس: فلان قد شق عصا المسلمين، إِنما هو قد فارق ما اجتمعوا عليه من اتباع إِمامهم، وإِنما صار في شق - غير شق المسلمين" (١٤). وسادسها: أن الشقاق: خلع الطّاعة، وبيانه قوله ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥]. وهذا قول الكسائي (١٥).

стр. 1027

قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، " أي سيكفيك يا محمد شرهم وأذاهم ويعصمك منهم" (١). قال ابن كثير: أي: "فسينصرك عليهم ويُظْفِرُك بهم" (٢). قال مقاتل: " يعني أهل الكتاب ففعل الله- ذلك فقتل أهل قريظة، وأجلى [بني] النضير من المدينة إلى الشام" (٣). قال الزجاج: " هذا ضمان من اللَّه في النصر لنبيه ﷺ لأنه إِنما يكفيه إِياهم بإظهار ما بعثه به على كل دين سواه - وهذا كقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] " (٤). قال أبو السعود: " أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال" (٥). قال الطبري: " ففعل الله بهم ذلك عَاجلا وأنجزَ وَعْده، فكفى نبيّه ﷺ بتسليطه إيّاه عليهم، حتى قتل بعضهم، وأجلَى بعضًا، وأذلّ بعضًا وأخزاه بالجزية والصَّغار" (٦). قال الزجاج: " فإن قال قائل: فإن من المرْسَل مَنْ قُتِل، فإن تأويل ذلك - والله أعلم - أن اللَّه غالب هو ورسله بالحجة الواضحة، والآية البينة، ويجوز أن تكون غلبةَ الآخرة لأن الأمر هو على ما يستقر عليه في العاقبة" (٧). وقد قيل: إِن الله لم يأمر رسولاً بحرب فاتبع ما أمره الله به في حربه إِلا غَلَب. فعلى هذا التأويل يجوز أن يكون لم يقتل رسول قط محارباً. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، " أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم من المكر والشر" (٨). قال مقاتل: " [﴿السميع﴾]، لقولهم للمؤمنين: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾، ثم قال ﴿العليم﴾، بما قالوا" (٩). قال الثعلبي: أي" ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم" (١٠) قال ابن عطية: " ﴿السَّمِيعُ﴾ لقول كل قائل، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يجب أن ينفذ في عباده" (١١). قال أبو السعود: " تذييلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعون به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك" (١٢). وفي قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجهان (١٣): الأول: أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه. الثاني: أنه وعد للرسول ﵇ يعني: يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرداك، واحتج الأصحاب بقوله: ﴿وهو السميع العليم﴾ على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله: ﴿عليم﴾ بناء مبالغة فيتناول كونه عالما بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعا عبارة عن علمه بالمسموعات

стр. 1028

لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعا أمرا زائدا على وصفه بكونه عليما. والله أعلم بالصواب (١). وقال الشيخ ابن عثيمين: " قد يقول قائل: يبدو لنا أن المناسب أن يقول: «وهو القوي العزيز» لأنه قال: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ فما هو الجواب عن ختمها بالسمع، والعلم؟ فالظاهر لي - والله أعلم - أنه لما كان تدبير الكيد للرسول ﷺ من هؤلاء قد يكون بالأقوال، وقد يكون بالأفعال؛ والتدبير أمر خفي ليس هو حرباً يعلن حتى نقول: ينبغي أن يقابل بقوة، وعزة؛ قال تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ أي حتى الأمور التي لا يُدرى عنها، ولا يبرزونها، ولا يظهرون الحرابة للرسول ﷺ فإن الله سميع عليم بها؛ هذا ما ظهر لي - والله أعلم -" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أنه لا بد أن يكون إيمان اليهود، والنصارى مثل إيمان النبي ﷺ ، وأمته حقيقة، ووصفاً. ٢ - ومنها: أن ما خالف ما عليه النبي ﷺ فهو ضلال؛ لأن الله علق الاهتداء بأن يؤمنوا بمثل ما آمن به الرسول ﷺ وأمته. ٣ - ومنها: أنه لا حجة لمن تولى عن شريعة النبي ﷺ إلا الشقاق، والمجادلة بالباطل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾. ٤ - ومنها: وقوع الشقاق بين أهل الكتاب، والمسلمين؛ وعليه فلا يمكن أن يتفق المسلمون وأهل الكتاب؛ فتبطل دعوة أهل الضلال الذين يدْعون إلى توحيد الأديان؛ لقوله تعالى: ﴿فإنما هم في شقاق﴾؛ فاليهود، والنصارى لما لم يؤمنوا صاروا معنا في شقاق؛ وهذا الشقاق لا بد أن يؤدي إلى عداوة، وبغضاء؛ وبالتالي إلى قتال؛ وهكذا وقع: فالمسلمون قاتلوا اليهود، وقاتلوا النصارى - الروم كلهم نصارى -؛ ومن بعد ذلك قاتلوا النصارى في الحروب الصليبية؛ وسيقاتلونهم أيضاً مرة أخرى حتى يدخل الإسلام عاصمتهم الروم؛ ولا بد من هذا في المستقبل بإذن الله؛ وسنقاتل اليهود حتى يختبئ اليهودي بالحجر، والشجر فينادي: «يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» (٣) فلا يبَلِّغ عنهم. ٥ - ومن فوائد الآية: الوعيد الشديد لهؤلاء المتولين عن شريعة النبي ﷺ ؛ لقوله: ﴿فسيكفيكهم الله﴾. ٦ - ومنها: تكفل الله لنبيه محمد ﷺ أنهم إذا لم يؤمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، وتولوا، فإن الله سيكفيه إياهم عن قرب؛ لقوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾؛ والحمد لله أنه صار ذلك عن قرب: فإن الرسول ﷺ لم يُتوفَّ حتى أجلى اليهود عن المدينة، وفتح حصونهم في

стр. 1029

خيبر، وأبقاهم فيها عمالاً؛ وفي خلافة أمير المؤمنين عمر ﵁ أجلاهم من خيبر؛ فكفى الله المؤمنين شرهم - والحمد لله -. ٧ - ومن فوائد الآية: الإشارة إلى التوكل على الله ﵎ في الدعوة إليه، وفي سائر الأمور؛ لأنه إذا كان وحده هو الكافي فيجب أن يكون التوكل والاعتماد عليه وحده؛ ولهذا قال الله : ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق: ٣]. ٨ - ومنها: إثبات الاسمين الكريمين ﴿السميع﴾، و ﴿العليم﴾، وما يتضمناه من الصفات والمعاني العظيمة. ٩ - ومنها: أنه يجب على المرء مراقبة الله في جميع أقواله؛ لأن الله سامع لها لا يخفى عليه الصوت مهما خفي؛ بل هو يعلم ما توسوس به نفس الإنسان - وإن لم يتكلم به ١٠ - ومنها: مراقبة الله في السر، والعلن؛ وذلك؛ لأن مقتضى اسمه الكريم: ﴿العليم﴾ أنه يعلم كل شيء. القرآن ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨] التفسير: الزموا دين الله الذي فطركم عليه، فليس هناك أحسنُ مِن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالزموها وقولوا نحن خاضعون مطيعون لربنا في اتباعنا ملَّة إبراهيم. في سبب نزول الآية قولان: أحدها: قال الواحدي: "قال ابن عباس: إن النصارى كان إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام، صبغوه في ماء لهم يقال له: المعمودي ليظهروه بذلك، ويقولون: هذا طهور مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. نزلت في تحويل القبلة" (١). وأخرج الطبري عن قتادة (٢)، وعطاء (٣)، نحو ذلك. الثاني: قال ابن حجر: "أخرج ابن مردويه في تفسير هذه الآية من طريق أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: قالت بنو إسرائيل: يا موسي هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله، فناداه ربه يا موسى الألوان كلها من صبغى وأنزل الله على نبيه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة﴾ " (٤). قال الطبري: " وذلك أنّ النصارى إذا أرادت أن تنصِّر أطفالهم، جعلتهم في ماء لهم تزعم أن ذلك لها تقديس، بمنزلة غُسل الجنابة لأهل الإسلام، وأنه صبغة لهم في النصرانية، فقال الله تعالى ذكره - إذ قالوا لنبيه محمد ﷺ وأصحابه المؤمنين به: " كونوا هودًا أو نَصَارَى تَهتدوا " -: قل لهم يا محمد: أيها اليهود والنصارى، بل اتبعوا ملة إبراهيمَ، صبغة الله التي هي أحسن الصِّبَغ، فإنها هي الحنيفية المسلمة، ودعوا الشركَ بالله، والضلالَ عن محجَّة هُداه" (٥).

