← Тафсир

Тафсир · id 151008

الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية

عبد الله خضر حمد

Полный текст (3 931 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

في سبب نزول الآية: قال الثعلبي: "إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجرا أن يسلم، فأنزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي يترك دينه وشريعته" (١). والخبر في تفسير مقاتل بن سليمان (٢)، وذكره الزمخشري (٣)، والسيوطي (٤)، وابن حجر في العجاب (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، يعني: "وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم، ويتركها رغبة عنها إلى غيرها؟ " (٦). قال ابن كثير: " أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها" (٧). قال البيضاوي: " استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء، أي لا يرغب أحد من ملته" (٨). قال الزجاج: " المعنى: ما يرغب عن ملة إبراهيم" (٩). قال الصابوني: " أي لا يرغب عن دين إِبراهيم وملته الواضحة الغراء" (١٠). قال الطبري: "وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى، لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإسلام. لأن " ملة إبراهيم " هي الحنيفية المسلمة، كما قال تعالى ذكره: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧] " (١١). قال قتادة: "رغب عن ملته اليهود والنصارى، واتخذوا اليهودية والنصرانية، بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم - يعني الإسلام - حنيفا؛ كذلك بعث الله نبيه محمدا ﷺ بملة إبراهيم" (١٢). وروي عن أبي العالية (١٣) نحوه. قال الثعلبي: " رغب في الشيء، إذا أردته، ورغبت عنه إذا تركته، وأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه" (١٤). و(الملَّةُ): "وهي السُّنَّة والمذهب" (١٥). قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: " إِلا من استخفّ نفسه وامتهنها" (١٦). قال ابن زيد: إلا من أخطأ حظَّه" (١٧). قال مقاتل بن سليمان: " يعني: إِلَّا من خسر نفسه من أَهْل الكتاب" (١٨).

стр. 982

وأخرج الكلبي عن ابن عباس: " في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: خسر نفسه" (١). قال الطبري: أي: " إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها، ويضرها في معادها" (٢). قال ابن كثير: " أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال" (٣). قال ابن كيسان: إلا من جهِل نفسه" (٤). قال أبو عبيدة: " أي أوبق نفسه وأهلكها" (٥). قال ابن أبي زمنين: " أي: عجز رأيه عن النظر لنفسه، فضلّ" (٦). قال ابن عبّاس: "حيّر نفسه" (٧). قال الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه" (٨). قال أبو روق: عجّز رأيه عن نفسه" (٩). قال يمان: حمق رأيه" (١٠). وقال ابن بحر: "جهلها ولم يعرف ما فيها من الدلائل" (١١). قال البيضاوي: أي: " إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها" (١٢). قال الزجاج: أي: " إلا من جهل نفسه، أي لم يفكر فى نفسه، كقوله : ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، فوضع جهِل" (١٣). قال السعدي: " أي: جهلها وامتهنها، ورضي لها بالدون، وباعها بصفقة المغبون، كما أنه لا أرشد وأكمل، ممن رغب في ملة إبراهيم" (١٤). قال ابن عثيمين: "أي أوقعها في سفه؛ و (السفه) ضد الرشد؛ وقيل: معناه: جهل نفسه أي جهل ما يجب لها، فضيعها؛ ولنا أن نقول: إن التعبير بما يحتمل الوجهين فيه نكتة عظيمة؛ وهي أن يكون التعبير صالحاً للأمرين؛ فكأنه ناب عن جملتين؛ فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة؛ وسفيه إن تعمد المخالفة" (١٥). قال الواحدي: " لأن من عبد حجرًا أو قمرًا أو شمسا أو صنمًا فقد جهل نفسه؛ لأنه لم يعلم خالقها، ولم يعلم ما يحق لله عليه، والعرب تضع سَفِهَ في موضع جَهِل، ومنه الحديث: "الكِبْرُ أن تسفَهَ الحقَّ وتغمِصَ الناسَ " (١٦)، أي: تجهل الحق، ويؤيد هذا القولَ ما روي في الحديث: "مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربه" (١٧)، قيل في معناه: إنما يقع الناس في البدع والضلالات لجهلهم أنفسهم، وظنّهم أنهم يملكون الضرّ والنفع دون الله" (١٨).

стр. 983

وفي قوله تعالى: ﴿إلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]، ثلاثة تأويلات (١): أحدها: أن ذلك سفّه نفسه، أي فَعَلَ بها من السفه ما صار به سفيهاً، وهذا قول الأخفش (٢). والثاني: أنها بمعنى سفه في نفسه، فحذف حرف الجر كما حذف من قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي عَلَى عقدة النكاح، وهذا قول الزجَّاج (٣). والثالث: أنها بمعنى أهلك نفسه وأوْبَقَهَا، وهذا قول أبي عبيدة (٤). قال الثعلبي: " وأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه" (٥). وقراء: ﴿إلا من سفه نفسه﴾، بتشديد الفاء (٦). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: ولقد: " اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإِمامة" (٧). قال ابن عباس: " يريد: أنه ليس في الأرض خلق إلا وهو يذكره بخير، وينتحل دينه" (٨). قال الواحدي: " وقيل: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالنبوة، وقيل: بالخُلّة" (٩). قال أبو مالك: " قوله: اصطفى، يعني اختار" (١٠). قال ابن أبي زمنين: " أي: اخترناه" (١١). قال مقاتل بن سليمان: " يعني اخترناه بالنبوة والرسالة" (١٢). قال الزجاج: " معناه اخترناه ولفظه مشتق من الصفوة" (١٣). قال السعدي: " أي: اخترناه ووفقناه للأعمال، التي صار بها من المصطفين الأخيار" (١٤). قال الطبري: أي: " اخترناه واجتبيناه للخلة، ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما .. وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده، فهو لله مخالف، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد ﷺ ، فهو لإبراهيم مخالف. وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته،

стр. 984

وجعله للناس إماما، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة. ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإمام الذي نصبه الله لعباده" (١). قال أبو حيان: " أي جعلناه صافياً من الأدناس، واصطفاؤه بالرسالة والخلة والكلمات التي وفى ووصى بها، وبناء البيت، والإمامة، واتخاذ مقامه مصلى، وتطهير البيت، والنجاة من نار نمروذ، والنظر في النجوم، وأذانه بالحج، وإراءته مناسكه، إلى غير ذلك مما ذكر الله في كتابه، من خصائصه ووجوه اصطفائه" (٢). قال المراغي: " ولا شكّ أن ملة هذا شأنها، وبها كانت له المكانة عند ربه، لا يرغب عنها إلا سفيه يعرض عن التأمل في ملكوت السموات والأرض، ورؤية الآثار الكونية والنفسية الدالة على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته، كما أن في الآية بشارة لإبراهيم بصلاح حاله في الآخرة وعده له بذلك (٣). قلت: والاصطفاء مفهوم قرآني تكرر في العديد من الآيات القرآنية، من جملتها هذه الآية الكريمة، وكقوله تعالى: - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]. - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧] - ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]. - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢]. - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. نلحظ بأن القرآن الكريم حينما يتحدث عن الاصطفاء يقصد معنيين وهما: أولا: الخلوص والصفاء (٤). ثانيا: الاختيار والتفضيل والتقديم (٥). فالله ﵎ هو الحكيم الخبير، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار للنبوة إلا أصلح الناس لها، وأليقهم بها، والنبوة اصطفاء لا اكتساب، ولا يمكن للعبد بالاجتهاد في الطاعة والترقي في مقامات العبودية أن ينال مرتبة النبوة، بل هي اجتباء واصطفاء واختيار من الله تعالى، وليس معنى ذلك أن الأنبياء لم يكن فيهم مزية عن غيرهم، أو أنهم لم يكونوا أهلًا للنبوة، فإنهم أفضل الخلق! وإنما معناه أنهم لم ينالوا هذه المرتبة باجتهادهم، وإنما نالوها بفضل الله عليهم، واجتبائه لهم فجمع الله للأنبياء الفضل من أطرافه، ميزهم على خلقه من قبل النبوة، ثم زادهم فضلًا عليهم بالنبوة، فلا يبلغ أحد منزلتهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، أي: " وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين" (٦).

стр. 985

قال ابن أبي زمنين: " وهم أهل الجنة" (١). قال السعدي: أي" الذين لهم أعلى الدرجات" (٢). قال الصابوني: أي: "من المقربين الذين لهم الدرجات العلى" (٣). قال المراغي: أي: و"جعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير والصلاح وإرشاد الناس للعمل بهذه الملة" (٤). قال الطبري: " و (الصالح) من بني آدم: "هو المؤدي حقوق الله عليه" (٥). قال الزجاج: " فَالصالحُ في الآخرة الفائز" (٦). قال البيضاوي: " حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر" (٧). قال أبو حيان: أي" وفي الآخرة من المشهود له بالاستقامة في الخير، ومن كان بهذه الصفة فيجب على كل أحد أن لا يعدل عن ملته" (٨). قال ابن عبّاس: "يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة" (٩)، قال الثعلبي: "بيانه قوله: خطابه عن يوسف ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين﴾ [يوسف: ١٠١] " (١٠). وأخرج ابن أبي حاتم "عن ابن عباس: ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، قال: عمله يجزى به في الآخرة" (١١). وقال الحسن: "أي: من الذين يستوجبون على الله الكرامةَ وحسنَ الثواب، فلما كان خلوصُ الثواب في الآخرة دون الدنيا وصفه بما ينبئ عن ذلك" (١٢). وقال الحسين بن الفضل: "في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل (١٣) " (١٤). قال أبو حيان: " وهذا الذي ذهب إليه خطأ ينزه كتاب الله عنه" (١٥). قلت: إن الصالح هو من صلحت المعاملة بينه وبين الله وبين الناس على قدر الإمكان، فتعلم ما أمر الله بتعلمه وعمل به، ودعا إليه وصبر على طريق الحق، والله يتولى أمره، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) [يونس: ٦٢ - ٦٤].

