← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

قال البيضاوي: " والقبلة: في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة" (١). والقبلة: "هي الجهة التي يُصلى نحوها، ولا تصح الصلاة إلا بالاتجاه إليها، والقبلة من شعائر الإسلام، ومما يتميز به المسلمون وحدة قبلتهم، وسميت القبلة قبلة: لأن المصلى يقابلها وتقابله، وقيل لإقبال الناس عليها" (٢). قال الرازي: "يقال ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقوله: ﴿ما ولاهم﴾ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب" (٣). قال الشيخ السعدي: " ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقد كان في قوله (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به" (٤). وقد ذكر العلماء في هذا (التولي) وجهان (٥): الوجه الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس. واختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة، على أقوال (٦): أحدها: تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وهذا قول أنس بن مالك ﵁ (٧). الثاني: ثلاثة عشر شهرا. قاله معاذ (٨). الثالث: ستة عشر شهرا. قاله سعيد بن المسيب (٩). الرابع: سبعة عشر شهرا. قاله ابن عباس (١٠)، والبراء بن عازب (١١). قال الواقدي: "صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا" (١٢). الخامس: سنتان. حكاه الرازي (١٣). قال الرازي: "وقول ابن عباس أثبت عندنا من سائر الأقوال" (١٤).

стр. 1052

قلت: المشهور أن هذا التحويل قد تم في ليلة للنصف من شعبان للسنة الثانية من الهجرة، وهذا القول خلاف ما قال به الجمهور. والله أعلم. الوجه الثاني: قول أبي مسلم، وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله ﷺ متوجها نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكرا، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى رادا عليهم؛ ﴿قل لله المشرق والمغرب﴾ (١). قال الرازي: " واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملا والله أعلم" (٢). وقد اختلف العلماء في السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة، وفيه قولان (٣): أحدهما: أن ذلك كان باختيار من النبي ﷺ . قاله عكرمة (٤)، والحسن البصري (٥)، والربيع (٦). الثاني: أنه كان بفرض الله عز ذكره عليهم. وهو قول ابن عباس (٧)، وابن جريج (٨). قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي: قل لهم يا محمد " لله وحده المشرق، والمغرب" (٩). قال الثعلبي: أي: " ملكا، والخلق عبيده يحولهم كيف شاء" (١٠). قال ابن كثير: " أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثمَّ وجه الله" (١١). قال الزمخشري: " أى بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها" (١٢). قال الواحدي: " أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء" (١٣). قال البيضاوي: أي: " لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان" (١٤). قال أبو السعود: " أي لله تعالى ناحيتا الأرضِ أي الجهاتُ كلها ملكا وملكا وتصرفاً فلا اختصاصَ لناحيةٍ منها لذاتها بكونها قبلةً بدون ما عداها بل إنما هو بأمر الله سبحانه ومشيئتِه" (١٥).

стр. 1053

قال الطبراني: " أي مَن كان مَالِكَ المشرقِ والمغرب لا يُعْتَرَضُ عليهِ في جميع ما يأمرُ، ويجوز أن يكونَ معناهُ: أنَّ الله خالقُ الأماكنِ كلِّها، فليسَ بعضُ ما خَلَقَ أولَى أن يُجعل قبلةً في العقلِ من بعضٍ، فوجبَ الانتهاءُ إلى أمرِ الله باستقبالِ ما شاءَ اللهُ" (١). قال الزجاج: " معناه حيث أمر الله أن يصلى ويتعبد، فهو له، وعالم به، وهو فيه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وكما قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] " (٢). قال المراغي: " أي أجبهم: بأن الجهات كلها لله، فليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في جوهرها، وليس فيها من المنافع ما لا يوجد في غيرها، وكذلك الكعبة والبيت الحرام، وإنما يجعل الله تعالى للناس قبلة، لتكون جامعة لهم فى عبادتهم، لكن سفهاء الأحلام يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هى الصخرة المعيّنة أو البناء المعين" (٣). قال ابن عثيمين: " وخص المشرق، والمغرب؛ لأن منهما تطلع الشمس، وتغرب" (٤). قال الشيخ السعدي: " فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله، ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه، ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله، لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟ فهذا يوجب التسليم لأمره، بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم، وهدايته وإحسانه، أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم، معترض على فضل الله، حسدا لكم وبغيا" (٥). وتجدر الإشارة بأن مسألة تعيين القبلة، ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة (٦).

стр. 1054

قوله تعالى: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي" والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه" (١). قال الطبراني: أي: "إلى طريقٍ قَوِيْمٍ؛ وهو الإسلامُ وقِبلة الكعبةِ" (٢). قال أبو العالية: " يهديهم إلى المخرج من الشبهات والضلالات والفتنة" (٣). قال الزمخشري: يعني من يهدي من يشاء" من أهلها إِلى ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة" (٤). قال النسفي: " أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطوراً إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده" (٥). قال ابن عثيمين: " أي: يدِلّ، ويوفق من يشاء، ولكن كل شيء قيد بمشيئة الله فهو مقرون بالحكمة: يهدي من يشاء ممن هو أهل للهداية؛ و (المشيئة) هي الإرادة الكونية: فما شاء الله كان؛ وما لم يشأ لم يكن" (٦). قال السعدي: " والمطلق يحمل على المقيد، فإن الهداية والضلال، لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله، وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية، التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية" (٧). قال القاسمي: " فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: ٢٦] " (٨). و﴿الصراط﴾: "الطريق الواسع الذي يسهل سلوكه؛ والمراد به هنا شريعة الله التي شرعها لعباده" (٩). وقال الطبري في تفسير ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: "أي الطريق القويم ويعني بذلك إلى "قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق" (١٠). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: علم الله تعالى بما سيكون؛ لقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء﴾. ٢ - ومنها: تحقق وقوع خبر الله ؛ لأنهم قالوا ذلك. ٣ - ومنها: من اعترض على حكم الله فهو سفيه.

стр. 1055

٤ - ومنها: تسلية النبي ﷺ ، وأصحابه، حيث أخبر الله تعالى أنه لا يعترض عليه في ذلك إلا سفيه. ٥ - ومنها: إعلام المرء بما يتوقع أن يكون ليستعد له؛ ومن ذلك أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب"؛ ليكون مستعداً (١). ٦ - ومنها: جواز تعليل الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى لا يحصل منازعة؛ إذا قال أحد: لماذا كذا؟ قلت: الله ربك يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد؛ «لماذا أحل كذا، وحرم كذا؟ » تقول: لأنه ربك؛ «لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب؛ من المغرب إلى المشرق؛ من بيت المقدس إلى الكعبة؟ » قلت: لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله: [لله المشرق والمغرب]. ٧ - من فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته، ويلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿عن قبلتهم﴾؛ لم يقولوا: عن القبلة؛ كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك فما الذي صرفكم عنه؟ ! ! وهكذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وكأنهم قالوا: بالأمس تختارونها، واليوم تنكرونها، وتنبذونها؛ فالخصم دائماً يُهيج خصمه بما يثير نعرته؛ ليوافقه فيما ذهب إليه. ٨ - من فوائد الآية: عموم ملك الله ؛ لقوله تعالى: ﴿لله المشرق والمغرب﴾؛ فهو المالك للجهات يُصرِّف إليها العباد كيف يشاء؛ ونحن ليس علينا إلا السمع، والطاعة؛ أينما وجهنا توجهنا؛ هذا المهم؛ لا أن تتجه إلى كذا، أو إلى كذا؛ فالسجود لغير الله شرك؛ وكان بالنسبة للملائكة حين أمرهم الله بالسجود لآدم طاعة، وعبادة؛ وقتل النفس بغير حق - ولا سيما قتل الولد - من أكبر الكبائر؛ وحين أمر الله تعالى إبراهيم أن يذبح ابنه كان قربة، وعبادة؛ فالاعتبار بطاعة الله . ٩ - من فوائد الآية: إثبات مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾. فإن قال قائل: هل في ذلك حجة للجبرية في قولهم: إن العبد مجبر على عمله؟ فالجواب: أنه لا حجة لهم في ذلك؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض كفر به؛ فالقرآن من متكلم واحد؛ فمطلقه في موضع يقيد في موضع آخر؛ بل إن سنة الرسول ﷺ تقيد القرآن، وتبينه، وتخصصه؛ فإذاً لا دليل في هذه الآية للجبرية إلا من نظر بعين أعور؛ لأن الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة؛ لكن من جانب العين العوراء لا يرى؛ والواجب أن ينظر الإنسان إلى النصوص بعينين ثاقبتين؛ وليس بعين واحدة؛ وقد دلت النصوص من الكتاب، والسنة على أن الإنسان له إرادة، واختيار، وقدرة، وأضافت أعماله إليه؛ وحينئذ لا يمكن أن يكون مجبراً. ١٠ - من فوائد الآية: أن الهداية بيد الله؛ لقوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء﴾، ومنها: أنْ هدَى هذه الأمة إلى القبلة التي يرضاها الرسول ﷺ . ١١ - ومنها: الثناء على هذه الأمة؛ لأنها التي على صراط مستقيم؛ لأن أول من يدخل في قوله تعالى: ﴿يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ هؤلاء الذين تولوا عن بيت المقدس إلى الكعبة. ١٢ - ومنها: أن معارضة الشرع كما أنه سفه، فهو أيضاً ضلال؛ لأن الشرع هو الصراط المستقيم - وهو الهداية؛ وما سواه ضلال، واعوجاج. ١٣ - ومنها: فضيلة هذه الأمة، حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع الناس. القرآن

стр. 1056

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣] التفسير: وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه. وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة "بيت المقدس" التي كنت عليها، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ "مكة"، إلا ليظهر ما علمناه في الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه. وإن هذه الحال التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة. إنه بالناس لرءوف رحيم. في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: قال الواحدي: " قال ابن عباس في رواية الكلبي: كان رجال من أصحاب رسول الله ﷺ قد ماتوا على القبلة الأولى، منهم أسعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بني النجار، والبراء بن معرور أحد بني سلمة، وأناس آخرون، جاءت عشائرهم فقالوا: يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى، وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا؟ فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ الآية. ثم قال: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ وذلك أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها" وكان يريد الكعبة، لأنها قبلة إبراهيم، فقال له جبريل: "إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئا فسل ربك أن يحولك عنها إلى قبلة إبراهيم" ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما سأله فأنزل الله تعالى هذه الآية" (١). الثاني: أخرج الواحدي عن البراء قال: "صلينا مع رسول الله ﷺ بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس، ثم علم الله هوى نبيه ﷺ فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها﴾ الآية" (٢). قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، " أي كما هديناكم إِلى الإِسلام كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة عدولاً خيارا" (٣). قل ابن عثيمين: "أي: مثلَ هذا الجعل الذي جعلنا لكم وهو اتجاهكم إلى القبلة جعلناكم أمة وسطاً" (٤). قال الطبري: " كذلك خصصناكم ففضَّلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن جعلناكم أمة وسطًا" (٥).