стр. 1030

قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، "أي ما نحن عليه من الإِيمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب" (١). قال الطبراني: "أي: "دينَ اللهِ وفِطْرَتَهُ؛ لأن دينَ الإسلامِ يؤثرُ في الْمُتَدَيِّنِ مِن الطهور والصلاةِ والوَقَار وسائرِ شعائر الإسلامِ كالصَّبغ الذي يكونُ في الثوب" (٢). قال مقاتل: " يقول الله- دين الله" (٣). قال ابن أبي زمنين: "أي: دين الله" (٤). قال ابن عطية: " شريعته وسنته وفطرته" (٥). قال البيضاوي: " أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله تعالى التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة، فإن النصارى كانوا يغسمون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم" (٦). قال السعدي: أي: "الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قياما تاما، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعا واختيارا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومعالي الأمور" (٧). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، على أقوال (٨): أحدها: أن المعنى: دينُ الله. وهو قول: ابن عباس (٩)، وأبي العالية (١٠)، ومجاهد (١١)، والحسن (١٢)، وإبراهيم النخعي (١٣)، وعبد الله بن كثير (١٤)، والضحاك (١٥)، وقتادة (١٦)، وعكرمة (١٧)، وعطية العوفي (١٨)، والربيع بن أنس (١٩)، والسدي (٢٠)، وابن زيد (٢١) (٢٢).

стр. 1031

وقد ذكروا في سبب تسمية دين الله بـ ﴿صبغة الله﴾، وجوها (١): أحدها: "أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن صار نصرانيا. فقال الله تعالى: اطلبوا صبغة الله وهي الدين، والإسلام لا صبغتهم". قاله ابن عباس (٢)، وأخرج الطبري عن قتادة (٣)، وعطاء (٤)، نحو ذلك. والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم: اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا مواظبا على الكرم، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (النساء: ١٤٢)، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، ﴿﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]﴾ (الشورى: ٤٠)، ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ [هود: ٣٨] (٥). وثانيها: أن اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى، بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم، عن قتادة قال ابن الأنباري: يقال: فلان يصبغ فلانا في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثواب وأنشد ثعلب (٦): دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا ... إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ (٧) وثالثها: سمي الدين صبغة، لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، قال الله تعالى: ﴿سيماهم فى وجوههم من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩]. ورابعها: وقيل: أن قوله: ﴿صبغة الله﴾ متعلق بقوله: ﴿قولوا ءامنا بالله﴾ (البقرة: ١٣٦) إلى قوله: ﴿ونحن له مسلمون﴾ [العنكبوت: ٤٦] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى، ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم (٨). والثاني: أن ﴿صبغة الله﴾: فطرَة الله (٩). قاله: مجاهد (١٠)، وعبدالله ابن كثير (١١). وعلى قول هؤلاء تفسير الآية: "بل نتبع فطرة الله وملَّته التي خلق عليها خلقه، وذلك الدين القيم. من قول الله تعالى ذكره: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ [سورة الأنعام: ١٤]. بمعنى خالق السماوات والأرض: (١٢).

стр. 1032

قال الراغب: "الصبغة إشارة من الله- إلى ما أوجده فينا من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم، رشحنا به لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق وهو المشار إليه بالفطرة في قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ الآية" (١). قال الرازي: " ومعنى هذا الوجه، أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة." (٢) كما وأن من حمل قوله: (صبغة الله) على الفطرة فهو مقارب في المعنى، لقول من يقول: هو دين الله، لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضا، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله ﴿قولوا ءامنا بالله﴾ فكأنه تعالى قال في ذلك: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر دينا ودنيا كظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول: إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه، بدونه فلا فائدة فيه (٣). الثالث: وقيل: هو غسل الله، أي اغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم (٤). وبهذا المعنى جاءت السنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما، روى احمد في مسنده عن أبي هريرة ﵁: أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي ﷺ يوما فأسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل، فقال رسول الله ﷺ : "قد حسن إسلام صاحبكم" (٥). الرابع: وقيل: هو الختان لأنّه يصبغ صاحبه بالدم (٦). الخامس: وقيل: : إنه حجة الله، عن الأصم (٧). السادس: وقيل: إنه خلقة الله، قاله أبو عبيدة (٨)، وأجازه الزجاج (٩). من صبغت الثوب إذا غيّرت لونه وخلّقته. فيكون المعنى: إنّ الله ابتدأ الخلقة على الإسلام، دليله قول مقاتل في هذه الآية: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أيْ "دِيْنَ اللهِ" (١٠)، ويوضِّحه قول رسولِ الله ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه" (١١) (١٢). السابع: هو سنة الله. حكاه الثعلبي عن أبي عبيدة (١٣). الثامن: أن ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾، أيْ: وجْهَةَ اللهِ؛ بمَعْنَى الْقِبْلَةِ. قاله ابنُ كيسان (١٤). التاسع: وقيل: إن القربة إلى الله تعالى يقال لها صبغة، حكاه ابن فارس في المجمل (١٥).

стр. 1033

العاشر: وقيل: "صبغة الله على مراتب، أولها ما ركب فينا من الهداية وهي الفطرة والثانية: الهداية بالتوفيق، والثالثة: الهداية ببعثة الرسل، والرابعة: الهداية في الترقي توليه إلى الدرجة العليا والسعادة القصوى" (١). والصواب أن ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ هو دين الله، وذلك للوجوه التي ذكرناها. والله تعالى أعلم. وقد اختلف في أصل (الصبغة) على قولين (٢): أحدهما: أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويقولون: هذا تطهير لهم. روي ذلك عن ابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، وعطاء (٥). وقال بعض شعراء ملوك همدان (٦): وكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ صبغنا على ذاك أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ فهذا يتمدح أنهم صبغوا أولادهم بصبغة معينة، تميزوا فيها عن أبناء القبائل الأخرى (٧). الثاني: وقيل: إن الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلا من معمودية النصارى (٨). قال القرطبي: "وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجبا تعبدا" (٩). وتعددت أقوال أهل العلم في انتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وفيه ثلاثة أوجه (١٠): الأول: أنه نصب على الإغراء، كقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، أي: اتبعوا وألزموا صبغة الله. قاله ابن كثير (١١)، وأبو عبيدة (١٢). قال الحافظ ابن حجر: " وكأن لفظ ﴿صبغة﴾ ورد بطريق المشاكلة (١٣)؛ لأن النصارى كانوا يغمسون من ولد منهم في ماء المعمودية، ويزعمون أنهم يطهرونهم بذلك، فقيل للمسلمين: الزموا صبغة الله فإنها أطهر (١٤) " (١٥). الثاني: أنه بدل من قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١٦). قاله الأخفش (١٧).