стр. 986

ولا تحيا الأمم ولا ترقى الشعوب إلا بعظمائها، وعظماء أمّة الإسلام هم أهل الصلاح والإصلاح، الذين يحتسبون وجه الله سبحانه فيما ينالهم من العنت والمشقّة حين تأدية واجبهم وتحقيق رسالتهم، والذين يتركون في الناس الذكر الحسن في حياتهم وبعد مماتهم، هم البركة الحقيقيّة والذخيرة التي لا تنضب، يعرف ذلك من لمس أثرهم، وحرص على القرب منهم، وشتّان بين الجليس الصالح، وجليس السوء، فإذا كانت حاجة الأمم إليهم وتعلّقها بهم لا تُقدّر بثمن، فكيف الحال إذا كان تناقصُ أعدادِهم واختفاءُ آثارهم هو علمٌ من أعلام الساعة وأشراطها؟ ذلك هو ما أخبر به رسول الله ﷺ صحابته تصريحاً وتلميحاً في غيرما مناسبة، وكان من جملة إخباراته النبويّة ما جاء في حديث مرداس الأسلمي ﵁ مرفوعاً: "يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حُفالة، كحفالة الشعير والتمر، لا يباليهم الله بالةً" (١)، وفي رواية: "لا يعبأ الله بهم الله بهم شيئا" (٢). ومعنى "حُفالة": ما يسقط من قشر الشعير عند الغربلة، ومن التمر بعد الأكل، وقد جاء في رواية أخرى بلفظ "حثالة"، وهي بذات المعنى، وأما معنى "لا يباليهم الله بالةً": لا يرفع لهم قدر ولا يقيم لهم وزنا (٣) ً. فهذا الحديث يشير صراحةً إلى أن موت الصالحين وتناقص أعدادهم هو من أشراط الساعة، وأن ذهابهم يكون شيئاً فشيئاً وليس مرّةً واحدة، كما أن في الحديث السابق ترغيبٌ في الاقتداء بالصالحين، والتحذير من مخالفة طريقهم، خشية أن يكون من خالفهم ممن لا يباليه الله ولا يعبأ به، كما ذكر ذلك شرّاح الحديث. وقريبٌ من الحديث السابق ما جاء في سنن ابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتنتقوُنَّ كما يُنتقى التمر من أغفاله، فليذهبن خياركم، وليبقين شراركم، فموتوا ان استطعتم" (٤)، ومعنى (من أغفاله): أي مما لاخير فيه. وعنه ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إنكم في زمانٍ من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمانٌ من عمل منهم بعشُر ما أمر به نجا" (٥).

стр. 987

إن الحديث السابق يُسفِر عن ذات الحقيقة، وهو أن صلاح المجتمعات آخذٌ بالتناقص مع مرور الوقت، كما يشير إلى النسبية والتفاوت في مستوى الصلاح بين الأجيال الأولى في الإسلام والأجيال اللاحقة على وجه العموم، وقد فُسّر الحديث بأن العُشر المأمور به إنما المقصود به: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الرعيل الأوّل وفي فجر الإسلام كان الدين عزيزاً، وفي أنصاره كثرةً، فلا عُذر في التهاون في هذه الشعيرة العظيمة، ولكن حين يضعف الإسلام، وتكثر الظلمة، ويعم الفسق، ويكثر الدجالون، وتقل أنصار الدين، ويتوارى الحق فيعذر المسلمون فيما تركوه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعدم القدرة، والله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولنا كذلك حذيفة بن اليمان عند ابن ماجة، وفيه: "يَدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة، ولا نسك ولا صدقة، ويبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله، فنحن نقولها" (١)، وحديث أنس ﵁: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" (٢). على أننا نؤكّد أن هذه الأحاديث تتحدّث عن جانبٍ إخباريّ يتعلّق بفترةٍ زمنيّة طويلة تشمل أجيلاً متتالية، فليس المقصود نفي الخيريّة عن أمتنا أو أن تكون هذه الأحاديث سبباً في تسرّب اليأس من النفوس أو مدعاةً للتخاذل، فكما بيّنت السنة الخلل الحاصل فقد بيّنت أسبابه، وبتجنّب الأسباب يكون الصلاح، والعبدُ إنما هو مكلّفٌ بخاصّة نفسه أن يُصلحها وليس مسؤولاً عن فساد غيره ما دام قد أدّى ما عليه، قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]. والله تعالى أعلم. الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾.

стр. 988

٢ - ومنها: أن مخالفة هذه الملة سفه؛ مهما كان الإنسان حكيماً في قوله فإنه يعتبر سفيهاً إذا لم يلتزم بشريعة الله. ٣ - ومنها: فضيلة إبراهيم ﵊، حيث اصطفاه الله، واختاره على العالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا﴾. ٤ - ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وإنه في الآخرة﴾. ٥ - ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء، ومن دونهم؛ فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبع الرسول بأنه صالح؛ ولهذا كانت الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يحيون الرسول ﷺ ليلة المعراج بقولهم: «مرحباً بالأخ الصالح، والنبي الصالح» (١)؛ فوصفوه بالصلاح. ٦ - ومنها: أن المخالفين للرسل سفهاء؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، وقوله في المنافقين: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ [البقرة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]؛ فإنهم - وإن كانوا أذكياء، وعندهم علم بالصناعة، والسياسة - هم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط. القرآن ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١] التفسير: وسبب هذا الاختيار مسارعته للإسلام دون تردد، حين قال له ربه: أخلص نفسك لله منقادًا له. فاستجاب إبراهيم وقال: أسلمت لرب العالمين إخلاصًا وتوحيدًا ومحبة وإنابة. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١]، أي: " إذ قال له ربه: أخلص لي العبادة، واخضع لي بالطاعة" (٢). قال مقاتل: " يقول أخلص" (٣). قال الزجاج: " معناه اصطفاه إِذ قال له ربه أسلم: أي في ذلك الوقت" (٤). قال الثعلبي: " أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مسلما كقوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، أي أثبت على علمك" (٥). قال ابن كثير: " أي: أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد" (٦). قال الصابوني: " أي استسلم لأمر ربك وأخلصْ نفسك له" (٧). قال المراغي: أي: أخلص لي العبادة .. أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من الآيات ونصب له من الأدلة على وحدانيته" (٨). قال ابن عثيمين: أي: " اذكر إذ قال له ربه؛ فيكون أمراً للرسول ﷺ أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم ﷺ عليها" (٩).

стр. 989

قال الراغب: "أي أخلص سرك فإنه موضع الاطلاع، وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: " أخلص يكفك القليل من العمل " (١)، وبقوله: " الأعمال بالنيات " (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة: ٥] " (٣). قال ابن عطية: " وكان هذا القول من الله حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس. والإسلام هنا على أتم وجوهه" (٤). قال أبو حيان: " هذا من الالتفات، إذ لو جرى على الكلام السابق، لكان: إذ قلنا له أسلم" (٥). في الآية الكريمة موضع (إذْ) نصب وفي عامله وجهان (٦): الوجه الأول: أنه نصب باصطفيناه، أي اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربه أسلم، وكان هذا القول من الله تعالى حين ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس، فكأنه تعالى ذكر الاصطفاء ثم عقبه بذكر سبب الاصطفاء، فكأنه لما أسلم نفسه لعبادة الله تعالى وخضع لها وانقاد علم تعالى من حاله أنه لا يتغير على الأوقات وأنه مستمر على هذه الطريقة، وهو مع ذلك مطهر من كل الذنوب، فعند ذلك اختاره للرسالة واختصه بها لأنه تعالى لا يختار للرسالة إلا من هذا حاله في البدء والعاقبة، فإسلامه لله تعالى وحسن إجابته منطوق به، فإن قيل قوله: ﴿ولقد اصطفيناه﴾ إخبار عن النفس وقوله: ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ إخبار عن المغايبة فكيف يعقل أن يكون هذا النظم واحدا؟ قلنا: هذا من باب الالتفات الذي ذكرناه مرارا. الوجه الثاني: أنه نصب باضمار أذكر كأنه قيل: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفي الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله. وقد اختلف في معنى (الإسلام) في قوله تعالى ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: ١٣١]، على أقوال (٧): أحدها: أنه بمعنى: الإستقامة والثبات، والمعنى: استقِمْ على الإسلامِ وَاثْبُتْ عليهِ؛ لأنه كان مُسْلِماً كقولهِ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] أي اثْبتْ على عِلْمِكَ (٨). الثاني: أن (الاسلام) هنا الإخلاص. قال ابن كثير: "أمره الله بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا (٩). وقال السمرقندي: معنى قوله (أسلم) يعني أخلص دينك لله فقال إبراهيم ﴿أسلمت لرب العالمين﴾، يعني أخلصت ديني لرب العالمين" (١٠). قال الكلبيُّ: "مَعْنَاهُ: أخْلِصْ دينك للهِ بالتوحيد" (١١). وروي مثله عن ابن كيسان (١٢). الثالث: أن المراد بـ (الإسلامِ): تسليمُ الأمور إلى الله تعالى والانقيادُ له من غيرِ امتناعٍ وعِصْيَانٍ. وقال عطاءُ: "سَلِّمْ نَفْسَكَ إلَى اللهِ وَفَوِّضْ أمْرَكَ إلَيْهِ" (١٣).