стр. 1057

قال السعدي: " أي: عدلا خيارا .. فجعل الله هذه الأمة، وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء، بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى" (١). قال البيضاوي: " أي خياراً، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل. وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها، مستوياً فيه الواحد والجمع" (٢). قال النسفي: " أي: كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا" (٣). ويحتمل التشبيه في قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجهين من التفسير (٤): أحدهما: أن التشبيه في قوله: ﴿وَكذَلِكَ﴾، يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: ﴿وَكذَلِكَ﴾ أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا. الثاني: وقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا. قال البيضاوي: " ﴿وَكَذلِكَ، إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل." (٥). و(الوسَط): "اسم لما بين طرفي الشيء" (٦). قال الفراء: "الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا: وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه. وجلس وسْط القوم، ولا تقول: وسَط؛ لأنه في معنى بين القوم، وجلس وسَط الدار؛ لأن (بين) لا يصلح في هذا الموضع، وربما خفف" (٧). قال الجوهري: "كل وضع صلح فيه بين فهو (وسْط)، وإن لم يصلح فيه بين فهو (وسَط) بالتحريك، وربما سكن، وليس بالوجه، كقول الشاعر (٨): قالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ... ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا" (٩) ومما يصدق هذا ما روي في الخبر: "الجالس وسْط الحلقة ملعون" (١٠)، لم يرو إلا بالتخفيف (١١). وقيل: (وَسَط): جمع واسط، و (فَعَل) يجوز في جمع (فاعل)، نحو: خدَم ونشَأ، والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال حسان (١٢):

стр. 1058

وَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ... كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم وفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب. والثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها. قال الشاعر (١): ومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ... وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا قوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (٢). وقد اختلف أهل العمل في قوله: ﴿وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، على وجوه (٣): القول الأول: أنه (العدل)، وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم: أبو سعيد" (٤)، وابن عباس وسعيد (٥)، ومجاهد (٦)، وقتادة (٧)، والربيع، (٨) وعطاء (٩)، وعبد الله بن كثير (١٠)، وابن زيد (١١)، وحبان بن أبي جبلة (١٢). وقال به أيضاً: الفراء (١٣)، والزجاج (١٤)، وأبو عبيدة (١٥)، وابن قتيبة (١٦)، إلا أنهما قالا: عدلاً: خياراً، والعدل والخيار بمعنى-كما ذكر الزجاج-لأن من كان خياراً فهو عدلاً. وقال به أيضاً: ابن عطية (١٧)، والقرطبي (١٨)، والواحدي (١٩)، والسمرقندي (٢٠)، وأبو حيان (٢١)، وقال: "وإذا صح ذلك عن رسول الله ﷺ وجب المصير في تفسير الوسط إليه" (٢٢). قلت: وقد صح كما سيأتي. والدليل عليه: الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى (٢٣): أ- أما الآية فقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]، "أي أعدلهم" (٢٤). ب- ومن الأخبار:

стр. 1059

- ما أخرجه الطبري عن أبي سعيد، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله في قوله: " ﴿وكذلك جَعلناكم أمة وَسَطًا﴾، قال، عُدولا" (١). - وروي عنه ﵊: "خير الأمور أوسطها" (٢)، "أي أعدلها" (٣). - وقيل: كان النبي ﷺ أوسط قريش نسبا، وقال ﵊: "عليكم بالنمط الأوسط" (٤). - وروي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته" قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٥). قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم" (٦). - وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يجيء النبي يوم القيامة [ومعه الرجل والنبي] ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه، فيقال [لهم] هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال [له] من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيدعى بمحمد وأمته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا" فذلك قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: "عدلا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ " (٧). ج- وأما الشعر، فقول زهير (٨): هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ د-وأما النقل: فقال الجوهري: " ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي عدلا" (٩)، وهو الذي قاله الأخفش (١٠)، والخليل (١١)، وقطرب (١٢)، وابن منظور (١٣)، والفيروزآبادي (١٤)، والرازي (١٥)، وغيرهم. هـ- وأما المعنى، فمن وجوه (١٦): أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيدا عن الطرفين فكان معتدلا فاضلا.

стр. 1060

وثانيها: إنما سمي العدل وسطا، لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين. وثالثها: لا شك أن المراد بقوله: ﴿وكذالك جعلناكم أمة وسطا﴾ طريقة المدح لهم، لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفا ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودا له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله: (وسطا) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودا إلا بكونهم عدولا، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة. ورابعها: أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة. وخامسها: أنه سمي العدل وسطا، من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي: خير مكان منه (١)، فعلى هذا (الوسط) اسم وصف به (٢). القول الثاني: أن الوسط من كل شيء خياره. وقالوا: وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه: أحدها: أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب "الكشاف": "اكتريت جملا من أعرابي بمكة للحج فقال: أعطى من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير" (٣). قال الرازي: "ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات، فكان هذا التفسير أولى" (٤). الثاني: أنه مطابق لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يقول الحافظ ابن كثير: (وسطا) "هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي: خيرها. وكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي (أفضل) الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمة وسطاً خَصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨] " (٥). القول الثالث: أن الرجل إذا قال: فلان أوسطنا نسبا، فالمعنى: أنه أكثر فضلا، وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة، وأصل هذا أن الاتباع يحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى (٦). القول الرابع: يجوز أن يكونوا وسطا على معنى: أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء، لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابنا وإلها ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه (٧). قال الكلبي: "يعني متوسطة أهل دين: وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين" (٨).

стр. 1061

قال الراغب: " الوسط في الأصل اسم للمكان الذي يستوي إليه المساحة من الجوانب في المدورة، ومن الطرفين في المطول كالنقطة من الدائرة ولسان الميزان من العمود، ويجعل عبارة عن العدل، وكذلك السواء والنصف، وشبه به كل ما وقع بين طرفين إفراط وتفريط كالجود بين السرف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن" (١). وهذا القول الأخير اختاره الطبري، إذ يقول: " وأنا أرى أن (الوسط) في هذا الموضع، هو (الوسط) الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل (وسَط الدار) محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في " سينه " التخفيف. وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم (وسَط)، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها" (٢). وقد اعترض على رأيه الحافظ ابن حجر، قائلا: "لا يلزم من كون الوسط في الآية صالحاً لمعنى التوسط أن لا يكون أريد به معناه الآخر، كما نص عليه الحديث" (٣). قلت: أن جميع الأقوال السابقة متقاربة في المعنى وغير متنافية. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، " أي لتشهدوا على الأمم يوم القامة أن رسلهم بلّغتهم" (٤). قال ابن عثيمين: " أي: تشهدون على الناس بأن الرسل قد بلغتهم؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر" (٥). قال البيضاوي: " علة للجعل، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم، بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا. ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات، والإِعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم، أو بعدكم" (٦). قال ابن عاشور: "علة لجَعْلِهم وسطاً فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيراً فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته تعالى لكمال حكمته" (٧).

стр. 1062

ثم قال: "و (الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية: ١ - فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهورِ الحق، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب. وفي حديث أنس بن مالك أن جنازة مرت فأثني عليه خيراً فقال النبي: "وجبت وجبت"، ثم مرت أخرى فأثني عليها شراً فقال النبي: "وجبت وجبت"، فلما سأله عمر عن ذلك قال: "من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض" (١). ٢ - ومن خصائص الأمة المحمدية الأخروية أنها تشهد لكل نبي أنكر قومه أنه قد بلغ، تشهد له بأداء الرسالة وتبليغها فيقبل الله شهادتها، والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﷺ : "يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم، فتشهدون "، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣]- قال: عدلا - ﴿لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٢). فقوله (ثم قرأ) يدل على أن هذه الشهادة من جملة معنى الآية لا أنها عين معنى الآية، والظاهر من التعليل هو الشهادة الأولى لأنها المتفرعة عن جعلنا أمة وسطاً، وأما مجيء شهادة الآخرة على طِبقها فذلك لما عرفناه من أن أحوال الآخرة تكون على وفق أحوال الدنيا قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] " (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: " ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم" (٤). قال ابن عثيمين: أي: النبي ﷺ يشهد على أمته بأنه بلغ البلاغ المبين" (٥). قلت: وكون النبي-صلى الله عليه وآله- شاهداً على أمته وعلى الناس أجمعين هذهِ حقيقة قرآنية قد نصّ عليها القرآن في سور عديدة وآياتٍ كثيرة، منها الآية المبحوث عنها) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (وهكذا قال تعالى في سورة الفتح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٩]. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ([المزمل: ١٦].

стр. 1063

بل يصرح القرآن المجيد بأنّ كلّ امةٍ من الأمم جعل الله عليها شهيداً منهم من نبيٍ أو رسول أو إمام، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٥]. وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزُمَر: ٧٠]. وقد يسأل السائل: مَن المراد من الأمة الوسط، هل هي الأمة الإسلامية بكاملها، تشهد على الناس ويشهد بعضها على بعض؟ فنقول: أجمع أهل العلم بأن الأمة الوسط هم الموصوفون بالعدالة والخيرية، ولا شكّ بأنّ الشاهد يجب انْ يكون عادلاً وإلاّ لا يصح الاستشهاد به في الدنيا فضلاً عن الآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٣]، والحال الأمة الإسلامية – بحكم الضرورة والبداهة – فيها العادل والظالم، والمؤمن والمنافق، والبر والفاجر، فكيف يستشهد الله تعالى بهم جميعاً؟ هذا ما لا يرتضيه العقل ويخالف الوجدان والذوق والمنطق السليم، والتحليل العلمي ويخالف أيضاً القرآن العظيم، يقول تعالى مخاطباً المؤمنين مِن هذهِ الأمة: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، فقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهدَاءَ﴾ لفظة "منكم" هنا للتبعيض، أي يتخذ بعضكم شهداء، فلو أنّ الأمة تشهد لقال: ﴿ويتخذكم شهداء﴾ وهذا دليل قرآنيٌ واضح على أنّ الشهداء على الأمة الإسلامية بعضها لا كلها. والله تعالى أهلم. قال الفخر الرازي: "دلّت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبّه، والخوارج، والروافض (١) فإنه لا يُعتدّ به في الإجماع، لأن الله إنّما جَعل الشهداء مَن وَصَفهم بالعدالة والخَيريّة، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقوله أو فعل، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل" (٢). أما القول بأن الأمة الوسط الشهيدة على الناس، هي الأمة الاسلامية بأجمعها (٣)، فهذا فيه نظر، إذ روي عن الضحاك في قوله: " لتكونوا شُهداء على الناس "، يعني بذلك: الذين استقاموا على الهُدى، فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة، لتكذيبهم رُسلَ الله وكفرهم بآيات الله" (٤). قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، " أي وما أمرناك بالتوجه إِلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إِلى الكعبة"" (٥). قال الطبري: أي: "إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة" (٦).