стр. 1034

الثالث: وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] (١). وقال الحافظ ابن حجر: " هو مصدر انتصب عن قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] على الأرجح (٢) " (٣). وفي قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ الله﴾ [البقرة: ١٣٨]، قراءتان (٤): إحداهما: قراءة النصب: صِبْغَةَ الله﴾، وهي قراءة الجمهور. والثانية: ﴿صِبْغَةُ الله﴾، بالرفع، وهي قراءة شاذة قرأ بها الأعرج وابن أبي عبلة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨]، "أي لا أحد أحسن من الله صبغة (دينا وتطهيرا) " (٥). قال أبو العالية: أي" ومن أحسن من الله دينا" (٦)، وروي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن والسدي والربيع بن أنس وعبد الله بن كثير نحو ذلك (٧). قال مقاتل: " يعني الإسلام" (٨). قال البيضاوي: أي: " لا صبغة أحسن من صبغته" (٩). قال أبو السعود: " أي لا صبغةَ أحسنُ من صبغته تعالى" (١٠). قال الصابوني: " ولا أحد أحسن من الله ديناً" (١١). قال السعدي: قال على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ أي: لا أحسن صبغة من صبغته" (١٢). قال القاسمي: "لأنها صبغة قلب لا تزول، لثباتها بما تولاها الحفيظ العليم، فلا يرتد أحد عن دينه سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه" (١٣). وقال ابن عثيمين: أي: "لا أحد أحسن من الله صبغة، وذلك؛ لأن دين الله مشتمل على المصالح، ودرء المفاسد؛ ولا يوجد دين يشتمل على هذا إلا ما جاء من عند الله، سواء كان الدين الإسلامي الذي جاء به محمد ﷺ ، أو الأديان الأخرى ما دامت قائمة لم تنسخ؛ ومجيء الاستفهام بمعنى النفي أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن التحدي؛ فإن القائل إذا قال: (ليس مثل زيد بشر) ليس كقوله: (مَنْ مثل زيد مِن البشر؟ ! )؛ فالثاني أبلغ: كأنه يتحدى المخاطَب أن يأتي بأحد مثله (١٤).

стр. 1035

قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، "أي ونحن نعبده جلّ وعلا ولا نعبد أحداً سواه" (١). قال مقاتل: " يعني موحدون" (٢). قال الثعلبي: أي: " مطيعون" (٣). قال البيضاوي: " تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم" (٤). قال البغوي: أي: "موحدون أو "مطيعون" (٥). قال الآلوسي: أي: "متبعون ملة إبراهيم أو خاضعون مستكنون في إتباع تلك الملة" (٦). قال أبو السعود: " أي لله الذي أولانا تلك النعمةَ الجليلةَ، ﴿عابدون﴾ شكراً لها ولسائر نعمه" (٧). فـ (العبادة) التذلل لله بفعل أوامره محبة له، واجتناب نواهيه تعظيماً له مع شعور الإنسان بمنزلته، وأن منزلته أن يكون عبداً لله . قال الراغب: "وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ تعريض بهم أي لا نشرك [به] كشرككم" (٨). وتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، على عامله هنا له فائدتان (٩): أولهما: لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات. والثانية: معنوية؛ وهي الحصر، والاختصاص؛ فهو كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: وجوب الالتزام بدين الله؛ لأن المعنى: الزموا صبغة الله . ٢ - ومنها: أن هذا الدين حق؛ لأن الله أضافه إلى نفسه؛ وكل ما يضاف إلى الله فإنه حق. ٣ - ومنها: أن دين الله أحسن الأديان، وأكملها، وأشملها، وأقومها بمصالح العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾. ٤ - ومنها: وجوب إخلاص العبادة لله؛ لقوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾؛ فقدم المعمول لإفادة الحصر؛ وعبادة الله فخر، وشرف للعبد؛ ولهذا جاء وصف العبودية في المقامات العليا لرسول الله ﷺ ، فجاءت في مقام الدفاع عنه في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]؛ وفي مقام تكريمه بالإسراء في قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي مقام رسالته، مثل قوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً﴾ [الكهف: ١]. ٥ - ومن فوائد الآية: أن العقل يقضي بالتزام الدين؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أحسن من الله صبغة﴾؛ فإن العقل يهدي إلى التزام الأحسن؛ كل إنسان له عقل سليم فإن عقله يأمره بالتزام الأحسن. القرآن ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾ [البقرة: ١٣٩] التفسير:

стр. 1036

قل -أيها الرسول لأهل الكتاب-: أتجادلوننا في توحيد الله والإخلاص له، وهو رب العالمين جميعًا، لا يختص بقوم دون قوم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ونحن لله مخلصو العبادة والطَّاعة لا نشرك به شيئًا، ولا نعبد أحدًا غيره. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: "قل أتخاصموننا وتجادلوننا في دين الله الذي أمَرَنا أن نَدينه به" (١). أخرج الطبري عن مجاهد: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾، قل: أتخاصموننا؟ " (٢). وروي عن ابن عباس (٣)، ابن زيد (٤)، نحو ذلك. قال الثعلبي: أي: " قُلْ يا محمّد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصمونا في دين الله وذلك بأن قالوا: يا محمّد إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا" (٥). قال الراغب: " (المحاجة): المقاومة في إظهار الحجة البينة للحجة، أي المقصد، وقد ألزمهم بهذه الآية الحجة المذكورة في قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، ولما كانت الشرائع مبنية بالقول المجمل على ثلاثة أشياء: الإقرار بالباري- ، والعمل له والإخلاص في ذلك قال، قل لهم إنا قد تشاركنا في الإقرار بالله- وفى العمل له ونحن قد حصل لنا الإخلاص [في ذلك] من دونكم" (٦). قال المراغي: " المحاجة: المجادلة بدعوى الحق لدى كل من المتخاصمين مع إقامة الحجة على ذلك، في الله: أي في دينه" (٧). وقد اختلف أهل التفسير في تلك المحاجة وذكروا وجوها (٨): أحدها: أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا. قال صاحب الكشاف: "أتجادلوننا في شأن اللَّه واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل اللَّه على أحد لأنزل علينا" (٩). وقال: النسفي: أي "أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا" (١٠). وثانيها: قولهم: نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان. وثالثها: قولهم؛ ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقولهم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، عن الحسن. ورابعها: ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾ أي: أتحاجوننا في دين الله. قال ابن كثير: أي "أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره" (١١). خامسها: وقيل: لتقدم آبائنا وكتبنا (١٢).