стр. 990

قال السمرقندي: "ويقال معناه فوض أمرك إلى الله فقال فوضت أمري إلى الله (١). الرابع: وقيل معناه: "اخْضَعْ واخشَعْ" (٢). الخامس: وقيل: معناه: اعمل بالجوارح، لأن الإيمان هو صفة القلب، والإسلام هو صفة الجوارح، فلما كان مؤمناً بقلبه كلفه بعد عمل الجوارح. قاله الرازي (٣). قلت: إن كلمة (الاسلام) تشمل جميع الأقوال السابقة، أي إسلام الباطن والظاهر. والله تعالى أعلم. واختلفوا متى قيل له (أسلم) على قولين (٤): أحدهما: أنه قيل له ذلك قبل النبوّة، وقبل البلوغ، وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس، واطلاعه على أمارات الحدوث فيها، وإحاطته بافتقارها إلى مدبر يخالفها في الجسمية، وأمارات الحدوث، فلما عرف ربه، قال تعالى له (أسلم). وهذا قول الأكثرين. الثاني: وقيل: كان بعد النبوّة، فتؤول الأمر بالإسلام على أنه أمر بالثبات والديمومة، إذ هو متحل به وقت الأمر، ويكون الإسلام هنا على بابه، والمعنى: على شريعة الإسلام. قوله تعالى: ﴿قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، "أي قال [إبراهيم]: أخلصت دينى لله الذي فطر الخلق جميعا" (٥). قال مقاتل: " يعني أخلصت لرب العالمين" (٦). قال الطبري: أي" قال إبراهيم مجيبا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة، لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره" (٧). قال المراغي: "ونحو هذا قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وقد نشأ إبراهيم في قوم عبدة أصنام وكواكب، فأنار الله بصيرته، وألهمه الحق والصواب، فأدرك أن للعالم ربّا واحدا يدبره ويتصرف في شئونه وإليه مصيره، وحاجّ قومه في ذلك وبهرهم بحجته فقال: ﴿أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] إلى آخر الآيات التي جاءت في سورة الأنعام" (٨). الفوائد ١ - من فوائد الآية: فضيلة إبراهيم ﵇، حيث لم يتوانَ، ولم يستكبر؛ فبادَر بقوله: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ حين قال له ربه : ﴿أسلم﴾ ولم يستكبر؛ بل أقر؛ لأنه مربوب لرب العالمين. ٢ - ومنها: إثبات ربوبية الله العامة لكل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿لرب العالمين﴾. ٣ - ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سُمّوا «عالمين»، حيث إنهم عَلَم على خالقهم. ٤ - ومنها: المناسبة بين قوله تعالى: (أسلمت)، و (رب)؛ كأن هذا علة لقوله تعالى: (أسلمت)؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يُسْلَم له؛ الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون؛ قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠، ٢١]؛ فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقروناً بالربوبية. ٥ - ومن الفوائد الفرق بين الإسلام والإيمان: فالإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع. والإيمان في اللغة: التصديق والإقرار.

стр. 991

وأما في الشرع: فلكل منهما إطلاقان: بأن يذكر أحدهما غير مقترن بالآخر، أو يطلق مقترناً بالآخر. ففي حال عدم اقترانهما: فالإسلام: الدين كله، أصوله وفروعه من الاعتقادات والأقوال والأفعال، والإيمان: قول واعتقاد وعمل. فكلا التعريفين يفيد الدين كله، فيدخل أحدهما في الآخر. قال ابن رجب: "فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة، لم يصر من قال: أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول، وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤]، وأخبر عن يوسف ﵇ أنه دعا بالموت على الإسلام. وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق. وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم؛ قال: قال لي رسول الله – ﷺ : يا عدي، أسلم تسلم، قلت: وما الإسلام؟ قال: (تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أني رسول الله، وتؤمن بالأقدار كلها خيرها وشرها، وحلوها ومرها). فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام. ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع، وليس المراد الإتيان بلفظهما دون التصديق بهما، فعلم أن التصديق بهما داخل في الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، بالتوحيد والتصديق طائفة من السلف، منهم محمد بن جعفر بن الزبير" (١). وقال الشنقيطي ﵀: "فإن الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا ... فالإيمان الشرعي التام والإسلام الشرعي التام معناهما واحد" (٢). وأما حال اقترانهما: فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك على قولين: ١. القول الأول: إنهما شيء واحد، وممن قال به: محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري (٣) ونسب للبخاري (٤)، وابن حبان البستي (٥)، وأبو طالب المكي (٦)، وابن مندة (٧)، وذهب إليه ابن حزم (٨)، والبيهقي (٩)، ونسبه المروزي للجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث (١٠)، ونسبه ابن عبد البر (١١) إلى عامة أهل الفقه والنظر والمتبعين للسلف والأثر (١٢). ٢. والقول الثاني: التفريق بينهما: وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، منهم: ابن عباس والحسن وابن سيرين (١٣)، ونقل عن كثير من السلف (١٤) منهم: قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري،

стр. 992

والنخعي، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن السمعاني، وغيرهم، من الأئمة على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما (١). وقد نصر هذا القول الخلال وابن بطة والخطابي واللالكائي وأبو يعلى والبغوي وأبو القاسم التيمي (٢). قال شيخ الإسلام: "التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي – ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان: بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي – ﷺ " (٣). وقال ابن رجب: "والتحقيق في الفرق بينهما: أن الإيمان هو تصديق القلب، وإقراره، ومعرفته، والإسلام: هو استسلام العبد لله، وخضوعه، وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين، كما سمى الله في كتابه الإسلام دينا" (٤). وأما أقوال المخالفين في التفريق بين الإسلام والإيمان، فقد أجمل شيخ الإسلام أقوال المخالفين في هذه المسألة بقوله: "والمقصود هنا: أن هنا قولين متطرفين: - قول من يقول: الإسلام مجرد الكلمة والأعمال الظاهرة ليست داخلة في مسمى الإسلام. - وقول من يقول: مسمى الإسلام والإيمان واحد. وكلاهما قول ضعيف مخالف لحديث جبريل وسائر أحاديث النبي ﷺ ، ولهذا لما نصر محمد بن نصر المروزي القول الثاني: لم يكن معه حجة على صحته؛ ولكن احتج بما يبطل به القول الأول" (٥). فالأول: قول المرجئة: قال شيخ الإسلام: "فالمعروف من كلام المرجئة الفرق بين لفظ الدين والإيمان، والفرق بين الإسلام والإيمان، ويقولون: الإسلام بعضه إيمان، وبعضه أعمال، والأعمال منها فرض ونفل" (٦). وقال تعليقاً على قول معقل بن عبد الله العبسي عن المرجئة: (وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين): "قلت: قوله عن المرجئة: إنهم يقولون إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، قد يكون قول بعضهم، فإنهم كلهم يقولون ليستا من الإيمان، وأما من الدين، فقد حكي عن بعضهم أنه يقول: ليستا من الدين، ولا نفرق بين الإيمان والدين، ومنهم من يقول: بل هما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، وهذا هو المعروف من أقوالهم التي يقولونها عن أنفسهم، ولم أر أنا في كتاب أحد منهم أنه قال: الأعمال ليست من الدين، بل يقولون: ليست من الإيمان" (٧). والمقصود أن مبنى قول المرجئة في التغاير بين الإسلام والإيمان مبناه على أن الإسلام هو الدين، والإيمان والأعمال من الدين، وليست هي الدين؛ فإن الإيمان لا يتجزئ، فلما كان التجزؤ في الأعمال ظاهر دل على أنها ليست منه، وإنما هي من الدين وثمرة للإيمان. والثاني: قول الخوارج والمعتزلة والرافضة (٨):

стр. 993

ومبنى قولهم في الترادف هو التزامهم بعدم تجزئ الإسلام والإيمان فإذا زال بعضه زال كله؛ ولذلك كفروا بالكبيرة. وخشية التباس قول المرجئة بقول السلف في هذه المسألة فإنه قد يُظن أن قولهم واحد؛ بسبب الاتفاق في ظاهر القول دون مضمونه قال شيخ الإسلام: "قد يظن من لا يعرف حقيقة الأمر أن هذا هو قول السلف الذي دل عليه الكتاب والسنة: من أن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمناً، وبينهما من التباين أعظم مما بين قول السلف وقول المعتزلة في الإيمان والإسلام؛ فإن قول المعتزلة في الإيمان والإسلام أقرب من قول الجهمية بكثير، ولكن قولهم في تخليد أهل القبلة أبعد عن قول السلف من قول الجهمية. فالمتأخرون الذين نصروا قول جهم في مسألة الإيمان يظهرون قول السلف في هذا وفي الاستثناء وفي انتفاء الإيمان الذي في القلب حيث نفاه القرآن ونحو ذلك. وذلك كله موافق للسلف في مجرد اللفظ وإلا فقولهم في غاية المباينة لقول السلف؛ ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه (١). وقول المعتزلة والخوارج والكرامية (٢) في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية ... فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم؛ والجهمية وإن كانوا في قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنة، وفيه من مناقضة العقل والشرع واللغة ما لا يوجد مثله لغيرهم" (٣). وعلى هذا صار الخلاف في مسألة التفاضل بين الإيمان والإسلام؟ قال شيخ الإسلام: "ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال: - فالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل، فإنه يدخل فيه الإيمان. - وآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة، وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك. - والقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان" (٤). وبهذا يتضح صحة قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة وغيرها من المسائل، وكل ذلك مبناه على النصوص الشرعية وعلى عدم التقدم بين يدي الله ورسوله، فكان الحق بفضل الله حليفهم، وتحري الصواب بغيتهم. والله ولي التوفيق. القرآن ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢] التفسير: وحثَّ إبراهيمُ ويعقوبُ أبناءهما على الثبات على الإسلام قائلَيْن: يا أبناءنا إن الله اختار لكم هذا الدين- وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ فلا تفارقوه أيام حياتكم، ولا يأتكم الموت إلا وأنتم عليه.

стр. 994

قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]، "أي وصّى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إِبراهيم" (١). قال ابن عباس: " وصاهم بالإسلام. وصية الله دين الله" (٢). وعن ابن عباس أيضا: " وصى يعقوب بنيه بمثل ذلك- يعني بالإسلام وصية الله دين الله" (٣). وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قال مقاتل: " يعني بالإخلاص إبراهيم بنيه الأربعة إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين ثم وصى بها يعقوب بنيه يوسف وإخوته اثني عشر ذكرا بنيه ويعقوب" (٤). قال الطبري: "أي: ووصى بهذه الكلمة-وهو قوله: أسلمت لرب العالمين وهي (الإسلام) -الذي أمر به نبيه ﷺ ، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له، فعهد ابراهيم بنيه (٥) بذلك وأمرهم به" (٦). قال الثعلبي: أي: " ووصى بها أيضا، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم: روفيل أكبر ولده، وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب ويوسف وابن يافين" (٧). قال أبو السعود: قوله تعالى ﴿ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ﴾: شروعٌ في بيان تكميلِه ﵇ لغيره إثرَ بيانِ كماله في نفسه وفيه توكيدٌ لوجوب الرغبة في مِلته ﵇ والتوصيةُ التقدمُ إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاح للمسلمين من فعلٍ أو قولٍ" (٨). قال الراغب: " الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترناً بوعظ واشتقاقه من وصاه أي وصله، ومضاده قصاه أي فصله" (٩). واختلف في عود الضمير المتصل (الهاء) في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ [البقرة: ١٣٢]، على أقوال (١٠): أحدهما: أنه عائد إلى (الملة) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقوله (وَصَّى بِهَا)، أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله. الثاني: وقيل أنه يعود إلى (الكلمة) وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ "ونحوه رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨]، إلى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا

стр. 995

الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقوله: ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة" (١). قال الراغب: " وكلاهما غير منفك من الآخر، إذ كانت هذه الكلمة من جملة الملة، والملة مقتضية لهذه الكلمة، فبين تعالى أن إبراهيم وصى بنيه، ووضع يعقوب بنيه أيضا بها كما أوصى إبراهيم" (٢). الثالث: وقيل: أنه يعود على كلمة الإخلاص وهي: لا إلاه إلا الله، وإن لم يجر لها ذكر، فهي مشار إليها من حيث المعنى، إذ هي أعظم عمد الإسلام. وهذا قول الكلبي ومقاتل (٣). الرابع: وقيل: يعود على الوصية الدال عليها ووصى. الخامس: وقيل: يعود على الطاعة. قاله المفضل (٤).وذلك كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وومنه قول طرفة (٥): على مثلها الحواء إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك عنها وافتدي أي من الفلاة (٦). قلت: والقول الثاني أقرب إلى الصواب، للأسباب الآتية: أولا: لأنه أقرب مذكور، أي (قولوا أسلمنا)، وأن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم، فـ"العود على الملة بأنه يكون المفسر مصرحاً به، وإذا عاد على الكلمة كان غير مصرح به، وعوده على المصرح أولى من عوده على المفهوم. وبأن عوده على الملة أجمع من عوده على الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة. ومعلوم أنه لا يوصي إلا بما كان أجمع للفلاح والفوز في الآخرة " (٧). ثانيا: أن (الملة) أجمع من تلك الكلمة، ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك (٨). والله أعلم. وقوله ﴿وَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] (٩) فيه قراءتان (١٠): إحداهما: بهمزة مفتوحة مع تخفيف الصاد: ﴿أَوصَى﴾، بمعنى عهد. وهي في مصحف عثمان، وهي قراءة نافع وابن عامر، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام. والثانية: بحذف الهمزة مع تشديد الصاد: ﴿وصَّى﴾، فيه معنى التكثير، أي: أنه عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية. وهي في مصحف عبدالله. والمعنى في القراءتين واحد، إلا أن في ﴿وصّى﴾ دليل مبالغة وتكثير. قال الشيخ ابن عثيمين: وقراءة: ﴿أوصى﴾ لا تنطبق عليها الشروط الثلاثة في القراءة، والمجموعة في البيتين، وهما (١١):

стр. 996

كُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ ... وَكَانَ لِلرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي وَصَحَّ إسْنادًا هُوَ الْقُرآنُ ... فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأَرْكَانُ عليه فإن (أوصى) لم تتفق في الرسم؛ إذاً الشروط أو الأركان التي ذكرت بناءً على الأغلب. وأما ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ ففيه قراءتان (١): إحداهما: بكسر الهاء بعدها ياء: (إِبْرَاهِيمُ). وهي قراءة القراء في كل مصر، غير ابن عامر. والثانية: بفتح الهاء بعدها ألف: (إبراهام). قاله الأخفش الدمشقي عن ابن ذكوان عن ابن عامر. قال أبو علي: "مما يثبت قراءة ابن عامر قول أمية (٢): مع إبراهم التقي وموسى ... وابن يعقوب عصمة في الهزال فهذا كأنه إبراهام، إلا أنه حذف الألف، كما يقصر الممدود في الشعر. وأنشدوا (٣): عذت بما عاذ به إبراهم وقيل: إنهم كتبوا ما في البقرة بغير ياء، فهذا يدل على أنه إبراهام، وحذفت الألف من الخط، كما حذفت من دراهم، ونحو ذلك، فيشبه أنه قرأ إبراهام وما ثبت فيه مما يدلك على ذلك. وقد روي أنه سمع ابن الزبير يقرأ: ﴿صحف إبراهام﴾ [الأعلى: ١٩] بألف" (٤). وقوله ﴿يعقوب﴾ (٥) كذلك فيه قراءتان (٦): احداهما: برفع (يعقوب) رفعا على (إبراهيم)، أي: ويعقوب وصّى بهذا أيضا بنيه، وهي قراءة القراء العشرة. روي عن قتادة قوله: " ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾، يقول: ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم" (٧). وروي عن ابن عباس مثله (٨). قال أبو حيان: "فأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفاً على إبراهيم، ويكون داخلاً في حكم توصية بنيه، أي ووصى يعقوب بنيه.

стр. 997

[والثاني]: ويحتمل أن يكون مرفوعاً على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: قال يا بني إن الله اصطفى" (١). ثم قال: " والأول أظهر" (٢). والثانية: - وروي عن علي بن أبي طالب أنها قرئت قراءة شاذة بنصب باء (يعقوب). وقرأه: "إسماعيل بن عبد الله المكي، والضرير، وعمرو بن فائد الأسواري: بالنصب" (٣). والقراءة بالرفع هو الأشهر وعليه الجمهور، ومعناه: أنه وصى كوصية إبراهيم. وأما القراءة بالنصب عطفًا على (بنيه)، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الآية: ٢٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة" الحديث (٤). فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدّده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين (٥). وقال بعضهم: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، خبر منقض، وقوله: ﴿ويعقوب﴾ خبر مبتدأ، فإنه قال: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾، بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين - ووصى يعقوب بنيه: أن: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وهذا القول فيه نظر، لأن الذي أوصى به يعقوب بنيه، نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه وهو الحث على طاعة الله، والخضوع له، والإسلام (٦). قوله تعالى: ﴿يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدين﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: "إن الله اختار لكم هذا الدين الذي عهد إليكم فيه، واجتباه لكم" (٧). قال مقاتل: " يعني اختار لكم الدين يعني دين الإسلام" (٨). قال الرازي: أي استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره (٩). قال الثعلبي: أي" اختار لكم الإسلام" (١٠).

стр. 998

قال البيضاوي: أي: " دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ " (١). قال أبو السعود: أي: " دينَ الإسلامِ الذي هو صفوةُ الأديان ولا دينَ غيرُه عنده تعالى" (٢). قال الصابوني: " أي اختار لكم دين الإِسلام ديناً وهذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب لأبنائهما" (٣). والألف واللام في ﴿الدين﴾ للعهد، لأنهم كانوا قد عرفوه، وهو دين الإسلام. وقوله ﴿اصْطَفَى﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: "اختار" (٤)، قال الراجز (٥): يا ابن ملوك ورثوا الأملاكا ... خلافة الله التي أعطاكا لك اصطفاها ولها اصطفاكا قال الثعلبي: " ﴿يا بَنِيَّ﴾، معناه: أن يا بنيّ، وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود" (٦). وعلى قراءة: ﴿أن يا بَنِيَّ﴾، يتعين أن تكون ﴿أن﴾ هنا تفسيرية بمعنى (أي)، ولا يجوز أن تكون مصدرية، لأنه لا يمكن انسباك مصدر منها ومما بعدها، ومن لم يثبت معنى التفسير، لأن جعلها هنا زائدة، وهم الكوفيون (٧). وقوله تعالى ﴿الدِّينَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، "أي العبادة، والعمل؛ ويطلق على الجزاء؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، المراد بـ (الدين) الجزاء؛ وفي قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًاً﴾ [المائدة: ٣]؛ (الدين): العبادة؛ فالدين يطلق على هذا، وعلى هذا - على العمل، وعلى الجزاء عليه -؛ ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني كما تعمل تُجازى" (٨). قوله تعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، أي: فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم على الإسلام" (٩). قال مقاتل: " يعني مخلصون بالتوحيد" (١٠). قال الثعلبي: اي إلا وأنتم: "مؤمنون" (١١). قال السعدي: "لأن من عاش على شيء، مات عليه، ومن مات على شيء، بعث عليه" (١٢). قال الصابوني: " أي اثبتوا على الإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم متمسكون به" (١٣). وقال الفضيل بن عياش: " أي: محسنون بربّكم الظن" (١٤). قال الطبري: أي: "فلا تفارقوا هذا الدين - وهو الإسلام - أيام حياتكم. وذلك أن أحدا لا يدري متى تأتيه منيتُه، فلذلك قالا لهم: " فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون "، لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو

стр. 999

نهار، فلا تفارقوا الإسلام، فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربُّكم ساخط عليكم، فتهلكوا" (١). أخرج ابن أبي حاتم عن طاوس: " ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، على الإسلام وعلى ذمة الإسلام" (٢). قال البيضاوي: "المقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك: لا تصلِّ إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه، وأن من حقه أن لا يحل بهم، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد" (٣). قال أبو السعود: " المقصودُ الأمرُ بالثبات على الإسلام إلى حين الموتِ أي فاثبُتوا عليه ولا تفارقوه أبداً" (٤). وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وُفّق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء، في الحديث [الصحيح] "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا بَاعٌ أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (٥)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (٦).