стр. 1064

قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي "إِلا لنختبر إِيمان الناس فنعلم من يصدّق الرسول، ممن يشكّك في الدين ويرجع إِلى الكفر لضعف يقينه" (١). قال الطبري: أي: " ليظهر حالُ من يَتَّبعك ويُطيعك ويستقبل معك حيثما توجهتَ مِمَّن ينقلب على عَقبَيْه، أي: مُرْتَدّاً عن دينه" (٢). قال البيضاوي: أي: " إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه" (٣). وإن قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالماً. قلت-البيضاوي-: "هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء، والمعنى ليتعلق علمنا به موجوداً. وقيل: ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول، والعلم إما بمعنى المعرفة، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب" (٤). وفي قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ثلاثة أوجه (٥): أحدها: أن المراد علم ظهور. أي علم بأن الشيء حصل، فيعلمه أنه حاصل؛ وأما العلم به قبل وقوعه فهو علم بأنه سيحصل؛ وفرق بين العلم بالشيء أنه سيحصل، والعلم بأنه قد حصل. الثاني: أن المراد علم الجزاء؛ لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترتب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد، ويُنظر. والثالث: وقيل المعنى: " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه" (٦). والصواب الوجهان الأولان؛ وأحسنهما أن يكون المراد بالعلم هنا الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنه الواضح وليس فيه تكلف (٧). والله أعلم. قال ابن عثيمين: " وهذا ــ وإن كان له وجه من حيث اللفظ؛ وهو أن يعبر بالمضارع عن الماضي أحياناً ــ لكنه ضعيف هنا من حيث المعنى؛ إذ لا حكمة من ذلك؛ لأنه يكون معنى الآية: وما جعلنا هذا إلا لأننا قد علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وحينئذ يقال: إذاً ما الفائدة؟ ! لأنه لا يناسب أن الله ما جعل هذه القبلة إلا لأنه قد علم من يبقى على دينه، ومن لا يبقى" (٨). وقد ذكر الرازي في قوله تعالى: ﴿إِلا لِنَعْلَمَ﴾ [وجوها عن المفسرين (٩): أحدها: أن قوله: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا، ومنه يقال: فتح عمر السواد، ومنه قول ﵊ فيما يحكيه عن ربه: "استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر" وفي الحديث: "من أهان لي وليا فقد أهانني".

стр. 1065

وثانيها: معناه ليحصل المعدوم فيصير موجودا، فقوله: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه: إلا لنعلمه موجودا، فإن قيل: فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور. وثالثها: إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علما، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته. ورابعها: ﴿إلا لنعلم﴾ معناه: إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله: ﴿ألم تر كيف﴾ [الفجر: ٦] [الفيل: ١] [إبراهيم: ١٩] ورأيت، وعلمت، وشهدت، ألفاظ متعاقبة. وخامسها: ما ذهب إليه الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، ومثاله أن جاهلا وعاقلا اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل، فكذلك قوله: ﴿إلا لنعلم﴾ إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب، كقوله: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى﴾ (سبأ: ٢٤) فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقا للخطاب ورفقا بالمخاطب، فكذا قوله: ﴿إلا لنعلم﴾. وسادسها: نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم، إذ العدل يوجب ذلك. وسابعها: أن العلم صلة زائدة، فقوله؛ ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ معناه: إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجوه (١): الأول: أن يكون هذا الكلام بيانا للحكمة في جعل القبلة، وذلك لأنه ﵊ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فنقول: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ الجهة: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ أولا: يعني وما رددناك إليها إلا امتحانا للناس وابتلاء. الثاني: يجوز أن يكون قوله: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ لسانا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا، وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه. الثالث: وقد ذكره أبو مسلم فقال: "لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول ﵊ عليها، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء: ١٥٨]، فلا يمتنع أن يراد بقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا" (٢). واختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها (٣): أحدهما: أنها حصلت بسبب تعيين القبلة، لأنه ﵊ كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم. الثاني: أن هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل، فإنهم قالوا: إن محمدا ﷺ لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه، روى القفال عن ابن جريح أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم، وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، وقال السدي: لما توجه النبي ﵊ نحو المسجد الحرام اختلف الناس

стр. 1066

فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، وقال المشركون: تحير في دينه. قال الرازي: " والقول الأخير أولى، لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ فكان حمله عليه أولى" (١). وقوله تعالى ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، استعارة ومعناه: "من يكفر بالله ورسوله، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: ﴿ثم أدبر واستكبر﴾ [المدثر: ٢٣] وكما قال: ﴿كذب وتولى﴾ [طه: ٤٨]، وكل ذلك تشبيه" (٢). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، "أي وإِن كان هذا التحويل لشاقاً وصعباً إِلاّ على الذين هداهم الله" (٣). قال ابن عباس: " يعني: تحويلها على أهل الشك والريبة" (٤). قال مجاهد: " يقول: ما أمروا به من التحول إلى الكعبة من بيت المقدس"" (٥)، وروي عن أبي العالية، وقتادة، ومقاتل بن حيان نحو ذلك (٦). قال الزجاج: " يعني قبلة بيت المقدس، أي وإن كان اتباعها لكبيرة، المعنى إنه كبير على غير المخلصين، فأما من أخلص فليست بكبيرة عليه، كما قال: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾ أي فليست بكبيرة عليهم" (٧). قال ابن كثير: "أي: "هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنُوا بتصديق الرسُول، وأنَّ كلَّ ما جاء به فهو الحقّ الذي لا مرْية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلّف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك " (٨). و(الكبَر): "يراد به الشيء الشاق العظيم؛ ومنه قوله ﷺ في صاحبَي القبرين: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير» (٩)، أي في أمر شاق عليهما" (١٠). قال الرازي: أي: " لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٥]، أي: عظمت الفرية بذلك، وقال الله تعالى: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦]، وقال: ﴿إن ذالكم كان عند الله عظيما﴾ [الأحزاب: ٥٣] " (١١). قال ابن عطية: " وشهد الله تعالى في هذه الآية للمتبعين بالهداية" (١٢).

стр. 1067

وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرةً إلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أربعة تأويلات (١): أحدها: معناه وإن التولية عن بيت المقدس إلى الكعبة والتحويل إليها لكبيرةٌ، وهذا قول ابن عباس (٢)، ومجاهد (٣)، وقتادة (٤). والتأنيث في قوله ﴿كانت﴾، للتولية، لأنه قال: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها﴾ ثم قال عطفا على هذا: ﴿وإن كانت لكبيرة﴾ أي وإن كانت التولية. والثاني: إن الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان رسول الله- ﷺ يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل، وهذا قول أبي العالية الرياحي (٥). لأنه لا بد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله: ﴿وما جعلنا القبلة التى كنت عليها﴾ [البقرة: ١٤٣]. والثالث: أن الكبيرة هي الصلاة، التي كانوا صَلَّوْهَا إلى القبلة الأولى، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (٦). والراجح هو القول الأول، " لأن القوم إنما كبُر عليهم تحويل النبي ﷺ وَجْهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى، لا عين القبلة، ولا الصلاة. لأن القبلة الأولى والصلاة، قد كانت وهى غير كبيرة عليهم" (٧). قال الرازي: "إن قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة، قلنا: إن تركها ثقيل عليهم، لأن ذلك يقتضي ترك الألف والعادة، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا: الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا: إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل القبلة من جهة إلى جهة كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال إلى حال في الصحة والسقم والغنى والفقر، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره، ومن سفه واتبع الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة" (٨). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وجهان من المعنى: أحدهما: أي: الذين ثبت الله. قاله ابن عباس (٩). الثاني: أن المراد: عصم الله. قاله قتادة (١٠). قال ابن عثيمين: " والمراد بالهداية هنا: هداية العلم، وهداية التوفيق؛ أما كونها هداية العلم فلأن الذين يخشون الله هم العلماء، كما قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] أي العلماء به، وبأسمائه، وصفاته، وبأحكامه؛ هذه هي هداية العلم؛ لأنهم إذا علموا خشوا الله ، ولم يكرهوا شريعته، ولم يكبر ذلك عليهم، ولم يشق؛ كذلك هداية التوفيق - وهي المهمة: إذا وفق العبد للانقياد لله سهل عليه دينه، وصار أيسر عليه من كل شيء، كما قال تعالى: ﴿﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] " (١١).

стр. 1068

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي "ما كان الله يترك إيمانكم سدًى بدون مجازاة عليه" (١). قال ابن عباس: "يقول: صَلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة. فكان المؤمنون قد أشفقوا على مَن صلى منهم أن لا تُقبلَ صلاتهم"" (٢). قال مقاتل: " يعني إيمان صلاتكم نحو بيت المقدس يقول لقد تقبلت منهم" (٣). قال الصابوني: " أي ما صحَّ ولا استقام أن يضيع الله صلاتكم إِلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها" (٤). قال الماوردي: " يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية وقول وعمل" (٥). قال الزجاج: " أي من كان صلى إلى بيت المقدس قبل أن تحول القبلة إلى البيت الحرام بمكة فصلاته غير ضائعة وثوابه قائم" (٦). قال الفخر الرازي: " أي لا يضيع ثواب إيمانكم لأن الإيمان قد انقضى وفنى وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو كقوله تعالى: ﴿أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾ [آل عمران: ١٩٥] " (٧). قال الطبري: (وإضاعته إياه) جل ثناؤه - لو أضاعه -: تركُ إثابة أصْحابه وعامليه عليه، فيذهب ضياعًا، ويصير باطلا كهيئة " إضاعة الرجل ماله "، وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضًا في عاجل ولا آجل، فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يُبطل عَمل عاملٍ عمل له عملا وهو له طاعة، فلا يُثيبه عليه، وإن نُسخ ذلك الفرضُ بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله" (٨). وعنى بـ (الإيمان)، في هذا الموضع: (الصلاةَ). قاله: ابن عباس (٩)، والبراء (١٠)، وقتادة (١١)، والسدي (١٢)، والربيع (١٣)، وداود بن أبي عاصم (١٤)، وابن زيد (١٥)، وسعيد بن مسيب (١٦). وفي سبب تسمية الصلاة بالإيمان، وجهان (١٧): أحدهما: أن الصلاة سميت إيمانا، لما كانت صادرة عن الإيمان والتصديق في وقت بيت المقدس وفي وقت التحويل، ولما كان الإيمان قطبا عليه تدور الأعمال وكان ثابتا في حال التوجه هنا وهنا ذكره، إذ هو الأصل الذي به يرجع في الصلاة وغيرها إلى الأمر والنهي، ولئلا تندرج في اسم الصلاة صلاة المنافقين إلى بيت المقدس فذكر المعنى الذي هو ملاك الأمر.

стр. 1069

والثاني: أنها سميت إيمانا، إذ هي من شعب الإيمان. قال ابن عثيمين: "والمراد بـ (إِيمَانَكُمْ)، صلاتهم إلى بيت المقدس؛ وهذا عام للذين ماتوا قبل تحويل القبلة، ومن بقوا حتى حولت، «ما كان الله ... » في القرآن فهي الأمر الممتنع غاية الامتناع؛ مثل: «لا ينبغي»، أو «ما ينبغي» فالمراد أنه ممتنع مستحيل، كقوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر﴾ [يس: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ [مريم: ٩٢] أي ممتنع مستحيل؛ وقوله ﷺ : "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام" (١)، المعنى: أنه مستحيل" (٢). قال الرازي: "فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولد من تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة؟ قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ليذكره المسلمون جوابا لسؤال ذلك المنافق. وثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت إخواننا ممن مات أدرك ذلك، فذكر الله تعالى هذا الكلام جوابا عن ذلك. وثالثها: لعله تعالى ذكر هذا الكلام ليكون دفعا لذلك السؤال لو خطر ببالهم" (٣). وقد اختلفوا في الخطاب الموجه في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، على قولين (٤): القول الأول: أن الخطاب مع المؤمنين. وقد ذكر القفال على هذا القول، أربعة أوجه (٥): الوجه الأول: أن الله خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين حينئذ، وذلك جواب عما سألوه من قبل. الثاني: أنهم سألوا عمن مات قبل نسخ القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي وإذا كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ. الثالث: يجوز أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا ولم يأتوا بما يكفر ما سلف فقيل: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ والمراد أهل ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد ﷺ : ﴿وإذ قتلتم نفسا﴾ [البقرة: ٧٢]، ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ [البقرة: ٥٠]. الرابع: يجوز أن يكون السؤال واقعا عن الأحياء والأموات معا، فإنهم اشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعا في الفريقين فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما. والله أعلم (٦). القول الثاني: أنه يحتمل أن يكون ذلك خطابا لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ، وإنما اختار أبو مسلم هذا القول لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا. قاله أبو مسلم (٧). قال ابن عطية: " وخاطب الحاضرين والمراد من حضر ومن مات، لأن الحاضر يغلب، كما تقول العرب: ألم نقتلكم في موطن كذا؟ ، ومن خوطب لم يقتل ولكنه غلب لحضوره" (٨). وقرأ الضحاك: ﴿لِيُضَيّعَ﴾، بفتح (الضاد) وشد (الياء) (٩).