стр. 1037

وقوله تعالى ﴿فِى اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: "في دينه والقرب منه والحظوة له" (١). قال ابن عرفة: " سماها حجة مجازا، وإنما هي شبهة وليست حجة بوجه" (٢). وفي قوله تعالى: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا﴾ [البقرة: ١٣٩]، وجهان من القراءة: أحدهما: ﴿أَتُحَآجُّونَنَا﴾، وهي قراءة الجماعة، فجاز اجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين، لأن الثاني كالمنفصل. والثاني: ﴿أَتُحَآجُّونَّا﴾ بإدغام النون (٣)، لاجتماع المثلين. قرأ بها زيد بن ثابت. قال الزجاج: "وهذا وجه جيد" (٤). قال النحاس: "وهذا جائز إلا أنه مخالف للسواد" (٥). ويجوز (أتحاجونا) بحذف (النون) الثانية، كما قرأ نافع ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] (٦)، قال الشاعر (٧): تراه كالثغام يعل مسكا ... يسوء الغانيات إذا فليني يريد فلينني. قال الزجاج: " ورأيت مذهب المازني وغيره رد هذه القراءة، وكذلك ردوا ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، والأقدام على رد هذه القراءة غلط، لأن نافعا ﵀ قرأ بها، وأخبرني إسماعيل بن إسحاق أن نافعا ﵀ لم يقرأ بحرف إلا وأقل ما قرأ به إثنان من قراء المدينة، وله وجه في العربية فلا ينبغي أن يرد، ولكن (الفتح) في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] أقوى في العربية" (٨). وفي مسألة المحاجة كانت مع من؟ ذكر المفسرون وجوها (٩): أحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى. قاله مقاتل (١٠)، والثعلبي (١١)، والبيضاوي (١٢)، وابن عطية (١٣) وغيرهما. وثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، والعرب كانوا مقرين بالخالق. وثالثها: أنه خطاب مع الكل. والقول الأول أشبه بالصواب وأليق بنظم الآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: " والله ربنا وربكم وهو الخالق وجميعنا خلقه" (١٤). قال البيضاوي: أي: " لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده" (١٥).

стр. 1038

قال ابن كثير: " أي: وهو تعالى المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له" (١). قال ابن عطية: أي: " والرب تعالى واحد " (٢). قال البغوي: " أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم" (٣). قال النسفي: أي: فنشرك جميعاً في أننا عباده، وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده (٤). قال الصابوني: " أي ربُّ الجميع على السواء وكلُّنا عبيدة" (٥). قال أبو السعود: " أي أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجه للمجادلة أصلاً، لأنه تعالى ربُنا أي مالكُ أمرنا وأمرِكم" (٦). قال الآلوسي: "أي وهو: " تعالى مالك أمرنا وأمركم" (٧). قال القاسمي: أي: " ونحن وأنتم في العبودية له سواء" (٨). قال أبو حيان: " المعنى: أنه مع اعترافنا كلنا أنا مربوبون لرب واحد، فلا يناسب الجدال فيما شاء من أفعاله، وما خص به بعض مربوباته من الشرف والزلفى، لأنه متصرف في كلهم تصرف المالك" (٩). وذكروا أن في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، وجهان (١٠): الأول: أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له. الثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهو المراد بقوله: ﴿ونحن له﴾ وهذا التأويل أقرب. قوله تعالى: ﴿وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [البقرة: ١٣٩]، "أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا يتحمل أحد وزر غيره" (١١). قال أبو السعود: أي ﴿ولنا أعمالنا﴾ الحسنةُ الموافقةُ لأمره، ﴿وَلَكُمْ أعمالكم﴾ السيئةُ المخالفة لحُكمه" (١٢). قال ابن عطية: أي: "وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين؟ " (١٣). قال النسفي: "يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك" (١٤)، فإذا كان: "كل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين" (١٥).

стр. 1039

قال ابن عثيمين: " أي أننا لا نسأل عنكم، ولا تُسألون عنا؛ كل له عمله؛ وسيجازيه الله به يوم القيامة" (١). قال القاسمي: " أي نحن برءاء منكم ومما تعبدون، وأنتم برءاء منا. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١]. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الآية" (٢). قال البيضاوي: " فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص. وكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضاً أعمال" (٣). قال الزجاج: "ثم أعلموهم أنهم مخلصون، وإخلاصهم إيمانهم بأن الله واحد، وتصديقهم جميع رسله، فاعلموا أنهم مخلصون، دون من خالفهم" (٤). وقال الرازي: " فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خاليا عن الأغراض الدنيوية، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق" (٥). قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]، أي: ونحن "مخلصون لله الدينَ، لا نشرك به شيئاً" (٦). قال البيضاوي: أي: " موحدون، نخصه بالإيمان والطاعة دونكم" (٧). قال الطبري: " إذ عبد بعضكم العجلَ، وبعضكم المسيحَ، فأنَّى تكونون خيرًا منا، وأولى بالله منا؟ " (٨). قال ابن عطية: " أي ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم؟ " (٩). قال أبو السعود: أي مخلصون له" في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهَه، فأنّى لكم المُحاجّةُ وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمعِ في دخول الجنة بسببه ودعوةِ الناس إليه" (١٠). قال القاسمي: أي" لا نشرك به شيئا، وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان" (١١). قال النسفي: "والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره (١٢)، قال القرطبي: "وفيه معنى التوبيخ، أي ولم تخلصوا أنتم فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم" (١٣).

стр. 1040

قال البقاعي: " ونحن أحسن أعمالاً منكم لأنا دونكم (له) وحده (مخلصون) لا نشرك به شيئاً وأنتم تشركون به عزيراً والمسيح والأحبار والرهبان، وأنتم تعلمون ذلك في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه، فلزم قطعاً أنا أخص به منكم" (١). قال صاحب الكشاف: " ثم قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فجاء بما هو سبب الكرامة، أى ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة، وكانوا يقولون: نحن أحق بأن تكون النبوة فينا، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان" (٢). قال الثعلبي: " وهذه الآية منسوخة بآية السّيف" (٣). قال القرطبي: " والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين" (٤). وقيل: أن" الإخلاص: عزل النفس جملة، فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل" (٥). والإخلاص في اللغة: خَلَص يخلص خلوصًا: صفا وزال عنه شوبه، ويقال: خلص من ورطته: سلم منها، ونجا، ويقال: خلَّصه تخليصًا: أي نجّاه. والإخلاص في الطاعة: ترك الرياء (٦). وحقيقة الإخلاص: استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهره خيرًا من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطنه أعْمَرَ من ظاهره. وقيل: تصفية العمل من كل ما يشوبه (٧). ولهذا قال القاضي عياض: "تَرْك العمل من أجل الناس رياءٌ، والعملُ من أجل الناس شركٌ، والإخلاصُ أن يعافيَكَ الله منهما" (٨). والإخلاص: في حياة المسلم أن يَقصد بعمله، وقوله، وسائر تصرفاته، وتوجيهاته وتعليمه وجه الله تعالى وحده لا شريك له ولا رب سواه. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: الإنكار على اليهود والنصارى الذين يحاجون المسلمين في الله مع إقرارهم بأنه ربهم؛ لقوله تعالى: ﴿قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم﴾. ٢ - ومنها: وجوب البراءة من أعمال الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾؛ فإن المراد بذلك البراءة مما هم عليه. ٣ - ومنها: أنه ينبغي للمرء أن يفتخر بما هو عليه من الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ولنا أعمالنا﴾ أي فنحن مفتخرون بها بريئون من أعمالكم. ٤ - ومنها: أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله؛ لأن المشابهة موافقة في العمل؛ لهذا قال النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» (٩)؛ وهنا قال تعالى: ﴿ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم﴾: فنحن متميزون عنكم، وأنتم متميزون عنا.