стр. 1000

وقوله تعالى: ﴿إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، جملة حالية يراد بها استمرارهم على الإسلام إلى الممات، وكان الصالحون من سلف الأمة يخشون سوء الخاتمة، ولا يفترون عن ذكر الموت مع ما هم عليه من الإيمان والطاعة، وأمر النبي ﷺ بالإكثار من ذكر الموت، قال: "أكثروا ذكر هاذم اللذات" (١)، وكل هذا من أجل أن يبقى المرء متمسكاً بما وجب عليه ومبتعداً عما نهي عنه حتى يموت وهو كذلك. اللهم تجاوز عن زلاتنا، واغفر خطيئاتنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين. الفوائد: ١ - أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين (٢): أ- أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه ﵇ في ذلك الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه، كان القول إلى قبوله أقرب. ب- أنه ﵇ خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره. ت- أنه عمم بهذه الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر. ث- أنه ﵇ ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمال بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم ﵇ هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم ﵇ أنه كان يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين. ٢ - ومن فوائد الآية: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها إبراهيم، ويعقوب؛ فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين؛ ويعقوب أبو الإسرائيليين؛ فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها، حيث جعلاها مما يوصى به. ٣ - ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداءً بإبراهيم، ويعقوب. ٤ - ومنها: أن الله اختار لعباده من الدين ما هو أقوم بمصالحهم؛ لقوله تعالى: ﴿اصطفى لكم الدين﴾؛ فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله لعباده. ٥ - ومنها: أنه ينبغي التلطف في الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿يا بنيّ﴾؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم. ٦ - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعاهد نفسه دائماً حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. ٧ - ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. القرآن ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾ [البقرة: ١٣٣] التفسير: أكنتم أيها اليهود حاضرين حين جاء الموتُ يعقوبَ، إذ جمع أبناءه وسألهم ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا، ونحن له منقادون خاضعون. في سبب نزول الآية وجوه:

стр. 1001

أحدها: قال الواحدي: " نزلت في اليهود حين قالوا للنبي ﷺ ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية" (١). وذكره الثعلبي (٢) في تفسيره. الثاني: قال الطبري: "وهذه آيات نزلت، تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب: أنهم كانوا على ملتهم، فقال لهم في هذه الآية: " ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده؟ ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له (٣). الثالث: وقال الكلبي: "لمّا دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيّران، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك" (٤) " فقال: ما تعبدون من بعدي؟ "" (٥). الرابع: وقال ابن ظفر: "قيل: إن سبب نزولها أن اليهود اعتذروا عن امتناعهم من الإسلام بأن يعقوب أوصى الأسباط عندما حضره الموت بأن لا يبتغوا بملة اليهود بدلا فنزلت ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء﴾ " (٦). قال الحافظ ابن حجر: " فإن الآية تضمنت أن يعقوب خاطب أولاده عند موته محرضاً لهم على الثبات على الإِسلام، وقال له أولاده: إنهم يعبدون إلهه وإله آبائه إبراهيم وإسماعيل (٧) وإسحاق (٨) " (٩). قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: أكنتم - يا معشر اليهود والنصارى، حضورَ يعقوبَ وشهودَه إذ حضره الموت" (١٠). قال أبو العالية: " ﴿أم كنتم شهداء﴾، يعني أهل الكتاب" (١١). قال الزجاج: أي: " بل أكنتم شهداءَ إذ حضر يعقوب الموت" (١٢). قال الطبري: " أي إنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتَنحلوهم اليهوديةَ والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم - وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم - بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصَّوْا بنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم. فلو حضرتموهم فسمعتم منهم، علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم (١٣).

стр. 1002

قال الزمخشري: " أى ما كنتم حاضرين يعقوب ﵇ إذ حضره الموت، أى حين احتضر" (١). قال الصابوني: " أي بل أكنتم شهداء حين احتضر يعقوب وأشرف على الموت وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم" (٢). قال البيضاوي: " أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه" (٣). قال ابن عطية: " هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم؟ ، أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون" (٤). قال الحسن: " يقول: لم يشهد اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب، إذ أخذ على بنيه الميثاق، إذ حضره الموت أن لا يعبدوا إلا إياه فأقروا بذلك، وشهد عليهم أن قد أقروا بعبادتهم، وأنهم مسلمون" (٥). وقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: أكنتم، ولكنه استفهم بـ (أم)، إذ كان استفهاما مستأنفا على كلام قد سبقه، كما قيل: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾ [السجدة: ١ - ٣]، وكذلك تفعل العرب في كل استفهام ابتدأته بعد كلام قد سبقه، تستفهم فيه بـ (أم) (٦). قال القفال قوله: " ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ أن (إذ) الأولى وقت الشهداء، والثانية وقت الحضور" (٧). وقوله تعالى: ﴿إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ أي مقدماته وأسبابه، وإلا فلو حضر الموت لما أمكن أن يقول شيئا" (٨). قال ابن عطية: " وقدم (يعقوب)، على جهة تقديم الأهم" (٩). واختلف العلماء في الخطاب الموجه في قوله تعالى ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجهين (١٠): أحدهما: أن الخطاب للمؤمنين، والمعني: "ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي" (١١). الثاني: وقيل الخطاب لليهود، "لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبىُّ إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية. فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: أم كنتم شهداء؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أتدّعون على الأنبياء اليهودية؟ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، يعنى أن أوائلكم من بنى إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام، وقد علمتم ذلك، فما لكم تدّعون على الأنبياء ما هم منه برآء؟ " (١٢).

стр. 1003

قال صاحب الكشاف: " وقرئ (حضِر) بكسر الضاد وهي لغة" (١). قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]، (٢) أي: إذ قال يعقوب لبنيه: أي شيء تعبدون من بعد وفاتي؟ " (٣) (٤). قال البيضاوي: " أي: أي شيء تعبدونه، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما" (٥). قال ابن عثيمين: " بدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه" (٦). وقد عبر عن المعبود بـ (بما) ولم يقل (مَن)، وذلك لوجهين: الأول: لأن " (ما) عام في كل شيء والمعنى أي شيء تعبدون" (٧)، فأراد أن يختبرهم، ولو قال (من) لكان مقصوده أن ينظر من لهم الاهتداء منهم، وإنما أراد تجربتهم فقال (ما)، وأيضا فالمعبودات المتعارفة من دون الله جمادات كالأوثان والنار والشمس والحجارة، فاستفهم عما يعبدون من هذه (٨). الثاني: ومن وجه آخر فإن قوله: (مَا تَعْبُدُونَ) كقولك عند طلب الحد والرسم: ما الإنسان (٩)، قال صاحب الكشاف: " ويجوز أن يقال: (ما تَعْبُدُونَ) سؤال عن صفة المعبود. كما تقول: ما زيد؟ تريد: أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات" (١٠). ومعنى ﴿مِنْ بَعْدِي﴾، أي من بعد موتي (١١).

стр. 1004

قال ابن عطية: "وحكي أن يعقوب حين خير كما تخير الأنبياء اختار الموت وقال: أمهلوني حتى أوصي بني وأهلي، فجمعهم وقال لهم هذا، فاهتدوا وقالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ الآية، فأروه ثبوتهم على الدين ومعرفتهم بالله تعالى" (١). قوله تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: قالوا: "نعبد معبودك الذي تعبده، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق" (٢). قال أبو حيان: أي" الإله الذي دل عليه وجود آبائك، وهذا إشارة إلى الاستدلال" (٣). قال ابن عباس: " ﴿نعبد﴾، يعني نوحّد" (٤). قال أبو العالية: "فسمى عمه أباه" (٥). قال موسى بن عبيدة: "سمعت محمد بن كعب يقول: الخال والد، والعم والد: ﴿قال ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾، إلى آخر الآية" (٦). و(الإله): هو"الذي يستحق أن يكون معبودا، قال ابن منظور: (أله) الإلَهُ الله وكل ما اتخذ من دونه معبوداً إلَهٌ عند متخذه والجمع آلِهَةٌ والآلِهَةُ الأَصنام سموا بذلك لاعتقادهم أَن العبادة تَحُقُّ لها وأَسماؤُهم تَتْبَعُ اعتقاداتهم لا ما عليه الشيء في نفسه" (٧). وقال أبو منصور الأزهري: " قال الليث بلغنا أن اسم الله الأكبر هو الله لا إله إلا هو وحده ... والتأله التعبد" (٨). وقال الزنجاني: " أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وقولنا الله أصل هذا الاسم "إله" على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود فلما أدخل عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام"، والتأله التعبد" (٩). وقال أبو الحسين بن فارس: " أله الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله "الله" تعالى وسمي بذلك لأنه معبود ويقال تأله الرجل إذا تعبد قال رؤبة (١٠): للهِ دَرُّ الغانِيات المُدَّهِ ... سَبَّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِن تَأَلُّهِي" (١١) يعني: من تعبدي وطلبي اللهَ بعملي. وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، في موضع خفض على البدل، ولم تنصرف لأنها أعجمية. قال الكسائي: وإن شئت صرفت "إسحاق" وجعلته من السحق، وصرفت "يعقوب" وجعلته من الطير. وسمى الله كل واحد من العم والجد أبا (١٢)، وبدأ بذكر الجد ثم إسماعيل العم لأنه أكبر من إسحاق (١٣).

стр. 1005

قال الشيخ ابن عثيمين: " ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ جمع أب؛ ثم بينوا الآباء بقولهم: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق﴾؛ (إِبْرَاهِيمَ) بالنسبة إلى يعقوب جدّ؛ و (إِسْمَاعِيلَ) بالنسبة إليه عم؛ و (َإِسْحَاق) بالنسبة إليه أب مباشر؛ أما إطلاق الأبوة على إبراهيم، وعلى إسحاق فالأمر فيه ظاهر؛ لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده؛ والجد أب؛ بل قال الله لهذه الأمة: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]؛ وهي بينها وبين إبراهيم عالَم؛ لكن الإشكال في عدِّهم إسماعيل من آبائه مع أنه عمهم؛ فيقال كما قال النبي ﷺ لعمر ﵁: "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" (١)؛ و (الصنو) الغصنان أصلهما واحد؛ فذُكر مع الآباء؛ لأن العم صنو الأب؛ وكما قال الرسول ﷺ : "الخالة بمنزلة الأم" (٢)؛ كذلك نقول: العم بمنزلة الأب" (٣). وقيل: "إن هذا من باب التغليب، وأن الأب لا يطلق حقيقة على العم إلا مقروناً بالأب الحقيقي؛ وعلى هذا فلا يكون فيها إشكال إطلاقاً؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: (القمران)؛ والمراد بهما الشمس، والقمر؛ ويقال: (العُمَرانِ)؛ وهما أبو بكر، وعمر" (٤). قوله تعالى: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣]، أي: "نُوَحِّدُه بالألوهية، ونخلص له في العبادة، ولا نشرك به شيئا" (٥). ويحتمل انتصاب قوله ﴿إِلَهًا﴾ [البقرة: ١٣٣]، من وجهين (٦): أحدهما: أنه بدل من ﴿إِلَهَكَ﴾، بدل النكرة من المعرفة، وكرره لفائدة الصفة بالوحدانية. قال الزجاج: " وتكون الفائدة من هذا البدل ذكر التوحيد، فيكون المعنى نعبد إِلهاً واحداً" (٧). والثاني: وقيل: ﴿إلها﴾ حال، "كأنهم قالوا نعبد: إلهك في حال وحدانيته" (٨). قال ابن عطية: وهو قول حسن، لأن الغرض إثبات حال الوحدانية (٩). واختلفت القراءة في قوله تعالى: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجوه: أحدها: ﴿وَإِلهَ آبائِكَ﴾.على الجمع، وهي قراءة الجمهور، وقالوا: عم الرّجل صنو أبيه. الثاني: وقرأ أبي: ﴿إلهك وإله إبراهيم وإسماعيل﴾ (١٠). الثالث: ﴿وإله أبيك﴾: قرأ بها الحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وأبو رجاء العطاردي، وفيه وجهان (١١): أحدهما: أن يكون أفرد وأراد إبراهيم وحده، وكره أن يجعل إسماعيل أبا لأنه عم. قال النحاس: وهذا لا يجب، لأن العرب تسمي العم أبا. والثاني: على مذهب سيبويه أن يكون (أبيك) جمع سلامة، حكى سيبويه أب وأبون وأبين، كما قال الشاعر (١٢):