стр. 1070

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، "أي إن الله رءوف بعباده، لأنه ذو الرحمة الواسعة" (١). قال مقاتل: " ﴿لَرَءُوفٌ﴾: يعني يرق لهم، ﴿رَحِيمٌ﴾: حين قبلها منهم قبل تحويل القبلة" (٢). قال الزجاج: " ومعنى الرأفة كمعنى الرحمة" (٣). قال البغوي: " والرأفة أشد الرحمة" (٤). قال ابن عطية: " والرأفة أعلى منازل الرحمة" (٥). قال النسفي: " ﴿ؤحيم﴾، لا يضيع أجورهم، والرأفة: أشد من الرحمة، وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم" (٦). قال أبو السعود: " تحقيقٌ وتقريرٌ للحُكم وتعليلٌ له فإن اتصافَه بهما يقتضي لا محالة أن لا يُضيعَ أجورَهم ولا يدَعَ ما فيه صلاحهم" (٧). قال الصابوني: " تعليل للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها" (٨). قال الطبري: "أي: "أن الله بجميع عباده ذُو رأفة، و (الرأفة)، أعلى مَعاني الرحمة، وهي عَامَّة لجميع الخلق في الدنيا، ولبعضهم في الآخرة، وأما (الرحيم): فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، على ما قد بينا فيما مضى قبل" (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، على وجهين (١٠): أحدهما: ﴿لرءوف رحيم﴾ مهموزا غير مشبع على وزن: رعف. قرأ بها عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم. والثاني: ﴿رؤف﴾ مثقلا مهموزا مشبعا على وزن رعوف، قرأ بها ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وكذلك ابن عامر. وفيه أربع لغات: (رئف) أيضا كحزر، و (رأف) على وزن فعل (١١)، وكلتاهما قراءتان سبعيتان، قال الوليد بن عقبة (١٢): وَشرُّ الطالِبِينَ - وَلا تَكُنْه - ... بقَاتِلِ عَمِّه، الرَّؤُفُ الرَّحِيم

стр. 1071

وقال العلماء: إن الرأفة أشد الرحمة؛ فهي رحمة خاصة؛ و (رَحِيمٌ) أي متصف بالرحمة؛ وقالوا: إنه قدمت (لَرَءُوفٌ) على (رَحِيمٌ) - مع أن (الرؤوف) أبلغ - من أجل مراعاة الفواصل؛ وقال تعالى: (رَحِيمٌ)، لأن هذا يتعلق بفعله - أي برحمته الخلق (١). قال القفال ﵀: "الفرق بين الرأفة والرحمة: أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله﴾ (النور: ٢) أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال: ﴿وهو الذى يرسل الرياح * بشرا بين * يدى رحمته﴾ (الأعراف: ٥٧) لأنه إفضال من الله وإنعام، فذكر الله تعالى الرأفة أولا بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معا" (٢). وقد ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين (الرءوف الرحيم) بما قبلهما وجوها (٣): أحدها: أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ [الحج: ٦٥] والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة. وثانيها: أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا. وثالثها: قال: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾ فكأنه تعالى قال: وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: فضيلة هذه الأمة حيث هداها الله إلى استقبال بيته الذي هو أول بيت وضع للناس؛ وروى الإمام أحمد في مسنده أن مما يحسدنا عليه اليهود القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها؛ فهم يحسدوننا على هذه الخصلة؛ وكذلك على يوم الجمعة، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين (٤)؛ المهم أن استقبال القبلة مما حسدونا عليه؛ لأن الكعبة أول بيت وضع للناس، وأعظم بيت في الأرض؛ ولا يوجد بيت قصده ركن من أركان الإسلام للحج إلا الكعبة؛ ولذلك حسدنا اليهود عليها، وأثاروا ضجة عظيمة على التولي عن قبلتهم إلى الكعبة، وصاروا مع من يناصرهم من المشركين؛ أحدثوا أمراً عظيماً حتى إن بعض المسلمين ارتد - والعياذ بالله - عن الإسلام لما سمع من زخرف القول من هؤلاء اليهود، وغيرهم. ٢ - ومن فوائد الآية: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛ لقوله تعالى: ﴿وسطاً﴾. ٣ - ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهيد قوله مقبول؛ والمراد بـ «الأمة» هنا أمة الإجابة؛ ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه، حيث قالوا: إن «العدل» من استقام على دين الله؛ يعني: هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول ﷺ فتكون شهيداً، وتقبل شهادتها إذا استقامت على دين الله، وكانت أمة حقيقية؛ فعلية يؤخذ من هذا حدّ «العدل»: أن العدل من استقام على دين الله. ٤ - من فوائد الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾؛ والشهادة تكون في الدنيا، والآخرة؛ فإذا حشر الناس، وسئل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم؛ ثم تسأل الأمم:

стр. 1072

هل بُلِّغتم؟ فيقولون: ما جاءنا من بشير، ولا نذير؛ ما جاءنا من أحد؛ فيقال للرسول: من يشهد لك؟ فيقول: «محمد، وأمته»؛ يُستشهدون يوم القيامة، ويَشهدون؛ فيكونون شهداء على الناس. فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لكنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة - صلوات الله وسلامه عليه. ٥ - من فوائد الآية: أن نبينا ﷺ يكون شهيداً علينا يوم القيامة - شهيداً علينا بالعدالة؛ وقيل: شهيداً علينا بأنه بلغ البلاغ المبين؛ وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال يوم عرفة في أعظم مجمع حصل له مع الصحابة: "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد؛ ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم؛ قال: اللهم اشهد" (١)؛ فأشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ؛ نعم؛ لقد بلغ البلاغ المبين ﷺ ، فترك أمته على المحجة البيضاء؛ وما مات حتى أكمل الله به الدين؛ وما بقي شيء يحتاج الناس إليه في دينهم صغيراً كان، أو كبيراً إلا بينه ﷺ بياناً واضحاً - والحمد لله - فالرسول ﷺ شهيد على هذه الأمة؛ قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [النساء: ٤١]، يعني: كيف تكون الحال في ذلك اليوم عظيم؛ ولهذا لما قرأ ابن مسعود على النبي ﷺ ، ووصل إلى هذه الآية قال له النبي ﷺ : «حسبك» يعني: قف؛ قال: "فإذا عيناه ﷺ تذرفان" (٢)؛ لأن الأمر العظيم؛ فالنبي ﷺ شهيد علينا؛ يشهد بأننا بُلِّغنا، وأقيمت علينا الحجة، وما بقي لنا عذر بأيّ وجه من الوجوه؛ ولهذا لا عذر لأحد بعد أن يتبين له الهدى أن يشاق الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء: ١١٥]. ٦ - ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾. ٧ - ومنها: أنه لا رسول بعده؛ لأن «أل» هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة؛ فالرسول المعهود فيها واحد؛ وهو محمد ﷺ ؛ ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول. ٨ - ومنها: أن الله قد يمتحن العباد بالأحكام الشرعية إيجاباً، أو تحريماً، أو نسخاً؛ لقوله تعالى: ﴿ما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فلينتبه الإنسان لهذا؛ فإن الله قد يبتليه بالمال بأن يعطيه مالاً ليبلوه أيقوم بواجبه، أم لا؛ وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتلي بالمال طغى من وجه، وشح من وجه آخر؛ ثم اعتدى في تمول المال؛ فضَلَّ في تموله، والتصرف فيه، وتصريفه؛ وقد يبتليه بالعلم؛ فيرزقه علماً ليبلوه أيعمل به، أم لا؛ ثم هل يعلمه الناس، أم لا؛ ثم هل يدعو به إلى سبيل الله، أم لا؛ فليحذر من آتاه الله علماً أن يخل بواحد من هذه الأمور. وكذلك قد يمتحن العباد بالأحكام الكونية؛ ومنها ما يجري على العبد من المصائب. ومن امتحانه بهما أن الله حرم الصيد على المحرِم، ثم أرسله على الصحابة وهم محرِمون حتى تناله أيديهم، ورماحهم. ٩ - ومن فوائد الآية: وجوب اتباع الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم من يتبع الرسول فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول؛ والصحابة ﵃ اتبعوا الرسول ﷺ في ذلك أشد الاتباع: جاءهم رجل وهم يصلون الفجر في قباء وهم ركوع، فقال: «إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه الليلة القرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم؛ فاستداروا إلى

стр. 1073

الكعبة» (١)؛ هذا هو الاتباع العظيم؛ وكذلك فعل بنو سلمة في مسجد القبلتين (٢)؛ إذاً فاتباع الرسول واجب؛ وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه. ١٠ - ومن فوائد الآية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: ﴿لنعلم﴾؛ وعلم الله محيط بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً﴾ [الطلاق: ١٢]. ١١ - ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن بعض الذين أسلموا ارتدوا حينما تحولت القبلة إلى الكعبة؛ وقالوا: «إن محمداً ليس على يقين من أمره: بالأمس له قبلة؛ واليوم له قبلة»؛ وما علموا أن ذلك مما يؤيد رسالته؛ لأن الإنسان الكذاب يحرص على أن لا يتراجع؛ لأن التراجع وصمة فيه؛ لكن الإنسان الصدوق لا يهتم أن يقول ما أوحي إليه، سواء وافق ما كان عليه أولاً، أو خالف. ١٢ - ومنها: أن التقدم حقيقة إنما يكون بالإسلام، وأن الرجعية حقيقة إنما تكون بمخالفة الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾؛ فإن هذا حقيقة الرجوع على غير هدًى؛ لأن الذي ينقلب على عقبيه لا يبصر ما وراءه؛ فمن قال للمتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله رجعيون، قلنا له: بل أنت الرجعي حقيقة؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول ﷺ انقلاباً على العقب؛ ولا أبلغ من هذا الرجوع أن الإنسان يرجع على عقبيه رجوعاً أعمى - والعياذ بالله - لا يدري ما وراءه. ١٣ - ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق إلا على طائفة معينة من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذا يقع كثيراً للإنسان: تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية؛ لكن بتمام الإيمان تزول هذه المشقة، وتكون سهلة؛ والعلماء اختلفوا: أيهما أفضل رجل يفعل العبادة بمشقة، ويترك المعصية بمشقة؛ وآخر يفعل العبادة بيسر، ويترك المعصية بيسر؛ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، فيتعب؛ وقال آخرون: بل الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه، حتى صارت سجية له، ويسيرة عليه لا ينشرح صدره إلا بها؛ والصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة، ويسر، وانقياد فهذا أكمل حالاً بلا شك؛ لأنه مطمئن بالإيمان فرح بالطاعة؛ أما الثاني فحاله أدنى؛ ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة؛ وعلى ترك المعصية؛ على أن هذا الثاني الذي قلنا: إنه مفضول، وله أجر المشقة ربما يمن الله عليه - وهو أكرم الأكرمين - حتى تكون العبادة في نفسه سهلة، ويفعلها بارتياح؛ وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله؛ فالإنسان قد يفعل العبادة في البداية بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها؛ لكن إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب، يسر الله له الطاعة حتى كانت سجية له. ١٤ - ومن فوائد الآية: إظهار منة الله على من هداه الله؛ لأنه نسب الهداية إليه؛ لقوله تعالى: ﴿إلا على الذين هدى الله﴾؛ وهذه أعظم منة منَّ الله بها عليه أن هداه للإسلام؛ فيجب أن يشعر بها الإنسان؛ لا يمنّ بدينه على ربه؛ بل يعتقد أن المنة لله عليه، كما قال تعالى: ﴿يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين﴾ [الحجرات: ١٧]؛ فكم من أناس ضلوا عن الحق مع بيانه، ووضوحه؛ وهم كثيرون؛ بل هم الأكثر، كما قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]؛ وانظر إلى الفضل، والكرم: هو الذي منّ علينا بالهداية، ثم يقول في سورة الرحمن: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]؛ فكأننا نحن الذين أحسنا؛ فأحسن إلينا بالجزاء مع أن له الإحسان أولاً، وآخراً؛ هو الذي أحسن إلينا أولاً، وأحسن إلينا آخراً؛ ولكن هذه مِن منَّته ، ومِن شكره لسعي عبده، كما قال تعالى: ﴿إن هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً﴾ [الإنسان: ٢٢].