стр. 1041

٥ - ومنها: وجوب الإخلاص لله؛ لتقديم المعمول في قوله تعالى: ﴿ونحن له مخلصون﴾. القرآن ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾ [البقرة: ١٤٠] التفسير: بل أتقولون مجادلين في الله: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط- وهم الأنبياء الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة من ولد يعقوب- كانوا على دين اليهود أو النصارى؟ وهذا كذب؛ فقد بُعِثوا وماتوا قبل نزول التوراة والإنجيل. قل لهم -أيها الرسول-: أأنتم أعلم بدينهم أم الله تعالى؟ وقد أخبر في القرآن بأنهم كانوا حنفاء مسلمين، ولا أحد أظلم منكم حين تخفون شهادة ثابتة عندكم من الله تعالى، وتدَّعون خلافها افتراء على الله. وما الله بغافل عن شيء من أعمالكم، بل هو مُحْصٍ لها ومجازيكم عليها. قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٤٠]، أي" أم تقولون إن امتيازكم باليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها إنما كان بأن هؤلاء الأنبياء كانوا عليها" (١). قال البيضاوي: "يعني: "أيّ الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء" (٢). قال الزجاج: " كأنهم قالوا لهم: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟ أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون" (٣). قال الزمخشري: المعنى: " أىّ الأمرين تأتون: ألمحاجة في حكمة اللَّه أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ " (٤). قال ابن كثير: أنكر تعالى عليهم، في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية" (٥). قال ابن عثيمين: أي: " بل أتقولون أن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاط كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية، وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هوداً، أو نصارى؟ ! ! ! " (٦). ولا يخفى بأن هذه دعوى كاذبة؛ فليس هؤلاء هوداً، ولا نصارى؛ بل إن الله قال موبخاً لهؤلاء مبيناً ضلالهم ــ الذين ادعوا أن إبراهيم كان يهودياً، أو نصرانياً ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون﴾ [آل عمران: ٦٥]؛ فكيف كون يهودياً أو نصرانياً وكتاب اليهود والنصارى لم ينزل إلا من بعد إبراهيم؟ ! ! ! (٧). وفي قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]، قراءتان (٨):

стр. 1042

إحداهما: قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاء على المخاطبة، كأنه قال: أتحاجوننا أم تقولون. قال القرطبي: " وهي قراءة حسنة، لأن الكلام متسق، كأن المعنى: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم، فهي (أم) المتصلة" (١)، ويحتمل أن تكون (أم) المنقطعة بمعنى: بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضا. الثاني: وقراءة الباقين: ﴿أَمْ يقُولُونَ﴾ بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، وعلى هذا الوجه تكون (أم) منقطعة، لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هودا أو نصارى. والراجح من القراءة (أم تقولون) بالتاء، وذلك لأنه اليق بالسياق (٢)، والقراءة بالياء قراءة شاذة عن عامة القراء. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: (وإسماعيل): هو أكبر أولاد إبراهيم؛ وهو الذي أمر الله أباه أن يذبحه؛ والقصة مبسوطة في سورة الصافات. قوله تعالى: (وإسحاق): هو أخو إسماعيل؛ وهو الولد الثاني لإبراهيم ﵇؛ (ويعقوب): هو ابن إسحاق؛ وهو الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل؛ (والأسباط) سبق الكلام على بيانهم. قوله تعالى: (كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) يعني كانوا على ملة اليهودية، والنصرانية؛ وهذا من سفه هؤلاء اليهود الذين يدعون ذلك؛ لأن أصل اليهودية، والنصرانية حدثت بعد هؤلاء؛ فكيف يكون هؤلاء هوداً، أو نصارى؟ ! ! ! ولا إشكال بأن هذه الآية أيضًا احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيّه ﷺ على اليهود والنصارى، الذين ذكر الله قَصَصهم. يقول الله لنبيه محمد ﷺ : قُلْ يا محمد - لهؤلاء اليهود والنصارى -: أتحاجُّوننا في الله، وتزعمون أن دينكم أفضلُ من ديننا، وأنكم على هدى ونحنُ على ضَلالة، ببرهان من الله تعالى ذكره، فتدعوننا إلى دينكم؟ فهاتوا برهانكم على ذلك فنتبعكم عليه، أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباط كانوا هودًا أو نَصَارَى على دينكم؟ فهاتُوا - على دعواكم ما ادّعيتم من ذلك - برهانًا فنصدِّقكم، فإن الله قد جَعلهم أئمة يقتدى بهم (٣). قال الرازي: إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه (٤): أحدها: لأن محمدا ﷺ ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه. وثانيها: شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية. وثالثها: أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم. ورابعها: أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، أي: " أأنتم أعلم بهم وبما كانوا عليه من الأديان، أم الله؟ " (٥).

стр. 1043

قال القرطبي: "وهو تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى، فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي لم يكونوا هودا ولا نصارى" (١). قال ابن عثيمين: " ومن المعلوم أنه لا أحد أعلم من الله ؛ ولكن الله قال ذلك إلزاماً للخصم حتى يتبين بطلان ما ادعاه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]؛ ومن المعلوم أن الله خير مما يشركون؛ لكن من أجل إفحام الخصم، وإلزامه بما هو ظاهر لا إشكال فيه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، "يعني: لا أحد أظلم في كتمان الشهادة ممن كتم شهادة عنده من الله" (٣). قال ابن عثيمين: أي: " وأيُّ امرئ أظلم منهم؟ وقد كتموا شهادةً عندهم من الله بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكتموا ذلك، ونحلُوهم اليهوديةَ والنصرانية" (٤). قال الزمخشري: "وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللَّه لمحمد ﷺ بالنبوّة في كتبهم وسائر شهاداته" (٥). قال الربيع: "أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل: أنّهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهودية والنصرانية بعد هؤلاء بزمان" (٦). وروي عن مجاهد (٧)، والحسن (٨)، نحو ذلك. وقال قتادة: "أولئك أهل الكتاب كتموا الإسلام وهم يعلمون أنه دينُ الله، واتخذوا اليهودية والنصرانيةَ، وكتموا محمدًا ﷺ ، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ ، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل" (٩). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، ثلاثة أوجه (١٠): أحدها: أن في الآية تقديما وتأخيرا والتقدير: ومن أظلم عند الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك: ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب، علمنا أنه ليس الأمر كذلك. وثانيها: ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله: ﴿من الله﴾ تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال: ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها. وثالثها: أن يكون: (من) في قوله: (مِنَ اللَّهِ) صلة الشهادة والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك، أي شهادة سمعتها منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك.