стр. 1006

فقلنا أسلموا إن أخوكم ... فقد برئت من الإحن الصدور وقال آخر (١): فلما تبين أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا والراجح من القراءة ﴿وإله آبائك﴾، وعليها إجماع القراء. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، "أي ونحن له وحده مطيعون خاضعون" (٢). قال ابن عثيمين: " أي منقادون لأمر هذا الإله الواحد ، وشرعه" (٣). قال ابن عطية: " أي كذلك كنا نحن ونكون" (٤). قال الزمخشري: " أى ومن حالنا، أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون" (٥). واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، على وجوه: (٦): أحدها: أن المعنى: ونحن له مطيعون خاضعون، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وسلم﴾ [آل عمران: ٨٣]، والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوّعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله ﷺ : "نحن مَعْشَرَ الأنبياء أولاد عَلات ديننا واحد" (٧) (٨). الثاني: ويحتمل قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، أن تكون بمعنى الحال (٩)، كأنهم قالوا: نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه. الثالث: وقيل يحتمل أن يكون خبرا مستأنفا، فيكون بمعنى: نعبد إلهك بعدك، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون. وهذا اختيار ابن عطية (١٠). والأولى أن يفسر بمعنى: "نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، مسلمين لعبادته" (١١). والله تعالى أعلم. الفوائد: ١ - أن التوحيد وصية الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾. ٢ - ومنها: أن الموت حق حتى على الأنبياء؛ قال الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤].

стр. 1007

٣ - ومنها: جواز الوصية عند حضور الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك﴾؛ وهذا كالوصية لهم؛ ولكنه يشترط أن يكون الموصي يعي ما يقول؛ فإن كان لا يعي ما يقول فإنه لا تصح وصيته. ٤ - ومنها: رجحان القول الصحيح بأن الجدّ أب في الميراث؛ لقوله تعالى: ﴿آبائك إبراهيم﴾. ٥ - ومنها: أنه يجوز إطلاق اسم الأب على العم تغليباً؛ لقوله تعالى: ﴿وإسماعيل﴾. ٦ - ومنها: أن أبناء يعقوب كانوا على التوحيد، حيث قالوا: ﴿نعبد إلهك وإله آبائك﴾؛ وهذا لا شك توحيد منهم. ٧ - ومنها: أن النفوس مجبولة على اتباع الآباء؛ لكن إن كان على حق فهو حق؛ وإن كان على باطل فهو باطل؛ لقولهم: ﴿وإله آبائك﴾؛ ولهذا الذين حضروا وفاة أبي طالب قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب. ٨ - ومنها: أهمية التوحيد، والعناية به؛ لقوله تعالى: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾. ٩ - ومنها: أن العبادة والألوهية معناهما واحد؛ لكن العبادة باعتبار العابد؛ والألوهية باعتبار المعبود؛ ولهذا كان أهل العلم يسمون التوحيد توحيد العبادة؛ وبعضهم يقول: توحيد الألوهية. ١٠ - ومنها: إخلاص الإسلام لله، حيث قال تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾؛ وجه الإخلاص: تقديم المعمول في ﴿له﴾؛ لأنه متعلق بـ ﴿مسلمون﴾؛ فهو معمول له؛ وقد عُلم أن تقديم المعمول يفيد الحصر. ١١ - ومنها: إثبات الوحدانية لله في قوله تعالى: ﴿إلهاً واحداً﴾. ١٢ - ومنها: "أن شفقة الأنبياء ﵈ على أولادهم كانت في باب الدين وهمتهم مصروفة إليه دون غيره" (١). القرآن ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤] التفسير: تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم، ولكم أعمَالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم، وكلٌّ سيجازى بما فعله، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفعُ أحدًا إلا إيمانُه وتقواه. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، " أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى" (٢). أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: " ﴿تلك﴾، يعني" هذه" (٣). قال أبو العالية (٤)، والربيع (٥)، وقتادة (٦): " ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط" (٧). قال البيضاوي: " يعني إبراهيم ويعقوب وبينهما" (٨). قال ابن عثيمين: " المشار إليه إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن سبق؛ وكان اليهود يجادلون النبي ﷺ في هؤلاء؛ فبين الله تعالى أن هذه أمة قد مضت" (٩). قال ابن كثير: " ولهذا جاء، في الأثر: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" (١٠) (١١).

стр. 1008

قال الطبري: " وإنما قيل للذي قد مات فذهب: (قد خلا)، لتخليه من الدنيا وانفراده، عما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه، وأصله من قولهم: (خلا الرجل)، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه، وانفرد من الناس. فاستعمل ذلك في الذي يموت، على ذلك الوجه" (١). قال البيضاوي: " و (الأمة) في الأصل: المقصود، وسمي بها الجماعة، لأن الفرق تؤمها" (٢). و(الأمة) هنا بمعنى طائفة؛ وتطلق في القرآن على عدة معانٍ (٣): المعنى الأول: "الطائفة والقرن من الناس" (٤)، كما هنا. المعنى الثاني: الحقبة من الزمن، مثل قوله تعالى: ﴿وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] يعني: بعد حقبة من الزمن. المعنى الثالث: الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ [النحل: ١٢٠]. والمعنى الرابع: الطريق، والملة، مثل قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة﴾ [الزخرف: ٢٢]. قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، " أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم" (٥). قال سعيد: " يعني ما عملت من خير أو شر" (٦). قال الثعلبي: أي: " من الدين والعمل" (٧). قال ابن كثير: "أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعهُ عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم" (٨). قال البيضاوي: أي" لكل أجر عمله، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم، كما قال ﵊: «لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» (٩) " (١٠). قال النسفي: " أي إن أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدماً كان أو متأخراً، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم وذلك لافتخارهم بآبائهم" (١١). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]، أي "لا تُسألون عن أعمال من سبقكم" (١٢). قال النسفي: أي: " ولا تؤاخذون بسيئاتهم" (١٣).

стр. 1009

قال ابن عثيمين: " لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم" (١). قال القرطبي: "أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى" (٢). قال الثعلبي: " وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم" (٣). قال البيضاوي: " أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (٤). قال الصابوني: " أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء" (٥). قال القاسمي: " أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد ﷺ فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم" (٦). قال ابن عاشور: " والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ تمهيد لقوله: ﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب" (٧). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: ﴿لها ما كسبت﴾ يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق. ٢ - الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد ﵊، وتحذيرهم من مخالفته. ٣ - الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه ﵇ أنه قال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (٨). وقال الله تعالى: ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به﴾ [النساء: ١٢٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام: ١٦٤) وقال: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ (النور: ٥٤) (٩).

стр. 1010

٤ - الآية تدل على بطلان قول من يقول: الأبناء يعذبون بكفر آبائهم، وكان اليهود يقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل، وهو قوله تعالى: ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ [البقرة: ٨٠]، وهي أيام عبادة العجل فبين الله تعالى بطلان ذلك. ٥ - الآية دالة على أن العبد مكتسب وقد اختلف أهل السنة والمعتزلة في تفسير الكسب، أما أهل السنة فقد اتفقوا على أنه ليس معنى كون العبد مكتسبا دخول شيء من الأعراض بقدرته من العدم إلى الوجود (١).

стр. 1011

٦ - ومن فوائد الآية: أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً؛ لقوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت ... ﴾ الآية؛ يعني هم مضوا، وأسلموا لله؛ وأنتم أيها اليهود الموجودون في عهد الرسول ﷺ عليكم أن تنظروا ماذا كسبتم لأنفسكم. ٧ - ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي لنا أن نسكت عما جرى بين الصحابة؛ لأنا نقول كما قال الله لهؤلاء: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾ فنحن معنيون الآن بأنفسنا؛ ويُذكر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه سئل عما جرى بين الصحابة، فقال لهم: «هذه دماء طهر الله سيوفنا منها؛ فنحن نطهر ألسنتنا منها»؛ هذه كلمة عظيمة؛ فعلى هذا النزاع فيما جرى بين معاوية، وعلي بن أبي طالب، وعائشة، وما أشبه ذلك لا محل له؛ لكن الذي يجب أن نعتني به حاضر الأمة؛ هذا الذي يجب أن يبين فيه الحق، ويبطَل فيه الباطل؛ ونقول: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]. ٨ - ومن فوائد الآية: أن الإنسان وعملَه؛ لقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت ولكم ما كسبتم﴾؛ فلا أحد يعطى من عمل أحد، ولا يؤخذ منه؛ قال تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. ٩ - ومنها: أن الآخِر لا يُسأل عن عمل الأول؛ ولكن الأول قد يُسأل عن عمل الآخر، كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار﴾ [القصص: ٤١]؛ فقد يكون الأول صاحب بدعة، ويُتَّبَع على بدعته؛ فيكون دالاً على ضلالة؛ فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة؛ لكن الآخر لا يسأل عن عمل الأول؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)؛ وفي لفظ: «فتؤذوا الأحياء» (٢).

