стр. 1051
قال البيضاوي: " والقبلة: في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة" (١).
والقبلة: "هي الجهة التي يُصلى نحوها، ولا تصح الصلاة إلا بالاتجاه إليها، والقبلة من شعائر الإسلام، ومما يتميز به المسلمون وحدة قبلتهم، وسميت القبلة قبلة: لأن المصلى يقابلها وتقابله، وقيل لإقبال الناس عليها" (٢).
قال الرازي: "يقال ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦]، وقوله: ﴿ما ولاهم﴾ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب" (٣).
قال الشيخ السعدي: " ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله، إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل، فيتلقى أحكام ربه بالقبول، والانقياد، والتسليم كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقد كان في قوله (السفهاء) ما يغني عن رد قولهم، وعدم المبالاة به" (٤).
وقد ذكر العلماء في هذا (التولي) وجهان (٥):
الوجه الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: (ما ولاهم) للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس.
واختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله ﷺ نحو بيت المقدس بعد الهجرة، على أقوال (٦):
أحدها: تسعة أشهر أو عشرة أشهر. وهذا قول أنس بن مالك ﵁ (٧).
الثاني: ثلاثة عشر شهرا. قاله معاذ (٨).
الثالث: ستة عشر شهرا. قاله سعيد بن المسيب (٩).
الرابع: سبعة عشر شهرا. قاله ابن عباس (١٠)، والبراء بن عازب (١١).
قال الواقدي: "صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا" (١٢).
الخامس: سنتان. حكاه الرازي (١٣).
قال الرازي: "وقول ابن عباس أثبت عندنا من سائر الأقوال" (١٤).