стр. 1044

وذكر الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، معنيين (١): أحدهما: أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها. والثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. واختلف في قوله تعالى: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً﴾ [البقرة: ١٤٠]، على قولين (٢): أحدهما: يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. قاله مجاهد (٣)، والربيع (٤) والحسن (٥). والثاني: يريد: ما كتموه اليهود من أمر محمد ﷺ ونبوَّتَه، وهم يعلمون ذلك ويجدونه في كتبهم. قاله قتادة (٦)، والربيع (٧)، وابن زيد (٨). والقول الأول أشبه بسياق الآية، إذ جاء إثر سرد قصة أنبيائه لهم. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠]، يعني: "أن الله لا يغفل عما يعمل هؤلاء؛ بل هو جل وعلا عالم به، وسوف يحاسبهم عليه" (٩). قال النسفي: " من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة" (١٠). قال الصابوني: " أي مطلع على أعمالهم ومجازيهم عليها وفيه وعيد شديد" (١١). قال البيضاوي: " وعيد لهم" (١٢). قال ابن كثير: والقول فيه تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه (١٣). قال أبو السعود: " يدخُل فيها كتمانُهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسلام دُخولاً أولياً أي هو محيطٌ بجميعِ ما تأتونَ وما تذرونَ فيعاقبُكم بذلك أشد عقاب" (١٤). وقرئ: ﴿عما يعملون﴾، على صيغة الغَيْبة، فالضميرُ إما لمن كَتَم باعتبار المعنى وإما لأهلِ الكتاب (١٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: إبطال دعوى هؤلاء اليهود، والنصارى أن إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، كانوا هوداً أو نصارى؛ فهذه الدعوى باطلة؛ بل وصفُ هؤلاء الإسلام؛ فإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط ليسوا هوداً، ولا نصارى؛ بل هم مسلمون لله . ٢ - ومنها: رد علم هذه الأشياء إلى الله؛ لقوله تعالى: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾. ٣ - ومنها: الرد على أهل التحريف في أسماء الله، وصفاته الذين يقولون: «إن هذا جائز عقلاً على الله؛ فنقر به؛ وهذا يمتنع عقلاً على الله؛ فلا نقر به» كالمعتزلة، والأشاعرة، ونحوهم؛ نقول لهم كلهم في الجواب: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾: أأنتم أعلم بما يجوز على الله، ويمتنع عليه، ويجب له، أم الله أعلم بما يمتنع عليه، ويجب له،

стр. 1045

ويجوز له؟ ! ! ! وهذه في الحقيقة حجة ملزمة مفحمة مقحمة لهؤلاء الذين يتحكمون في صفات الله تعالى بعقولهم، فيقولون: «يجب لله كذا؛ يمتنع عليه كذا»؛ نقول: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾. ٤ - ومن فوائد الآية: عظم كتم العلم؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾؛ فإن العالم بشريعة الله عنده شهادة من الله بهذه الشريعة، كما قال الله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ [آل عمران: ١٨]؛ فكل إنسان يكتم علماً فقد كتم شهادة عنده من الله؛ ثم إن في هذا عظم إثمه؛ لقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾. ٥ - ومنها: كمال علم الله، ومراقبته لعباده؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾. ٦ - ومنها: ثبوت الصفات المنفية؛ وهي ما نفاه الله عن نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإن هذه صفة منفية، وليست ثبوتية؛ والصفات المنفية متضمنة لإثبات كمال ضدها؛ فلكمال مراقبته، وعلمه ليس بغافل عما نعمل. ٧ - ومنها: تخويف الإنسان، وإنذاره من المخالفة؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾؛ فإياك والمخالفة؛ مثلما تهدد إنساناً بشيء تقول: لست بغافل عنك. ٨ - ومنها: إضافة العمل إلى العامل؛ ففيه رد على الجبرية الذين يقولون: «إن الإنسان مجبر على عمله»؛ لقوله تعالى: ﴿عما تعملون﴾. القرآن ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ [البقرة: ١٤١] التفسير: تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم. وفي الآية قطع للتعلق بالمخلوقين، وعدم الاغترار بالانتساب إليهم، وأن العبرة بالإيمان بالله وعبادته وحده، واتباع رسله، وأن من كفر برسول منهم فقد كفر بسائر الرسل. وهذه الآية جاءت تأكيدا وقد تقدم تفسيرها (١)، وكررها، "لقطع التعلق بالمخلوقين، وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المجرد للرجال" (٢). قال الصابوني: " كرّرها، لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إِذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم وجلاله قدرهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى " (٣). قال البيضاوي: " تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم. قيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم. وقيل: المراد بالأمة في الأول الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى" (٤). قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٤١]، "أي: إن جماعة الأنبياء قد مضت بالموت" (٥). قال الصابوني: " أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى" (٦). قال الطبري: أي: "مضت لسبيلها، فصارت إلى ربها، وخَلتْ بأعمالها وآمالها" (٧). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: " ﴿تلك﴾، يعني" هذه" (٨).

стр. 1046

وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ [البقرة: ١٤١]، يعني: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ. قاله قتادة (١)، والربيع (٢)، وأبو العالية (٣). قال البيضاوي: " يعني إبراهيم ويعقوب وبينهما" (٤). قال ابن عثيمين: " المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق؛ وكان اليهود يجادلون النبي ﷺ في هؤلاء؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت" (٥). قال ابن كثير: " ولهذا جاء، في الأثر: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (٦) (٧). قال الطبري: " وإنما قيل للذي قد مات فذهب: (قد خلا)، لتخليه من الدنيا وانفراده، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه، وأصله من قولهم: (خلا الرجل)، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت، على ذلك الوجه" (٨). و(الأمة) في الأصل: "المقصود، وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها" (٩). قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤١]، " أي: لها ما كسبت من الأعمال، ولكم ما كسبتم منها" (١٠). قال الثعلبي: أي: " من الدين والعمل" (١١). قال الطبري: أي: "لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها، وعليها ما اكتسبت من شر، لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها، ولا يضرها إلا سيِّئها" (١٢). قال الصابوني: " أي لها ثواب ما كسبت، ولكم ثواب ما كسبتم" (١٣). قال سعيد: " يعني ما عملت من خير أو شر" (١٤). قال ابن كثير: "أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم" (١٥). قال البيضاوي: أي" لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵊: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» (١٦) " (١٧).

стр. 1047

قال النسفي: " أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم" (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]، " أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء" (٢). أي "لا تُسألون عن أعمال من سبقكم" (٣). قال النسفي: أي: " ولا تؤاخذون بسيئاتهم" (٤). قال ابن عثيمين: " لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم" (٥). قال القرطبي: "أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى" (٦). قال الثعلبي: " وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم" (٧). قال البيضاوي: " أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (٨). قال الصابوني: " أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء" (٩). قال القاسمي: " أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم" (١٠). قال المراغي: أي: "ولا يسأل أحد عن عمل غيره، بل يسأل عن عمل نفسه ويجازى به، فلا يضره ولا ينفعه سواه، وهذه قاعدة أقرتها الأديان جميعا وأيّدها العقل كما قال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٣٩]، لكن غلبة الجهل جعلت الناس يعتمدون في طلب سعادة الآخرة، وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين، وساعدهم على ذلك رؤساء الأديان فأوّلوا لهم نصوص الدين اتباعا للهوى، ومن ثمّ جاء القرآن يقرّر ارتباط السعادة بالكسب والعمل، وينفى الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يقتد بهم في صالح أعمالهم، وقد حاجّ بذلك أهل الكتاب الذين يفتخرون بأسلافهم ويعتمدون على شفاعتهم وجاههم ليقطع أطماعهم في تلك الشفاعة. وعلينا معشر المسلمين أن نجعل نصب أعيننا ورائدنا في أعمالنا تلك القاعدة - الجزاء على العمل - ولا نغتر بشفاعة سلفنا الصالح، ونجعلها وسيلة لنا في النجاة إذا نحن قصّرنا في عملنا، فكل من السلف والخلف مجزىّ بعمله، ولا ينفع أحدا عمل غيره" (١١).