стр. 1012

٩ - ومن فوائد الآية: إثبات عدل الله ، وأنه لا يؤاخذ أحداً بما لم يعمله؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾. ١٠ - ومنها: إثبات السؤال، وأن الإنسان سيُسأل؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تسألون عما كانوا يعملون﴾؛ منطوق الآية: نفي السؤال عن عمل الغير؛ ومفهومها: ثبوت السؤال عن عمل العامل، وأنه مسؤول عن العمل. القرآن ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥] التفسير: وقالت اليهود لأمَّة محمد ﷺ : ادخلوا في دين اليهودية تجدوا الهداية، وقالت النصارى لهم مثل ذلك. قل لهم -أيها الرسول-: بل الهداية أن نتبع- جميعًا- ملة إبراهيم، الذي مال عن كل دين باطل إلى دين الحق، وما كان من المشركين بالله تعالى. في سبب نزول الآية وجهان: أحدهما: أخرج الطبري عن ابن عباس قال: "قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه! فاتبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله فيهم: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " (١). وذكره الثعلبي (٢)، والواحدي مطولا (٣). الثاني: قال مقاتل بن سليمان: " أن رءوس اليهود كعب ابن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبا ياسر بن أخطب، ومالك بن الضيف، وعازارا، وإشماويل، وخميشا، ونصارى نجران السيد والعاقب، ومن معهما قالوا للمؤمنين: كونوا على ديننا فإنه ليس دين إلا ديننا فكذبهم الله- تعالى- فقال: قل بل الدين ملة إبراهيم يعني الإسلام" (٤). قال الإمام الطبري: "احتج الله لنبيه محمد ﷺ أبلغ حجة وأوجزها وأكملها، وعلمها محمدا نبيه ﷺ فقال: يا محمد، قل - للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: " كونوا هودا أو نصارى تهتدوا " -: بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به - فإن دينه كان الحنيفية المسلمة - وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا. فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم" (٥). قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: " وقالت اليهود لمحمد ﷺ وأصحابه من المؤمنين: كونوا هودا تهتدوا؛ وقالت النصارى لهم: كونوا نصارى تهتدوا" (٦). قال ابن أبي زمنين: " قالت اليهود: كونوا يهوداً تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا" (٧). قال ابن عطية: هذا" نظير قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] " (٨). وقوله ﴿تَهْتَدُوا﴾، أي: "تصيبوا طريق الحق" (٩).

стр. 1013

قوله تعالى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: " قل يا محمد، بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما" (١). قال الثعلبي: " أي بل نتبع ملّة إِبْراهِيمَ" (٢). قال البيضاوي: " أي بل نكون ملة إبراهيم" (٣). قال الزجاج: أي: " بل نتبع ملة إِبراهيم في حال حنيفَتِه" (٤). قال ابن أبي زمنين: " أي: قل يا محمد، بل نكون على ملة إبراهيم" (٥). قال أبو السعود: " أي لا نكون كما تقولون بل نكون أهلَ ملتِه ﵇ " (٦). قال الصابوني: "أي قل لهم يا محمد بل نتّبع ملة الحنيفية السمحة وهي ملة إِبراهيم حال كونه مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم" (٧). وفي اتنصاب قوله: ﴿ملة﴾ [البقرة: ١٣٥]، أربعة أقوال (٨): الأول: لأنه عطف في المعنى على قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وتقديره قالوا: اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم. الثاني: على حذف فعل مضمر، تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم. الثالث: أن يكون أريد: بل نكون أصحاب ملة إبراهيم، أو أهل ملة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] أي أهلها، ومن ذلك قول الشاعر (٩): حسبت بغام راحلتي عناقا! ... وما هي، ويب غيرك، بالعناق يعني: صوت عناق. فتكون الـ ﴿ملة﴾، حينئذ منصوبة، عطفا في الإعراب على ﴿اليهود والنصارى﴾. الرابع: وقد يجوز النصب على الإغراء (١٠)، والتقدير: بل اتبعوا ملة إبراهيم. وقرأ الأعرج: ﴿ملةُ إبراهيم﴾، بالرفع أي ملته ملتنا، أو ديننا ملة إبراهيم، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبرا (١١). وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، لأهل اللغة فيه قولان (١٢):

стр. 1014

الأول: أن الحنيف هو المستقيم. قال الطبري: " (الحنيف)، فإنه المستقيم من كل شيء" (١). ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلا بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف (٢). الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال. واختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، على أقوال (٣): أحدها: أن الحنيفية حج البيت، والحنيف هو الحاج. وهذا قول ابن عباس (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، وعطية (٧)، وكثير بن زياد (٨)، وعبدالله بن قاسم (٩)، والضحاك (١٠)، والسدي (١١). وقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم الإسلام (الحنيفية)، لأنه أول إمام لزم العباد - الذين كانوا في عصره، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة - اتباعه في مناسك الحج، والائتمام به فيه. قالوا: فكل من حج البيت فنسك مناسك إبراهيم على ملته، فهو (حنيف)، مسلم على دين إبراهيم" (١٢). والثاني: أنها اتباع الحق، قاله مجاهد (١٣)، والربيع بن أنس (١٤). والثالث: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام. فقالوا: "إنما سمي دين إبراهيم (الحنيفية)، لأنه أول إمام سن للعباد الختان، فاتبعه من بعده عليه. قالوا: فكل من اختثن على سبيل اختتان إبراهيم، فهو على ما كان عليه إبراهيم من الإسلام، فهو " حنيف " على ملة إبراهيم" (١٥). والرابع: أنها: (الإخلاص): وقوله ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا﴾، معناه: (بل ملة إبراهيم مخلصا)، فـ (الحنيف) " على قولهم: المخلص دينه لله وحده (١٦)، قاله السدي (١٧)، ومقاتل بن سليمان (١٨)، وخصيف (١٩). والخامس: وقيل: (الحنيفية) الإسلام. فكل من ائتم بإبراهيم في ملته فاستقام عليها، فهو (حنيف). قال القفال: "وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇" (٢٠).

стр. 1015

والسادس: أن الحنيف: المستقيم. قاله محمد بن كعب (١)، وروي عن عيسى بن جارية (٢) مثله. السابع: أن الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. قاله أبو قلابة (٣). الثامن: أن الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلا. قاله أبو العالية (٤). التاسع: أن الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات، والعمات، وما حرم الله ، والختان. وكانت حنيفة في الشرك: كانوا أهل الشرك، وكانوا يحرمون في شركهم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وكانوا يحجون البيت، وينسكون المناسك. قاله قتادة (٥). والصواب: أن (الحنيفية) هو الإستقامة على دين إبراهيم واتباعه على ملته، قال الإمام الطبري: " وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت، لوجب أن يكون الذين كانوا يحجونه في الجاهلية من أهل الشرك كانوا حنفاء. وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفا بقوله: ﴿ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]، فكذلك القول في الختان. لأن " الحنيفية " لو كانت هي الختان، لوجب أن يكون اليهود حُنفاء. وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [سورة آل عمران: ٦٧]. فقد صحّ إذًا أن " الحنيفية " ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيت وحده، ولكنه هو ما وصفنا: من الاستقامة على ملة إبراهيم، واتباعه عليها، والائتمام به فيها. فإن قال قائل: أوَ ما كان مَنْ كان من قبل إبراهيم ﷺ ، من الأنبياء وأتباعهم، مستقيمين على ما أمروا به من طاعة الله استقامةَ إبراهيم وأتباعه؟ قيل: بَلى. فإن قال: فكيف أضيف " الحنيفية " إلى إبراهيم وأتباعه على ملته خاصة، دون سائر الأنبياء قبله وأتباعهم؟ قيل: إنّ كل من كان قبل إبراهيم من الأنبياء كان حنيفًا متّبعًا طاعة الله، ولكن الله تعالى ذكره لم يجعل أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عباده إلى قيام الساعة، كالذي فعل من ذلك بإبراهيم، فجعله إمامًا فيما بيّنه من مناسك الحج والختان، وغير ذلك من شرائع الإسلام، تعبُّدًا به أبدًا إلى قيام الساعة. وجعل ما سنّ من ذلك عَلَمًا مميّزًا بين مؤمني عباده وكفارهم، والمطيعِ منهم له والعاصي. فسمِّي الحنيفُ من الناس " حنيفًا " باتباعه ملته، واستقامته على هديه ومنهاجه، وسُمِّي الضالُّ من ملته بسائر أسماء الملل، فقيل: " يهودي، ونصرانيّ، ومجوسيّ "، وغير ذلك من صنوف الملل" (٦). وفي انتصاب قوله: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]، وجهان (٧): أحدهما: أنه نصب على الحال من إبراهيم. قاله الزجاج (٨). الثاني: أنه نصب على القطع، أراد: بل ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب، قاله نحاة الكوفة. قال الزجاج: " ويجوز الرفع ﴿بل ملةُ إِبراهيم حنيفاً﴾، والأجود والأكثر: النصب، ومجاز الرفع على معنى: قل ملتُنا ودينُنُا ملة إبراهيم" (٩). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: " وما كان إِبراهيم من المشركين" (١٠).

стр. 1016

قال مقاتل: " يعني من اليهود والنصارى" (١). قال الطبري: أي: " إنه لم يكن ممن يدين بعبادة الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهود ولا من النصارى، بل كان حنيفًا مسلمًا" (٢). قال البيضاوي: " تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون" (٣). قال ابن عطية: " ونفى عنه الإشراك، فانتفت عبادة الأوثان واليهودية لقولهم: عزير ابن الله، والنصرانية لقولهم: المسيح ابن الله" (٤). قال ارازي: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، "تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وذلك شرك" (٥). الفوائد: ١ - من فوائد الآية: أن أهل الباطل يدْعون إلى ضلالهم، ويدَّعون فيه الخير؛ ﴿كونوا هوداً أو نصارى هذه دعوة إلى ضلال؛ ﴿تهتدوا﴾: ادعاء أن ذلك خير؛ وهكذا أيضاً قد ورث هؤلاء اليهود من ضل من هذه الأمة، كأهل البدع في العقيدة، والقدر، والإيمان - الذين ادعوا أنهم على حق، وأن من سلك طريقهم فقد اهتدى؛ قال النبي ﷺ : «لتركبن سَنن من كان قبلكم» (٦). ٢ - ومن فوائد الآية: أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود، والنصارى؛ دعاة السفور الآن يقولون: اتركوا المرأة تتحرر؛ اتركوها تبتهج في الحياة؛ لا تقيدوها بالغطاءِ، وتركِ التبرج، ونحو ذلك؛ أعطوها الحرية؛ وهكذا كل داع إلى ضلالة سوف يطلي هذه الضلالة بما يغر البليد فهو شبيه باليهود، والنصارى. ٣ - ومنها: مقابلة الباطل بالحق؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾؛ إذ لابد للإنسان من أن يسير على طريق؛ لكن هل هو حق، أو باطل؟ ! بين الله أن كل ما خالف الحق فهو باطل في قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٤ - ومنها: الثناء على إبراهيم ﵇ من وجوه ثلاثة: أولاً: إمامته؛ ووجهها: أننا أمرنا باتباعه؛ والمتبوع هو الإمام. ثانياً: أنه حنيف؛ والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام. ثالثاً: أنه ليس فيه شرك في عمله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. ٥ - ومن فوائد الآية: أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء؛ لقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾. ٦ - ومنها: أن ملة إبراهيم ﵇ أفضل الملل؛ وهي التوحيد، والحنيفية السمحة؛ لقوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفاً﴾. ٧ - ومنها: أن اليهودية والنصرانية نوع من الشرك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ في مقابل دعوتهم إلى اليهودية والنصرانية يدل على أنهما نوع من الشرك؛ كل من كفر بالله ففيه نوع من الشرك؛ لكن إن اتخذ إلهاً فهو شرك حقيقة، وواقعاً؛ وإلا فإنه شرك باعتبار اتباع الهوى.