стр. 1074

١٥ - ومن فوائد الآية: أن الله لا يضيع أجر عمل عامل إذا كان مبنياً على الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ كل عمل تعمله صادر عن إيمانه فإنه لن يضيع؛ ستجده مسجلاً - قولاً كان، أو فعلاً، أو همّاً بالقلب، كما قال النبي ﷺ : «من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة» (١). ١٦ - ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما: «الرؤوف» و «الرحيم»، وما تضمناه من الصفة؛ وهي الرأفة، والرحمة. ١٧ - ومنها: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾؛ وهذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرَين لطاعة الله، ورسوله. ١٨ - ومنها: أن العمل من الإيمان، لقوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾؛ فإنها فسرت بالصلاة إلى بيت المقدس؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة: أن العمل داخل في الإيمان؛ وهذا أحد أدلتهم؛ ومن الدليل على ذلك قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ فأفضلها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق؛ والحياء شعبة من الإيمان» (٢)؛ فقول: «لا إله إلا الله» من أعمال اللسان؛ و «إماطة الأذى عن الطريق» من أعمال الجوارح؛ وقوله ﷺ : «الحياء شعبة من الإيمان» من أعمال القلوب؛ كما أن الإيمان أيضاً يطلق على الاعتقاد؛ لقوله ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» (٣)؛ فقوله ﷺ : «أن تؤمن بالله» هذا اعتقاد القلب؛ فالإيمان عند أهل السنة والجماعة يشمل: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح؛ ووجه كون الأعمال من الإيمان أنها صادرة عن إيمان؛ الإيمان هو الذي حمل عليها، ولهذا لا يعد عمل المنافق من الإيمان؛ عمل المنافق - صلاته، وذكره لله؛ ونفقاته - لا يُعَدّ من الإيمان؛ لأنه صادر عن غير إيمان. ١٩ - استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفا رحيما بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفا رحيما فلعى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفا رحيما ٢٠ - استدلت المعتزلة بقوله: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان ههنا الصلاة. والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان ههنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من هذه الجهة (٤). القرآن ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ [البقرة: ١٤٤] التفسير:

стр. 1075

قد نرى تحوُّل وجهك -أيها الرسول- في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليك في شأن القبلة، فلنصرفنك عن "بيت المقدس" إلى قبلة تحبها وترضاها، وهي وجهة المسجد الحرام بـ "مكة"، فولِّ وجهك إليها. وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام. وإن الذين أعطاهم الله علم الكتاب من اليهود والنصارى لَيعلمون أن تحويلك إلى الكعبة هو الحق الثابت في كتبهم. وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء المعترضون المشككون، وسيجازيهم على ذلك. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي قد نرى تردد نظرك جهة السماء حينا بعد حين، تطلعا للوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة" (١). قال أبو العالية: " يقول: قد نرى نظرك إلى السماء" (٢). قال النسفي: أي" قد نرى يا محمد نحن تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء، إذ كان رسول الله ﷺ يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود، ولأنها ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وجهان (٤): الأول: قال جمهور المفسرين: أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة. الثاني: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا: لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر، وهو أنه يحتمل أنه ﵇ إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمة المدينة، فقد روي أنه ﵇ كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ (٥). وقد اختلف في السبب الذي من أجله كان ﷺ يهوى قبلة الكعبة، وفيه قولان (٦): أحدهما: أنه كره قبلةَ بيت المقدس، من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا! . قاله عن مجاهد (٧)، وابن زيد (٨). الثاني: أنه كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم ﵇. روي ذلك عن ابن عباس (٩). قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي فلنوجهنك إِلى قبلةٍ تحبها، - وهي الكعبة" (١٠). قال الطبري: " أي فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة تَهواها وتُحبها" (١١). قال المراغي: " أي فلنجعلنّك تلى جهة تحبها وتتشوف لها غير جهة بيت المقدس" (١٢) قال أبو العالية: " ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾، وذلك أن الكعبة كانت أحب القبلتين إلى رسول الله ﷺ ، وكان يقلب وجهه في السماء، وكان يهوى الكعبة، فولاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها" (١٣). قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي: فاجعل وجهك بحيث يلى جهة المسجد الحرام" (١٤). قال القرطبي: "أي ناحية الكعبة ونحوه" (١٥). قال الطبري: أي: " اصرف وجهك وَحوِّله نحو المسجد الحرام" (١٦). قال النسفي: " أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي في جهته وسمته، لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي، وذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين" (١٧). قال المراغي: " وفي ذكر ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ دون الكعبة، إيذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة حين الصلاة إذا كان بعيدا عنها بحيث لا يراها، ولا يجب استقبال عينها إلا لمن يراها بعينه" (١٨). وسمي المسجد (حراماً)؛ "لأنه يمنع فيه من أشياء لا تمنع في غيره، ولأنه محترم معظم؛ والمراد به الكعبة، وما حولها من البناء المعروف" (١٩). وذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٤٤]، وجهان: أحدهما: يعني: تلقاءه. قاله أبو العالية (٢٠). وروي عن ابن عباس (٢١)، ومجاهد (٢٢)، وقتادة (٢٣)، والربيع (٢٤)، والبراء (٢٥)، وابن زيد (٢٦)، ورفيع (٢٧)، نحو ذلك. والثاني: يعني: وسطه. قاله البراء (٢٨). قال الطبري: "و (الشطر)، معناه: "النحوَ والقصدَ والتّلقاء" (٢٩)، كما قال الهذلي (٣٠): إنَّ العَسِيرَ بهَا دَاء مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ يعني بقوله: شَطْرَها، نحوها. وكما قال ابن أحمر (٣١):

стр. 1076

تَعْدُو بِنَا شَطْر جَمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ ... قَدْ كَارَبَ العَقْدُ مِنْ إيفَادِهَا الحَقَبَا" (١) وقد اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه ﷺ أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام، وفيه قولان (٢): أحدهما: أن القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي ﷺ ، وعناها الله: حيالَ ميزاب الكعبة. قاله: عبدالله بن عمرو (٣). والثاني: أن البيت كله قبلةٌ، وقبلةُ البيت الباب. قاله: ابن عباس (٤). والصواب: أن "المولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ" (٥)، وقبلة البيت بابه، كما قال أسامة بن زيد: "رأيت رسول الله ﷺ حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ، هذه القبلة" (٦). والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، " فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه" (٧). قال الصابوني: " أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة أيضاً " (٨). قال المراغي: " أي وفي أىّ مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم فى الصلاة" (٩). قال ابن عثيمين: " عدل عن الخطاب للنبي ﷺ إلى الخطاب لأمته؛ لأن الخطاب الموجه للنبي ﷺ خطاب له، وللأمة؛ إذ إنه الإمام؛ والخطاب إذا وجه للإمام فهو خطاب له، ولمن اتبعه" (١٠). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي إِن اليهود والنصارى ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حقٌ من عند الله" (١١). قال المراغي: " أي وإن أهل الكتاب يعلمون أن ذلك التولي شطر المسجد الحرام، هو الحق المنزل من الله على نبيه ﷺ ، وهم مع هذا يفتنون ضعاف المؤمنين في دينهم ويتقبلون ذلك منهم، إذ يذكرون للناس أقوالا على أنها من كتبهم، وما هى من كتبهم، ولكن يريدون بذلك الخداع والفتنة والتهويش على الذين في قلوبهم مرض، بإثارة الشكوك فى نفوسهم" (١٢). واختلف في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على قولين (١٣): أحدهما أنهم أحبارَ اليهود وعلماء النصارى. والثاني: عنى بذلك اليهودَ خاصةً. قاله السدي (١٤).

стр. 1077

والقول الأول أولى بالصواب، أي: أن هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ (١) الذي فرضه الله على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده (٢)، وأن هذا التحويل كان في بشارة أنبيائهم برسول الله ﷺ أنه يصلي إلى القبلتين. والله أعلم. قال القرطبي: فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان (٣): أحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا ﷺ نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به. الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم، فصاروا عالمين بجواز القبلة. قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي: وليس (٤) الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون يجازيَكم به أحسن جزاء" (٥). قال مقاتل: " يعني عما يعملون من كفرهم بالقبلة" (٦). قال الصابوني: " أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها" (٧). قال المراغي: أي" فهو العليم بالظاهر والباطن والمحاسب على ما في السرائر، والرقيب على الأعمال، فيجازي كل عامل بما عمل، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد لليهود على عنادهم، وإيقادهم نار الفتنة بين المؤمنين" (٨). قال البيضاوي: " وعد ووعيد للفريقين" (٩). قال أبو السعود: " وعد ووعيد للفريقين والخطابُ للكل تغليبا" (١٠). قال القاسمي: " فيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم" (١١). قال الشيخ ابن عثيمين: "إن (ما) اسم موصول تفيد العموم؛ يعني: عن أيّ عمل يعملونه سواء كان يتعلق بالجوارح، أو يتعلق بالقلوب؛ فيشمل الاعتقاد، ويشمل القول، والفعل (١٢). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على وجهين (١٣): أحدهما: ﴿تعملون﴾، بالتاء، قرأ بها ابن عامر وحمزة والكسائي، على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد ﷺ . وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل عنها، وضمنه الوعيد. الثاني: ﴿يَعْمَلُونَ﴾، بالياء من تحت، قرأ بها الباقون. الفوائد: ١ - لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره

стр. 1078

أبو عمر. وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها وشطرها وتلقاءها، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها. ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء ومجاهد (١). واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة، فمنهم من قال بالأول. قال ابن العربي: وهو ضعيف، لأنه تكليف لما لا يصل إليه. ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح لثلاثة أوجه: الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف. الثاني: أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ يعني من الأرض من شرق أو غرب ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الثالث: أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت (٢). ٢ - من فوائد الآية: إثبات رؤية الله ؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾. ٣ - ومنها: أن النظر إلى السماء ليس سوء أدب مع الله؛ لقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء لكن في الصلاة لا يرفع بصره إلى السماء؛ لورود الوعيد الشديد به. ٤ - ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء. ٥ - ومنها: كمال عبودية الرسول ﷺ لربه، حيث كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لكنه لم يفعل حتى أُمر بذلك. ٦ - ومنها: إثبات عظمة الله ؛ لقوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة﴾؛ فإن ضمير الجمع للتعظيم. ٧ - ومنها: أن النبي ﷺ كان يحب أن يتوجه إلى الكعبة؛ لقوله تعالى: ﴿ترضاها﴾ مع قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك﴾. ٨ - ومنها: وجوب الاتجاه نحو المسجد الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام﴾. ٩ - ومنها: أن الوجه أشرف الأعضاء حيث عبر به عن سائر الجسم. ١٠ - ومنها: ما استدل به المالكية على أنه ينبغي للمصلي أن ينظر تلقاء وجهه؛ لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾؛ فإذا ولّى الإنسان وجهه شطر المسجد الحرام فسيكون نظره تلقاء وجهه غالباً؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: ماذا ينظر إليه المصلي حال القيام؟ فالمشهور عن المالكية أن المصلي ينظر تلقاء وجهه؛ وعند الإمام أحمد أنه ينظر إلى موضع سجوده (٣) - وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة؛ واستدلوا لذلك بأثر مرسل عن محمد بن سيرين أن النبي ﷺ كان يطأطئ رأسه، وينظر إلى موضع سجوده؛ ولأنه أظهر في الخشوع؛ وقال بعض العلماء: إن الإمام والمنفرد ينظران إلى موضع السجود؛ وأما المأموم فينظر إلى إمامه - بكسر الهمزة؛ واستدلوا لذلك بأحاديث في البخاري؛ وهي أن الرسول ﷺ حينما صلى صلاة الكسوف، وأخبر أصحابه بأنه عرضت عليه الجنة والنار قال لهم: «وذلك حين رأيتموني تقدمت وتأخرت» (٤)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أنه لما صنع له المنبر قام يصلي عليه، فكان يقوم، ويركع؛ فإدا أراد السجود نزل، وسجد على الأرض؛ وقال: «إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلَّموا صلاتي» (٥)؛ وهذا دليل على أنهم ينظرون إليه؛ ومنها أيضاً أنهم لما أخبروا أن الرسول ﷺ كان يقرأ في صلاة السر؛ قيل لهم: بم تعرفون ذلك؟ قالوا: «باضطراب لحيته» (٦)؛ وهذه كلها في

стр. 1079

الصحيح؛ فهذا دليل على أن المأموم ينظر إلى إمامه؛ ولأنه أبلغ في الائتمام به؛ لأن الإمام قد يقوم، وقد يجلس ساهياً مثلاً؛ فإذا كان المأموم ينظر إلى الإمام كان ذلك أبلغ في الاقتداء به؛ أما الإمام، والمنفرد فإنهما ينظران إلى موضع السجود؛ وهذا القول أقرب؛ ولا سيما إذا كان المأموم محتاجاً إلى ذلك، كما لو كان لا يسمع، فيريد أن ينظر إلى الإمام ليقتدي به، أو نحو ذلك. لكن يستثنى من ذلك إذا كان جالساً؛ فإنه ينظر إلى موضع إشارته؛ لقول عبد الله بن الزبير: «كان النبي ﷺ لا يجاوز بصره إشارته» (١)؛ ومما يستثنى من ذلك عند بعضهم: إذا كنت في المسجد الحرام ويمكنك مشاهدة الكعبة؛ فإنك تنظر إلى الكعبة؛ ومنها إذا كنت في خوف وحولك العدو؛ فإنك تنظر إلى جهة العدو؛ فهذه المسائل الثلاث تستثنى؛ والراجح في مسألة الكعبة أن المصلي لا ينظر إليها حال صلاته؛ لعدم الدليل على ذلك؛ ولأنه ربما ينشغل به عن صلاته، لا سيما إذا كان الناس يطوفون حولها؛ وأما استثناء الصلاة حال الخوف فصحيح؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿وخذوا حذركم﴾؛ وقد ورد عن النبي ﷺ أنه بعث طليعة؛ فكان يصلي وهو يلتفت إلى الشعب هل جاء الطليعة أم لا (٢). ١١ - ومن فوائد الآية: عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام - أي ذي الحرمة والتعظيم - ولهذا كان من يدخله آمناً، ولا يدخله أحد إلا بإحرام وجوباً إن كان لم يؤد الفرض؛ أو استحباباً إن كان قد أداه - بخلاف غيره؛ فكل شيء فيه حياة فهو آمن داخل الحرم - حتى الجماد: فالشجر آمن لا يجوز قطعه في الحرم؛ والصيد آمن لا يقتل في الحرم؛ بل ولا ينفر من مكانه. ١٢ - ومنها: وجوب الاتجاه إلى القبلة في أيّ مكان كان الإنسان: من بر، أو بحر، أو جو؛ لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ ويشمل من كان في مكة، ومن كان بعيداً عنها، ومن كان في جوف الكعبة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم﴾؛ إذاً إذا كان في جوف الكعبة يستقبل أمام وجهه من أيّ الجهات كان؛ إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان مفتوحاً ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لابد من شاخص يكون بين يديه حتى يصح أن يقال: إنه ولّى وجهه شطره؛ وإذا كنا خارج الكعبة - ولكن في المسجد - فإنا ندور حوله؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم لم نوَلّ وجوهنا شطره؛ ويكون من خرج عن مسامتته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن؛ وإذا ابتعدنا فإن بعض العلماء يقول: إن كنت في مكة فاستقبل المسجد؛ وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة؛ لكن هذا تقريبي؛ إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه استقبال العين - لا يخرج عن مسامتتها؛ ومن لا يمكن مشاهدتها لبعد، أو حيلولة شيء دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ويسقط استقبال القبلة في مواضع؛ منها: أ - عند صلاة النفل في سفر؛ فيصلي حيث كان وجهه. ب - عند الخوف الشديد إذا كان لا يمكن استقبال القبلة. ج - إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة لمرض - أو صلب - يعني: لو صلب إلى غير القبلة، أو نحو ذلك. أما إذا اشتبهت عليه القبلة فعليه أن يجتهد إن كان بمكان يصح فيه الاجتهاد؛ فإن أصاب فذاك؛ وإن أخطأ فهو معذور؛ إذاً فالاشتباه لا يُستثنى؛ لأن حقيقة الأمر أنه لا يجوز أن يصلي إلا وهو يعتقد أنه إلى القبلة؛ بخلاف

стр. 1080

الذي ذكرنا؛ فالعاجز يعرف أن القبلة خلفه، فيصلي إلى غير القبلة؛ وكذلك في شدة الخوف؛ وكذلك المتنفل في السفر. ١٣ - المسلمين على وجهة واحدة؛ لأنه تعالى قال: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾؛ فالمسلمون في أقطار الدنيا كلها يتجهون إلى قبلة واحدة؛ هذا توحيد؛ ولا سيما أنهم يتجهون هذا الاتجاه، ويتحدون هذا الاتحاد في أعظم مشعر عملي، أو في أعظم فريضة عملية - وهي الصلاة؛ فيدل هذا على أن الشرع يراعي مراعاة تامة توحيد المسلمين في دينهم، وتوحيدهم في الاتجاه البدني، وكذلك في الاتجاه القلبي الفكري. ١٤ - والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾؛ ولكن مع ذلك شنعوا على النبي ﷺ تشنيعاً عظيماً حين توجه إلى الكعبة بأمر ربه. ١٥ - ومنها: أن ما كان من عند الله فهو حق؛ لقوله تعالى: ﴿أنه الحق﴾ مضافاً إلى الله: ﴿من ربهم﴾. ١٦ - ومنها: أن هؤلاء المعاندين من أهل الكتاب يعاندون مع علمهم التام، ومع إقرارهم بربوبية الله ؛ فهم يعلمون أن الرسول ﷺ سيستقبل الكعبة؛ وهم علموا ذلك مما جاء في كتبهم من وصف الرسول ﷺ بأن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة؛ وكان عليهم حيث أقروا بربوبية الله لهم، وعلموا الحق أن ينقادوا له، وأن يكونوا أولى الناس باتباعه؛ لأن من أقر بربوبية الله لزم أن يقر بأحكامه، ويلتزم بها؛ لأن الرب له الملك المطلق يتصرف كيف يشاء؛ ولهذا أضاف الربوبية هنا إليهم: ﴿من ربهم﴾؛ لإقامة الحجة عليهم حيث يعترفون بربوبيته. ١٧ - ومن فوائد الآية: انتفاء غفلة الله عن أعمالهم المتضمن لكمال علمه، وإحاطته بهم؛ ولا يكفي أن نقول: انتفاء الغفلة فقط؛ بل نقول: المتضمن لكمال العلم، والإحاطة؛ لقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾. ١٨ - ومنها: صحة تقسيم الصفات إلى ثبوتية، ومنفية؛ لأن التي في الآية هنا منفية - وهي قوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾ فالصفات المنفية: كل صفة صُدِّرت بما يدل على النفي بأيّ أداة كانت، مثل قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿ولم يعيَ بخلقهن﴾ [الأحقاف: ٣٣]؛ واعلم أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي؛ وإنما يراد بها مع النفي: ضدها؛ فإذا قال الله تعالى عن نفسه: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] فالمراد: نفي اللغوب، وإثبات كمال قوته، وقدرته. القرآن ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥] التفسير: ولئن جئت -أيها الرسول- الذين أُعطوا التوراة والإنجيل بكل حجة وبرهان على أن توجُّهك إلى الكعبة في الصلاة هو الحق من عند الله، ما تبعوا قبلتك عنادًا واستكبارًا، وما أنت بتابع قبلتهم مرة أخرى، وما بعضهم بتابع قبلة بعض. ولئن اتبعت أهواءهم في شأن القبلة وغيرها بعد ما جاءك من العلم بأنك على الحق وهم على الباطل، إنك حينئذ لمن الظالمين لأنفسهم. وهذا خطاب لجميع الأمة وهو تهديد ووعيد لمن يتبع أهواء المخالفين لشريعة الإسلام (١). في سبب نزول الآية: أخرج الطبري من طريق أسباط عن السدي قال: " وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبة، قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده!