стр. 1048

قال ابن عاشور: " والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تمهيد لقوله: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب" (١) ولما حاج الله تعالى اليهودَ في هؤلاء الأنبياء، فعقبه بهذه الآية لوجوه (٢): أحدها: ليكون وعظا لهم وزجرا حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله. وثانيها: أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد ﷺ من ملة إلى ملة أخرى. وثالثها: أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أم أخطأوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد، فإن قيل لم كررت الآية؟ قلنا فيه قولان، أحدهما: أنه عني بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه، والثانية أسلاف اليهود. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، كما أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً. ٢ - ومنها: الترغيب في الإيمان، واتباع محمد ﵊، والتتحذير من مخالفته. ٣ - - ومنها: أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم. وقال الله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقال: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: ٥٤]. ٤ - ومنها أن العبد مكتسب، وليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود. ٥ - ومنها: أنه تعالى لا يؤاخذ أحداً بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. القرآن ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾ [البقرة: ١٤٢] التفسير: سيقول الجهال وضعاف العقول من اليهود وأمثالهم، في سخرية واعتراض: ما الذي صرف هؤلاء المسلمين عن قبلتهم التي كانوا يُصَلُّون إلى جهتها أول الإسلام؛ وهي "بيت المقدس" قل لهم -أيها الرسول-: المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله، فليست جهة من الجهات خارجة عن ملكه، يهدي مَن يشاء من عباده إلى طريق الهداية القويم. وفي هذا إشعار بأن الشأن كله لله في امتثال أوامره، فحيثما وَجَّهَنا تَوَجَّهْنا. في سبب نزول الآية: أخرج الواحدي عن عن البراء، قال: "لما قدم رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ إلى آخر الآية، فقال السفهاء

стр. 1049

من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال الله تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ إلى آخر الآية" (١). قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، "أي سيقول ضعفاء العقول من الناس" (٢). قال الطبري: يعني: سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود وأهل النفاق" (٣). قال البيضاوي: " يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين" (٤). قال المراغي: " أي سيقول الذين خفّت أحلامهم، وامتهنوا عقولهم بالتقليد والإعراض عن النظر، والتأمل من المنكرين تغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين على جهة الإنكار والتعجب" (٥). وفي والمراد بـ ﴿السفهاء﴾ [البقرة: ١٤٢]، هَا هُنَا ستة أقوال: أحدها: أنهم اليهود، وهو قول ابن عباس (٦)، ومجاهد (٧)، والبراء (٨)، والحسن (٩). قال الزمخشري: وذلك" لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ" (١٠). ومن جهة أخرى أنهم كانوا يأنسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقا لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا: ما حكى الله عنهم في هذه الآية (١١). والثاني: المنافقون، وهو قول السدي (١٢). قال الزمخشري: " لحرصهم على الطعن والاستهزاء" (١٣). والثالث: كفار قريش. حكاه الزجاج (١٤)، وقاله الحسن، والأصم (١٥). إذ أنهم: "قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، واللَّه ليرجعن إلى دينهم" (١٦). الرابع: أنهم اليهود ومشركو مكة، قاله البغوي (١٧)، والواحدي (١٨). الخامس: أنهم اليهود وأهل النفاق، قاله الطبري (١٩)، والسمرقندي (٢٠)، وعزاه ابن عطية للسدي (٢١).

стр. 1050

إذ "قالها بعض اليهود والمنافقون استهزاء، وذلك أنهم قالوا: اشتاق الرجل إلى وطنه" (١). السادس: أن المراد بالسفهاء: الكفار وأهل النفاق واليهود، والآية عامة في هؤلاء كلهم، يدل عليه وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] فوجب أن يتناول الكل. وهذا قول ابن كثير (٢)، والبيضاوي (٣)، والحافظ ابن حجر (٤)، وجماعة من أهل التفسير (٥). قال الرازي: " الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك، لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا البتة" (٦). مع أن هذه الأقوال لا تعارض بينها لاحتمال أن يكون كل صاحب قول ذكر ذلك من باب التفسير بالجزء والمثال أو على سبيل بيان الطائفة التي نزلت فيهم الآية (٧)، إلا أن أظهر هذه الأقوال هو القول الأخير، لأن جمع السفهاء محلى بأل وهو يفيد العموم فيدخل فيه الكل. والله أعلم. قال الزمخشري: " فإن قلت: أى فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أنّ مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم" (٨). قوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، " أي ما صرفهم وحوّلهم عن القبلة التي كانوا يصلون إِليها وهي بيت المقدس" (٩). قال الطبري: " أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء، فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟ " (١٠). قال ابن كثير: " أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ " (١١). قال المراغي: يعني: " أىّ شاء جرى لهؤلاء المسلمين، فصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، وهى قبلة النبيين والمرسلين من قبلهم؟ " (١٢). قال الزجاج: " ما عدلهم عنها يعني قبلة بيت المقدس، لأن النبي ﷺ كان أمر بالصلاة إلى بيت المقدس، لأن مكة وبيت الله الحرام كانت العرب آلفة لحجه، فأحب الله أن يمتحن القوم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ﷺ ممن لا يتبعه، كما قال الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فامتحن الله ببيت المقدس فيما روى لهذه العلة، والله أعلم" (١٣).

стр. 1051

قال البيضاوي: " والقبلة: في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة" (١). والقبلة: "هي الجهة التي يُصلى نحوها، ولا تصح الصلاة إلا بالاتجاه إليها، والقبلة من شعائر الإسلام، ومما يتميز به المسلمون وحدة قبلتهم، وسميت القبلة قبلة: لأن المصلى يقابلها وتقابله، وقيل لإقبال الناس عليها" (٢). قال الرازي: "يقال ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقوله: ﴿ما ولاهم﴾ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب" (٣). قال الشيخ السعدي: " ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقد كان في قوله (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به" (٤). وقد ذكر العلماء في هذا (التولي) وجهان (٥): الوجه الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس. واختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة، على أقوال (٦): أحدها: تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وهذا قول أنس بن مالك ﵁ (٧). الثاني: ثلاثة عشر شهرا. قاله معاذ (٨). الثالث: ستة عشر شهرا. قاله سعيد بن المسيب (٩). الرابع: سبعة عشر شهرا. قاله ابن عباس (١٠)، والبراء بن عازب (١١). قال الواقدي: "صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا" (١٢). الخامس: سنتان. حكاه الرازي (١٣). قال الرازي: "وقول ابن عباس أثبت عندنا من سائر الأقوال" (١٤).