стр. 1017

٨ - قد ذكر الرازي- من خلال تفسيره للآية -أنواعا من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام منها: حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾ ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة: بأنه ذكر جوابا إلزاميا وهو قوله: ﴿قل بل ملة إبراهيم حنيفا﴾ وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم ﵇ وترك اليهودية والنصرانية أولى. فإن قيل: أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم ﵇. قلنا: لما ثبت أن إبراهيم كان قائلا بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم ﵇، وأن محمدا ﵇ لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم (١). القرآن ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦] التفسير: قولوا -أيها المؤمنون- لهؤلاء اليهود والنَّصارى: صدَّقنا بالله الواحد المعبود بحق، وبما أنزل إلينا من القرآن الذي أوحاه الله إلى نبيه ورسوله محمد ﷺ ، وما أنزل من الصحف إلى إبراهيم وابنيه إسماعيل وإسحاق، وإلى يعقوب والأسباط -وهم الأنبياء مِن ولد يعقوب الذين كانوا في قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة- وما أُعطي موسى من التوراة، وعيسى من الإنجيل، وما أُعطي الأنبياء جميعًا من وحي ربهم، لا نفرق بين أحد منهم في الإيمان، ونحن خاضعون لله بالطاعة والعبادة. في سبب نزول الآية أقوال (٢): أحدها: قال ابن عباس قال: "أتى رسول الله ﷺ نَفرٌمن يهود، فيهم أبو ياسر بن أخطب، ورافع بن أبي رافع، وعازر، وخالد، وزيد، وأزار بن أبي أزار، وأشْيَع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وَمَا أنزلَ إلينا وما أنزلَ إلى إبرَاهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوب والأسباط، ومَا أوتي مُوسى وعيسى وَمَا أوتي النبيون من رَبهم لا نُفرّق بين أحد منهم ونحن له مُسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به. فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٥٩] " (٣). الثاني: وقال قتادة: ﴿قُولُوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم﴾ إلى قوله: ﴿ونَحنُ له مسلمون﴾، أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا ويصدقوا بأنبيائه ورسله كلهم، ولا يفرِّقوا بين أحد منهم" (٤). الثالث: وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبْرَانيَّة ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تُكَذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا" (٥).

стр. 1018

وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يَسار عن ابن عباس، قال، كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلى الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] " (١) " (٢). قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، "أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله" (٣). قال مقاتل: " بأنه واحد لا شريك له" (٤). قال الطبري: "أي: قولوا أيها المؤمنون، لهؤلاء اليهودِ والنصارَى-الذين قالوا لكم كونوا هُودًا أو نصارى تَهتدوا " -: صدَّقنا بالله. قال الشيخ السعدي: " فقوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بأنه موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدم الإشراك به في شيء منها، بوجه من الوجوه" (٥). قال البيضاوي: " الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ﴾ " (٦). قال ابن عطية: " هذا الخطاب لأمة محمد ﷺ ، علمهم الله الإيمان" (٧). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: صدّقنا بالكتاب الذي أنزل الله إلى نبيّنا محمد ﷺ " (٨). قال مقاتل بن سليمان: " يعني قرآن محمد- ﷺ " (٩). قال الصابوني: أي: وآمنا بما "أنزل إِلينا من القرآن العظيم" (١٠). قال ابن عطية: " يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون المنهيون فيه" (١١). قال الطبري: " فأضاف الخطاب بالتنزيل إليهم، إذ كانوا متّبعيه، ومأمورين منهيين به (١٢). قال السعدي: "فقوله ﴿وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا﴾: يشمل القرآن والسنة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، من صفات الباري، وصفات رسله، واليوم الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية، وأحكام الجزاء وغير ذلك (١٣). قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، "أي: صدَّقنا أيضًا وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباط " (١٤). قال الطبري: " وهم الأنبياء من ولد يَعقوب" (١٥).

стр. 1019

قال مقاتل بن سليمان: " وهم بنو يعقوب يوسف وإخوته فنزل على هؤلاء صحف إبراهيم" (١). قال البيضاوي: "وهي-أي الصحف- وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضاً منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا" (٢). قال الصابوني: " أي وآمنا بما أنزل إِلى إِبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبديون بها وكذلك حفدة إِبراهيم وإِسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم" (٣). قال ابن عطية: أي" إنا نؤمن بجميع الأنبياء، لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع" (٤). واختلف في قوله تعالى: ﴿الْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، على وجهين (٥): احدها: أن (السبط) في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، و (الأسباط): القبائل من اليهود، سموا بذلك، ليفرق بين ولد إسماعيل الذين يقال لهم: قبائل، وولد إسحاق الذين يقال لهم: أسباط (٦). وهذا قول أبي عبيدة وجماعة من العلماء (٧). الثاني: أن (الأسباط) جمع (سِبْط) -بكسر السين وسكون الباء-: ابن الابن، أي: الحفيد، والمراد أسباط إسحاق، أي: أولاد يعقوب، وهم الذين تشعبت منهم قبائل بني إسرائيل، وسمّوا بذلك؛ لأنه وُلِد لكل رجل منهم أمة من الناس فسموا بذلك (٨). وهذا قول أبي العالية (٩)، وقتادة (١٠)، والربيع بن أنس (١١)، والسدي (١٢)، واختاره الثعلبي (١٣) والزجاج (١٤)، وآخرون (١٥). قال الثعلبي: " وسبط الرّجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين ﵉ سبطا رسول الله ﷺ " (١٦). وقال الزمخشري: "السبط: الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول اللَّه ﷺ ، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ حفدة يعقوب ذرارىّ أبنائه الاثني عشر" (١٧).

стр. 1020

قال الحافظ ابن حجر: الأسباط: " اسم إخوة يوسف: رُوْبِيْل بضم الراء وسكون الواو وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام وهو أكبرهم، وشمعون بالشين المعجمة، ولاوي، ويهوذا، وداني، ونفتالي بفاء ومثناة، وكاد، وأشير، وأيساجر، ورايلون، وبنيامين (١)، وهم الأسباط" (٢). وقد اختلف في (الأسباط) هل كان فيهم أنبياء، وفيه قولان: أحدهما: أنه كان فيهم أنبياء (٣). والثاني: أنه لم يكن فيهم نبيّ. والراجح أنه كان فيهم أنبياء، يدل عليه ظاهر هذه الآية، وقوله تعالى ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [آل عمران: ٨٤] وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهذه الآيات تدل على نبوة الأسباط إذ عطفهم في نسق واحد على الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، ولا يوجد ما يمنع هذا الظاهر لغة أو شرعاً حتى يقال إن الأسباط في هذه الآيات قبائل بني إسرائيل وأن هناك حذفاً تقديره: أنبياء الأسباط أو نحو ذلك، على أن القول بوجود حذف خلاف الأصل. أما ما قيل: من أن كيد إخوة يوسف ليوسف يتنافى مع القول بنبوتهم، فيقال: ذاك قبل النبوة، بل قد قيل إنه قبل البلوغ، والعصمة للأنبياء إنما تكون بعد الإيحاء إليهم على الصحيح، على أن ظواهر النصوص الثابتة لا ينبغي ردها بمثل ذلك. أما ما قيل من أنه لم تأت نصوص صحيحة تثبت نبوتهم، فيقال إن ظواهر تلك الآيات كاف في ذلك، ولابد من القول بها حتى تأتي نصوص صحيحة صريحة تفيد عدم نبوتهم، فيلجأ عندها إلى القول بالحذف ونحوه جمعاً بين النصوص وإعمالاً لها كافة، أما هكذا فلا. وأما قوله- -عن بني إسرائيل في زمن موسى ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] فالمراد به قبائل بني إسرائيل المنحدرة من أبناء يعقوب ﵈، ولا يوجد مانع يمنع أن يراد بلفظ في سياق معنى، ويراد به في سياق آخر معنى آخر، والله أعلم. و﴿الأسباط﴾: مشتق من السبط، وهو ضرب من الشجر، يعلفه الإبل، كأنه جعل إسحاق بمنزلة شجرة، وكذلك يفعل النسابون في النسب، يجعلون الوالد بمنزلة الشجرة، ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها (٤). وقال أبو العباس: "سألت ابن الأعرابي، ما معنى (السبط)، في كلام العرب؟ فقال: السِّبط والسِّبطان والأسباط: خاصة الأولاد، أو المُصاص منهم" (٥) قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦]، أي: "وآمنا أيضًا بالتوراة التي آتاها الله موسى، وبالإنجيل الذي آتاه الله عيسى، والكتب التي آتى النبيين كلهم" (٦). قال مقاتل: " ﴿وما أوتي موسى﴾، يعني التوراة (و) ﴿ما أوتى عيسى﴾، يعني: الإنجيل، يقول ما أنزل على موسى وعيسى وصدقنا وما أوتي النبيون من ربهم وأوتي داود وسليمان الزبور" (٧). قال الطبري: أي" وأقرَرنا وصدّقنا أن ذلك كله حَق وهُدى ونور من عند الله، وأن جَميع من ذكر الله من أنبيائه كانوا على حق وهدى، يُصدِّق بعضهم بعضًا، على منهاج واحد في الدعاء إلى توحيد الله، والعمل بطاعته" (٨).
следующие страницы →