стр. 1081

ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر! فأنزل الله فيهم: ﴿وإنّ الذين أوتوا الكتابَ ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾، إلى قوله: ﴿ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ " (١). وروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢)، وقتادة (٣)، نحوه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، " أي ولئن جئت اليهود والنصارى بكل معجزة على صدقك في أمر القبلة" (٤). قال ابن عثيمين: أي" إن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به" (٥). قال الطبري: أي: " ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام" (٦). واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، على قولين (٧): أحدهما: أن المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم﴾ [البقرة: ١٤٤]. قاله الأصم (٨). الثاني: أن المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله: ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾ صيغة عموم فيتناول الكل. قوله تعالى: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: " ما اتبعوك يا محمد ولا صلّوا إلى قبلتك" (٩). قال ابن عثيمين: " أي الكعبة؛ لعنادهم، واستكبارهم" (١٠). قال الطبري: أي: "ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا - مع قيام الحجة عليهم بذلك - قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام" (١١). قال الزجاج: أي" فإن أهل الكتاب قد علموا أن النبي ﷺ حق وأن صفته ونبوته في كتابهم، وهم يحققون العلم بذلك فلا تغني الآيات عند من يجد ما يعرف" (١٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي: "وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم" (١٣). قال ابن عطية: " لفظ خبر يتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك" (١٤). قال الطبري: " وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها، وأن النصارى تستقبل المشرقَ، فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم. مع اختلاف وجوهها؟ يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها" (١٥). وذكروا في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، وجوها (١٦):

стр. 1082

أحدها: أنه دفع لتجويز النسخ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة. والثاني: حسما لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم. الثالث: المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك. الرابع: أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم، لأن ذلك معصية. الخامس: وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق، فالزم قبلتك ودع أقوالهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: "وما اليهود بتابعةٍ قبلةَ النصارى، ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها" (١). قال السدي: " يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود" (٢). وروي عن ابن زيد وابن زيد (٣) مثله. قال ابن عثيمين: " فاليهود لا تتبع قبلة النصارى؛ والنصارى لا تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار؛ واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق؛ ولهذا يكذبون عيسى ﷺ " (٤). قال المراغي: " أي إن اليهود لا تترك قبلتها وتتجه إلى المشرق، والنصارى لا تغيّر قبلتها وتتجه إلى المغرب، لأن كلا منهما متمسك بما هو فيه، محقّا كان أو مبطلا، ولا ينظر إلى حجة وبرهان، إذ التقليد أعمى بصيرته، فلا يبحث فى فائدة ما هو فيه، ولا يوازن بينه وبين غيره، ليتّبع أصلح الأمور وأكثرها نفعا" (٥). قال أبو السعود: " فإن اليهودَ تستقبلُ الصخرةَ والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقُهم كما لا يرجى موافقتُهم لك لتصلُّب كلِّ فريقٍ فيما هو فيه" (٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: ١٤٤]، تفسيران (٧): أحدهما: أن المعنى: ليست اليهود متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود، قاله السدي (٨)، وابن زيد (٩). قال ابن عطية: "فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم" (١٠). الثاني: أن معنى الآية: وما من أسلم معك منهم بمتبع قبلة من لم يسلم، ولا من لم يسلم بمتبع قبلة من أسلم. قال ابن عطية: "والأول أظهر في الأبعاض، وقبلة النصارى مشرق الشمس وقبلة اليهود بيت المقدس" (١١).

стр. 1083

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أي: " ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، فاتبعتَ قبلتهم" (١). قال أبو السعود: " أي ولئن اتبعت أهواءَهم فرضاً" (٢). قال الثعلبي: أي" مرادهم في أمر القبلة" (٣). قال الواحدي: " أي: صليت إلى قبلتهم" (٤). قال المراغي: " أي ولئن وافقتهم فيما يريدون، فصليت إلى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على اتباعك والإيمان بك" (٥). قال الصابوني: " أي ولئن فرض وقدّر أنك سايرتهم على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه بعد وضوح البرهان الذي جاءك بطريق الوحي" (٦). و(الهوى)، هو الميل؛ ومنه يقال للنجم: (هوى) إذا مال، وسقط؛ ويطلق (الهوى) في الغالب على الميل عن الحق؛ ويقابله (الهدى)؛ فيقال: اتبعَ الهوى بعد الهدى؛ وإن صح الحديث وهو قول الرسول ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (٧) - فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر (٨). قال ابن عطية: " وهوى النفس: إنما يستعمل في الأكثر: فيما لا خير فيه، وقد يستعمل في الخير مقيدا به، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ في أسرى بدر: "فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر" (٩) " (١٠). قال السعدي: "إنما قال: ﴿أهواءهم﴾، ولم يقل: (دينهم﴾، لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ " (١١). واختلفوا في المخاطب في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥]، على ثلاثة أوجه (١٢): أحدها: أن الخطاب له ﷺ في الظاهر، وهو في المعنى لأمته، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]. الثاني: أن المراد: الرسول وغيره. فإن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره والغرض منه أن لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة. الثالث: وقيل غيره، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك، فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب. والراجح، أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته، "وما ورد من هذا النوع الذي يوهم من النبي ﷺ ظلما متوقعا فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي ﷺ

стр. 1084

وقطعنا أن ذلك لا يكون منه فإنما المراد من يمكن أن يقع ذلك منه، وخوطب النبي ﷺ تعظيما للأمر" (١). قال الواحدي: "وقيل: أن الله تعالى خاطب نبيه ﵇ بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق" (٢). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي" بعد ما جاءك الحق اليقين، والعلم الذي لا شكّ فيه" (٣). قال الثعلبي: أي: " إنها حق وإنها قبلة إبراهيم" (٤). قال الواحدي: أي" أن قبلة الله: الكعبة" (٥). قال الطبري: أي: "من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق، ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم ﵇ وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها" (٦). قال ابن عثيمين: " والمراد بـ (العلم) الوحي الذي نزل على الرسول ﷺ " (٧). قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [البقرة: ١٤٥]، أي: " لتكونن من جملة الظالمين" (٨). قال الثعلبي: أي" الجاحدين الضارين أنفسهم" (٩). قال الواحدي: " أي: إنك إذن مثلهم" (١٠). قال الطبري: "أي: "إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم، المخالفين أمري، والتاركين طاعتي، وأحدُهم وفي عِدادِهم" (١١)، و"الغرض منه التهديد والزجر" (١٢) قال ابن عثيمين: "أي: لمن المعتدين الذين نقصوا الواجب عليهم من اتباع الحق دون الأهواء" (١٣). قال الصابوني: " والكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، وإِلا فحاشاه ﷺ َ من أتباع أهواء الكفرة المجرمين، وهو من باب التهييج للثبات على الحق" (١٤). قال البيضاوي: " وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه: أحدها: الإِتيان باللام الموطئة للقسم. ثانيها: القسم المضمر. ثالثها: حرف التحقيق وهو أن. رابعها: تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية. وخامسها: الإِتيان باللام في الخبر.

стр. 1085

وسادسها: جعله من الظَّالِمِينَ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم. وسابعها: التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم، وتحريصا على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء" (١). قال المراغي: " وإذا كان هذا الوعيد توجه لأعلى الناس مقاما عند ربه لو حاول اتباع الهوى استرضاء للناس بمجاراتهم على الباطل، فما ظنك بغيره ممن يتبع الهوى ويجارى الناس على شاء نهاهم الله عنه، فليعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس ولو لغرض صحيح من الظلم العظيم الذي يوقع في مهاوى الهلاك، فكأنه قيل: إن هذا ظلم عظيم لا هوادة فيه مع أحد، فلو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله لسحل عليه الظلم ﴿وما للظّالمين من أنصار﴾، فكيف بمن دونه ممن لا يقار به منزلة عند ربه؟ ولا شكّ أن سماع هذا الوعيد وأشباهه يوجب على المؤمن أن يفكر طويلا ويتأمل فيما وصل إليه حال المسلمين اليوم، وكيف إن علماءهم يجارون العامة في بدعهم وضلالاتهم وهم يعترفون ببعدها عن الدين، ولا يكون لهم وازع من نواهيه، وقوارعه الشديدة، وزواجره التي تخرّ لها الجبال سجّدا، وأعجب من هذا مجاراتهم لأهواء الملوك والأمراء، حتى إنهم ليلفّقون لهم من الحيل والفتاوى ما يسترضونهم به، ويكون فيه إشباع لشهواتهم واتباع لأهوائهم" (٢). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرسول ﷺ كان حريصاً على هداية الخلق؛ لأن قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية﴾ دليل على أنه ﷺ كان يعرض الآيات، ويبين الحقائق؛ ولكن لا ينتفعون بها. ٢ - ومنها: شدة عناد هؤلاء الذين أوتوا الكتاب؛ وأنهم مهما أوتوا من الآيات فإنهم لن ينصاعوا لها، ولن يتبعوها. ٣ - ومنها: أن الذين أوتوا الكتاب لن يتبعوا قبلة الرسول ﷺ ؛ وإذا كان كذلك فلن يتبعوا دينه؛ لأن القبلة بعض الدين؛ فمتى كفروا بها فهو كفر بالدين كله. ٤ - ومنها: أن الكعبة قبلة للمسلمين خاصة؛ لأنه تعالى أضاف استقبالها إليهم؛ ولكن الظاهر - والله أعلم - أن الكعبة قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً﴾ [آل عمران: ٩٦ وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لكن أتباعهم من اليهود، والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة. ٥ - ومنها: وجوب الانقياد للحق إذا ظهرت آياته؛ لأن هذه الآية سيقت مساق الذم؛ فدل هذا على وجوب اتباع الحق إذا تبينت الآيات. ٦ - ومنها: أن النبي ﷺ مستحيل أن يكون تابعاً لقبلتهم؛ لأن قبلتهم التي يدعونها لم تثبت شرعاً؛ ثم لو فرض أنها جاءت في شرائعهم فإنها نُسِخت بقبلة الإسلام. ٧ - ومنها: أنه يستحيل شرعاً أن يتبع المسلم طريقة اليهود، والنصارى؛ لقوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾؛ وجه الاستحالة: أن الجملة جاءت بالاسمية المؤكدة بحرف الجر في سياق النفي؛ فالمؤمن حقيقة لا يمكن أن يتابع أعداء الله، ولا أن يأخذ بآرائهم، وأفكارهم، واتجاهاتهم؛ وقد حمى النبي ﷺ ذلك غاية الحماية، حيث قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣)، حتى نحذر ونبعد عن التشبه بأعداء الله، والتقليد لهم سواء