стр. 1052

قلت: المشهور أن هذا التحويل قد تم في ليلة للنصف من شعبان للسنة الثانية من الهجرة، وهذا القول خلاف ما قال به الجمهور. والله أعلم. الوجه الثاني: قول أبي مسلم، وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله ﷺ متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى رادا عليهم؛ ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ (١). قال الرازي: " واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم" (٢). وقد اختلف العلماء في السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة، وفيه قولان (٣): أحدهما: أن ذلك كان باختيار من النبي ﷺ . قاله عكرمة (٤)، والحسن البصري (٥)، والربيع (٦). الثاني: أنه كان بفرض الله عز ذكره عليهم. وهو قول ابن عباس (٧)، وابن جريج (٨). قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي: قل لهم يا محمد " لله وحده المشرق، والمغرب" (٩). قال الثعلبي: أي: " ملكا، والخلق عبيده يحولهم كيف شاء" (١٠). قال ابن كثير: " أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله" (١١). قال الزمخشري: " أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها" (١٢). قال الواحدي: " أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء" (١٣). قال البيضاوي: أي: " لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان" (١٤). قال أبو السعود: " أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلها ملكا وملكا وتصرفاً فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه" (١٥).

стр. 1053

قال الطبراني: " أي مَن كان مَالِكَ المشرقِ والمغرب لا يُعْتَرَضُ عليهِ في جميع ما يأمرُ، ويجوز أن يكونَ معناهُ: أنَّ الله خالقُ الأماكنِ كلِّها، فليسَ بعضُ ما خَلَقَ أولَى أن يُجعل قبلةً في العقلِ من بعضٍ، فوجبَ الانتهاءُ إلى أمرِ الله باستقبالِ ما شاءَ اللهُ" (١). قال الزجاج: " معناه حيث أمر الله أن يصلى ويتعبد، فهو له، وعالم به، وهو فيه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وكما قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] " (٢). قال المراغي: " أي أجبهم: بأن الجهات كلها لله، فليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في جوهرها، وليس فيها من المنافع ما لا يوجد في غيرها، وكذلك الكعبة والبيت الحرام، وإنما يجعل الله تعالى للناس قبلة، لتكون جامعة لهم فى عبادتهم، لكن سفهاء الأحلام يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هى الصخرة المعيّنة أو البناء المعين" (٣). قال ابن عثيمين: " وخص المشرق، والمغرب؛ لأن منهما تطلع الشمس، وتغرب" (٤). قال الشيخ السعدي: " فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره، بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، وهدايته وإحسانه، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله، حسدا لكم وبغيا" (٥). وتجدر الإشارة بأن مسألة تعيين القبلة، ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة (٦).

стр. 1054

قوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي" والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه" (١). قال الطبراني: أي: "إلى طريقٍ قَوِيْمٍ؛ وهو الإسلامُ وقِبلة الكعبةِ" (٢). قال أبو العالية: " يهديهم إلى المخرج من الشبهات والضلالات والفتنة" (٣). قال الزمخشري: يعني من يهدي من يشاء" من أهلها إِلى ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة" (٤). قال النسفي: " أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطوراً إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده" (٥). قال ابن عثيمين: " أي: يدِلّ، ويوفق من يشاء، ولكن كل شيء قيد بمشيئة الله فهو مقرون بالحكمة: يهدي من يشاء ممن هو أهل للهداية؛ و (المشيئة) هي الإرادة الكونية: فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن" (٦). قال السعدي: " والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية" (٧). قال القاسمي: " فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: ٢٦] " (٨). و﴿الصراط﴾: "الطريق الواسع الذي يسهل سلوكه؛ والمراد به هنا شريعة الله التي شرعها لعباده" (٩). وقال الطبري في تفسير ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: "أي الطريق القويم ويعني بذلك إلى "قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: علم الله تعالى بما سيكون؛ لقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾. ٢ - ومنها: تحقق وقوع خبر الله ؛ لأنهم قالوا ذلك. ٣ - ومنها: من اعترض على حكم الله فهو سفيه.

стр. 1055

٤ - ومنها: تسلية النبي ﷺ ، وأصحابه، حيث أخبر الله تعالى أنه لا يعترض عليه في ذلك إلا سفيه. ٥ - ومنها: إعلام المرء بما يتوقع أن يكون ليستعد له؛ ومن ذلك أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب"؛ ليكون مستعداً (١). ٦ - ومنها: جواز تعليل الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة؛ إذا قال أحد: لماذا كذا؟ قلت: الله ربك يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ «لماذا أحل كذا، وحرم كذا؟ » تقول: لأنه ربك؛ «لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب؛ من المغرب إلى المشرق؛ من بيت المقدس إلى الكعبة؟ » قلت: لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله: [لله المشرق والمغرب]. ٧ - من فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، ويلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿عن قبلتهم﴾؛ لم يقولوا: عن القبلة؛ كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك فما الذي صرفكم عنه؟ ! ! وهكذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وكأنهم قالوا: بالأمس تختارونها، واليوم تنكرونها، وتنبذونها؛ فالخصم دائماً يُهيج خصمه بما يثير نعرته؛ ليوافقه فيما ذهب إليه. ٨ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لله المشرق والمغرب﴾؛ فهو المالك للجهات يُصرِّف إليها العباد كيف يشاء؛ ونحن ليس علينا إلا السمع، والطاعة؛ أينما وجهنا توجهنا؛ هذا المهم؛ لا أن تتجه إلى كذا، أو إلى كذا؛ فالسجود لغير الله شرك؛ وكان بالنسبة للملائكة حين أمرهم الله بالسجود لآدم طاعة، وعبادة؛ وقتل النفس بغير حق - ولا سيما قتل الولد - من أكبر الكبائر؛ وحين أمر الله تعالى إبراهيم أن يذبح ابنه كان قربة، وعبادة؛ فالاعتبار بطاعة الله . ٩ - من فوائد الآية: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾. فإن قال قائل: هل في ذلك حجة للجبرية في قولهم: إن العبد مجبر على عمله؟ فالجواب: أنه لا حجة لهم في ذلك؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به؛ فالقرآن من متكلم واحد؛ فمطلقه في موضع يقيد في موضع آخر؛ بل إن سنة الرسول ﷺ تقيد القرآن، وتبينه، وتخصصه؛ فإذاً لا دليل في هذه الآية للجبرية إلا من نظر بعين أعور؛ لأن الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة؛ لكن من جانب العين العوراء لا يرى؛ والواجب أن ينظر الإنسان إلى النصوص بعينين ثاقبتين؛ وليس بعين واحدة؛ وقد دلت النصوص من الكتاب، والسنة على أن الإنسان له إرادة، واختيار، وقدرة، وأضافت أعماله إليه؛ وحينئذ لا يمكن أن يكون مجبراً. ١٠ - من فوائد الآية: أن الهداية بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾، ومنها: أنْ هدَى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول ﷺ . ١١ - ومنها: الثناء على هذه الأمة؛ لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول من يدخل في قوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ هؤلاء الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة. ١٢ - ومنها: أن معارضة الشرع كما أنه سفه، فهو أيضاً ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم - وهو الهداية؛ وما سواه ضلال، واعوجاج. ١٣ - ومنها: فضيلة هذه الأمة، حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع الناس. القرآن
следующие страницы →