стр. 1086

في أمور العبادة، أو في أمور العادة؛ فإن التشبه بأعداء الله حرام: وقد يؤدي إلى الكفر، والشرك - والعياذ بالله. ٨ - ومن فوائد الآية: أن اليهود والنصارى لا يتبع بعضهم بعضاً؛ بل يضلل بعضهم بعضاً؛ فاليهود يرون النصارى ليسوا على شيء من الدين؛ والنصارى يرون اليهود ليسوا على شيء من الدين أيضاً؛ كل منهم يضلل الآخر فيما بينهم؛ كل واحد منهم يرى أن الآخر ليس على ملة صحيحة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾ [البقرة: ١٤٥]؛ فقبلة اليهود إلى بيت المقدس - إلى الصخرة؛ وقبلة النصارى إلى المشرق يتجهون نحو الشمس؛ لكنهم على الإسلام يد واحدة بعضهم لبعض وليّ، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ [المائدة: ٥١]؛ لأنهم كلهم أعداء للإسلام. ٩ - ومن فوائد الآية: أن اتباع اليهود والنصارى اتباع للهوى لا للهدى؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾. ١٠ - ومنها: أن اليهود والنصارى ليسوا على هدى، حيث جعل الله ما هم عليه هوى، وليس بهدى. ١١ - ومنها: أن الإنسان لا يؤاخذ بالمخالفة إلا بعد قيام الحجة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾؛ فالإنسان قد يتابع غيره جهلاً؛ فلا يؤاخذ به - وإن كان يسمى ضالاً؛ لكنه ليس بظالم؛ لأنه لم يتعمد المخالفة؛ لا يتحقق الظلم إلا لمن عرف الحق وخالفه. ١٢ - ومنها: التلطف في الخطاب للرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لمن الظالمين﴾؛ لأنك لو قلت لرجل: «أنت رجل ظالم» لكان أشد وقعاً من قولك له: أنت من الظالمين؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿عبس وتولى﴾ [عبس: ١ عندما تقرؤها تظن أن العابس والمتولي غير الرسول ﷺ ؛ تظن أنه رجل آخر؛ ولكن المراد به الرسول ﷺ . ١٣ - ومنها: بيان أن العلم حقيقة هو علم الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾: أتى بـ «أل» المفيدة للكمال؛ ولا شك أن العلم الكامل الذي هو محل الحمد والثناء هو العلم بالشريعة؛ ولذلك نقول: إن عصر النبوة هو عصر العلم؛ وليس عصرنا الآن هو عصر العلم الذي يمدح على الإطلاق؛ لكن ما كان منه نافعاً في الدين فإنه يمدح عليه لهذا. ١٤ - ومنها: أن الظلم، والعدل، وغير ذلك مقرون بالأعمال؛ لا بالأشخاص؛ بمعنى أنه ليس بين الله تعالى وأحد من الخلق شيء يحابيه، ويراعيه به؛ كل من خالفه فهو ظالم؛ فلا نقول مثلاً: هذا قريب من الرسول ﷺ تكفر سيئاته لقربه من الرسول ﷺ ؛ أو نقول: هذا إنسان من قريش من سلالة الأشراف - من سلالة بني هاشم - تكفّر عنه سيئاته؛ فإذا كان الرسول ﷺ يقول الله له: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فما بالك بمن دون الرسول ﷺ ! ! ! فلا أحد يحابى من قِبل الله من أجل نسبه، أو حسبه، أو جاهه بين الناس: قال الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: ١٣]. ١٥ - ومن فوائد الآية: قد يرد التعليق على شرط لا يمكن تحققه؛ لقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين﴾؛ فهذا الشرط لا يمكن أن يقع من رسول الله ﷺ . ١٦ - ومنها: تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين؛ وجه ذلك أنه إذا كان هذا الوصف يكون للرسول ﷺ لو اتبع أهواءهم فالذي دونه من باب أولى؛ فعلينا أن نحذر غاية الحذر من اتباع أهواء أعداء الله؛ فالواجب على علماء الأمة أن يحذِّروها مما وقعت فيها الآن من اتباع أهواء أعداء الله، ويبينوا لهم أن اتباع أهوائهم هو الظلم؛ والظلم ظلمات يوم القيامة؛ والظلم مرتع مبتغيه وخيم. ١٧ - دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ يدل على ذلك. القرآن

стр. 1087

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ [البقرة: ١٤٦] التفسير: الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل من أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون أنَّ محمدًا ﷺ رسول الله بأوصافه المذكورة في كتبهم، مثل معرفتهم بأبنائهم. وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون صِدْقه، وثبوت أوصافه. في سبب نزول الآية: قال الواحدي: " نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه كانوا يعرفون رسول الله ﷺ بنعته وصفته وبعثه في كتابهم كما يعرف أحدهم ولده إذا رآه مع الغلمان؛ قال عبد الله بن سلام: لأنا أشد معرفة برسول الله ﷺ مني بابني، فقال له عمر بن الخطاب: وكيف ذاك يا ابن سلام؟ قال: لأني أشهد أن محمدا رسول الله حقا يقينا، وأنا لا أشهد بذلك على ابني، لأني لا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام" (١). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، " أي إن اليهود والنصارى يعرفون أن محمدا النبي الأمى خاتم الرسل كما يعرفون أبناءهم" (٢). قال الثعلبي: " يعني محمدا كما يعرفون أبناءهم من بين النصارى" (٣). قال البيضاوي: " أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم" (٤). قال المراغي: " هذا كالدليل لما ذكر فى قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قال: إن سبب العلم بأنه الحق، أنهم يعرفون النبي ﷺ بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، كما يعرفون أبناءهم الذين يربّونهم ويحوطونهم بعنايتهم، فلا يفوتهم شاء من أمرهم" (٥). واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ [البقرة: ١٤٦]، على ثلاثة أوجه (٦): أحدها: أنه عائد إلى رسول الله ﷺ ، أي: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. قاله ابن عباس (٧)، مجاهد (٨) وقتادة (٩) وغيرهما، وهو قول أكثر المفسرين (١٠). قال البيضاوي: " الضمير لرسول الله ﷺ ، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه" (١١). الثاني: أنه راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر تحويل القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم. قاله أبوالعالية وقتادة والسدي ومقاتل وروي عن ابن عباس أيضا (١٢)، واختاره الإمام الطبري (١٣). الثالث: أنه يرجع إلى القرآن. حكاه البيضاوي (١٤).

стр. 1088

والقول الأول أولى بالصواب، وذلك للوجوه الآتية (١): أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ [البقرة: ١٤٥]، والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. وثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد ﷺ مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﷺ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وفي سبب تخصيص ذكر الأبناء في المعرفة دون الأنفس في قوله تعالى ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، قال الرازي: " لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق" (٢). وقال القرطبي: "وخص الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس وإن كانت ألصق لأن الإنسان يمر عليه من زمنه برهة لا يعرف فيها نفسه، ولا يمر عليه وقت لا يعرف فيه ابنه. وروي أن عمر قال لعبدالله بن سلام: أتعرف محمدا ﷺ كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه" (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦]، "أي وإن جماعة منهم، ليخفون الحق ولا يعلنونه" (٤). قال مجاهد: " يكتمون محمدًا ﷺ ، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل" (٥). قال الثعلبي: " يعني صفة محمد ﷺ وأمر الكعبة" (٦). قال الزجاج: " أي يكتمون صفته، ومن لا يعلم أمر النبي ﷺ وما جاء به" (٧). قال البيضاوي: " تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن" (٨). قال ابن عطية: " والفريق الجماعة، وخص لأن منهم من أسلم ولم يكتم" (٩). وفي الحق الذي كتموه، قولان: أحدهما: أنه النبي محمد- ﷺ يكتمه اليهود والنصارى. قاله مجاهد (١٠)، وقتادة (١١)، وخصيف. ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف تبينون الهدى لمحمد، وأصحابه؟ ! إذا بينتموه يحاجوكم به عند الله أفلا تعقلون! فهم يتواصون بالكتمان - والعياذ بالله (١٢). الثاني: وقيل المراد: استقبال الكعبة (١٣)، قاله الربيع (١٤)، والسدي (١٥)، ومقاتل (١٦).

стр. 1089

قال الطبري: "وذلك الحق هو القبلة التي وجَّه الله إليها نبيَّه محمدًا ﷺ . يقول: فَولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام التي كانت الأنبياء من قبل محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها. فكتمتها اليهودُ والنصارى، فتوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم نحو بيتَ المقدس، ورفضُوا ما أمرهم الله به، وكتموا مَعَ ذلك أمرَ محمد ﷺ وهم يجدونَه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. فأطلع الله محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانتهم اللهَ ﵎، وخيانتهم عبادَه، وكتمانِهم ذلك، وأخبر أنهم يفعلون ما يَفعلون من ذلك على علم منهم بأن الحق غيرُه" (١). قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، أي: " يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه الحق" (٢). قال الزجاج: أي" أنه الحق" (٣). قال الواحدي: " لأن الله بيّن ذلك في كتابهم" (٤). قال ابن عثيمين: "وهذا أبلغ في الذم، وأقبح في الفعل أن يكونوا كاتمين للحق وهم يعلمون، ومثله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] " (٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وجهان من التفسير (٦): أحدهما: وهم يعلمون أنه حق. والثاني: وهم يعلمون ما على مخالفه من العقاب. الفوائد ١ - من فوائد الآية: أن النبي ﷺ معروف عند أهل الكتاب معرفة تامة؛ وذلك كما جاء في كتبهم، كما قال الله ﵎: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٢ - ومنها: أنه لا عذر ولا حجة لأهل الكتاب في إنكارهم رسالة النبي ﷺ ؛ لأنهم أوتوا من وصفه ما يعرفونه به كما يعرفون أبناءهم. ٣ - ومنها: بيان أن تعلق الإنسان بالابن أقوى من تعلقه بالبنت؛ لقوله تعالى: ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾؛ فهو يعرف الابن أكثر مما يعرف البنت لقوة تعلقه به. ٤ - ومنها: الاحتراس في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿وإن فريقاً منهم﴾؛ لأن كتمان الحق لم يكن من جميعهم؛ بل من فريق منهم؛ وطائفة أخرى لا تكتم الحق؛ فإن من النصارى من آمن، كالنجاشي؛ ومن اليهود - كعبد الله بن سلام - مَن آمن، ولم يكتم الحق. ٥ - ومنها: شدة اللوم، والذم لهؤلاء الذين يكتمون الحق؛ لأنهم يكتمونه مع العلم به؛ فهم عامدون ظالمون؛ وهذا أشد قبحاً من كتمان الإنسان ما يكون متردداً فيه. القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] التفسير:

стр. 1090

الذي أنزل إليك -أيها النبي- هو الحق من ربك، فلا تكونن من الشاكين فيه. وهذا وإن كان خطابا للرسول ﷺ فهو موجه للأمة. قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: " اعلم يا محمد أنّ الحق ما أعلمك ربك وأتاك من عنده، لا ما يقول لكَ اليهود والنصارى" (١). قال الربيع: " يقول: لا تكنْ في شك، فإنها قبلتُك وقبلةُ الأنبياء من قبلك" (٢). قال الثعلبي: "أي هذا الحق" (٣) من ربك (٤). قال الواحدي: " أي: هذا الحق من ربك" (٥). قال ابن عثيمين: "يعنى أن الحق ثابت، وحاصل من ربك؛ وقيل: هذا الحق من ربك" (٦). قال الطبري: " وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره خبر لنبيه ﵇: عن أن القبلة التي وجهه نحوها، هي القبلةُ الحقُّ التي كان عليها إبراهيم خليل الرحمن ومَنْ بعده من أنبياء الله " (٧). قال ابن كثير: " ثبّت تعالى نبيه والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك" (٨). وروي عن علي ﵁ أنه قرأ: ﴿الحق﴾، منصوبا بـ ﴿يعلمون﴾، أي ﴿يعلمون الحق﴾ (٩). قال النحاس: "فأما الذي في "الأنبياء" ﴿الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٤] فلا نعلم أحدا قرأه إلا منصوبا، والفرق بينهما أن الذي في سورة (البقرة) مبتدأ آية، والذي في الأنبياء ليس كذلك" (١٠). قال القرطبي: " ويصح نصبه على تقدير (الزم الحق)، والرفع على الابتداء أو على إضمار مبتدأ والتقدير: (هو الحق)، أو على إضمار فعل، أي (جاءك الحق) " (١١). وأما الألف واللام في قوله ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٤٧]، ففيه وجهان (١٢): الأول: أن يكون للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله ﷺ أو إلى الحق الذي في قوله: ﴿ليكتمون الحق﴾ أي هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك. والثاني: أن يكون للجنس على معنى: الحق من الله تعالى لا من غيره يعني إن الحق ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل. قوله تعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، أي: " فلا تكوننَّ من الشاكّين" (١٣). قال الطبري: "أي من الشاكين، في أن القبلة التي وجَّهتك نَحوها قبلةُ إبراهيم خليلي ﵇ وقبلة الأنبياء غيره" (١٤). قال ابن زيد: " قال: من الشاكين قال، لا تشكنّ في ذلك" (١٥).
следующие страницы →